كلمة منفعة
المشكلة وحدها، بدون الله، قد تسبب تعبًا للبعض. ولكن المشكلة، مع وجود الله، لا تسبب تعبًا..
— ربنا موجود
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني عشر دعوة إبرام اجتمعت البشرية حتى بعد الطوفان ضد الله تتعامل معه كخصم وليس كصديق محب، أما الله ففي حبه لم يعطها ظهره بل فتش بينها حتى وجد إنسانًا واحدًا استحق أن يتمتع بالدعوة ليكون أبًا لشعب الله، بنسله تتبارك الأمم. هذا الأب "إبرام" دُعي للخروج من أرضه وشعبه وبيت أبيه لينطلق بالبشرية في علاقتها مع الله ببداية جديدة. 1. دعوة إبرام 1 2. إبرام بركة للأمم 2 3. إبرام العملي في إيمانه 3-9 4. إبرام في مصر 10-13 5. ساراى وفرعون 14-20. 1. دعوة إبرام: إبرام هو العاشر في تسلسل الآباء الذين ولدوا من سام بعد الطوفان. كلمة "إبرام" تعني (الأب مكرم)، وقد غيّر الله اسمه إلى "إبراهيم" التي تعني (أب جمهور) (تك 17: 5) إذ بدأ حياته كأب مكرم وسام، جعله الله أبًا لجمهور كثير، أب الآباء، أب لجميع المؤمنين. عاش إبراهيم مع أبيه تارح وبقية الأسرة في أور الكلدانيين، عادة تعرف بالمدينة المشهورة بالاسم أورشليم Uri جنوب بابل، مكانها خرائب تُدعي المغيّر. وتدل الاكتشافات الحديثة علي أنها قبل عصر إبراهيم بحولي 1000 سنة، وإنها كانت قبلاً علي ساحل الخليج. اشتهرت أيضًا بإلهها "نانار" إله القمر وما تبع عبادته من رجاسات مرّة. عاش إبرام وسط هذا الجو الساحلي التجاري حيث الغني العظيم مع الرجاسات الوثنية لكنه بقي أمينًا في شهادة لله خلال حياته، وقد شهد له الرب: "آباؤكم سكنوا في عبر النهر منذ الدهر، تارح أبو إبراهيم وأبو ناحور وعبدوا آلهة أخري، فأخذت إبراهيم أباكم من عبر النهر وسرت به في كل أرض كنعان وأكثرت نسله وأعطيته إسحق" (يش 24: 2، 3). في هذه المنطقة عاش بنو سام ملتصقين ببني حام فتسرب الشر إلى بني سام حتى لم يوجد وسط المنطقة كلها، بل في العالم في ذلك الحين، من يعبد الله بالحق سوي إبرام، الذي بقي شاهدًا لله، اجتذب إليه ساراى امرأته ولوط ابن أخيه ليعيشا حياة مقدسة في الرب. إذ رأى الله أمانة إبرام دعاه للخروج من أور الكلدانيين وعاد ليكرر الدعوة له في حاران بعد أن أقام فيها زمانًا طويلاً مع والده وزوجته وابن أخيه، ومات أبوه هناك (11: 31، 32). حقًا لم يذكر سفر التكوين الدعوة بالخروج في أور الكلدانيين مكتفيًا بالدعوة التي تلقاها في حاران، لكن الكتاب المقدس يؤكد الدعوة الإلهية له في أور الكلدانيين قبل دخوله حاران (أع 7: 2). لم يتجاهل الله إنسانًا واحدًا أمينًا وسط المدينة بأكملها، بل وسط العالم كله في ذلك الحين، بل جعله صخرًا منه يُقطع المؤمنون، وكما قيل في إشعياء: "اسمعوا لي أيها التابعون البر الطالبون الرب؛ انظروا إلى الصخر الذي منه قطعتم وإلى نقرة الجب التي منها حفرتم. انظروا إلى إبراهيم أبيكم وإلى سارة التي ولدتكم، لأني دعوته وهو واحد وباركته وأكثرته، فإن الرب عزى صهيون" (إش 5: 1-3). هكذا يطلب الله من تابعي البر وطالبي الرب أن يتطلعوا إلى أبيهم إبراهيم كصخرة قُطعوا منه ليكونوا بحق "أولاد إبراهيم". لينظروا كيف دعاه الرب "وهو واحد" غير مستهين بالواحد، بل جعله "كثرة" وعزاء لصهيون السماوية. لقد أحبه الله جدًا حتى كان يلذ له أن يدعو نفسه "إله إبراهيم" ويحسب فردوسه السماوي "حضن إبراهيم". في وسط جو وثني مظلم رأى الله قلبًا واحدًا مشتاقًا أن يلتقي به فدعاه للخروج سواء من أور الكلدانيين أو من حاران حيث كانت المدينتان مركزين لعبادة إله القمر؛ دعاه للخروج حتى يقيم من نسله "كنيسة مقدسة". جاءت الدعوة الإلهية لإبرام هكذا: "وقال الرب لإبرام: "اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك" . يعلق القديس جيروم علي هذه الدعوة الإلهية، قائلاً: [ترك أور الكلدانيين وترك ما بين النهرين، ومضي طالبًا أرضًا لا يعرفها حتى لا يفقد ذاك الذي وجده (الله). لم يحسبه سهلاً أن يحتفظ بأرضه وبربه في نفس الوقت، فمنذ أيامه المبكرة كان مستعدًا لتحقيق كلمات النبي: "أنا غريب. عندك، نزيل مثل جميع آبائي" (مز 39: 12). لقد دعي "عبرانيًا" ومعناها (عابرًا)، إذ لم يكن راضيًا بالامتيازات (الزمنية) الحاضرة إنما كان ينسي ما هو وراء ويمتد دائمًا إلى ما هو قدام (في 3: 13)، جاعلاً كلمات المرتل أمامه: "يذهبون من قوة إلى قوة" (مز 84: 7). هكذا يحمل اسمه معني سريًا، إذ يفتح أمامك الطريق لتطلب ما هو للآخرين لا ما هو لذاتك...]. كما يقول: [لقد طلب من أب الآباء أن يترك أور الكلدانيين، ويترك مدينة بابل (الاضطراب) ورحوبوت (تك 10: 11) والأماكن المتسعة، يترك أيضًا سهل شنعار حيث وجد برج الكبرياء المرتفع إلى السماء (11: 2، 4). كان يليق به أن يعبر أمواج هذا العالم ويجتاز أنهاره هذه التي جلس عندها القديسون وبكوا عندما تذكروا صهيون (مز 137: 1)... حتى يسكن في أرض الموعد التي تستقي بمياه من فوق وليس كمصر بمياه من أسفل (تث 11: 10)... تطلب المطر المبكر والمتأخر (تث 11: 14)]. هذه الدعوة الإلهية موجهة إلى كل نفس بشرية لكي تنطلق لا من مكان معين أو عشيرة أو بيت ما وإنما تنطلق بالقلب خارج محبة العالم والذات (الأنا)، لكي تلتقي بالرب السماوي وتعيش معه في أحضانه. إنها دعوة للأجيال كلها، وقد سحبت قلوب الكثير من الآباء مدركين أنها دعوة إلهية تمس حياتهم الشخصية؛ نذكر موجزًا لبعض تعليقات الآباء عليها: يري الآب بفنوتيوس أنها دعوة إلهية لممارسة الحياة النسكية، بها يتخلى الإنسان عن أرضه أي عن محبة غني العالم، وعن عشيرته أي عن حياته القديمة بعاداته الشريرة، وعن بيت أبيه الأرضي ليطلب بيت الآب السماوي. فمن كلماته [قال له: أولاً: "اذهب من أرضك"، أي من (محبة) ممتلكات هذا العالم وغناه الأرضي. ثانيًا: "من عشيرتك"، أي من حياتك السابقة بما فيها من عادات وخطايا تعلقت بك منذ الميلاد الأول وارتبطت بك كما لو كانت رابطة صداقة وقربى. ثالثًا: "من بيت أبيك"، أي من كل ما في العالم وتراه عيناك، فعن الأبوين (الأرضي والسماوي) ينبغي ترك أحدهما وطلب الآخر، إذ يقول داود في شخص الله: "اسمعي يا بنتي وانظري، أميلي أذنك وانسي شعبك وبيت أبيك" (مز 45). فالقائل: "اسمعي يا بنتِ" بالتأكيد هو أب]. يري هذا القديس أن الدعوة موجهة للتمتع بمراحل النسك الثلاثة: زهدي جسدي نبذ للسلوك القديم؛ تحرر للروح من المرئيات والانشغال بالسمائيات. فلا يكفي للإنسان أن يترك أرضه كأن يمارس الصوم وكل أنواع النسك المادي أو الجسدي، ولا أن يترك عشيرته، أي يتخلى عن عاداته الشريرة القديمة، لكن يلزمه أيضًا أن يترك بيت أبيه القديم ليدخل إلى حضن أبيه السماوي، قائلاً: "فإن سيرتنا نحن في السموات" (في 3: 2). ويري الأب قيصريوس أسقف Arles أن هذه الدعوة الإلهية إنما تتحقق في مياه المعمودية بالروح القدس الذي ينزع عن أرضنا (الجسد) خطاياه، ويبيد عاداتها الشريرة (العشيرة)، ويغتصبنا من بيت أبينا القديم أي إبليس لنسكن في بيت أبينا الجديد. فمن كلماته: [إننا نؤمن وندرك أن هذه الأمور كلها قد تحققت فينا أيها الاخوة خلال سرّ المعمودية. أرضنا هي جسدنا، فتذهب بلياقة من أرضنا بتركنا عاداتنا الجسدية وتبعيتنا للمسيح. أفلا يُحسب الإنسان أنه قد ترك أرضه أي ذاته متى صار متضعًا بعد الكبرياء، وصبورًا بعد أن كان سريع الانفعال، وبتركه الانحلال ودخوله إلى العفة، وانطلاقه من الطمع إلى السخاء، ومن الجسد إلى الحنو، ومن القساوة إلى اللطف؟ حقًا أيها الاخوة من يتغير هكذا خلال حبه لله يكون قد ترك أرضه... أرضنا أي جسدنا قبل المعمودية تحسب أرض الأموات، لكنها بالمعمودية صارت أرض الأحياء، هذه التي أشار إليها المرتل، قائلاً: "أمنت أن أري جود الرب في أرض الأحياء" (مز 27: 13). بالمعمودية نصير أرض الأحياء لا الأموات، أي أرض الفضائل لا الرذائل... يقول الرب: "(وتعالَ) إلى الأرض التي أريك"، فنأتي بفرح إلى الأرض التي يرينا الله إياها، إن كنا بمعونته نطرد الخطايا والرذائل من أرضنا، أي جسدنا. "اذهب من عشيرتك"، هنا تفهم العشيرة بكونها الرذائل والخطايا التي وُلدت جزئيًا بطريقة ما معنا وتزايدت وانتعشت بعد الطفولة خلال عاداتنا الشريرة. إننا نترك عشيرتنا إن كنا خلال نعمة المعمودية نتفرغ من الخطايا والرذائل... ولا نعود كالكلب إلى قيئه. "اذهب من بيت أبيك"، لنقبل هذه العبارة بمفهوم روحي أيها الاخوة الأعزاء، فقد كان الشيطان أبانا قبل نعمة المسيح، عنه يتحدث الرب في الإنجيل عندما وبخ اليهود قائلاً: "أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا" (يو 8: 44)... لذلك يليق بنا أيها الاخوة أن نتأهل لنوال هذه الأمور خلال نعمة المعمودية وليس بقوتنا، فنترك أرضنا أي (شهوات) جسدنا، وعشيرتنا أي الرذائل والخطايا (العادات)، ونهرب من بيت الشيطان أبينا. لنبذل كل الجهد بمعونته لكي لا نعود إلى مصاحبة الشيطان أو مصادقته... بل بالأحرى نتمثل بإيمان إبراهيم ونعمل الأعمال الصالحة علي الدوام لا لننال الغفران فحسب وإنما لندخل مع الله في صداقة ومصاحبة. لنتأمل بخوف عظيم ومهابة ما قال الرب لموسى في هذا الشأن... "احترز من أن تقطع عهدًا مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فخًا في وسطك" (خر 34: 12). الآن نؤمن أننا بنعمة المعمودية ننزع عنا كل الخطايا والمعاصي، فإن عدنا وقطعنا معها عهدًا تصير لنا فخًا]. لم يكن خروج إبرام سهلاً، إذ يعيش في مدينة ساحلية عُرفت بغناها وتقدمها وثقافتها بجانب ارتباطه بعائلته، خاصة وأن الدعوة جاءته في سن ليس بصغير، إذ خرج من حاران في سن 75 عامًا، أي في وقت يحتاج فيه إلى استقرار، هذا ولم يكن له ولد يرثه أو يهتم به في شيخوخته. نحن نعلم أن الإنسان يميل إلى التحرك بمرونة في سن صغير لكنه كلما كبر يصعب تحركه خاصة إن كان التحرك يعني تغييرًا شاملاً لمنهج حياته وطريقة سلوكه... ومع هذا فإبرام في مرونة الطفولة تحرك في طاعة لله. يقول القديس أمبروسيوس: [هوذا أبونا إبراهيم الذي تعين ليكون مثلاً للأجيال القادمة حينما أُمر أن يهجر أرضه وعشيرته وبيت أبيه بالرغم من كل الارتباطات الأُسرية التي كان ملتزمًا بها ألم يقدم برهانًا علي أنه يُخضع العاطفة للمنطق؟‍!... لقد قرر بكل تروٍ أن يجتاز الصعوبات دون أن يختلق لنفسه أعذارًا]. هكذا قبل إبراهيم الدعوة الإلهية وأطاع متغلبًا علي الصعوبات والعواطف البشرية، والعجيب أن الله وهو يدعوه للخروج لا يحدد له الموضع الذي يستقر فيه، بل يقول: "اذهب... إلى الأرض التي أريك". ما هذه الأرض التي يرينا الله مقابل تركنا للأمور القديمة إلاَّ تمتعنا بالدخول إلى سمواته الجديدة وأرضه الجديدة، فهو لا يود أن يترك الإنسان في حرمان أو ترك لكنه يهب أكثر مما نترك، يعطينا أرضًا جديدة أو كما يقول القديس بفنوتيوس: [إنها أرض لا تقدر أن تعرفها ولا تكتشفها بمجهودك الذاتي بل الأرض التي أريك إياها، هذه التي لم ترها والتي تجهلها]. ويري القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن غاية هذا الخروج هو دخول إلى أرض جديدة أي تمتع (بمعرفة الله)، إذ يقول: [إذ استطعنا بروح الرسول السامية أن نأخذ الكلمات بمفهومها الرمزي، فننفذ إلى المعني السري للتاريخ دون أن نفقد النظرة الحقيقية لوقائعه نجد بالتأكيد أن إبراهيم أب الإيمان قد ذهب، حسب الأمر الإلهي، من أرضه وعشيرته في رحلة تليق بنبي متعطش نحو معرفة الله. فإنني أظن أن البركات التي استحق أن ينالها لا تتناسب مع هجرة عادية من موضع إلى موضع؛ فخروجه من ذاته ومن أرضه – كما أفهمه – هو خروج من فكره الأرضي الجسداني وارتفاع به إلى أقصي ما يستطيع فوق حدود الطبيعة المعتادة، ونبذ لتعلق النفس بحواسها، حتى تنفتح عيناه علي الأمور غير المنظورة دون وجود أي عائق حسيّ. فلا يكون هناك منظر أو صوت يشغل الذهن عن عمله بل يسير "بالإيمان لا بالعيان" كقول الرسول. هكذا ارتفع (إبراهيم) عاليًا بسمو معرفته حتى بلغ إلى ما يعتبر قمة الكمال البشري، عارفًا عن الله كل ما يمكن أن تدركه إمكانيات الإنسان المحدودة...]. 2. إبرام بركة الأمم: إن كانت الدعوة الإلهية تحمل صعوبات كثيرة لكن هذه الصعوبات لا تقارن بجانب وعود الله له، فمع كل دعوة أو وصية يقدم الله وعدًا. فحين يُقال: "أخرجوا من وسطهم واعتزلوا" يكون وعد الله: "أكون لكم أبًا وأنتم تكونون لي بنين وبنات" (2 كو 6: 17، 18). لقد دعي الله إبرام الذي ليس له ولد ووعده: "فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم أسمك" ، وإذ طلب منه أن يترك غني أور الكلدانيين وعده: "وتكون بركة وأبارك مباركيك ولاعنك ألعنه"، وإذ سأله أن يترك عشيرته وبيت أبيه قال له: "وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" . الله لا يقبل أن يكون مدينًا لإنسان إنما يطلب فرصة ليهبه بفيض؛ إنه يريد أولاده في حالة شبع حقيقي لا حرمان. لعل إبرام استكان في أور الكلدانيين لوضعه بلا ابن من صلبه يرثه، لكن الله لا يعطيه ابنًا فقط بل ويجعله "أمة عظيمة مباركة". لا يعده بمباركة ممتلكاته والتي يفقد الكثير منها خلال تنقلاته وإنما يجعله بركة، ولا يعده بأقرباء وأصدقاء إنما فيه تتبارك جميع قبائل الأرض. يشتهي الله أن يهب أولاده بلا كيل ولا حساب، فيجعل منهم لا أُناسًا مباركين بل يكون كل منهم "بركة"... نحمل الله فينا فتتحول حياتنا إلى "نور" يضيء في العالم، وخميرة قادرة أن تخمر العجين كله... إنه يشتهي أن يهبنا ذاته فنكون بركة، إن كنا بالحق كإبرام نترك أرضنا وشعبنا وبيت أبينا القديم، حتى اسمنا نتركه لنحمل اسم "إبراهيم" عوض "إبرام"، أي نتخلى عن الاسم الجسدي القديم لنحمل اسمًا جديدًا في الرب. يقول العلامة أوريجانوس: [لا يستطيع أن ينال العهد مع الله وعلامة الختان... ويتمتع بالحديث المملوء بالأسرار... وهو في بيت الله، ووسط عشيرته الجسدية، يحمل اسم إبرام... طالما هو مرتبط بالدم واللحم]. والعجيب حين يتخلى الإنسان عن كل شيء لا يعيش محرومًا بل ليتمتع بوعود الله، فإنه لا يتمتع بما لنفسه فحسب وإنما بما هو لحساب الجماعة كلها، بل ولحساب البشرية، إذ قيل لإبرام: "تتبارك فيك جميع قبائل الأرض"، الأمر الذي تحقق بمجيء السيد المسيح من نسل إبرام الذي به تباركت الشعوب، ويمكن أن يتحقق بصورة أخري في حياة كل مؤمن ينعم بتجلي السيد المسيح علي جبل قلبه الداخلي فيكون بركة للكثيرين. هذا هو ما أعلنه السيد المسيح في موعظته المشهورة بقول: "أنتم ملح الأرض... أنتم نور العالم" (مت 5: 13، 14). يتحدث القديس أغسطينوس عن هذه البركة التي نالها إبرام، قائلاً: [لنلاحظ أن إبراهيم نال وعدين، الأول أن نسله يرث أرض كنعان وقد أشير إلى ذلك بالقول: "... أجعلك أمة عظيمة"، أما الوعد الآخر فأعظم جدًا إذ هو ليس بالوعد الجسدي بل الروحي، خلاله يصير أبًا لا للأمة الإسرائيلية وحدها بل لكل الأمم التي تقتفي أثر إيمانه]. 3. إبرام العملي في إيمانه: لم يكن إبرام في إيمانه يتوقف عند تعرفه علي الله بأفكار نظرية يحفظها ويدافع عنها، ولا يتوقف في ترجمته للمعرفة عند تقديم عبادات معينة، لكنه في إيمانه أطاع الله كصديق أعظم له. يقول الوحي الإلهي: "فذهب إبرام كما قال له الرب وذهب معه لوط، وكان إبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران، فأخذ إبرام ساراى امرأته ولوطًا ابن أخيه وكل مقتنياتهما والنفوس التي امتلكا في حاران، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان" [4-5]. يقول الرسول بولس: "بالإيمان لما دُعي إبراهيم أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدًا أن يأخذه ميراثًا" (عب 11: 8). بالإيمان انطلق قلب إبراهيم خارج أور الكلدانيين كما خارج من حاران فيما بعد، إذ كان يتطلع إلى "المدينة التي لها الأساسات التي صناعها وباركها الله" (عب 11: 10). حقًا لقد كانت طاعة إبراهيم كاملة في قلبه لكنها كانت جزئية في تنفيذها فخرج أولاً من أور الكلدانيين ومعه والده تارح، ولا ندري لماذا خرج تارح؟ هل كان متعلقًا بابنه إبراهيم؟ أم وجد الفرصة سانحة لترك العبادة الوثنية؟... علي أي الأحوال خرج تارح معه إبراهيم إلى حاران وتوقف الموكب في حاران حوالي 15 عامًا، إذ لم يكن إبراهيم قادرًا علي الانطلاق منها إلاّ بعد موت والده تارح الذي غالبًا ما استثقل التحرك نحو كنعان فأعاق الموكب كله. ليته لا يكون لنا في خروجنا من أور الكلدانيين تارحًا مرافقًا لنا حتى لا نتوقف في حاران سنوات طويلة بل ننطلق مسرعين نحو كنعان السماوية، نتمتع بمواعيد الله بلا عائق. إن كانت كلمة "أور" تعني (ضياء)، وكلمة "تارح" غالبًا ما تعني (ماعز جبلي)، وكلمة "حاران" تعني (جبلي)، فإنه يليق بنا أن نخرج من ضياء الكلدانيين وبريقهم الجذاب منطلقين دون الارتباط بالأمور التافهة مثل: "الماعز الجبلي" حتى لا ننطلق إلى حاران إي المناطق الجبلية بل نسرع نحو كنعان التي تفيض عسلاً ولبنًا. أخيرًا إذ مات "تارح" بعد حوالي 15 عامًا في حاران استطاع إبرام أن يطيع الدعوة الإلهية لا علي مستوي جزئي وإنما بسرعة فائقة، متجهًا نحو كنعان، ويبدو أن الرحلة كلها لم تستغرق أكثر من سنة. أول بلد بلغها إبراهيم في أرض كنعان هي "شكيم" التي تعني (كتف)، كان يقطنها الكنعانيون بكتف معاندة لله؛ وبكتف معاندة ترك إخوة يوسف شكيم منطلقين إلى دوثان التي تعني (ثورة) (تك 37: 14-17)... لكنها صارت فيما بعد تمثل الكتف المنحنية بالحب لله تحمل الأثقال، إذ صارت تمثل جزءًا من أرض الموعد، مدينة تابعة لسبط لأوي وإحدى مدن الملجأ. شكيم مدينة لها سور (تك 33: 18؛ 34: 20) عند سفح جبل جرزيم (قض 9: 7)، في أيام يعقوب إذ عاد إلى كنعان فوجد الحويين يقيمون فيها (تك 34: 2) حيث ابتاع قطعة حقل نصب فيها خيمته (تك 33: 18، 19)، وفيها دُفن جسد يوسف (يش 24: 32). وإذ أساء شكيم بن حمور الحموي إلى دينة ابنة يعقوب، قتل أخواها شمعون ولأوي كل ذكر في المدينة (تك 34: 25-29). بالقرب من شكيم رعى اخوة يوسف غنمهم (تك 37: 12، 13). هناك عند جبل جرزيم وجبل عيبال قرأ يشوع سفر التوراة (يش 8: 30-35). وقد اختيرت كمدينة للملجأ (يش20: 7، 21: 21). هناك دعى يشوع الأسباط لسماع خطابه الوداعي (يش 24: 1). صارت شكيم عاصمة لإسرائيل في عهد يربعام الذي ثار بالأسباط العشرة ضد رحبعام (1 مل 12)، وبعد سقوط المملكة الشمالية بقيت شكيم (إر 41: 5)، وصارت عاصمة السامريين]. شكيم أو نابلس، تبعد حوالي 41 ميلاً شمال أورشليم، 5.5 ميلاً جنوب شرقي السامرة. وتقع في الوادي الأعلى المحاط بجبل عيبال من الشمال وجبل جرزيم من الجنوب، وكان الوادي معروفًا "مابارثا" أي (ممر)، بكونه ممرًا من الساحل إلى الأردن. يبدو أن إبرام لم يدخل شكيم إنما خيم بجوارها وعبر إلى "بلوطة مورة" ، التي تعني (بلوطة المعلم) أو (بلوطة العرّاف)؛ يبدو أنها أخذت اسمها عن "معلم" أو "عراف" كان يسكن هناك، وكان الناس يلتقون به تحت شجرة البلوطة. في هذا الموضع أقام إبرام "مذبحًا للرب" لأول مرة في أرض كنعان، يُقال أنه هناك دفن يعقوب كل الآلهة الغريبة التي في أيدي عائلته والأقراط التي في آذانهم (تك 35: 4) التي جاءوا بها من حاران؛ وهناك "أخذ (يشوع) حجرًا كبيرًا ونصبه هناك تحت البلوطة التي عند مقدس الرب، ثم قال يشوع لجميع الشعب أن هذا الحجر يكون شاهدًا علينا لأنه قد سمع كل كلام الرب الذي كلمنا به فيكون شاهدًا عليكم لئلا تجحدوا إلهكم" (يش 24: 26، 27). لقد تقدس الموضع إذ قدم إبرام ذبيحة شكر لله الذي دخل به أرض كنعان التي وعده أن تكون لنسله من بعده، حيث يتمجد الله وتدفن الآلهة الغريبة يتحول الموضع إلى مكان كرازة ليشوع الحقيقي فيسمع الشعب صوت الكلمة الإلهية. هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها أن الرب ظهر إنسان ، مؤكدًا وعده لإبرام: "لنسلك أعطى هذه الأرض" ، ولم يكن أمام إبرام إلاَّ أن يبني مذبحًا للرب يقدم عليه ذبيحة شكر لذاك الذي دعاه ورافقه الطريق وأكد رعايته له. انتقل إبرام نحو بيت إيل... "فبنى هناك مذبحًا للرب ودعا باسم الرب" . ثم ارتحل ارتحالاً نحو الجنوب "الـ Negeb ". 4. إبرام في مصر: "وحدث جوع في الأرض فانحدر إبرام إلى مصر ليتغرب هناك، لأن الجوع في الأرض كان شديدًا". كانت المجاعات تتكرر في أرض كنعان، وكان العلاج هو النزول إلى مصر حيث نهر النيل. لم يكن بعد قد أقام إبرام الشيخ المسن في أرض الموعد كثيرًا حتى حدثت المجاعة، ومع هذا لم يشعر إبرام أنه أخطأ التصرف بخروجه من أرضه وعشيرته وبيت أبيه، ولا تذمر على الله، ولا استهان بوعد الله له انه يعطيه هذه الأرض لنسله بكونها أرضًا تتعرض لمجاعات. لقد تباركت مصر باستقبال إبرام أب الأباء لتعوله وقت المجاعة، ولتستقبل حفيده يعقوب هو وعائلته لينطلق شعب إسرائيل من مصر، وأما ما هو أعظم من الكل فقد لجأ إليها السيد المسيح نفسه في طفولته يباركها (مت 2: 13) محققًا ما تنبأ عنه إشعياء النبي (إش 19). لكن كثيرين يشعرون أن إبراهيم أخطأ بانحداره إلى مصر، إذ جاء إليها دون رسالة صريحة من قبل الله كما حدث مع حفيده يعقوب، حيث قال له الرب: "أنا أنزل معك إلى مصر" (تك 46: 4). كان نزول إبراهيم يمثل الإنسان الذي دخل إلى أرض الموعد لكنه سرعان ما اتكل على الذراع البشرى فنزل لطلب العون الإنساني لا الإلهي، إذ قيل بإشعياء: "ويل للذين ينزلون إلى مصر للمعونة ويستندون على الخيل ويتوكلون على المركبات لأنها كثيرة وعلى الفرسان لأنهم أقوياء جدًا ولا ينظرون إلى قدوس إسرائيل ولا يطلبون الرب" (إش 31: 1). وبقدر ما صوّر لنا الكتاب المقدس إبرام في أروع صوره وهو خارج في طاعة للدعوة الإلهية يتكئ على وعد الله بإيمان، إذ به يكشف عن ضعفه في صورة بشرية مؤلمة، فقد اتكأ على أرض مصر وقد عرف ما اتسم به المصريون في ذلك الحين من شهوات جسدية فخاف، مطالبًا زوجته أن تقول أنها أخته... "ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك!" . هذا وعندما تحدث الكتاب هنا عن المجاعة قال: "وحدث جوع في الأرض" ، ولم يقل "اشتد الجوع على إبرام "كما قال عن المصريين: "لأن الجوع أشتد عليهم" (تك 47: 20). وما قيل عن المجاعة التي حدثت في أيام إبرام قيل عن تلك التي حدثت في أيام حفيده يعقوب: "وكان الجوع شديدًا في الأرض" (تك 43: 1) فالمؤمنون قد تحوط بهم المجاعات لكنها لا تمس إلا الأرض أي الجسد، أما غير المؤمنين فينحنون لها وينكسرون أمامها "لأن الجوع اشتد عليهم" (تك 47: 10). وكما يقول العلامة أوريجانوس: [لم تشتد المجاعة على إبراهيم ولا على يعقوب أو أولاده، إنما إن اشتدت إنما تشتد "على الأرض". وفي أيام إسحق قيل أيضًا: "وكان في الأرض جوع غير الجوع الأول الذي كان في أيام إبراهيم" (تك 26: 1). لكن الجوع لم يكن قادرًا أن يغلب إسحق، حتى قال له الرب: "لا تنزل إلى مصر، اسكن في الأرض التي أقول لك، تغرب في هذه الأرض، فأكون معك" (تك 26: 2، 3). وفي رأيي، يتفق مع هذه الملاحظة قول الرسول فيما بعد: "كنت فتي وقد شخت ولم أر صديقًا تُخلي عنه ولا ذرية له تلتمس خبزًا" (مز 37: 25). وفي موضع آخر: "الرب لا يجيع نفس الصديق" (أم 10: 3). كل هذه النصوص تعلن أن الأرض يمكن أن تعاني من الجوع، وأيضًا الذين لهم الفكر الأرضي (في 3: 19). أما الذين لهم الخبز الذي به يفعلون إرادة الآب السماوي (مت 7: 21) والذين تنتعش نفوسهم بالخبز النازل من السماء (يو 6: 51، 59) فلن يعانوا من حرمان مجاعة]. لا نخف إذن من المجاعة، فإنها تصيب الأرض والأرضيين، أما من التصقوا بالرب وقبلوا جسده المقدس طعامًا روحيًا فلن يصيبهم جوع، إذ يأكلون من شجرة الحياة (رؤ 2: 7) ويشربون عصير الكرمة الحقيقية (يو 15: 1) جديدًا في ملكوت الآب (مت 26: 29). + لنكف عن أن نكون أرضًا فلا يصيبنا الجوع، ولننعم بالحياة السماوية فيكون لنا الشبع الأبدي. 5. ساراى وفرعون: أخطأ إبرام بنزوله إلى مصر دون الرجوع إلى الله أو انتظار إعلاناته له، وسحبه الخطأ إلى أخطاء متوالية... وكانت الثمرة الطبيعية أنه حُرم من زوجته إلى حين إذ سلبه فرعون إياها. والعجيب أن ما كان إبرام عاجزًا عن إعلانه بأن ساراى زوجته أعلنه الله لفرعون ليردها إليه دون أن يمسها بل ونال غني وكرامة. العجيب أن الله لا يحاسب الإنسان حسب ضعفاته، فلو أن الله سمح لفرعون أن يمس امرأة إبرام لبقي الأخير معذب الضمير كل أيام حياته، مهما نال من بركات أو عطايا... لذلك حفظها الرب من يدي فرعون، بل وردّ لإبرام غني وكرامة... لنقول مع المرتل: "لم يصنع معنا حسب خطايانا ولم يُجازنا حسب آثامنا، لأنه مثل ارتفاع السموات فوق الأرض قويت رحمته علي خائفيه" (مز 103: 10، 11). لقد كان إبرام أحد خائفي الرب ومحبيه، لذا تمتع بالمراحم التي تعلو علي الأرض، وتحقق فيه القول: "لا تمسوا مسحائي، ولا تُسيئوا إلى أنبيائي" (مز 105: 15). وكما يقول القديس أغسطينوس [بأن إبرام ينتظر عمل الله معه، وما كان إبرام يترجاه صنعه له الرب].
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثاني عشر بعد الطوفان تعاملت البشرية مع الله كخصم وليس كصديق محب، وبحث الله عن إنسان يستحق أن يتمتع بالدعوة ليكون أباً لشعب الله الذي يأتي منه المسيح. ووجد أبرام فدعاه ليعتزل شعبه لينطلق بالبشرية في علاقتها مع الله ببداية جديدة. وأبرام تعني أب مكرم أو أب سام وحينما غير الله إسمه جعله إبراهيم وهذه تعني أباً لجمهور كثير فهو أب الأباء وأب جميع المؤمنين. وهو أب الشعب الذي سيأتمنه الله علي الخلاص المزمع أن يحدث. وأور بلد إبراهيم كانت عاصمة الكلدانيين وكانت مركزاً لعبادة الأوثان. وعاش فيها إبراهيم مع أبيه تارح (في جنوب بابل). كانت علي ساحل الخليج الفارسي في أيام إبراهيم ثم ردم الطمي جزءاً من الخليج فصارت الأن للداخل. وحينما كانت علي الخليج كانت مركزاً تجارياً ساحلياً وهناك إنتشر الغني مع الرجاسات وإشتهرت بالهها "نانار" إله القمر الذي إشتهرت عبادته بالرجاسات المرة. وهكذا كانت حاران أيضا مركزاً لعبادة إله القمر. ولذلك نجد أن إبراهيم لم يحصل علي أية إعلانات أثناء فترة تواجده في أماكن الشر. ولم يوجد وسط المنطقة كلها، بل في العالم في ذلك الحين من يعبد الله بالحق سوي أبرام الذي بقي شاهداً لله وإجتذب إليه زوجته ساراي ولوط إين أخيه. وإذ رأي الله أمانة إبرام دعاه للخروج من أور فخرج ومعه تارح أبيه ولوط وساراي ولكن تارح عطله فترة طويلة في حاران. وبعد موت تارح كرر الله الدعوة لإبرام ونجد سفر التكوين يحكي لنا عن هذه الدعوة في حاران بينما كشف أسطفانوس عن دعوة الله لإبراهيم في أور (أع 2:7). وإستجابة أبرام لله تعبر عن إيمانه العجيب بأن الله قادر أن يخرج حياة من الموت. هذا هو الإيمان الظاهر في حياته. وهذا هو الإيمان الذي يحتاجه كل خاطئ. 1. خروجه وهو في سن كبير (75) سنة من مدينة معروفة إلي برية ومكان مجهول، لم يسأل كيف يعوله الله في البرية وهو في هذه السن الكبيرة. والبرية القاحلة تعني الموت لكن الله قادر أن يحييه في غربته وفي هذه البرية. 2. إيمانه بأن الله قادر أن يحيي مستودع سارة الميت. 3. إيمانه بأن الله قادر أن يقيم أسحق ويكون له نسل منه حتي لو قدمه محرقة عب 19:11. 4. وكانت عائلة إبراهيم عائلة مؤمنة بلا شك ولكن تسلل إليها بعض العادات الوثنية من الجيران الوثنيين فنحن نجد لابان بعد ذلك له ألهته (تماثيله الوثنية التي يعتقد في بركتها) فهو يعبد الله لكن لا مانع من وجود هذه التماثيل. وكان الله بدعوته لإبراهيم يحافظ علي نسله من تسلل هذه العبادات إليهم. وقد أثر إبراهيم علي من حوله وإجتذبهم لعبادة الله ومنهم من إرتقي خطوة كتارح الذي خرج معه لكنه لم يكمل الطريق. ومنهم من إرتقي لخطوة أكبر من تارح كلوط الذي خرج من حاران مع إبراهيم لكنه سقط بعد ذلك في محبة العالم وإختار النصيب العالمي. هؤلاء كانت قوتهم الدافعة للخروج هي إيمان إبراهيم وليس إيمانهم الشخصي. هؤلاء كل منهم سقط في مكان فتارح سقط ومات في حاران أما لوط الذي كانت محبة العالم في قلبه فسقط في سدوم (أين نحن؟). وفي أش 2،1:51 "إنظروا إلي الصخر الذي منه قطعتم إنظروا إلي إبراهيم أبيكم وإلي نقرة الجب التي منها حفرتم وإلي سارة التي ولدتكم." الصخر هنا هو إيمان إبراهيم الذي آمن بأن مستودع سارة الميت (نقرة الجب) يعطي حياة. أية (1):- " 1وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ." ليس من السهل أن يحتفظ الإنسان بالله والأرض في وقت واحد. وهذه الدعوة الألهية موجهة لكل نفس بشرية حتي تنطلق من محبة العالم والذات (الأنا) من محبة العادات والخطايا القديمة. هي دعوة للغربة عن العالم ولتطبيق الأية "أنا صلبت للعالم والعالم صلب لي". بهذا تلتقي النفس بالله وتعيش معه في أحضانه "أميلي أذنك وانسى شعبك وبيت أبيك مز 45" من أرضك: الدائرة الواسعة التي تعيش فيها أي كل أرض الكلدانيين ومن عشيرتك: الدائرة الأصغر: أي القبيلة التي تنتمي إليها ومن بيت أبيك: هي أصغر دائرة. فمن يعتزل يعتزل كل شئ. إلي الأرض التي أريك: لقد أعطي الله لإبرام وعداً بأرض أفضل لكنه لم يحددها ولم يكن إبرام قد رآها. لكنه صدق الله بالإيمان. فهل نصدق أننا لو تركنا خطايانا نرث السماء التي هي أفضل. الإيمان لا يخدع لكن حواسنا تخدعنا. وبالإيمان يفتح الله عيوننا علي الأمور غير المنظورة ونتمتع بمعرفة الله فنزداد إقتناعاً بترك العالم فتزداد بصيرتنا وهكذا ننتقل من إيمان لأيمان أعظم. الأيات (2-3):- " 2فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ». " مع كل دعوة أو وصية هناك وعد يقدمه الله (2كو 18،17:6 + رؤ 2،3) من يغلب أعطيه…. كذا وكذا. فالله إذا حرم إنسان من شئ يعوضه أضعاف. فالله حرم إبرام من أهله وعشيرته وها هو يعده بأن أجعلك أمة عظيمة. وهو ترك أور العظيمة يومها والله يقدم له وعداً وأباركك وأعظم أسمك : وأين عظمة أور اليوم التي تركها ابراهيم من العظمة التي صارت لإبراهيم في كل العالم وفي كل العصور. وهو ترك غني أور والله يعده تكون بركة: هو يبارك من حوله ويبارك المكان الذي يوجد فيه. هو ترك أور فأعطاه الله كنعان كلها وحرم من عائلته فصار أبا للمؤمنين. فقد حماية أور بأسوارها المنيعة فصار له الله سوراً من نار: أبارك مباركك ولاعنك العنه. ونأتي لأعظم بركة نالها إبراهيم وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض : هذا هو وعد الخلاص وبأن المسيح يأتي من نسله لذلك قال وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض: هذا هو وعد الخلاص وبأن المسيح يأتي من نسله لذلك قال فيك ولم يقل بك. فالإنسان الذي يتخلي عن شئ من أجل الله لا يعيش محروماً بل هو يأخذ الكثير فالله لا يقبل أن يكون مديناً لإنسان بل هو يعطي بسخاء ولا يعير. وهذه البركة الأخيرة تشير إلي أن من يتخلي عن شئ يعطيه الله أن يأخذ ولحساب الجماعة فهو أخذ أن يأتي المسيح من نسله. وكل من قدم توبة حقيقية ينعم بتجلي المسيح فيه فيكون بركة لكثيرين. هذا هو معني "أنتم ملح الأرض… أنتم نور العالم" والوعد لإبراهيم أجعلك أمة عظيمة تحقق في الأمة الإسرائيلية وأنها ترث كنعان والوعد بالبركة لكل العالم صار فيه إبراهيم أباً لكل المؤمنين الذين يتشبهوا به ويؤمنون. الأيات (4-5):- "4فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. 5فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ." ليتنا لا نكون مثل تارح نخرج من أور ولا نكمل الطريق إلي كنعان السماوية، وياليتنا لا يكون لنا تارح يعطلنا عن المسير. أية (6):- " 6وَاجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. " بلوطة مورة: تعني بلوطة المعلم وربما أخذت اسمها من معلم ديني أي مدرس كان يجلس تحتها. ويقال أنها تعني بلوطة العراف. وشكيم هي نابلس علي بعد 65 كيلومتر من أورشليم وهي أول بلد بلغها إبراهيم في أرض كنعان. وكان الكنعانيون هناك: تاريخياً تشير هذه الجملة إلي أنه في هذا الوقت كان الكنعانيون قد تسيدوا علي الأرض كلها. أو إلي أن موسي بروح الإيمان قبل أن يدخل الشعب لكنعان وبناء علي وعد الله أن هذه الأرض هي لنسل إبراهيم واسحق ويعقوب يقول هذا كأنه يري الأرض في يد شعب الله وكأنه بهذه العبارة يريد أن يقول الله وَعَدَ إبراهيم بالأرض لكن مازالت الأرض في يد الكنعانين علي رجاء حصول شعب الله عليها. وروحياً يشير هذا للمقاومة التي يجدها أولاد الله في الكنيسة التي تشير إليها كنعان فليس معني التوبة والرجوع للكنيسة أن مقاومة إبليس ستنتهي وتكون الجملة= وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض تعني وكان إبليس حينئذ يحارب أولاد الله. فالكنيسة التي تحيا في السماويات مازالت علي الأرض لذلك يحاربها إبليس (أف 12:6). وليس معني وصول إبراهيم لكنعان هلاك الكنعانيين فوراً بل هناك بعض الحروب لكن كان الله يظهر له ويعزيه (أية 7) ونحن يعطينا الله نصرة وغلبة علي الشيطان ويعطينا سلاماً وفرحاً وصبراً علي هذه الحروب. أية (7):- " 7وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ». فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ. " هذه أول مرة يذكر فيها أن الله ظهر لبشر وهي أحد ظهورات المسيح قبل التجسد. وفي هذا المكان أقام أبرام مذبحاً للرب فتقدس الموضع بتقديمه ذبيحة شكر لله من أجل وصوله سالماً. أية (8):- " 8ثُمَّ نَقَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْجَبَلِ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيل وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ. وَلَهُ بَيْتُ إِيلَ مِنَ الْمَغْرِبِ وَعَايُ مِنَ الْمَشْرِقِ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ. " لاحظ أنه يكرر بناء مذبح للرب حينما إنتقل إبرام لمكان جديد فالمذبح لم يكن يفارقه. أية (9):- " 9ثُمَّ ارْتَحَلَ أَبْرَامُ ارْتِحَالاً مُتَوَالِيًا نَحْوَ الْجَنُوبِ. " إرتحالاً متوالياً: نحن في غربتنا في هذا العالم علينا أن نكون في إرتحال متوالي ناحية كنعان السماوية لا تعوقنا أتعاب العالم ولا مغريات العالم. أية (10):- " 10وَحَدَثَ جُوعٌ فِي الأَرْضِ، فَانْحَدَرَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ لِيَتَغَرَّبَ هُنَاكَ، لأَنَّ الْجُوعَ فِي الأَرْضِ كَانَ شَدِيدًا." هذه أول مجاعة تذكر في الكتاب المقدس ومن المؤكد أن سببها هو شر سكان الأرض وكانت المجاعات تتكرر في أرض كنعان وكان العلاج هو النزول إلي مصر حيث نهر النيل. وهكذا صنع إبراهيم دون إن يستشير الرب الذي كان قادراً أن يعوله كما فعل مع إيليا. وهذا الخطأ يمثل خطأ من تاب لكنه سرعان ما يعتمد علي الذراع البشري فيطلب المعونة الإنسانية وليس المعونة الإلهية. ولم يكن في مصر مذبح بناه إبرام فهو يبحث عن شبع البطن ومشكلتنا أننا نبحث عن الراحة الخارجية وليس عن السلام الداخلي الذي يتحقق باللقاء مع الرب عند المذبح مذبح الصلاة والشكر. [ بالرغم من خطأ إبراهيم إلا أن أرض مصر تباركت بزيارته كما تباركت بعد ذلك بحفيده يعقوب ثم بأعظم الكل السيد المسيح. إلا أن هناك فرقاً بين نزول إبراهيم ونزول يعقوب. فيعقوب نزل إلي مصر بمشورة الله] لأن الجوع في الأرض كان شديداً: الجوع يؤثر في الأرض لكن أولاد الله السماويين لهم معاملة خاصة فالكتاب لم يقل أن إبراهيم جاع. أو إشتد عليه الجوع كما قال عن المصريين (تك 20:47) وقد يجوع الجسد لكن هناك سلاماً في النفس (مز 25:37) الله لا يتخلي عن أولاده ويعطيهم حياة سماوية وشبعاً أبدياً. الأيات (11-13):- " 11وَحَدَثَ لَمَّا قَرُبَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ أَنَّهُ قَالَ لِسَارَايَ امْرَأَتِهِ: «إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ. 12فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ الْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هذِهِ امْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ. 13قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ». هذه هي سقطة أبرام الكبري. فإخفاء جزء من الحقيقة (أنها زوجته) يعتبر كذباً حتي لو كانت شقيقته من أبيه وليس من أمه. فهذا يعتبر خداع وكذب وضعف إيمان. والخداع هو نوع من الغواية يسقط فيه الإنسان ليحل مشكلة بطريقة سهلة فيجلب علي نفسه مشاكل عديدة. وبدء السقوط كان ضعف الإيمان الذي جعله ينزل إلي مصر. وهذا إمتد لضعف إيمان أن الله قادر علي حمايته وحماية زوجته. فالخطية تأتي ورائها بخطايا أخري. والنتيجة أنه حرم من زوجته. الأيات (14-20):- "14فَحَدَثَ لَمَّا دَخَلَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ رَأَوْا الْمَرْأَةَ أَنَّهَا حَسَنَةٌ جِدًّا. 15وَرَآهَا رُؤَسَاءُ فِرْعَوْنَ وَمَدَحُوهَا لَدَى فِرْعَوْنَ، فَأُخِذَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ، 16فَصَنَعَ إِلَى أَبْرَامَ خَيْرًا بِسَبَبِهَا، وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ. 17فَضَرَبَ الرَّبُّ فِرْعَوْنَ وَبَيْتَهُ ضَرَبَاتٍ عَظِيمَةً بِسَبَبِ سَارَايَ امْرَأَةِ أَبْرَامَ. 18فَدَعَا فِرْعَوْنُ أَبْرَامَ وَقَالَ: «مَا هذَا الَّذِي صَنَعْتَ بِي؟ لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّهَا امْرَأَتُكَ؟ 19لِمَاذَا قُلْتَ: هِيَ أُخْتِي، حَتَّى أَخَذْتُهَا لِي لِتَكُونَ زَوْجَتِي؟ وَالآنَ هُوَذَا امْرَأَتُكَ! خُذْهَا وَاذْهَبْ!». 20فَأَوْصَى عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ رِجَالاً فَشَيَّعُوهُ وَامْرَأَتَهُ وَكُلَّ مَا كَانَ لَهُ. العجيب أن ما كان إبرام عاجزاً عن أعلانه بأن ساراي زوجته أعلنه الله لفرعون ليردها إليه دون أن يمسها، بل ونال غني وكرامة. فالله في محبته لا يحاسب الإنسان حسب ضعفاته. ويفهم من الكلام أن الله ضرب فرعون بضربات لا نعرفها، المهم أنها أي الضربات أستطاعت أن تقنع فرعون بأن الله غاضب إذ هو حاول أن ينال من ساراي. وربما أفهمت ساراي فرعون أنها زوجة إبرام وطلبت منه أن لا يمسها. وربما حاول فرعون فضربه الله. المهم أن الله في محبته لم يقبل أن يعيش إبرام معذب الضمير كل حياته في حالة أن فرعون مس ساراي زوجته. لذلك حفظها الرب من يدي فرعون بل ورد لأبرام غني وكرامة (مز 10:103،11) فالله يخرج من الجافي حلاوة. لقد كان إبرام احد خائفي الرب ومحبيه لذا تمتع بالمراحم التي تعلو علي الأرض (مز 15:105) وتوبيخ فرعون لأبرام يشبه توبيخ البحارة ليونان النبي وهو شئ يدعو للأسف وهنا تشابه بين ما حدث لإبراهيم ونسله بعد ذلك. 1. كلاهما (إبراهيم ونسل يعقوب) ذهبوا لمصر بسبب المجاعة. 2. في الحالتين كانت هناك ضربات لفرعون وبيته. 3. كلاهما عادا محملين بالعطايا. (الله سمح بهذا ليدركوا محبته ورحمته). وفي الأيات 20،19: نجد أن فرعون ورجاله أخرجوا أبرام. وهنا لم يظهر له الرب. وكان الرب يحدثه باللغة التي تناسبه في ذلك الحين. فحينما كان إيمان إبراهيم بسيطاً كلمه الرب. ولكن إذ لجأ لفرعون ليطعمه ترك الله فرعون يكلمه. هذه هي معاملات الله معنا. فعندما صار بلعام جاهلاً ترك حماره يكلمه. وإذ كان المجوس مهتمين بالنجوم حدثهم بنجم عن ميلاد المسيح.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني عشر دعوة إبرام لكنعان ثم ذهابه إلى مصر (1) دعوة إبرام ( ع 1 - 5 ) : ع 1 ، 2 : إبرام : إسم معناه أب عظيم أو مكرَّم . دعوة الله لإبرام كانت أولاً في أور الكلدانيين كما ذكرنا وتعطلت بسبب تعلق تارح أبيه به الذي فضَّل الإقامة في حاران مدة حوالي 14 سنة ، ثم جدد الله الدعوة لإبرام مرة ثانية للخروج من المكان الذي يقيم فيه . وهذا يُظهر طول أناة الله ومحبته لإبرام ، الرجل الوحيد في العالم الذي يعبد الله هو وساراي إمرأته ولوط إبن أخيه المتعلق به ، أما باقي العالم فكان يعبد الأوثان . فالتمس الله العذر لإبرام الذي خجل من معارضة أبيه وحرم نفسه من الإقامة مع الله في الأرض الجديدة مدة ليست بقصيرة ، وإذ كرر له الدعوة أطاع في هذه المرة ، وهذه الدعوة تشمل الآتي : 1- من أرضك : وهي أور الكلدانيين أو حاران التي تقع شمالها ليبتعد عن عبادة الأوثان ، وترمز روحياً إلى ترك التعلقات الأرضية الفانية من أجل الله . 2- من عشيرتك ومن بيت أبيك : أي كل أقربائه الذين تعلق بهم عاطفياً ويمثلون حماية وطمأنينة له لأنهم مرتبطون بعبادة الأوثان وبقاؤه معهم يعطله عن عبادة الله . 3- إلى الأرض التي أريك : لم يحدد له مكاناً يقيم فيه بل يكفي أن يكون مع الله في أي مكان يختاره له ، وهذا هو الإتكال على الله . + إن كنت تؤمن بالله ، فلا تخاف من المستقبل أو تنزعج من أي شئ غريب يمر بك ، بل اترك الله يدبر حياتك حسبما يرى فهو يعرف خيرك أكثر منك ويختار لك الصالح . 4- أجعلك أمة عظيمة : رغم أنَّ ساراي كانت عاقراً وبلغ عمر إبرام 75 عاماً إلا أنَّ الله وعده ليس فقط بالإنجاب بل أن يصير نسله كثيراً جداً ويكون أمة عظيمة . فعلى قدر طاعة الإنسان لوصايا الله التي تبدو صعبة ، يعطيه بركة عظيمة لا توصف ويعينه على تنفيذ وصاياه لأنَّ الله غني ولا يمكن أن يكون مديوناً لأحد . 5- أباركك وأعظم إسمك : لا يكن إبرام شخصاً عادياً بل مباركاً من الله في صحته وممتلكاته وكل من معه يتمتع بسلامه بل يكون عظيماً في أعين كل من حوله ، هذه هي نعمة الله لأولاده المطيعين له . 6- تكون بركة : ليس فقط يكون مباركاً من الله بل بركة لمن حوله ، فكل من يلتصق به ينال بركة ، كما وعد المسيح أولاده أن يكون نوراً للعالم ( مت 5 : 14 ) . ع 3 : 7- أبارك مباركيك : من بركة الله لإبرام أنَّ كل من يتعامل معه حسناً ويمتدحه ويقتدي بسيرته يباركه الله ، لأنَّ إبرام هو صورة الله بين الأمم ليتعلموا منه فيباركهم الله ، كما أنَّ كل إنسان مسيحي صورة لله وسط المجتمع . 8- لاعنك ألعنه : من الناحية الأخرى يعد الله بالغضب والإنتقام من كل من يعادي أو يسئ إلى إبرام إذ يعطيه مهابة في أعين كل من حوله فيخشوا أن يسيئوا إليه لئلا يحل بهم الغضب الإلهي فتكون مخافته في قلوب الكل . 9- تتبارك فيك جميع قبائل الأرض : يصير إبرام بركة للعالم كله وهذا يتم في المسيح الآتي من نسله فيعطي خلاصاً للعالم كله لكل من يؤمن به . ع 4 ، 5 : أطاع إبرام كلام الله رغم صعوبته ، فترك المدن الحصينة والأهل والأحباء ليذهب إلى مكان مجهول ويعيش وسط أناس لا يعرفهم ولكنه سيتمتع بوجود الله معه وهذا يفوق كل متعة في العالم ، إنه الفردوس على الأرض . وأخذ إبرام معه إمرأته ساراي ولوط إبن أخيه الذي أحب عمه وتعلق به وأخذ معه مقتنياته الخفيفة مثل الثياب والخيام وكذا أيضاً عبيده وتحرك مع الله الذي قاده إلى أرض كنعان ، فعبر نهر الفرات ليدخلها . (2) إبرام في كنعان ( ع 6 - 9 ) : ع 6 : شكيم : هي نابلس الحالية وتبعد نحو 41 ميلاً شمال أورشليم وخمسة أميال ونصف جنوب شرق السامرة ، وهي وادي يمتد شمالها جبل عيبال وجنوبها جبل جرزيم . وقد أقام فيها يعقوب أيضاً واشترى فيها قطعة حقل ، وأخطأت دينة إبنة يعقوب مع شكيم بن حمور فيها فقتل رأوبين وشمعون إبنا يعقوب رجال قبيلة شكيم ؛ وقد دُفن فيها يوسف . بلوطة مورة : منطقة تكثر فيها أشجار البلوط الضخمة ومورة تعني المُعلم . ويبدو أنَّ مُعلماً كان يجلس في هذا المكان ويأتي إليه الناس . الكنعانيون : تميزوا بالمدنية وبناء البيوت والمدن وكانوا أشراراً منغمسين في شهوات كثيرة . وصل إبرام إلى منطقة تسمى شكيم في أرض كنعان أقام فيها مدة ثم إنتقل إلى منطقة أخرى تسمى بلوطة مورة ( خريطة 5 ، 6 ) . ع 7 : ظهر الله مرة ثالثة لإبرام عندما وصل إلى أرض كنعان وأعلن وعده له أن يعطيه أرض كنعان التي يسكن فيها ، فشكر إبرام الله وعبَّر عن شكره بإقامة مذبح لله هناك وقدم ذبائح شكر له . وهكذا تباركت أرض كنعان لأول مرة بصلاة وعبادة مرفوعة لله بدلاً من عبادة الأوثان وقدمت ذبيحة لله ترمز للمسيح الذي سيأتي في ملء الزمان بأرض كنعان ليفدي البشرية كلها . + لا تترك مكاناً تمر به طوال حياتك دون أن ترفع صلاة لله ، فيتقدس المكان بالصلاة وتشعر بوجود الله معك ويبارك أيضاً الموجودين فيه ، وإن لم تستطع أن تقف للصلاة فعلى الأقل إرفع قلبك لله الذي يراك ويفرح بصلواتك . ع 8 : بيت إيل : معناها بيت الله وتقع شرق أورشليم في منتصف المسافة بينها وبين نابلس ( شكيم ) وإسمها القديم لوز . عاي : تعني كومة خراب وتقع شرق بيت إيل . إنتقل إبرام إلى بيت إيل فسكن غربها وكانت مدينة عاي تقع شرقه . وهكذا تحرك من شكيم نحو الجنوب ، وذلك يعلن أنه غريب في الأرض يتنقل بخيمته من مكان إلى مكان ولم يتأثر بسلوك الكنعانيين الأشرار المحيطين به ، ولكنه إهتم بعلاقته مع الله فأقام مذبحاً جديداً بجوار بيت إيل وقدم ذبائح ورفع صلوات فقدس هذا المكان أيضاً . ع 9 : إستمر إبرام في إرتحاله بخيمته نحو جنوب فلسطين ، وفي كل مكان يذهب إليه ينصب خيمته ويقيم مذبحاً ، فهاتان هما العلامتان الواضحتان في حياة إبرام طوال عمره ، الخيمة والمذبح ، أي غربة العالم ومحبة الله . (3) إبرام في مصر ( ع 10 - 20 ) : ع 10 : كانت أرض كنعان تعتمد إلى حد كبير على الأمطار في الزراعة ، فيبدو أنَّ الأمطار قد قلت فتأثرت المحاصيل وحدث جوع . لم يفكر إبرام في العودة إلى ما بين النهرين بلده الأصلي لأنَّ الله أمره بتركها ولكنه فكَّر في الذهاب إلى مصر المعروفة بغناها وكثرة محاصيلها لوجود نهر النيل بها ، ولكنه لم ينتظر إرشاداً من الله بالذهاب إليها . ويظهر هنا ضعف إبرام الذي لم يحتمل ضيقة الجوع ، مع أنه لم يذكر عنه أنه جوع شديد كما يذكر الكتاب في أيام يعقوب ( ص 43 : 1 ) أو في أيام يوسف ( ص 47 : 20 ) ، ورغم علمه أنَّ المصريين شهوانيون وأشرار إذ خاف أن يقتلوه ويأخذوا منه إمرأته الجميلة سارة ، أي أنه ذهب إلى الشر بنفسه وتعذب قلبه عندما أخذوا إمرأته منه . + إحتمل الضيقات التي تمر بك واطلب معونة الله فيسندك ولا تضطرب فتندفع في تصرفات تبعدك عن الله أو تعتمد على طرق ملتوية لإنقاذ نفسك فتسقط في متاعب كثيرة . ع 11 - 13 : إستمر إبرام في ضعفه ، ففيما هو مسافر في طريقه إلى مصر ومعه ساراي إمرأته ولوط إبن أخيه وزوجته وعبيده خاف من المصريين الأشرار عندما يرون إمرأته الجميلة ساراي ، رغم أنَّ عمرها وقتذاك كان يقترب من السبعين عاماً أو على الأقل تجاوز الخامسة والستين ، ولكن لإنغماسهم في الشهوة يمكن أن يأخذوها منه ويقتلوه فقال لها " قولي أنكِ أختي " حتى لا يقتلوني . ورغم أنها أخته من أبيه أي ليست شقيقته ( ص 20 : 12 ) ولكن الخطأ واضح هنا فهو يكذب لأنه يريد أن ينفي أنها إمرأته حتى لا يقتلونه ، وهي ليست فقط خطية كذب بل أنانية إذ فكَّر في المحافظة على حياته ولم يفكر في ساراي التي سيأخذها المصريون ويفعلوا بها ما شاءوا ، وهي أيضاً خطية تنازل عن رجولته وشهامته إذ أنه مستعد أن تؤخذ منه إمرأته وتتزوج بآخر ولا يغير عليها ليحميها . ع 14 - 15 : يظهر هنا أنَّ جمال ساراي كان عظيماً جداً حتى أنَّ كل المصريين أعجبوا بها ، ووصل الخبر إلى قصر الملك وامتدحها الرؤساء مشيروا فرعون فأخذوها إلى قصره لتنضم إلى نسائه . ع 16 : أعجب فرعون بجمالها وفرح بها كزوجة له وقدم لأخيها إبرام مهراً كبيراً كما هو معتاد من أي عريس نحو أهل عروسه ، ولأنَّ هذا هو الملك نفسه فقد أعطى دواباً كثيرة لإبرام إذ علم أنَّ عمله هو الرعي . ع 17 : إذ رأي الله عجز إبرام في الدفاع عن نفسه بل ورأى أيضاً ضعفه الروحي ، إلتمس له العذر بأبوته ، لأنَّ إبرام هو الرجل الوحيد في العالم الذي يعبد الله ، فمن أجل إيمانه ستر عليه وتدخل بأن ضرب فرعون وكل من معه بأمراض شديدة وأعلمه بعد ذلك بأنَّ هذا بسبب أخذه إمرأة إبرام . وكان هذا التدخل الإلهي سريعاً قبل أن يلمس ساراي حتى لا يتعذب إبرام طوال حياته بسبب ضعفه وتهاونه ... إنه الحنان الإلهي الذي يفوق كل عقل . ع 18 ، 19 : خاف فرعون جداً من إله إبرام الذي ضربه ووبخه واحترم إبرام جداً ، فأسرع يستدعيه ويعاتبه على عدم توضيحه أنَّ ساراي إمرأته وطلب منه أن يأخذ إمرأته ويرحل عن مصر لأنه خاف منه لقوة إلهه . ع 20 : لم يأخذ فرعون الهدايا التي قدمها لإبرام كمهر لساراي واهتم أن يرسل عبيده ليودعوه بإكرام عظيم وهو راجع من مصر إلى كنعان . وهكذا تحدث الله مع إبرام عن طريق فرعون الذي أرجعه إلى كنعان حيث أمره الله أن يقيم ، مع أنَّ إبرام عندما كان يطيع الله في بساطة كان يحدثه مباشرةً وليس عن طريق الناس ، ولكن على كل حال تظهر محبة الله الذي يعيد أولاده للحياة معه مهما سقطوا في الطريق وابتعدوا عنه .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح