كلمة منفعة
الذي له روح التلمذة، ويحب أن يتعلم ويكتسب كلمة منفعة، هذا لا يستطيع أن يحصى عدد أساتذته، وبالأحرى مصادر معرفته..
— كم عدد أساتذتنا؟
سفر التكوين 6
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس فلك نوح إن كان الموت قد دب في الجنس البشري إنما ليكشف عن موت خفي أكثر خطورة هو موت النفس الداخلي وفسادها، الأمر الذي ظهر في انسحاب قلب أولاد الله نحو بنات الناس وفساد الأرض، فصارت الأرض في حاجة إلي تجديدها مرة أخرى خلال الطوفان وفلك نوح. + مقدمة عن الفلك والطوفان. 1. أبناء الله وبنات الناس 1-4. 2. نوح البار 5-10. 3. فساد الأرض 11-12. 4. فلك نوح 13-22. + مقدمة عن الفلك والطوفان: احتلت قصة الطوفان مركزًا رئيسيًا في تاريخ الخلاص وتجديد العالم بالمياه، إذ أعلن الله: "نهاية كل بشر قد أتت قدامي"، لا ليبيد الإنسان وإنما ليجدد العالم، فيحول كارثة الطوفان إلي خير أعظم للبشرية التي ألقت بنفسها في الهلاك الأبدي. هكذا جاء الطوفان في الخارج يكشف عن طوفان الخطية المدمر للنفس في الداخل. توارثت البشرية هذه القصة وقدمتها الشعوب بصور مختلفة متباينة، انحرفت عن هدفها الحقيقي، وشابها الكثير من الأساطير. وفيما يلي صورة موجزة عن بعض التقاليد القديمة الخاصة بالقصة: أ. آثار بابل: جاء في آثار بابل عن الكاهن المصري بيروسوس من رجال القرن الثالث ق.م أنه في عهد الملك أكسيسوثروس Xisuthras حدث طوفان، حيث بني الملك فلكًا أخذ فيه عائلته وأصدقاءه المقربين إليه، وجمع فيه من الطيور والحيوانات والمؤن حتى إذا انقطع المطر أرسل بعض الطيور فجاءته وأرجلها بها طين، وهكذا في المرة الثانية، وفي الثالثة لم ترجع، وقد رسى الفلك في أريدينا. أما أقدم رواية عن الطوفان في بابل فهي "ملحمة جلكامش Gilgamesh" التي جاء فيها أن جلكامش سأل أثنافيشتيم عن سبب بلوغه الحياة اللانهائية، فروي له قصة الطوفان، كيف أن أربعة آلهة قرروا إهلاك العالم بالطوفان، لكن إله الحكمة "أيا" أمره أن يضع فلكًا ليدخل فيه مع أسرته. وأنه أرسل بعض الطيور ليتفقد أحوال الأرض فعاد بعضها يحمل غصنًا من الزيتون. بعد خروجه قدّم ذبائح شكر فجاء إله الحكمة يباركه هو وزوجته ويهبهما الحياة الخالدة. ب. آثار الهند: وُجدت صورة في هيكل للبوذيين لنوح داخل الفلك، والآلهة كوانين تتطلع إليه بشفقة، كما رُسمت حمامة تطير إلي الفلك ومعها زيتون. ومن القصص الهندية أن الإله براهما ظهر لمانو في هيئة سمكة، وأمره أن يصنع له فلكًا يدخله مع سبعة من الأبرار. ثم ربط الفلك بقرني السمكة، فسبحت به في الطوفان أجيالاً طويلة، ولما خرج أمرته أن يخلق العالم من جديد. ج. الآثار اليونانية: جاء أن الإله جوبتر أمر ديوكاليون البار أن يدخل الفلك مع امرأته وبقية عائلته. ولما رسا الفلك علي جبل بارتاسوس أرشدته الحمامة إلي نهاية الطوفان، فخرج يقدم ذبائح شكر. د. آثار فريجية بآسيا الصغرى: قيل أن "أباخوس"، وهي كلمة يحتمل أن تكون محرفة عن "نوح"، عرف بأمر الطوفان فبكي من أجل الناس. وقد وجدت في أباميا بفريجية قطع من العملة عليها صورة الفلك بداخله أناس، وخارجه طيور يحمل أحدها غصن زيتون. وبجانبه صورة لنفس الأشخاص يقدمون ذبائح شكر لأجل نجاتهم. وقد نقش عليها اسم نوح، وكان اسم المدينة القديم "كبوتوش" أي (الفلك)، إذ كان أهلها يعتقدون أن الفلك استقر في مدينتهم. هـ. وجدت قصص مشابهة لدي شعوب الفرس والصين والفينيقيين والسريان والأرمن وقبائل هنود المكسيك الخ... + هذه التقاليد القديمة وإن حملت أساطير لكنها تكشف عن وجود قصة حقيقية واقعية تسلمتها البشرية، انحرفت بها خلال عبادتها الوثنية. 1. أبناء الله وبنات الناس: "وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون علي الأرض ووُلد لهم بنات، أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا" [1، 2]. إذ يتحدث القديس أغسطينوس في كتابه "مدينة الله" عن مدينتين إحداهما أرضية وأخري سماوية، الأولي تمثل جماعة الأشرار المرتبطين بالأرضيات، والأخرى جماعة المؤمنين المرتبطين بالسماويات، لذلك عندما تعرض للعبادة التي بين أيدينا رأي في زواج أبناء الله ببنات الناس الخلطة بين المدينتين، الأمر الذي يفسد مواطني المدينة السماوية. هذا الأمر حذرنا منه الرسول بولس بقوله: "لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين، لأنه أية خلطة للبر والإثم؟! وأية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟" (2 كو 6: 14، 15). جاء تعبير "أبناء الله" في الترجمة السبعينية "الملائكة"، بينما الترجمة الحرفية للعبرية "أبناء الآلهة"... لهذا يتساءل القديس أغسطينوس وهو يعتمد بالأكثر علي الترجمة السبعينية: هل يتزوج الملائكة بنساء من البشر؟ وإذ أجاب علي السؤال بشيء من الإطالة اكتفي بعرض النقاط الرئيسية في شيء من الاختصار: أولاً: إن كلمة "أنجيلوس" في اليونانية تعني (رسول)، وكأن تعبير "ملائكة" هنا يشير إلي خدام الله، وكأن أولاد الله أو خدامه قد انشغلوا بالزواج بشريرات عوض انشغالهم بخدمة الله. ثانيًا: يقول القديس أغسطينوس أن في عصره ظهرت خرافات كثيرة بين الوثنيين تدعي اعتداء بعض الشياطين علي النساء بطريقة جسدية دنسة، الأمر الذي لا يمكن قبوله خاصة بالنسبة لملائكة الله. لهذا فإن قول الرسول بطرس: "لأنه إن كان لم يشفق علي ملائكة قد أخطئوا بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء" (1 بط 2: 4)، لا يعني سقوطهم في شهوات جسدية مع نساء بشريات، إنما سقوطهم قبل خلق الإنسان في الكبرياء. ثالثًا: جاء التعبير في ترجمة أكيلا "أبناء الآلهة" وهو ينطبق علي المؤمنين الذين قيل عنهم: "أنا قلت أنكم آلهة وبني العلي كلكم" (مز 82: 6). بمعني آخر أن ما قصده الكتاب سواء ملائكة أو أبناء الآلهة إنما يعني أبناء شيث الذين كان ينبغي أن يعيشوا كملائكة الله وخدامه المشتعلين بنار الحب الإلهي، أو كآلهة، فإذا بهم ينجذبون إلي بنات قايين الشريرات لجمالهن الجسدي. بهذا اختلط الأبرار بالأشرار، وفسد الكل، فصارت الحاجة إلي تجديد عام لكل الخليقة خلال مياه الطوفان. لقد أعلن الرب عدم رضاه بقوله: "لا يدين روحي في الإنسان إلي الأبد لزيغانه هو بشر، وتكون أيامه مائة وعشرين سنة" . إذ زاغ الإنسان إلي الشر أعلن الله أن روحه لا يدين في الإنسان إلى الأبد، أي لا يستقر فيه مادام يسلك في الشر، وأن أيامه تقصر إلي مائة وعشرين عامًا، وقد تحقق ذلك بالتدريج بعد الطوفان، وإن كان قد سمح للبعض أن يعيشوا أكثر من مائة وعشرين لكنهم بلا حيوية. وربما قصد بالمائة وعشرين عامًا الفترة التي فيها أنذر نوح الناس حتى دخل الفلك. ولعل قوله: "لا يدين روحي في الإنسان" يعني أنه مادام الإنسان مصرًا علي شره وعناده يُحرم من تبكيت الروح القدس فيه، إذ يسلمه الله لذهن مرفوض. ويري البعض أن كلمة "روحي" لا تعني (روح الله القدوس) وإنما الروح التي وهبها الله للإنسان، فإنها لا تبقي في الجسد أبديًا بل يسحبها بعد 120 عامًا، وإن كان هذا الرأي غير مقبول. ويلاحظ أنه إذ زاغ الإنسان إلي شهوة الجسد دعاه الرب "جسدًا"، إذ قال عنه: "هو بشر" وفي الترجمة السبعينية "هو جسد"، وكأنه بسلوكه الجسداني صار كجسد بلا روح، لأن الجسد بشهواته يستعبد الروح أيضًا ويسيرها حسب أهوائه. في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن الذين لهم أجنحة الروح يجعلون الجسد روحانيًا، هكذا الذين يخرجون عن هذا ويكونون عبيدًا لبطونهم وللذة يجعلون النفس جسدانية لا بمعني يغيرون جوهرها وإنما يفسدون نبل مولدها]، كما يقول: [مع أنه لهم نفوسًا لكنها إذ صارت ميتة فيهم دعاهم "جسدًا" ، هكذا بالنسبة للأتقياء فمع أن لهم جسدًا لكننا نقول أنهم كلهم نفس أو كلهم روح... يقول القديس بولس الرسول عن الذين لم يتمموا أعمال الجسد: "وأما أنتم فلستم في الجسد" (رو 8: 9)، أما من يعيش في ترف فلا يعيش في النفس ولا في الروح بل في الجسد]. هكذا إذ انشغل أولاد الله بالجسديات فأحبوا بنات الناس، تحولوا إلي الجسد وصاروا غير روحيين. أما ثمر هذا العمل فهو إنجاب أولاد طغاة محبين للكرامة الزمنية، إذ يقول: "كان في الأرض طغاة في تلك الأيام... هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم". وكأن كل خطية تجلب أخري، أو كأن الإنسان إذ يستسلم لضعف يصير ألعوبة بين الخطايا، كل منها تلقفه لغيرها. فقد بدأ هنا بتطلع أولاد الله إلي جمال بنات الناس جسديًا، فتركوا رسالتهم الروحية وتحولوا إلي الفكر الجسداني، فصاروا جسدًا، وانجبوا العنف وحب الكرامة الزمنية عوض ثمار الروح من لطف ووداعة واتضاع! 2. نوح البار: "ورأي الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. وتأسف في قلبه. فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء. لأني حزنت أني عملتهم" [5-7]. لم يكن ممكنًا لله القدوس أن يطيق الشر الذي كثر علي الأرض، ولا يتحمل الالتقاء مع النفس التي خلقها كمسكن له أن يري تصورها شريرًا كل يوم، لهذا حزن أنه صنع الإنسان في الأرض. وحينما يقول الكتاب: "حزن" أو "تأسف قلبه" أو "ندم" ، لا نفهم هذه التعبيرات كانفعالات غضب، إنما هي لغة الكتاب الموجهة لنا نحن البشر لكي نفهم وندرك مرارة الخطية في ذاتها وعدم إمكانية الشركة بين القداسة الإلهية والفساد الإنساني. يفسر لنا القديس أغسطينوس معني تأسف الله أنه عمل الإنسان بقوله: [غضب الله ليس انفعالاً يعكر صفاء عقله إنما هو حكم خلاله تقع العقوبة علي الخطية]. كما يقول: [غير المتغير (الله) يغير الأشياء وهو لا يتأسف كالإنسان علي أي شيء عمله، لأن قراره في كل شيء ثابت ومعرفته للمستقبل أكيدة، لكنه لو لم يستخدم مثل هذه التعبيرات لما أمكن إدراكه بواسطة عقول الناس المحتاجين أن يحدثهم بطريقة مألوفة لهم (بلغة تناسبهم) لأجل نفعهم، حتى ينذر المتكبر ويوقظ المستهتر ويدرب الفضولي ويرضي الإنسان المتعقل. فما كان يمكن أن يتحقق هذا إن لم ينحنِ أولاً وينزل إليهم إلي حيث هم (يحدثهم بلغتهم) وبإعلانه موت كل حيوانات الأرض والجو المحيط ليكشف عن عظم الكارثة التي كادت تقترب؛ فهو لا يهدد بإبادة الحيوانات غير العاقلة كما لو كانت قد ارتكبت خطية]. هكذا يري القديس أغسطينوس في إعلان الله عن تأسفه أنه خلق الإنسان إنما هو تنازل منه ليحدثنا بلغتنا لندرك مدي ما بلغناه من عدم إمكانية الشركة مع الله مصدر حياتنا، لا بتغير قلب الله من نحونا وإنما بتغيرنا نحن واعتزالنا إياه بقبولنا الفساد الذي هو غريب عن الله. أما تهديده بإبادة الحيوانات والطيور إنما من قبيل محبته الفائقة حتى نعيد النظر من جديد في موقفنا وندرك خطورة الموقف. العجيب أنه وسط هذه الصورة المؤلمة التي أعلنها الله من جهة بني البشر، لا يتجاهل إنسانًا واحدًا يسلك بالبر وسط جيل شرير، إذ يقول الكتاب: "وأما نوح فوجد نعمة في عيني الله" . في وسط الظلام الدامس لا يتجاهل إشراقة جميلة مهما بدت صغيرة وباهتة، وفي كل جيل يفرح الله بقديسيه ولو كانوا بقية قليلة وسط فساد عام يملأ الأرض. لقد وجد نوح نعمة في عيني الرب الذي شهد له: "كان نوح رجلاً بارًا كاملاً في أجياله" . أما قوله: "في أجياله" فتكشف أن بره وكماله ليسا مطلقين، إنما أن قورنا بما يقدمه أجياله من فساد؛ فالإنسان بره نسبي. 3. فساد الأرض: "وفسدت الأرض أمام الله وامتلأت الأرض ظلمًا... إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه علي الأرض" [11، 12]. + يلاحظ أن كلمة "الأرض" تكررت كثيرًا في هذا الأصحاح خاصة في العبارة [5 - 13]، إذ فيها ذُكرت سبع مرات؛ ولكل تكرار الكلمة يكشف عن أن الله كان يشتاق أن يري في الحياة البشرية سمة سماوية، لكنه إذ فسد الإنسان صار أرضًا ترابية تحمل فسادًا. ولئلا نظن أن مادة الأرض قد فسدت أو ما حملته الأرض من موارد وثمار الخ... لذا أكد: "إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه علي الأرض"، وكأن فساد الإنسان هو الذي شوه المخلوقات غير العاقلة. 4. فلك نوح: كشف الله لعبده البار نوح ما كان مزمعًا أن يفعله، إذ قال له: "نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأن الأرض امتلأت ظلمًا منهم، فها أنا مهلكهم مع الأرض" . كان يمكن لله أن يأمر نوحًا بصنع الفلك فيطيع في إيمان وثقة، لكن الله كمحب للبشر لا يشتاق أن يكون الآمر الناهي، إنما الصديق المحب الذي يحاور الإنسان ويكشف له حكمته وأسراره، وكما يقول المرتل: "سرّ الرب لخائفيه، وعهده لتعليمهم" (مز 25: 14). لقد كشف له أنه وإن كان يهلكهم مع الأرض، فإن الهلاك هو ثمرة طبيعية لفساد هم اختاروه، ويظهر ذلك من قوله: "نهاية كل بشر قد أتت أمامي"، وكأنه يقول: لم أكن أود هذا لكنهم صنعوا بأنفسهم هلاكًا يجلب نهايتهم، اختاروه بمحض إرادتهم. الآن إن كان الأشرار قد فعلوا هكذا بأنفسهم مقدمين هلاكًا حتى للأرض، فالله لا يترك أولاده يهلكون معهم، لذا قدم لنوح أمرًا بعمل فلك لخلاصه، وقد عرض لنا الكتاب المقدس قصة الفلك بدقة شديدة وفي شيء من التفصيل لما حمله الفلك من عمل رمزي يمس خلاصنا بالصليب. أولاً- أهمية الفلك: في دراستنا للمعمودية لاحظنا كيف سلطت الليتورجيات الكنيسة وأقوال الآباء الضوء علي فلك نوح بكون الطوفان رمزًا لعمل التجديد الحق للطبيعة البشرية، والفلك رمزًا للصليب الذي حمل المسيح معلقًا لأجلنا، فحمل فيه الكنيسة التي هي جسده المقدس. كان لابد من هلاك العالم القديم (الإنسان العتيق) في مياه المعمودية ليقوم العالم الجديد أو الإنسان الجديد الذي علي صورة خالقه يحمل جدة الحياة أو الحياة المقامة في المسيح يسوع (رو 6: 3، 4). كأن الطوفان وهو رمز للمعمودية يضع حدًا فاصلاً بين الحياة القديمة المظلمة والحياة الجديدة المشرقة بنور قيامة الرب يسوع. وقد جاء هذا الفكر الكنسي الآبائي امتدادًا للفكر الرسولي، إذ يقول الرسول بطرس: "وكانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح إذ كان الفلك يُبني، الذي فيه خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماء، الذي مثاله يخلصنا نحن الآن في المعمودية، لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح" (1 بط 3: 20، 21). وإذ سبق لنا عرض الفكر الليتورجي والآبائي في هذا الشأن اكتفي ببعض كلمات قليلة: v خلق الله الإنسان من التراب، وجدده بالماء، ونماه بروحه، ودربه بكلمة للتبني والخلاص، موجهًا إياه بالوصايا المقدسة حتى يحول الإنسان مولود التراب إلي كائن مقدس سماوي عند مجيئه. القديس أكليمنضس الإسكندري v في الطوفان - أيام نوح - مات كل جسد أما نوح البار فُحفظ مع عائلته... فالإنسان الخارجي يفني، لكن الداخلي يتجدد. هذا يحدث ليس فقط في المعمودية وإنما أيضًا بالتوبة حيث تفني (شهوات) الجسد فتنمو الروح، كما يعلمنا السلطان الرسولي بالقول: "قد حكمت كأني حاضر في الذي فعل هذا هكذا... أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كو 5: 3، 5). القديس أمبروسيوس. ثانيًا- مادة الفلك: "اصنع لنفسك فلكًا من خشب جفرٍ"ربما يعني خشب السرو، وقد جاء في الترجمة السبعينية: "من عرائض مربعة"، وكما يقول القديس أغسطينوس: [إنه يشير إلي الكنيسة، أو إلي حياة القديسين الثابتة والراسخة فإن العرائض المربعة أينما حركتها تبقي واقفة]. يقول القديس أمبروسيوس: [إنكم ترون الماء والخشبة والحمامة، فهل تقفون أمام السر حيارى؟ فالماء هو الذي يُغمر فيه الجسد لكي تغسل فيه كل خطية جسدية، ويُدفن فيه كل شر، والخشبة هي التي عُلق عليها الرب عندما تألم لأجلنا، والحمامة هي التي نزل الروح القدس علي هيئتها كما قرأتم في العهد الجديد، ذاك الذي يهبكم سلام النفس وهدوء الفكر، والغراب هو رمز الخطيئة التي تذهب ولا ترجع، إذ حفظ فيكم البر في الداخل والخارج]. ويري العلامة أوريجانوس في العرائض الخشبية المربعة التي تحمل شكلاً منتظمًا بزوايا قائمة إشارة إلي الأنبياء والرسل، خلالها تُقام مكتبة العلم الإلهي في النفس، إذ يري في الفلك رمزًا للدخول إلي أسرار معرفة الله وعلمه خلال كلمته الإلهية. ثالثًا- أبعاد الفلك: إن كان الفلك يشير إلي التمتع بخلاص السيد المسيح المجاني والدخول في معرفة أسرار الله الفائقة خلال الصليب حتى دعاه العلامة أوريجانوس "مكتبة الكلام الإلهي" أو "مكتبة العلم الإلهي"، لذا جاءت أبعاده من طول وعرض وارتفاع تشير إلي الإيمان والمحبة والرجاء، إذ يقول: [من كان قادرًا أن يسمع كلام الرب والأمور الإلهية بالرغم من ثقل الشر وكثرة الرذائل، تاركًا عنه الأمور الفانية السريعة الزوال، فمثل هذا يبني في قلبه فلك الخلاص ويكرس في نفسه مكتبة الكلام الإلهي، فيعطى له الإيمان والمحبة والرجاء كطول وعرض وارتفاع. فالإيمان بالثالوث القدوس هو الطول الممتد إلي الخلود، والعرض هو المحبة التي تبسطها العواطف اللطيفة الرقيقة، وأما الارتفاع فهو الرجاء الذي يحمله إلي حيث الحق السماوي، إذ ونحن علي الأرض تكون "سيرتنا في السموات" (في 3: 20)]. في أكثر تفصيل يقول بأن الطول 300 ذراعًا، لأن رقم 100 يشير إلي قطيع المسيح العاقل (لو 15: 4، 5) والذي يحرص السيد المسيح ألا يضيع منه خروف واحد. فإن هذا القطيع يتقدس خلال معرفته بالثالوث القدوس (100 × 3)، أو الإيمان به. أما عرض الفلك فهو 50 ذراعًا، وقد رأينا في دراستنا لسفر الخروج والعدد أن رقم 50 يشير إلي التمتع بغفران الخطايا، كما كان يحدث مع اليوبيل (السنة الخمسين) حيث يتم عفو عام وشامل وتحرير للعبيد والأرض، وأيضًا كما حدث في يوم الخمسين حين حلّ الروح القدس علي التلاميذ في العلية ليهب الكنيسة طبيعة سماوية متحررة من الخطية. فالعرض يشير إلي المحبة، محبة الله الغافرة وحبنا الساتر لضعفات الآخرين. أما العلو فثلاثون ذراعًا يشير إلي ارتفاع الإنسان إلي الله كما انطلق يوسف في سن الثلاثين من السجن إلي القصر ليمسك بتدبير شئون المملكة... إذن ليُبْنَ الفلك الروحي فينا لتكون لنا المعرفة الحقة الاختبارية، طوله الإيمان الحيّ بالثالوث القدوس، وعرضه الحب الحق لله والناس، وارتفاعه الرجاء في السمويات. ويري القديس أغسطينوس في أبعاد الفلك رمزًا لجسد السيد المسيح، فالفلك أبعاده هكذا 300 × 50 × 30، والإنسان الكامل في نظر هذا القديس طوله من قمة رأسه حتى أخمص قدميه ستة أضعاف عرضه من جانبيه (300: 50)، وعشرة أضعاف ارتفاعه (سُمكه) من الظهر إلي الصدر (300: 30). وكأن الفلك يشير إلي كلمة الله الذي صار جسدًا، فحملنا فيه ليعبر بنا خلال الطوفان إلي الأرض الجديدة التي له. رابعًا- طلاء الفلك بالقار من الداخل والخارج: فكما يقول العلامة أوريجانوس: [يريدنا أن نكون قديسين من الخارج وأنقياء في الداخل في القلب، محفوظين من كل جانب، محروسين بفضيلة الزهد (القار الخارجي) والطهارة (القار في الداخل)]. خامسًا- الباب الجانبي: يقول القديس أغسطينوس: [بابه الجانبي يشير بالتأكيد إلي الجرح الذي في جنب المصلوب بواسطة الحربة، خلاله يدخل القادمون إليه، ومنه فاضت الأسرار التي بها ينضم المؤمنون به إلي عضويته]. سادسًا- الطوابق الثلاثة: يري القديس أغسطينوس في هذه الطوابق الثلاثة صورة حية للكنيسة التي اجتمعت من كل الشعوب والأمم، إذ استكملت من نسل أبناء نوح الثلاثة: سام وحام ويافث. وربما تشير هذه الطوابق إلي الفضائل الثلاث التي أمر بها الرسول: الإيمان والرجاء والمحبة. كما يري في هذه الطوابق الثلاثة المؤمنين الذين جاءوا وبثلاث كميات متباينة من المحاصيل مائة ضعف وستين وثلاثين (مت 13: 23، مر 4: 8)، أو يمثل المدينة السماوية أو الكنيسة الأبدية التي تضم في عضويتها متزوجين أطهارًا وأيضًا أرامل وبتوليين أنقياء. ويري العلامة أوريجانوس في الطوابق الثلاثة إشارة إلي طرق التفسير الثلاثة: التفسير الحرفي، التفسير السلوكي أو الأخلاقي، والتفسير الروحي. فمن يقف عند التفسير الحرفي يَكُنْ كمن استقر في الطابق الأسفل مع الحيوانات أما من يرتفع إلي السلوكي ثم ينعم بالروحي فيكون كنوح رجل الله وعائلته في لقاء مع الله. سابعًا نوح وعائلته داخل الفلك: يقول العلامة أوريجانوس: [بصعودنا خلال أدوار الفلك المختلفة نصل إلي نوح نفسه الذي يعني (نياح) أو (بر)، فنوح هو يسوع المسيح، إذ لا ينطبق علي نوح القديم قول لامك أبيه: "هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب" (تك 5: 29)... انظروا إلي ربنا يسوع المسيح الذي قيل عنه: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو 1: 29)، "المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب ملعون كل من علق علي خشبة" (غلا 3: 3)، وأيضًا قال: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 11: 28). ها أنتم ترونه بالحقيقة يهب راحة للبشرية، ويخلص الأرض من اللعنة]. هذا وقد لاحظ القديس بطرس الرسول أن عدد النفوس التي خلصت خلال الفلك ثمانية (1 بط 20، 21)، هذا الرقم يشير إلى الكنيسة المختفية في صليب ربنا يسوع المسيح، أو يشير إلي طبيعتها السماوية وسمتها الجديدة خلال تمتعها بالحياة المقامة في المسيح يسوع. نحن نعلم أن رقم 8 يشير إلي الحياة ما بعد الزمن، حيث يشير رقم 7 إلي أيام الأسبوع، فكأن رقم 8 يعني تعدى حدود الزمن.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الأصحاح السادس
كان من نتائج الخطية فساد الجنس البشري وظهر هذا في علاقة أبناء الله مع بنات الناس والمقصود أبناء شيث مع بنات قايين، ويفهم من هذا أن الفساد إستشري في الأرض حتي وسط أبناء الله وحتي يعلن الله غضبه علي الفساد وأن عقوبة الخطية هي الموت أرسل الله الطوفان وكان الطوفان رمزاً: -
1. للمعمودية: فكان الله قادراً أن يرسل ملاكاً يقتل الخطاة كما فعل ملاك بجيش أشور وقتل 185.000 في ليلة واحدة أو كما أهلك ملاك أبكار مصر. ولكن الطوفان كان يشير للتجديد بالمعمودية فهناك من ماتوا بالطوفان وهناك من نجا في الفلك فكان هذا رمزاً لأن المعمودية دفن وقيامة مع المسيح (رو 4:6 + ابط 21،20:3).
2. للكنيسة: فمن هو داخل الكنيسة يخلص لذلك وجد في الطقس المعماري كنائس علي هيئة فلك. ولاحظ أنه كما أحاطت التيارات واللجج بالفلك هكذا تحيط التجارب والألام بالكنيسة ولكنها لن تغرق كالفلك تماماً فأبواب الجحيم لن تقوي عليها مت 18:16. ولاحظ أن الفلك إحتوي كل الأجناس رمزاً للكنيسة التي شملت اليهود والأمم من كل العالم.
3. للمسيح:- ولاحظ أن الكنيسة هي جسد المسيح. ومن هم في المسيح يخلصون ويكونون في سلام. ولاحظ أن المسيح قد إحتمل الدينونة والعواصف ولجج مياه الموت لكي ننجو نحن بشرط أن نكون فيه مز 7:42 +2:69 + يو 4:15. ونحن في المسيح في سلام مهما إشتدت العواصف وهذا ما حدث مع يونان ( رمزاً لموت المسيح )الذي أحاطت به اللجج (يون3:2-5). والخشب عموماً يرمز للصليب وبهذا يكون خشب الفلك رمزاً لصليب المسيح. والخشب كان خشب جفر وهناك من قال أن كلمة جفر من نفس أصل كلمة تكفير فبصليب المسيح كانت الكفارة والحياة لنا. والحمامة تشير للروح القدس والغراب للخطيئة تذهب ولا ترجع. والفلك كان له باب دخل منه كل من نجا من الطوفان والمسيح هو الباب. والفلك كان له طاقة (كوة) ونحن في المسيح الآن ونحن بالجسد لنا كوي نتطلع منها إلي السماء. هو كان يراقب منها السماء ويصلي ونحن خلال صلاتنا يرينا الروح القدس جزءاً من أمجاد السماء فنفرح به ويزداد إشتياقنا (حز16:40 + نش 9:2 + 1 كو10:2).
ونلاحظ أنه بالطوفان ظهر عدل الله وأن الموت عقوبة الخطية ولكن ظهرت رحمة الله فكان هناك من خلص والآن فالله يعطينا فرصة لإظهار مراحمه.
ونلاحظ أيضاً أن الله كان مهتماً بأكلهم وشربهم فهو أعد كل شئ وهو يذكر كل إحتياجاتنا.
وقد ظهرت علامة قوس قزح كعلامة للحياة وصار الصليب علامة حياة تظهر وسط سحب وظلام هذا العالم. فلا أقوي من الصليب دليل أن الله يريد الحياة للبشر.
ولقد تناقلت الشعوب قصة الطوفان. فنجد قصة الطوفان في معظم الحضارات القديمة ولكنها محرفة وتنسبها الشعوب الوثنية لآلهتها.
وقصة الطوفان تشير إلي أن الله في مراحمه يسمح ببعض الأشياء المؤلمة لكن يخرج منها حياة، يخرج من الجافي حلاوة ومن الطوفان حياة مجددة ومن الصليب حياة لكل البشرية. ومن موتنا الحالي بالجسد خلاصاً من الجسد العتيق إستعداداً للجسد النوراني.
أية (1):- "1وَحَدَثَ لَمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ يَكْثُرُونَ عَلَى الأَرْضِ، وَوُلِدَ لَهُمْ بَنَاتٌ، "
يَكْثُرُونَ : هذه ثمار البركة في (تك 28:1) التي كانت لآدم وحواء.
أية (2):- "2أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا. "
أَبْنَاءَ اللهِ = في العبرانية أبناء الألهة وجاءت في السبعينية "الملائكة" أو أنجيلوس وهي قطعاً لا تعني الملائكة السماويين فهؤلاء لا يتزوجون (مت 30:22). لكن كلمة الملائكة تعني رسل وملاك أي رسول. فالله خلق آدم وأولاده كرسل يشهدون له في الأرض، خلقهم لأعمال صالحة، وليكونوا سفراء له. وهم قطعاً أولاد شيث هذا الذي لم يلعن بل هو مبارك في شخص أبيه الذي باركه الله.
بَنَاتِ النَّاسِ : هؤلاء هم بنات قايين.
رَأَوْا: عوضا عن أن ينشغل أولاد الله أو رسله وخدامه بخدمته. إذا بهم ينجذبون إلي الإنشغال بالجمال الجسدي. وإختلط الأبرار المباركين بالأشرار الملعونين، وزاغ الكل وفسدوا فصارت الحاجة لتجديد عام (الطوفان )
مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا : هم نظروا كيف يرضون شهواتهم دون النظر لروحيات النساء. فصاروا تحت نير واحد مع غير المؤمنين (2 كو15،14:6) وفسد مواطني المدينة السماوية.
أية (3):- "3فَقَالَ الرَّبُّ: «لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ، لِزَيَغَانِهِ، هُوَ بَشَرٌ. وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً». "
لاَ يَدِينُ : لا يلبث (شواهد STRIVE) بالإنجليزية بمعني يكافح/ يجاهد/ يناضل وقد تعني الكلمة العبرية يسود/ يعمل مع/ يسكن/ يدير.
ويكون المعني أن من يقاوم عمل الروح القدس فيه ويحزنه ويطفئه يصير غير مستحقاً لأن يعمل فيه الروح القدس فينزع منه الروح القدس لذلك نصلي مع داود "روحك القدوس لا تنزعه مني" وهذا تفسير التجديف علي الروح القدس أن يصل الإنسان لهذه الحالة فلا يعود يتوب بعد، طالما ينزع منه الروح القدس. فالله يحرم هؤلاء من الروح القدس لفسادهم وإغاظتهم له بهذه الزيجات وهذا الفساد. وكان الروح القدس يعمل معهم عن طريق وعظ نوح مثلا 1 بط 19:3. ولما عاندوا وقاوموا الروح، لا يستمر الروح في عمله بل يترك الله هذا الإنسان المقاوم (هو 17:4). وهذا ما حدث مع شاول الملك (1صم 14:16). ولاحظ أن من يمتنع الروح عن العمل معه فهو قادم إلي خراب سريع. وقد تعني كلمة روحي نفس الإنسان التي هي نفخة نسمة حياة من الله ويكون معني حكم الله أن يقصر عمر الإنسان فالروح يعمل في الإنسان لفترة معينة يحددها الله.
إِلَى الأَبَدِ : أي تقصر مدة وجود الروح وعمله في الإنسان.
هُوَ بَشَرٌ : وفي السبعينية "هو جسد" فهو بسلوكه الشهواني الجسداني صار جسد بلا روح هو صار شبيه بالحيوان فلا ينبغي أن يعيش طويلاً.
مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً : العدل ينادي للخاطئ "موتاً تموت" والرحمة تقول" أتركها هذه السنة أيضاً" فتكون الـ 120 سنة هي الفرصة التي يتركها الله للخاطئ ليتوب فيها وقد تكون كل مدة عمره الذي صار بحد أقصي 120 سنة. وهناك من قال أنها المدة التي تركها الله للعالم أيام نوح ليقدموا توبة لأن نوح إستمر في بناء الفلك 120 سنة أمامهم وكان يبشر بالطوفان الذي سيهلك العالم بسبب الخطية.
كيف نحسب مدة بناء الفلك:-
من الآية 32:5 كان عمر نوح 500 سنة ومن الآية 6:7 كان عمره 600 وقت الطوفان وبهذا تكون مدة بناء الفلك 100 سنة. وقيل أنها 120 سنة على أساس أن أقصى مدة يعطيها الله كعمر للإنسان هى 120 سنة وهى فى نفس الوقت تعتبر فرصة للتوبة. وبهذا يكون مدة بناء الفلك تتراوح من 100 إلى 120 سنة.
أية (4):-" 4كَانَ فِي الأَرْضِ طُغَاةٌ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَبَعْدَ ذلِكَ أَيْضًا إِذْ دَخَلَ بَنُو اللهِ عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَوَلَدْنَ لَهُمْ أَوْلاَدًا، هؤُلاَءِ هُمُ الْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ ذَوُو اسْمٍ. "
طُغَاةٌ : في أصلها العبري (الساقطين) هم كانوا أولاد الله وصاروا أولاداً للناس وترجمتها السبعينية "المولودين من الأرض". والنتيجة الطبيعية للزواج الشهواني أن الأولاد يكونوا طغاة فالأب لا يختار حسب الروحيات بل حسب شهواته والأولاد يتشبهوا بالطرف الأسوأ ويكونوا محبين للكرامة الزمنية : ذوو إسم: أي لهم سمعة وصيت منذ الأجيال القديمة : مُنْذُ الدَّهْرِ : فخطية الكبرياء قديمة جداً. ومثال لهؤلاء الجبابرة لامك قايين. ويكون في هذه الأية ملخص للخطايا التي كان الطوفان بسببها 1) الشهوة التي أدت إلي انحراف وفساد أولاد الله 2) عبادة القوة والمجد العالمي والبحث عن الصيت العالمي ونسيان العالم الأخر.
أية (5):- "5وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ. "
كُلَّ يَوْمٍ: في الأصل العبراني كل اليوم أي دائما بلا توبيخ ضمير. والله لا يطيق هذا الشر.
أية (6):- "6فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. "
تعبيرات " حَزِنَ الرَّبُّ " و" تَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ ": هي تعبيرات موجهة للبشر ليفهم البشر ولكن الله قطعا ليس إنفعالياً فيندم علي صنعه فهو لا يندم ولا يتغير (1صم 29:15 عد 19:23 + يع 17:1+ مل 6:3). ويكون حزن الله وأسفه هو حكم خلاله تقع العقوبة علي الخطية.
أية (7):-" 7فَقَالَ الرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ». "
هذا ما كان متوقعاً بعد أن حزن الروح القدس بسبب إصرار الناس علي الخطية (أية 3) أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ : كما يمحو كاتب بضع أسطر مكتوبة وجد بها خطأ يشوه الصفحة. مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ : هذه خلقت لأجل الإنسان فهي تموت معه.
لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ : قلب الله لا يتغير من نحونا وإنما بتغيرنا نحن وإعتزالنا إياه بقبولنا الفساد الذي هو غريب عن الله وعكس هذه الآية وبنفس المفهوم زك 3:1 إرجعوا إلي … أرجع إليكم 1يو9:1.
الأيات (8-9):- " 8وَأَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. 9هذِهِ مَوَالِيدُ نُوحٍ: كَانَ نُوحٌ رَجُلاً بَارًّا كَامِلاً فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ. "
الله لا يتجاهل إنساناً واحداً يسلك بالبر وسط جيل شرير. وبر نوح كان راجعاً لإيمانه عب 7:11 وظهر هذا في أنه صدق كلام الله وبني الفلك. فِي أَجْيَالِهِ : هذه تكشف أن بر وكمال الإنسان ليسا مطلقين. وإنما نوح كان باراً بالنسبة لما في جيله من فساد.
أية (10):- " 10وَوَلَدَ نُوحٌ ثَلاَثَةَ بَنِينَ: سَامًا، وَحَامًا، وَيَافَثَ. "
الأيات (11-12):- " 11وَفَسَدَتِ الأَرْضُ أَمَامَ اللهِ، وَامْتَلأَتِ الأَرْضُ ظُلْمًا. 12وَرَأَى اللهُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ قَدْ فَسَدَتْ، إِذْ كَانَ كُلُّ بَشَرٍ قَدْ أَفْسَدَ طَرِيقَهُ عَلَى الأَرْضِ. "
فساد الأرض راجع لفساد الإنسان الذي شوه المخلوقات غير العاقلة. وفي هذه الأيات وردت كلمة أرض بالعبرية "َأَرْضُ" بينما كانت تذكر قبل ذلك "أدمة" وهذا يشير غالباً أن الأرض التي أفسدها الطوفان ليست كل الكرة الأرضية بل الأرض التي عاش فيها الإنسان حتي هذا التاريخ وأفسدها بخطيته. إذاً قوله فَسَدَتِ الأَرْضُ : لا تعني فساد مادة الأرض.
أية (13):-" 13فَقَالَ اللهُ لِنُوحٍ: «نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي، لأَنَّ الأَرْضَ امْتَلأَتْ ظُلْمًا مِنْهُمْ. فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ الأَرْضِ."
فَقَالَ اللهُ لِنُوحٍ : هذه العبارة تكشف صداقة الله ومحبته للإنسان البار فهو يكشف له حكمته وأسراره "مز 14:25 + تك 17:18". ومعني الأية لم أكن أود أن أهلك البشر لكنهم هم صنعوا بأنفسهم هلاكاً يجلب نهايتهم، "أنا أختطفت لي قضية الموت".
أية (14):-" 14اِصْنَعْ لِنَفْسِكَ فُلْكًا مِنْ خَشَبِ جُفْرٍ. تَجْعَلُ الْفُلْكَ مَسَاكِنَ، وَتَطْلِيهِ مِنْ دَاخِل وَمِنْ خَارِجٍ بِالْقَارِ."
اِصْنَعْ لِنَفْسِكَ فُلْكًا : الفلك رمز الصليب الذي حمل المسيح معلقاً لأجلنا. فحمل فيه الكنيسة التي هي جسده المقدس. كان لابد من هلاك العالم القديم (الإنسان العتيق) في مياه المعمودية ليقوم العالم الجديد والإنسان الجديد الذي علي صورة خالقه، يحمل جدة الحياة أو الحياة المقامة في المسيح يسوع. وكانت الكلمة العبرية المستخدمة للفلك هي تابوت أو صندوق، إذا هو سفينة كالتابوت مصنوعة للطفو وليس للسير في الماء.
مِنْ خَشَبِ جُفْرٍ : ربما هو خشب السرو أو الكافور وكلاهما لا يسوس.
تَطْلِيهِ مِنْ دَاخِل وَمِنْ خَارِجٍ بِالْقَارِ : القار يكثر في بلاد أشور (العراق) حيث بني الفلك وطلاء الفلك بالقار يشير لحمايته من الوسط الخارجي (حماية الكنيسة من تيارات وهجوم العالم). ولاحظ أن الله كان يمكنه بسهولة أن يخبئ نوح وعائلته بعيداً عن مكان الطوفان ولكن الله تركه يعمل ويجاهد في البناء والطلاء بالقار، فهذا هو الجهاد ولكن الله أغلق عليه بعد ذلك بنعمته (تك 16:7 وأغلق الرب عليه). ولنلاحظ أن الفلك وسط هذه المياه كان يشبه غواصة ويستحيل بتكنولوجيا هذه الأيام أن تحتمل سفينة نوح كل هذا الماء إلا لو كان الله قد أغلق عليه بيده ليكمل نقص جهاد الإنسان بنعمته.
أية (15):-" 15وَهكَذَا تَصْنَعُهُ: ثَلاَثَ مِئَةِ ذِرَاعٍ يَكُونُ طُولُ الْفُلْكِ، وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا عَرْضُهُ، وَثَلاَثِينَ ذِرَاعًا ارْتِفَاعُهُ. "
أبعاد الفلك 300× 50× 30 ذراع (طول × عرض × علو)
100× 3= 300 هذا هو قطيع المسيح (100) المؤمن الثالوث (3) وقام من موت الخطية مع المسيح فرقم 3 يشير للقيامة فالمسيح قام في اليوم الثالث.
50: حل عليهم الروح القدس يوم الخمسين. وفي اليوبيل (كل 50 سنة) يحرر العبيد.
30: هي السن التي وقف فيها يوسف أمام فرعون وبدأت خدمة المسيح. هي سن النضج وكان فيها الكهنة يبدأون خدمتهم الكهنوتية.
إذاً الأبعاد تشير للكنيسة قطيع المسيح المؤمن بالثالوث والتي قامت مع المسيح فى اليوم الثالث ( الآن من موت الخطية) والتى يحل الروح القدس فيها وهي كنيسة لها خدمة كهنوتية وشعبها يقدم ذبائح التسبيح والشكر. وقد تحررت من عبودية إبليس وأيضاً هى كنيسة شعبها ناضج.
أية (16):-" 16وَتَصْنَعُ كَوًّا لِلْفُلْكِ، وَتُكَمِّلُهُ إِلَى حَدِّ ذِرَاعٍ مِنْ فَوْقُ. وَتَضَعُ بَابَ الْفُلْكِ فِي جَانِبِهِ. مَسَاكِنَ سُفْلِيَّةً وَمُتَوَسِّطَةً وَعُلْوِيَّةً تَجْعَلُهُ. "
كَوًّا لِلْفُلْكِ : هذه التي نعاين من خلالها السماويات علي قدر ما تسمح به إمكانياتنا الجسدية. بَابَ الْفُلْكِ فِي جَانِبِهِ : الباب يشير للمسيح "أنا هو الباب" وكون الباب في الفلك والفلك يشير للمسيح فهو إذا يشير للجرح الذي كان في جنب المسيح بالحربة. فمنه فاضت الأسرار التي بها ينضم المؤمن به إلي عضويته. ومن خلاله يدخل القادمون إليه. من جرح جنب المسيح خرج دم وماء (1يو8:5).
الكوة لغوياً هي خرق في الحائط يدخل منه الضوء والهواء.
مَسَاكِنَ سُفْلِيَّةً وَمُتَوَسِّطَةً وَعُلْوِيَّةً تَجْعَلُهُ : فالمؤمن حين يدخل لجسد المسيح كمبتدئ يكون في مساكن سفلية ويتدرج في الصعود حتي يصل لأعلي درجة. إذا هي تشير لثلاث درجات النمو الروحي وهكذا كانت المنارة في الخيمة لها 3 درجات (كاسات وعجر وأزهار) وهيكل حزقيال كان ثلاث طوابق. كل هذا يشير لنفس المفهوم. وكان نوح غالباً يقيم بالطابق الأعلي ونوح كلمة تعني نياح وتعزية. فكلما صعدنا لأعلي نقترب من الراحة والتعزية. (مت 28:11).
أية (17):- " 17فَهَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ لأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي الأَرْضِ يَمُوتُ. "
أية (18):-" 18وَلكِنْ أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكَ، فَتَدْخُلُ الْفُلْكَ أَنْتَ وَبَنُوكَ وَامْرَأَتُكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ."
لاحظ القديس بطرس أن عدد الذين خلصوا بالفلك كانوا ثمانية أشخاص. ورقم 8 يشير للحياة فيما بعد الزمن فأيام زمن هذا العالم 7 يأتي بعدها الدهر الأتي. إذاً عمل الطوفان كان تجديد العالم بمعني إقامة كنيسة لها طبيعة سماوية خلال تمتعها بالحياة المقامة في المسيح يسوع (الذي قام يوم الأحد في بداية الأسبوع الجديد) (راجع 1بط 20:3) ولاحظ أن القديس بطرس يركز علي هذا المفهوم (2بط 5:2) فنوح أيضاً كان ثامناً وقوله ثامناً أي دخل بعد أن دخلت عائلته فكان ثامناً لكن بتفسير معني الأرقام فنوح هنا يرمز للمسيح يسوع (يسوع= 888) وفي يسوع نحصل علي الخلاص والحياة الأبدية بعد القيامة العامة. وكما كرز نوح للذين كانوا في السجن (ابط 20،19:3) جاء المسيح وكرز في العالم. وقول بطرس "السجن" هذا يشير إلي أن العالم الخاطئ حكم عليه بالموت وكأنهم مساجين في سجن فينتظرون تنفيذ حكم الموت (الإعدام) ولكن نوح كان يكزر لهم فالله أعطاهم فرصة 120 سنة ومن يندم ويتوب يفلت من حكم الإعدام وهكذا صنع المسيح. فكان نوح يكرز بروح المسيح. وهو شابه المسيح الذي بشر حتي ينقذ الناس من طوفان غضب الله. وشابه المسيح في أنه بدأ حياة جديدة.
· ولنلاحظ أن نفس الماء الذي أهلك الأشرار هو نفسه الذي رفع الفلك. فكل الألام التي يسمح بها الله للبشرية تكون لنا سبب أو رائحة حياة لحياة وللخطاة رائحة موت لموت.
· كيف نظر البشر الخطاة لنوح؟ قطعاً هزءوا به حين دخل الفلك وقالوا هو حكم علي نفسه بالموت وكيف نظر نوح للخطاة؟ أنهم في سبيلهم للموت قطعاً بسبب خطاياهم.
· إذا الفلك تطبيق عملي للأية "صُلِب العالم لي وأنا صُلبت للعالم"
· الفلك الذي هو كالسجن أو كالتابوت يصير جنة لأن الله فيه (الثلاث فتية ومعهم شبيه بإبن الآلهة).
الأيات (19-22):- " 19وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ، اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ تُدْخِلُ إِلَى الْفُلْكِ لاسْتِبْقَائِهَا مَعَكَ. تَكُونُ ذَكَرًا وَأُنْثَى. 20مِنَ الطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنَ الْبَهَائِمِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنْ كُلِّ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ تُدْخِلُ إِلَيْكَ لاسْتِبْقَائِهَا. 21وَأَنْتَ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ مِنْ كُلِّ طَعَامٍ يُؤْكَلُ وَاجْمَعْهُ عِنْدَكَ، فَيَكُونَ لَكَ وَلَهَا طَعَامًا». 22فَفَعَلَ نُوحٌ حَسَبَ كُلِّ مَا أَمَرَهُ بِهِ اللهُ. هكَذَا فَعَل. "
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس
فلك نوح
(1) إنتشار الخطية وعقوبة الله ( ع 1 - 7 ) :
ع 1 ، 2 : أولاد الله : أي أبناء شيث وأنوش الذين عاشوا مع الله وحملوا إسمه المبارك ( ص 4 : 26 ) . بنات الناس : هم نسل قايين ودُعِينَ كذلك لأنهم عاشوا منشغلين بالجسد والإهتمامات المادية التي للناس . توالد الناس وتكاثروا وكان نسل شيث يحيون مع الله منعزلين عن نسل قايين الذين إنشغلوا بالكرامة والمقتنيات وتركوا عبادة الله . وأعجب أبناء شيث بالجمال المادي الذي لبنات قايين وتزوجوا بهن ، فاختلط الخير مع الشر وساد الشر في كل العالم . وهكذا لم يحتفظ أولاد الله بانعزالهم عن الشر عندما تهاونوا ففقدوا طهارتهم وانشغل الكل بشهوات العالم وابتعدوا عن الله .
+ ليكن قلبك مصلياً من أجل العالم كله بل وتبحث عن خلاص نفوس الكل بجميع الوسائل ولكن إحترس من أن تختلط بشر الأشرار في كلامهم ومجالسهم وشهواتهم الشريرة . تمسك بوصايا الله وارفض كل شر مهما كان صغيراً لترضي الله في كل أعمالك .
ع 3 : لا يدين : لا يظل روحي يبكت الإنسان الشرير إلى الأبد إذ كان يبكتهم عن طريق الضمير ولكنهم يرفضون صوته . زيغانه : إبتعاده عن الله وانهماكه في الشهوات الشريرة . هو بشر : هو إنسان مال إلى الشهوات المادية . أيامه مئة وعشرين سنة : يعطيه الله فرصة أخيرة للتوبة 120 سنة وهي مدة بناء الفلك . ضاق الله من شرور الإنسان المتزايدة ورفضه التوبة فقرر إهلاكه لأنه رفضه ولكنه أعطاه بحنانه الأبوي فرصة أخيرة للتوبة وهي فرصة طويلة مدتها 120 سنة سيعلن نوح أثناءها هلاك الأشرار إن لم يتوبوا .
ع 4 : طغاة : أبناء قايين الذين بحثوا عن الكرامة والمركز والتسلط . الجبابرة : الأبناء الذين ولدوا من تزاوج أبناء شيث مع بنات قايين وعاشوا في الشر وطلب المجد والكرامة الأرضية فصار لهم إسم على الأرض ولكنهم مرفوضون من الله . لم يقتصر الشر والسيطرة على أبناء قايين بل إنتشر في العالم كله باختلاط أبناء شيث بأبناء قايين ، فصار النسل كله شريراً وبحثوا جميعاً عن القوة المادية وليس عن الله .
ع 5 ، 6 : لاحظ الله إنتشار الشر في العالم واستمرار الناس في هذا الشر كل يوم ورفضهم المستمر للتوبة ولهذا يصور لنا الوحي المقدس مدى حزن الله لأنَّ الإنسان لم يحقق قصده وهو الصداقة معه والسلوك في طريق البر .
ع 7 : تأسف في قلبه : تعبير بشري يعني حرفياً " الندم " .. أما المقصود هنا هو تصوير مدى حزن قلب الله . قرر الله إهلاك الأشرار لأنَّ الإنسان لن يستفيد من بقائه على الأرض بل يزداد شراً فتنتظره عقوبة أكبر ، فمن رحمة الله وعدله قرَّر إنهاء حياته وفي نفس الوقت أعطاه فرصة أخيرة للتوبة لعله يرجع إليه ؛ وقرَّر أيضاً إهلاك البهائم مع إنها لم تخطئ ولكنها تدنست بشر الإنسان الذي خلقت لأجله فلم يشكر الله على هذه الحيوانات بل على العكس إستخدمها في شهواته .
+ لاحظ أيها الحبيب كم يحزن الشر قلب الله وكم تفرحه توبتك وعودتك ، فكن إذاً مصدر لإسعاد قلبه ولا تجعل العدو يستخدمك لإيلامه حتى لا تقع تحت سلطان تأديبه .
(2) نوح المبارك ( ع 8 - 10 ) :
وسط الشر الذي ساد العالم وُجِدَت أسرة واحدة تخاف الله وتتمسك بالإيمان وهي أسرة نوح الذي عاش بالبر هو وزوجته وأولاده الثلاثة وزوجاتهم ، بل كان كاملاً قدر ما استطاع مقارنةً بمن حوله ففرح به الله وسنده بنعمته ليحيا حياة القداسة . وكانت هذه هي الأسرة الوحيدة التي تفرح قلب الله فوجدت نعمة في عينيه ، وبالطبع لم تهلك مع الأشرار بل خلصها بنعمته وحفظها من الشر .
+ نعمة الله تناديك لتحيا معه ، فاسلك في طريقه مستنداً على قوته واثقاً أنه ينجيك من كل شر ويشجعك على حياة البر .
(3) فساد الأرض وهلاك الإنسان ( ع 11 - 13 ) :
ع 11 - 13 : يظهر من هذه الآيات ليس فقط إنتشار الشر والفساد في العالم ، بل أيضاً أنَّ كل إنسان صنع شراً وبالتالي فهو مسئول عن إفساد نفسه فالله لا يأخذ أحداً بخطأ غيره . وتظهر أيضاً دالة نوح عند الله إذ يخبره بقرار إهلاك العالم الشرير وذلك لأنه الشخص الوحيد المؤمن بالله هو وأسرته وهو الذي سيحمل بشارة التوبة مدة 120 سنة للعالم كله بصنعه الفلك أمامهم لعلهم يرجعوا إلى الله ويتركوا خطاياهم ويدخلوا الفلك معه .
+ لا تستهن بصوت الله الذي يناديك للتوبة والرجوع عن خطاياك سواء في الكتاب المقدس أو الكنيسة أو على لسان المحيطين بك فالله يحبك وينتظر رجوعك . فقدم توبة اليوم وجدد عهدك معه لتستعيد سلامك وتفرَّح قلبه .
(4) بناء الفلك ( ع 14 - 22 ) :
ع 14 : جفر : هو خشب السرو أو الكافور وهي أشجار خشبها متين لا يسوس وارتفاعها كبير . مساكن : طوابق فيكون الفلك ثلاثة طوابق سفلي ومتوسط وعلوي . القار : هو الزفت الذي يتكون من مخلفات المواد البترولية . أمر الله نوح أن يصنع الفلك وهو عبارة عن سفينة كبيرة مغطاة من أعلاها ، ويتكون الفلك من ثلاثة طوابق يصنعها من خشب الجفر المتين الذي لا يسوس ثم يطليه من الخارج والداخل بالقار ليمنع نفاذ الماء من خلال الخشب . والقار يرمز لأهمية حماية الإنسان نفسه من دخول أفكار العالم إليه ليتمتع بالطهارة التي تظهر من الخارج في سلوكه ومن الداخل في أفكاره ونيات قلبه .
ع 15 : أبعاد الفلك هي 300 ذراع أي 135 متر لأنَّ الذراع هو ذراع إنسان أي 45 سم ، والعرض 50 ذراعاً أي 22.5 متراً أما الإرتفاع فثلاثين ذراعاً أي 13.5 متراً . والطول ( 300 ) أي حاصل ضرب ( 100 3 ) ورقم 100 يرمز إلى شعب الله كما قال في مثل الخروف الضال ( مائة خروف ) أما الثلاثة فترمز للثالوث القدوس ، والمعنى شعب الله المؤمن به . أما عرض خمسين فهو مثل سنة اليوبيل الخمسين التي يُعتَق فيها العبيد والمحكوم عليهم بالموت نتيجة قتلهم الخطأ لأحد ، ويوم الخمسين أيضاً هو الذي حلَّ فيه الروح القدس ، فرقم ( 50 ) يرمز لغفران الله ومحبته ، أما الإرتفاع فهو ( 30 ) مثل إرتفاع يوسف إلى عرش مصر في سن الثلاثين والمعنى الإرتفاع إلى الله أي الرجاء فيه وبالتالي فمعنى الأبعاد هو الإيمان والمحبة والرجاء .
ع 16 : أمره أن يصنع للفلك كواً أي نوافذ تكون في الطابق العلوي لأنَّ الفلك ثلاثة طوابق وتكون على بعد ذراع من سقف الفلك وهي لرؤية السماء والأمطار من خلالها وترمز لنظر الإنسان إلى السماء أي يكون روحانياً . أما الباب فيكون في جانب الفلك لدخول الإنسان والحيوان من خلاله ، وهو في جانب الفلك فيرمز إلى جنب المسيح المطعون الذي نجد من خلاله خلاصنا وفداءنا .
ع 17 : يعلن غرض بناء الفلك وهو حماية الإنسان والحيوان من الفناء بالطوفان الذي يأتي على العالم بسبب شره ، وكل من يؤمن بالله يدخل إلى الفلك فينجو من الهلاك . لذلك تبنى الكنائس على شكل فلك لأننا بها نجد خلاصنا ولا خلاص خارج الكنيسة .
ع 18 : عهد الله مع نوح أن يحفظه من الهلاك بسبب إيمانه . فالعهد دائماً بين طرفين يوفي كلٍ منهما واجباته ، الإنسان واجبه الإيمان والحياة مع الله ، والله مسئوليته أن يحفظ الإنسان من الهلاك ويعطيه حياة وسعادة معه .
+ ليتك تتمتع بالعهود مع الله فهو مستعد أن يعطيك محبته اللانهائية ويحفظك في كل طرقك إن كنت تظل أميناً في تنفيذ عهودك . وإن قصَّرت فهو طويل الأناة فارجع إليه سريعاً لتتمتع بحبه .
ع 19 ، 20 : أمره أيضاً أن يأخذ إثنين من كل حيوان أي ذكراً وأنثى من جميع الحيوانات بأنواعها المختلفة ، سواء الدواب أو الزحافات أو الطيور ... إلخ وذلك ليبقي لها نسلاً .
ع 21 ، 22 : إهتم الله أيضاً بطعام نوح والحيوانات فأمره أن يجمع من النباتات ما يكفيه هو وكل من معه ، وأطاع نوح كل أوامر الله .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح