كلمة منفعة
كثير من الناس يؤمنون بالله ظاهريًا. مجرد إيمان عقلي ومن الناحية العملية لا وجود لهذا الإيمان.
— حياة الإيمان
سفر صموئيل ثاني 15
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس عشر
الأصحاح الخامس عشر
عقوق أبشالوم
عاد أبشالوم إلى أورشليم ليس من أجل شوقه لصفح أبيه عن قتله لأخيه أمنون، ولا حبًا في والده، وإنما ليهيئ الطريق لنفسه كي يغتصب المُلك من والده مهما كلفه الأمر.
١. أبشالوم يعد الطريق لنفسه [١].
٢. أبشالوم يمالئ الشعب [٢-٦].
٣. المناداة به ملكًا [٧-١٢].
٤. هروب داود ورجاله [١٣-١٧].
٥. هروب أتاي الجثي [١٨-٢٣].
٦. بقاء التابوت في أورشليم [٢٤-٢٩].
٧. رجوع حوشاي الأركي [٣٠-٣٧].
١. أبشالوم يعد الطريق لنفسه:
"وكان بعد ذلك أن أبشالوم اتخذ مركبة وخيلاً وخمسين رجلاً يجرون قدامه" [١].
يكشف هذا التصرف عن هدف أبشالوم من العودة إلى أورشليم، فقد حمل في داخه لهيب نار محبة المجد الباطل، تصالح مع والده لا لينال رضاه، ولا ليُقابل حبه الأبوي بالحب البنوي الخالص، وإنما ليخطط كي يغتصب منه العرش بروح العجرفه والعقوق، مظهرًا نفسه كرجل عظيم يستخدم مركبة ملوكية وخيلاً ويجري أمامه خمسون رجلاً.
لقد أعد الله لداود المُلك خلال الضيق والتعب لسنوات طويلة أما أبشالوم فهيأ نفسه للمُلك خلال المظاهر الخارجية والمجد الباطل. فقد تعلم من جده تلماي بن عميهود ملك جشور (١٣: ١٧) استخدام المركبة الملوكية والخيل وجري الرجال أمامه الأمر الذي سبق فحذر صموئيل النبي منه الشعب حينما طلبوا لأنفسهم ملكًا كسائر الأمم قائلاً لهم: "يأخذ بنيكم ويجعلهم لنفسه لمراكبه وفرسانه فيركضون أمام مراكبه" (١ صم 8: 11).
هكذا اقتدى أبشالوم بملوك الأمم في العظمة بينما كان والده يمتطي بغلاً في بساطة مظهر واتضاع، وقد وجدت المظاهر الخارجية مع جمال أبشالوم الجسدي هوى لدى الكثيرين فزادت شعبيته، وحسبه البعض أولى بهذا المركز القيادي.
كان أبشالوم يجري وراء المجد الباطل ليستلم العرش ولم يدري أنه إنما يجري وراء هلاكه الروحي والجسدي أيضًا، ليفقد أبديته كما حياته الزمنية.
يحدثنا الآباء عن أهمية الاتضاع كطريق للمجد وخطورة المجد الباطل:
v كن وضيعًا في عيني نفسك فترى مجد الله في داخلك.
حيث ينبت الاتضاع هناك يتفجر مجد الله.
إن جاهدت لكي يستهين بك كل بشر، فالله يمجدك.
إن كان لك اتضاع في قلبك، فسيظهر الله لك مجده في قلبك.
كن مزدري في عظمتك ولا تكن عظيمًا في تفاهتك...
لا تطلب أن تكون مكرمًا بينما داخلك مملوء جراحات.
أرفض الكرامة فتصير مكرمًا ولا تحبها فلا تُهان.
من يطلب الكرامة تهرب منه، ومن يهرب من الكرامة تطارده، ويعلن كل بشر عن اتضاعه.
v اهرب من المجد الباطل فتتمجد، خف من الكبرياء فتتعظم.
مار اسحق السرياني[86]
v إنني أثق أن العمل الروحي البسيط حين نمارسه باتضاع، فإنه يبلغ بنا أن نكون مع القديسين الذين جاهدوا كثيرًا وصاروا خدامًا حقيقيين لله.
v يوجد طريق حقيقي للنمو: بالنمو في الاتضاع يبلغ الإنسان المجد الإلهي الحقيقي.
الأب دوروثيوس[87]
٢. أبشالوم يمالئ الشعب:
لكي يسحب أبشالوم الكرسي من تحت والده لم يقف عند اهتمامه بجماله الجسدي ومظاهر الأبهة والعظمة وإنما في خداع صار يمالئ الشعب. كان يبكر ويقف بجانب طريق باب المدينة ليمنع المتقاضين من الوصول إلى موضع اجتماع أبيه؛ يُعطي اهتمامًا لكل شخص فيسأله عن مدينته وسبطه، ليقول له في خداع دون فحصه لقضيته: "انظر أمورك صالحة ومستقيمة، ولكن ليس من يسمع لك من قبل الملك" [٣]. هكذا يتحدث أبشالوم بذات القول للطرفين المتخاصمين لا ليقضي وإنما ليثير الكل على والده ويحثهم على إقامته هو ملكًا وقاضيًا، إذ كان يردد القول: "من يجعلني قاضيًا في الأرض فيأتي إليّ كل إنسان له خصومة ودعوى فأنصفه؟!" [٤].
في اتضاع مزيف متى أراد أحد أن يسجد له كابن ملك وولي عهد، يمد يده ويمسكه ويقبله، كأنه صديق شخصي له... بهذا استرق أبشالوم قلوب الكثيرين، أمالهم إليه ليكسب ودّهم واحترامهم وطاعتهم له حتى يقيموه ملكًا عوضًا عن أبيه.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان أبشالوم مخادعًا، يسرق كل قلوب الناس. لاحظ كيف كان عظيمًا في خداعه! قيل إنه كان يذهب ويقول: أليس من يقضي لك؟! راغبًا في أن يصالح كل أحد معه؛ أما داود فكان بلا عيب. ماذا إذن؟ أنظر إلى نهاية كل منهما. أنظر كيف كان الأول في جنون مطبق! إذ كان يتطلع فقط إلى أذية أبيه صار أعمى في كل الأمور الأخرى، أما داود فلم يكن كذلك، لأن "من يسلك بالاستقامة يسلك بأمان" (أم ١٠: ٩)، وبتعقل[88]].
٣. المناداة به ملكًا:
تم ذلك في نهاية أربعين سنة من مسح داود ملكًا على يدي صموئيل (١ صم 16: ١). يرى البعض أنه في نهاية أربعة أعوام من مصالحة أبشالوم لأبيه أعد الطريق لنفسه لكي يملك.
طلب من أبيه السماح له بالذهاب إلى حبرون ليفي نذرًا تعهد به وهو في جشور قائلا: "إن أرجعني الرب إلى أورشليم فإني أعبد الرب" (١٥: ٨). وكان ذلك على الأرجح خداعًا، لكن أباه الذي يطلب استقامة ابنه فرح جدًا أن يسمع منه أنه يريد أن يعبد الرب في حبرون بلد مولده، لذا سمح له بالذهاب بكامل حريته.
وضع أبشالوم الخطة ربما مع بعض المشيرين، وقد أحكمها تمامًا، إذ احتوت الخطوط العريضة التالية:
أ. أن يعلن توليه الحكم في حبرون أحدى مدن يهوذا التي عاش فيها داود زمانًا كملك لسبط يهوذا، وأقامها عاصمة لمملكته. في حبرون بعيدًا عن أورشليم يستطيع أبشالوم أن يجمع حوله كل الطاقات والشخصيات التي تسنده ضد والده، خاصة أن رجال يهوذا كانوا قد غضبوا لانتقال داود من حبرون إلى أورشليم.
ب. بعث أبشالوم إلى جميع الأسباط رُسلاً دعوا جواسيس لأن عملهم كان سريًا، حتى ينادي الكل به ملكًا في وقت واحد، فلا يجد داود أمامه ملجأ للهروب.
ج. أخذ أبشالوم معه مائتين من عظماء الرجال، دعاهم لأجل الذبيحة وهم لا يدرون ما ينوي عليه أبشالوم. وجودهم معه في حبرون يوحي للأسباط بأن عظماء المملكة تركوا داود لتعضيد أبشالوم، وأنهم جاءوا معه لتحقيق هذا الهدف؛ بهذا يشعر الكل أن أبشالوم يستحق المُلك عن أبيه. هذا وسحبهم إلى حبرون يغلق الباب أمام العظماء عن التشاور مع داود في أمر عقوق ابنه وفتنته، فيصيرون أمام الأمر الواقع أن يقبلوا الملك الجديد.
د. استعان أبشالوم بأخيتوفل الجيلوني [١٢]، إذ توسم فيه الرغبة مع القدرة على خيانة داود، وهو في هذا يشبه يهوذا في خيانته لسيده كما يشبهه في طريقة موته (مز 41: 9؛ يو ١3: ١8)
"جيلوه" قرية في جبال يهوذا (يش ١٥: ٥)، يحتمل أن تكون هي "خربة جعلا" الحالية، التي تبعد حوالي خمسة أميال شمال غربي حبرون[89].
هكذا أحكم أبشالوم الخطة بطريقة بشرية ولم يكن أمام داود طريق إلا الهروب أو الاستسلام فيتعرض للقتل على يدي ابنه.
٤. هروب داود ورجاله:
أدرك داود الخطر مبكرًا، ولعله تذكر خطيته وقول الرب له: "والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد لأنك احتقرتني... هأنذا أقيم عليك الشر من بيتك" (١٢: ١٠-١١).
أشفق داود على المدينة، وخشى أن يضربها أبشالوم بالسيف بسببه، لذا قال لجميع عبيده: "قوموا بنا نهرب، لأنه ليس نجاة من وجه أبشالوم. أسرعوا للذهاب لئلا يبادر ويدركنا وينزل بنا الشر ويضرب المدينة بحد السيف" [١٤].
خرج الملك وكل رجاله في اثره ووقفوا عند آخر بيت من بيوت المدينة من جهة الشرق على طريق وادي قدرون ليعبروا بين يديه...
تمررت نفس داود لخيانة ابنه له وثورته ضده، لكن قلبه امتلأ رجاء في الرب مخلصه. بروح النبوة أدرك داود أن ما حل به من خيانة أبشالوم وأخيتوفل له إنما يرمز لخيانة يهوذا للسيد المسيح.
عندما هرب داود ترنم بالمزمور الثالث:
"يارب لماذا كثر الذين يحزنونني؟!
كثيرون قاموا عليّ.
كثيرون يقولون لنفسي: ليس له خلاص بإلهه.
أنت يارب، أنت هو ناصري، مجدي، ورافع رأسي.
أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت...".
يعلق القديس أغسطينوس على هذا المزمور قائلاً:
[الكلمات "أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت، لأن الرب يعضدني" تقودنا إلى الاعتقاد بأن هذا المزمور يُفهم في شخص المسيح، فإنها تنطبق على آلام ربنا وقيامته أكثر منها على تاريخ هروب داود من وجه ابنه العاق... إذ كُتب عن تلاميذ المسيح "بنو العريس لا يصومون مادام العريس معهم" (راجع مت ٩: ١٥)، فلا نعجب إن كان ابنه العاق هنا قصد به التلميذ الذي خانه. يُفهم هروبه من أمام وجهه تاريخيًا عندما سحب السيد بقية التلاميذ إلى الجبل عند خروج الخائن، ويُفهم روحيًا عندما ترك ابن الله الذي هو قوة الله وحكمته ذهن يهوذا إذ ملأ الشيطان قلبه، يُفهم بهذا أن المسيح هرب من وجهه. لا يعني هذا أن المسيح أعطى مكانًا للشيطان، وإنما إذ تركه المسيح ملك الشيطان فيه...
هرب الحق من ذهن يهوذا عندما توقف الحق عن إنارته.
أما "أبشالوم" فكما يفسرها البعض معناها باللاتينية Patrs pax أي سلام أبيه.
يبدو من الصعب أن يُفهم "سلام أبيه" سواء في تاريخ الملوك حيث أثار أبشالوم الحرب ضد أبيه، وفي تاريخ العهد الجديد حين خان يهوذا ربنا. لكن من يقرأ بتروٍّ يرى أن داود كان في سلام مع ابنه أثناء الحرب، إذ يقول "يا ابني أبشالوم، يا ليتني متُّ عوضًا عنك" (١٨: ٣٣). وفي تاريخ العهد الجديد فإنه بطول أناة ربنا العجيبة والمدهشة احتمله كثيرًا جدًا كما لو كان إنسانًا صالحًا مع أنه لم يكن يجهل أفكاره. لقد ضمه إلى العشاء... وأخيرًا تقبل قبلته في ذات لحظات خيانته. إنه من السهل أن نفهم كيف أظهر المسيح سلامًا نحو خائنه...[90]].
٥. هروب إتاي الجتي:
عندما هرب داود من وجه شاول أقام في جت ونظم جيشًا قوامه ستمائة جندي وأقام إتاي الجتي قائدًا لهم. دام هذا الجيش معه حين صار ملكًا في حبرون وأيضًا في أورشليم، وكانوا إسرائيليين لكن دخل بينهم بعض الجتيين.
لعل من أجمل السمات التي اتصف بها داود هي عدم تفكيره في صالحه الخاص حتي في لحظات الضيق المُرّة، إذ لم يطلب تسخير الغير لحسابه. لهذا طلب من إتاي أن يبقى مع أبشالوم كملك جديد، إذ لا يُريد أن يُحمل إتاي فوق طاقته، لأنه غريب الجنس. لقد قال له: "ارجع وأقم مع الملك. لأنك غريب ومنفي أيضًا من وطنك. أمسًا جئت واليوم أتيهك بالذهاب معنا، وأنا أنطلق حيث أنطلق. ارجع ورجع إخوتك، الرحمة والحق معك" [ ١٩] الخ. لكن إتاي غريب الجنس رفض أن يترك داود وقت ضيقه، إنما تحدث معه بروح الحب والإخلاص والوفاء، متشبها في ذلك براعوث الموآبية في حديثها مع حماتها نعمى (را ١: ١٦).
أراد الله أن يُعزي قلب داود، بينما كان ابنه يخونه ويسلب ملكه طالبًا قتله، إذا بغريب الجنس يتعلق به في ضيقته ويشاركه متاعبه.
كان أبشالوم بن داود يمثل جماعة اليهود الذين من خاصة السيد المسيح وقد صمموا على جحده بعد تقديمه الخلاص على الصليب، أما إتاي فيشير إلى جماعة الأمم الذين تعلقوا بابن داود وقبلوا التغرب معه، يخرجون معه خارج المحلة ويشاركونه عاره (عب ١٣: ١٣).
إتاي المذكور هنا غير إتاي المذكور في (2 صم ٢3: ٢9، ١ أي ١1: 31) الذي من جبعة بني بنيامين، وكان أحد أبطال داود.
عبر الملك ورجاله الوادي الذي بين أورشليم وجبل الزيتون، حيث لا يكون فيه ماء إلا في فصل الشتاء. وقد عبر المسيح ذات الوادي في ليلة آلامه ليدخل بستان جثيماني (يو ١٨: ١).
٦. بقاء التابوت في أورشليم:
أراد داود النبي أن تكون كل تحركاته تحت ظل الرب نفسه كمخلص له لذا طلب من صادوق الكاهن واللاويين أن يأتوا بالتابوت حتى يعبر الشعب، وإذ تم العبور لم يقبل أن يأخذه معه خارج أورشليم بل طلب إرجاعه مؤمنًا بأن الله يسمح له بالعودة إلى حيث التابوت رمز الحضرة الإلهية إن أراد الرب.
أظهر داود تسليمًا كاملاً لحياته بين يدي الله مع شعوره بخطاياه وعدم استحقاقه، لذا رد التابوت ومعه صادوق الكاهن ومعه ابنه أخيمعص، وأبيأثار الكاهن وابنه يوناثان، حاسبًا ذلك سندًا له في أورشليم، وخشية أن يحل بالتابوت شيئًا!
أدرك أنه يمر بفترة تأديب إلهي لكنها إلى حين، أما قلبه فكان مرتبطًا بالله وبشعب الله وتابوت العهد والمدينة المقدسة أورشليم...
لقد طلب من الكاهنين أن يُرسلا إليه ابنيهما وهو متباطئ في البرية ليعرف أخبار أبشالوم ورجاله عند دخولهم المدينة.
٧. رجوع حوشاي الأركي:
صعد داود جبل الزيتون شرق مدينة أورشليم، قمته على بعد ميل منها، وكان يصعد باكيًا ورأسه مغطى ويمشى حافيًا، وجميع الشعب يتمثلون به. وإذ بلغ القمة "سجد لله" [٣٢]، فقد اعتاد أن يسجد لله ويشكره في وسط الضيقات. يقول مار اسحق السرياني: [القلب الذي يتحرك دائمًا بالشكر هو مرشد يقود لعطايا الله للإنسان[91]].
على ذات الجبل وقف رب المجد يسوع يتطلع نحو أورشليم باكيًا بسبب رفض أولادها أبوة الله ورعايته (مت ٢٣: ٣٧؛ لو ١٣: ٣٤).
مما زاد حزن داود الملك جدًا سماعه أن أخيتوفل أفضل أصدقائه يخونه، إذ هو بين الفاتنين مع أبشالوم، لذا صرخ إلى الرب أن يبدد مشورته، لأنه معروف بحكمته وتدابيره.
طلب داود من حوشاي الأركي أن يرجع لأنه شيخ لا يحتمل المشقات فيصير عبئًا على داود في تحركاته، ومن جانب آخر فإنه رجل أمين ووفي يقدر أن يبطل مشورة أخيتوفل خلال صداقته مع أبشالوم.
يبدو أن حوشاي كان غائبًا عندما هرب داود، وإذ سمع بالخبرأسرع إليه لكن داود فضل بقاءه في أورشليم، فكانت محبة حوشاي وأمانته بلسمًا لنفس داود المتمررة بسبب خيانة أخيتوفل.
عبّر داود النبي عن مرارة نفسه من جهة خيانة أخيتوفل وعن تهلله في نفس الوقت من أجل إخلاص حوشاي الأركي في المزمور ٤١.
"طوبى للرجل الذي ينظر إلى المسكين، في يوم الشر ينجيه الرب...
الرب يعضده وهو على فراش الضعف. مهدت مضجعه كله في مرضه...
أيضًا رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي رفع عليّ عقبه" (مز ٤١).
لعله عنى بالمسكين نفسه إذ صار طريدًا، فقد تطلع إليه حوشاي بالرغم من شيخوخته وضعف جسده لذا يسنده الرب ويعينه بقية أيام حياته. أما رجل سلامته فهو أخيتوفل الذي أنعم عليه بالحب والصداقة مع نعم وعطايا وها هو يحطم الثقة ويرفع عليه عقبه لأذيته فيصير رمزًا ليهوذا الخائن.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الخامس عشر
الآيات (1-6):- 1وَكَانَ بَعْدَ ذلِكَ أَنَّ أَبْشَالُومَ اتَّخَذَ مَرْكَبَةً وَخَيْلاً وَخَمْسِينَ رَجُلاً يَجْرُونَ قُدَّامَهُ. 2وَكَانَ أَبْشَالُومُ يُبَكِّرُ وَيَقِفُ بِجَانِبِ طَرِيقِ الْبَابِ، وَكُلُّ صَاحِبِ دَعْوَى آتٍ إِلَى الْمَلِكِ لأَجْلِ الْحُكْمِ، كَانَ أَبْشَالُومُ يَدْعُوهُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: «مِنْ أَيَّةِ مَدِينَةٍ أَنْتَ؟» فَيَقُولُ: «مِنْ أَحَدِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ عَبْدُكَ». 3فَيَقُولُ أَبْشَالُومُ لَهُ: «انْظُرْ. أُمُورُكَ صَالِحَةٌ وَمُسْتَقِيمَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ مَنْ يَسْمَعُ لَكَ مِنْ قِبَلِ الْمَلِكِ». 4ثُمَّ يَقُولُ أَبْشَالُومُ: «مَنْ يَجْعَلُنِي قَاضِيًا فِي الأَرْضِ فَيَأْتِيَ إِلَيَّ كُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ خُصُومَةٌ وَدَعْوَى فَأُنْصِفَهُ؟». 5وَكَانَ إِذَا تَقَدَّمَ أَحَدٌ لِيَسْجُدَ لَهُ، يَمُدُّ يَدَهُ وَيُمْسِكُهُ وَيُقَبِّلُهُ. 6وَكَانَ أَبْشَالُومُ يَفْعَلُ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ لِجَمِيعِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَأْتُونَ لأَجْلِ الْحُكْمِ إِلَى الْمَلِكِ، فَاسْتَرَقَّ أَبْشَالُومُ قُلُوبَ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ.
اتَّخَذَ مَرْكَبَةً وَخَيْلاً وَخَمْسِينَ رَجُلاً يَجْرُونَ قُدَّامَهُ: هذا ما تعلمه إبشالوم من جده الوثنى كيف يبدو مهيباً فى مركبات وخيول. والله طلب أن لا يفعل ملوك إسرائيل هذا حتى لا يجرون وراء الكرامات الزمنية وحتى لا يعتمدون على قوتهم الذاتية بل على قوة الله. والرجال الذين يجرون أمامه غالباً كان لهم زى خاص. وغالباً فقد فرح شعب إسرائيل بهذه الصورة وفضلها عن صورة داود المتواضع. ويكشف هذا التصرف عن هدف إبشالوم من العودة إلى أورشليم، فهو أتى بروح محبة المجد الباطل والعجرفة ليغتصب عرش أبيه وركب مركبات وخيلاً ورجال يجرون أمامهُ بينما أبوه يركب بغلاً. داود هيأ ملكه بسنوات ضيق كثيرة وصلوات وجهاد وهذا يأتى ليملك خلال المجد الباطل والمظاهر الخارجية. والعجيب أن زادت شعبيته بهذا. ولم يكتفى بهذا بل صار فى خداع يمالئ الشعب. يقف عند باب المدينة ليمنع المتقاضين من الوصول إلى أبيه ويعطى إهتماماً لكل واحد فيسأله عن مدينته وسبطه ثم يقول لهُ فى نفاق دون فحص لقضيته ودون أن يعرف من هو البرئ ومن هو الظالم بل يقول لكل الطرفين انْظُرْ أُمُورُكَ صَالِحَةٌ وَمُسْتَقِيمَةٌ أى الحق معك. ثم يقول كاذباً لكِنْ لَيْسَ مَنْ يَسْمَعُ لَكَ مِنْ قِبَلِ الْمَلِكِ فالملك صار عجوزاً لا يهتم بالقضاء فليس لديه وقت فهو يظهر أبوه أنه غير صالح ليظهر أنه وحده القادر على الملك وعلى التقاضى. هو لم يكن يريد أن يقضى بل أن يثير الناس على أبيه الملك. ثم يقول مَنْ يَجْعَلُنِي قَاضِيًا فشهوة قلبه الرئاسة. بل فى رياء كان يقبل أى إنسان يأتى ليسجد لهُ كإبن الملك. وبهذا إستمال إبشالوم قلوب الناس.
الآيات (7-9):- "7وَفِي نِهَايَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ أَبْشَالُومُ لِلْمَلِكِ: «دَعْنِي فَأَذْهَبَ وَأُوفِيَ نَذْرِي الَّذِي نَذَرْتُهُ لِلرَّبِّ فِي حَبْرُونَ، 8لأَنَّ عَبْدَكَ نَذَرَ نَذْرًا عِنْدَ سُكْنَايَ فِي جَشُورَ فِي أَرَامَ قَائِلاً: إِنْ أَرْجَعَنِي الرَّبُّ إِلَى أُورُشَلِيمَ فَإِنِّي أَعْبُدُ الرَّبَّ». 9فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: «اذْهَبْ بِسَلاَمٍ». فَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى حَبْرُونَ. "
فِي نِهَايَةِ 40 سَنَةً: الكتاب لم يحدد متى بدأ حساب الأربعين سنة وغالباً هى منذ مُسِحَ داود ملكاً على يد صموئيل فهذا الحدث من الأحداث الهامة التى يدونها التاريخ. وذهب إبشالوم كاذباً إلى داود بأنه نذر نذراً إن أرجعه داود لأورشليم وعفا عنهُ يذهب إلى حبرون ويقدم ذبائح وداود فرح بالتأكيد لتدين إبنه فسمح لهُ.
الآيات (10-12):- "10وَأَرْسَلَ أَبْشَالُومُ جَوَاسِيسَ فِي جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: «إِذَا سَمِعْتُمْ صَوْتَ الْبُوقِ، فَقُولُوا: قَدْ مَلَكَ أَبْشَالُومُ فِي حَبْرُونَ». 11وَانْطَلَقَ مَعَ أَبْشَالُومَ مِئَتَا رَجُل مِنْ أُورُشَلِيمَ قَدْ دُعُوا وَذَهَبُوا بِبَسَاطَةٍ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا. 12وَأَرْسَلَ أَبْشَالُومُ إِلَى أَخِيتُوفَلَ الْجِيلُونِيِّ مُشِيرِ دَاوُدَ مِنْ مَدِينَتِهِ جِيلُوهَ إِذْ كَانَ يَذْبَحُ ذَبَائِحَ. وَكَانَتِ الْفِتْنَةُ شَدِيدَةً وَكَانَ الشَّعْبُ لاَ يَزَالُ يَتَزَايَدُ مَعَ أَبْشَالُومَ. "
وضع إبشالوم خطته لإنتزاع العرش وقد أحكمها تماماً.
1- هو بدأ سابقاً بإستمالة الجماهير.
2- يعلن توليه الحكم فى حبرون حيث ملك داود 7 سنة وهناك يجمع كل من يؤيده.
3- صوت البوق هو بديل التليفون والتليغراف الآن فهناك نافخى أبواق فى كل مكان وحينما يضرب بالبوق فى حبرون تضرب كل الأبواق وينتشر الخبر فى دقائق فى كل إسرائيل وحينما يُسمع البوق فالجواسيس المنتشرون يقولون أن إبشالوم قد ملك ويفرح الناس بمن أحبوه وربما تصوّر الناس أن داود مات أو تنازل عن الحكم لإبنه إبشالوم. فينادى به كل إسرائيل ملكاً فى وقت واحد.
4- أخذ إبشالوم معهُ إلى حبرون 200 من عظماء المملكة فيبدو أمام الناس فى حبرون أنهم موافقين على ملكه أى أن داود قد وافق بالإضافة إلى أنه يحرم داود من التشاور مع رجاله المخلصين فى هذه الساعات الحرجة.
5- إستعان إبشالوم بشخص ذكى جداً هو أخيتوفل توسم فيه الرغبة مع القدرة على خيانة داود، وهو فى هذا يشبه بيهوذا فى خيانته لسيدة كما تشابها فى طريقة موتهما (مز9:41 + يو18:13). وغالباً فإن داود كان قد أستغنى عن أخيتوفل لأنه إكتشف مكره ودهائه. وغالباً فإن أخيتوفل هو العقل المدبر لهذه المؤامرة. وغالباً فأخيتوفل هو جد بثشبع وربما حزن لمؤامرة داود ضد أوريا زوجها (2صم 3:11 + 2صم 34:32)
6- يهجم إبشالوم على قصر داود ويقتله ويعلن موته.
الآيات (13-14):- "13فَأَتَى مُخَبِّرٌ إِلَى دَاوُدَ قَائِلاً: «إِنَّ قُلُوبَ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ صَارَتْ وَرَاءَ أَبْشَالُومَ». 14فَقَالَ دَاوُدُ لِجَمِيعِ عَبِيدِهِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي أُورُشَلِيمَ: «قُومُوا بِنَا نَهْرُبُ، لأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا نَجَاةٌ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ. أَسْرِعُوا لِلذَّهَابِ لِئَلاَّ يُبَادِرَ وَيُدْرِكَنَا وَيُنْزِلَ بِنَا الشَّرَّ وَيَضْرِبَ الْمَدِينَةَ بِحَدِّ السَّيْفِ»."
داود المملوء من روح الله أدرك الخطة وهرب سريعاً قبل أن يقتل فوجود داود حياً وهو يعلن أنه لم يتخلى عن العرش سيسبب مشاكل لإبشالوم.
ولكن بالتأكيد فداود فى هذه اللحظات الصعبة تذكر النبوة "لا يفارق السيف بيتك" ومن الناحية الأخرى كانت خطة داود ناجحة إذ أعطته الوقت ليجمع قواته فى مواجهة إبشالوم وَيَضْرِبَ الْمَدِينَةَ بِحَدِّ السَّيْفِ = داود فى ضيقته يهتم بالمدينة وأن لا تسيل دماء بريئة.
الآيات (15-16):- "15فَقَالَ عَبِيدُ الْمَلِكِ لِلْمَلِكِ: «حَسَبَ كُلِّ مَا يَخْتَارُهُ سَيِّدُنَا الْمَلِكُ نَحْنُ عَبِيدُهُ». 16فَخَرَجَ الْمَلِكُ وَجَمِيعُ بَيْتِهِ وَرَاءَهُ. وَتَرَكَ الْمَلِكُ عَشَرَ نِسَاءٍ سَرَارِيَّ لِحِفْظِ الْبَيْتِ. "
آية (17):- "17وَخَرَجَ الْمَلِكُ وَكُلُّ الشَّعْبِ فِي أَثَرِهِ وَوَقَفُوا عِنْدَ الْبَيْتِ الأَبْعَدِ. "
الْبَيْتِ الأَبْعَدِ = خرج الملك وكل رجاله فى أثره ووقفوا عند آخر بيت من بيوت المدينة ليعبر أمامهُ كل رجاله ويطمئن عليهم، هو أخذ معهُ كل من يريد أن يتبعه. ومن لا يريد تركه لإبشالوم المعجب به ومن المؤكد أن من إختار إبشالوم سيعانى منه كثيراً بعد ذلك. وهكذا المسيح يريدنا أن نهرب معهُ من خطايا العالم ومن الشيطان ولكن من يريد أن يبقى مع الشيطان فليفرح به للحظة ولكن بعد ذلك تقع عليه الآلام. ومن تبع داود فى ضيقته هم عبيده الأمناء الذين حملوا معهُ الصليب وهم سيتمجدون معهُ. ولقد رتل داود المزمور الثالث فى هذه المناسبة.
الآيات (18-22):- "18وَجَمِيعُ عَبِيدِهِ كَانُوا يَعْبُرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ جَمِيعِ الْجَلاَّدِينَ وَالسُّعَاةِ وَجَمِيعُ الْجَتِّيِّينَ، سِتُّ مِئَةِ رَجُل أَتَوْا وَرَاءَهُ مِنْ جَتَّ، وَكَانُوا يَعْبُرُونَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ. 19فَقَالَ الْمَلِكُ لإِتَّايَ الْجَتِّيِّ: «لِمَاذَا تَذْهَبُ أَنْتَ أَيْضًا مَعَنَا؟ اِرْجعْ وَأَقِمْ مَعَ الْمَلِكِ لأَنَّكَ غَرِيبٌ وَمَنْفِيٌّ أَيْضًا مِنْ وَطَنِكَ. 20أَمْسًا جِئْتَ وَالْيَوْمَ أُتِيهُكَ بِالذَّهَابِ مَعَنَا وَأَنَا أَنْطَلِقُ إِلَى حَيْثُ أَنْطَلِقُ؟ اِرْجعْ وَرَجِّعْ إِخْوَتَكَ. الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ مَعَكَ». 21فَأَجَابَ إِتَّايُ الْمَلِكَ وَقَالَ: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ وَحَيٌّ سَيِّدِي الْمَلِكُ، إِنَّهُ حَيْثُمَا كَانَ سَيِّدِي الْمَلِكُ، إِنْ كَانَ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلْحَيَاةِ، فَهُنَاكَ يَكُونُ عَبْدُكَ أَيْضًا». 22فَقَالَ دَاوُدُ لإِتَّايَ: «اذْهَبْ وَاعْبُرْ». فَعَبَرَ إِتَّايُ الْجَتِّيُّ وَجَمِيعُ رِجَالِهِ وَجَمِيعُ الأَطْفَالِ الَّذِينَ مَعَهُ. "
عندما هرب داود إلى جت نظم جيش قوامه 600 جندى وأقام لهم إتاى الجتى قائداً لهم وغالباً إستمرت هذه الفرقة مع داود فى ملكه على حبرون ثم على أورشليم على كل إسرائيل وكانوا يتكونون من إسرائيليين وجتيين. وهناك من رأى أن إتاى الجتى هو إبن أخيش ملك جت الذى أحب داود. وفى فترة إقامة داود فى جت إنجذب إليه إتاى وتبعه هو ورجاله الجتيين ثم تهودوا بعد أن ملك داود. ولاحظ رقة مشاعر داود وأنه لا يريد أن يرهق إتاى معهُ وهو غريب ولكن إتاى رفض أن يترك داود فى ضيقته فتشبه براعوث. وعزى الله قلب داود على عقوق إبنه بإخلاص إتاى. ومن ناحية الرمز فإبشالوم ومن معهُ يشبهون اليهود الذين رفضوا المسيح وإتاى ورجاله يشبهون الأمم الذى قبلوا الآلام مع المسيح ولم يتركوه بل خرجوا معه خارج المحلة يحملون عاره. (عب13:13). وفى أية (18) بَيْنَ يَدَيْهِ = كان داود قائداً منظماً محنكاً حتى فى ساعة الهرب يرتب جيشه ويمرون بين يديه كقائد يرتبهم ولا يعبر إلاّ بعدهم وفى (19) أَقِمْ مَعَ الْمَلِكِ = عجيب أن يسمى داود إبشالوم الملك فهو الملك الآن ومعنى أية (20) لا يليق أن أحملك بكل هذه الأتعاب والمخاطر.
آية (23):- "23وَكَانَتْ جَمِيعُ الأَرْضِ تَبْكِي بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَجَمِيعُ الشَّعْبِ يَعْبُرُونَ. وَعَبَرَ الْمَلِكُ فِي وَادِي قَدْرُونَ، وَعَبَرَ جَمِيعُ الشَّعْبِ نَحْوَ طَرِيقِ الْبَرِّيَّةِ. "
الشعب يبكى وداود يعبر وادى قدرون. وبنات أورشليم بكوا والمسيح يحمل الصليب كما عبر إبن داود أيضاً وادى قدرون لينطلق للآلامات (يو1:18).
الآيات (24-29):- "24وَإِذَا بِصَادُوقَ أَيْضًا وَجَمِيعُ اللاَّوِيِّينَ مَعَهُ يَحْمِلُونَ تَابُوتَ عَهْدِ اللهِ. فَوَضَعُوا تَابُوتَ اللهِ، وَصَعِدَ أَبِيَاثَارُ حَتَّى انْتَهَى جَمِيعُ الشَّعْبِ مِنَ الْعُبُورِ مِنَ الْمَدِينَةِ. 25فَقَالَ الْمَلِكُ لِصَادُوقَ: «أَرْجعْ تَابُوتَ اللهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَإِنْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُرْجِعُنِي وَيُرِينِي إِيَّاهُ وَمَسْكَنَهُ. 26وَإِنْ قَالَ هكَذَا: إِنِّي لَمْ أُسَرَّ بِكَ. فَهأَنَذَا، فَلْيَفْعَلْ بِي حَسَبَمَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْهِ». 27ثُمَّ قَالَ الْمَلِكُ لِصَادُوقَ الْكَاهِنِ: «أَأَنْتَ رَاءٍ؟ فَارْجعْ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَلاَمٍ أَنْتَ وَأَخِيمَعَصُ ابْنُكَ وَيُونَاثَانُ بْنُ أَبِيَاثَارَ. ابْنَاكُمَا كِلاَهُمَا مَعَكُمَا. 28انْظُرُوا. أَنِّي أَتَوَانَى فِي سُهُولِ الْبَرِّيَّةِ حَتَّى تَأْتِيَ كَلِمَةٌ مِنْكُمْ لِتَخْبِيرِي». 29فَأَرْجَعَ صَادُوقُ وَأَبِيَاثَارُ تَابُوتَ اللهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَأَقَامَا هُنَاكَ. "
أتى الكهنة بالتابوت وراء داود لعلمهم أن داود يملك بأمر الله عكس هذا المتمرد إبشالوم ولكن داود رفض تحريك التابوت وراءهُ مؤمناً أن الله إن كان يريده سيعيده ثانية لأورشليم مستسلماً إستسلاماً كاملاً لإرادة الله. وهو خشى أن يصيب التابوت شئ وفى (27) أَأَنْتَ رَاءٍ = راءٍ هنا ليست بمعنى نبى إنما تعنى أن يكون لداود كعين ليرى ماذا يفعل إبشالوم ويخبر داود. وجاءت الترجمة فى أماكن كثيرة ألست أنت راءٍ أى ألست أنت قادر أن ترى ماذا يحدث وفى (28) يتضح كلام داود أن صادوق يرى ماذا يحدث ويُرسل له فِي سُهُولِ الْبَرِّيَّةِ من يخبره وداود سوف يتوانى أى ينتظر بعض الوقت حتى تأتى رسالة من صادوق.
الآيات (30-37):- "30وَأَمَّا دَاوُدُ فَصَعِدَ فِي مَصْعَدِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ. كَانَ يَصْعَدُ بَاكِيًا وَرَأْسُهُ مُغَطَّى وَيَمْشِي حَافِيًا، وَجَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِينَ مَعَهُ غَطَّوْا كُلُّ وَاحِدٍ رَأْسَهُ، وَكَانُوا يَصْعَدُونَ وَهُمْ يَبْكُونَ. 31وَأُخْبِرَ دَاوُدُ وَقِيلَ لَهُ: «إِنَّ أَخِيتُوفَلَ بَيْنَ الْفَاتِنِينَ مَعَ أَبْشَالُومَ» فَقَالَ دَاوُدُ: «حَمِّقْ يَا رَبُّ مَشُورَةَ أَخِيتُوفَلَ». 32وَلَمَّا وَصَلَ دَاوُدُ إِلَى الْقِمَّةِ حَيْثُ سَجَدَ ِللهِ، إِذَا بِحُوشَايَ الأَرْكِيِّ قَدْ لَقِيَهُ مُمَزَّقَ الثَّوْبِ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ. 33فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: «إِذَا عَبَرْتَ مَعِي تَكُونُ عَلَيَّ حِمْلاً. 34وَلكِنْ إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقُلْتَ لأَبْشَالُومَ: أَنَا أَكُونُ عَبْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. أَنَا عَبْدُ أَبِيكَ مُنْذُ زَمَانٍ وَالآنَ أَنَا عَبْدُكَ. فَإِنَّكَ تُبْطِلُ لِي مَشُورَةَ أَخِيتُوفَلَ. 35أَلَيْسَ مَعَكَ هُنَاكَ صَادُوقُ وَأَبِيَاثَارُ الْكَاهِنَانِ. فَكُلُّ مَا تَسْمَعُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَأَخْبِرْ بِهِ صَادُوقَ وَأَبِيَاثَارَ الْكَاهِنَيْنِ. 36هُوَذَا هُنَاكَ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا أَخِيمَعَصُ لِصَادُوقَ وَيُونَاثَانُ لأَبِيَاثَارَ. فَتُرْسِلُونَ عَلَى أَيْدِيهِمَا إِلَيَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَسْمَعُونَهَا». 37فَأَتَى حُوشَايُ صَاحِبُ دَاوُدَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَبْشَالُومُ يَدْخُلُ أُورُشَلِيمَ. "
صْعَدُ داود بَاكِيًا = فالموقف صعب، ولم نسمع أن داود بكى حينما هرب من شاول لكنه قطعاً يبكى لخيانة إبنه لهُ وإبنهُ الذى يحبه. وهو قال "خطيتى أمامى فى كل حين" لذلك نفهم أن بكاء داود كان لأنه علم أن كل هذه الآلام بسبب خطيته وقلب مثل هذا يغفر لهُ الله … "حولى عنى عينيك فإنهما قد غلبتانى". وفى (31) يظهر أن داود يعرف دهاء أخيتوفل ويصلى أن يحمق الله مشورته وفى (32) داود يسجد فهو إعتاد الصلاة وعجيبة الإستجابة الفورية لصلاته إذ إستجاب الله بإرسال حوشاى الأركى الذى سيبطل مشورة أخيتوفل. ولاحظ صلاة داود أن يحمق الرب مشورة أخيتوفل فى آية (31) وفى آية (32) الإستجابة السريعة لله. وعموماً فهذه حكمة إلهية عند داود أن يرسل رجلاً حكيماً مثل حوشاى ليبطل مشورة رجل داهية مثل أخيتوفل. ويبدو أن حوشاى كان غائباً حين هرب داود وحينما علم بالخبر أتى إليه فى حزن شديد ولكن داود أقنعه أن بقائه بجانب أخيتوفل وإبشالوم أفضل، فضلاً عن أن سنه الكبير سيعوق حركتهم وكانت محبة حوشاى بلسماً لجراح داود.
عموماً فالمزامير التى أنشدها داود أثناء هربه تظهر أنه لم يفقد رجاءه فى الرب مدركاً أن كل هذه الآلام إنما هى تأديب لهُ، هذا التسليم لإرادة الله هو سر عظمة داود.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح