كلمة منفعة
التردد هو مرض نفسي، وضعف في الشخصية.ويقول القديس يعقوب الرسول: (رجل ذو رأيين هو متقلقل في جميع طرقه) (يع 1: 8).
— التردد
أبوكريفا العهد الجديد (2)
أبوكريفا العهد الجديد (2)
حجم الخط
أبوكريفا العهد الجديد (2)
ثالثاً- إدانة الكنيسة لها : هناك إجماع في الشهادات الكنسية على الطابع العام للأعمال الأبوكريفية ، فهي كتابات استخدمتها الطوائف الهرطوقية ، أما الكنيسة فاعتبرتها غير جديرة بالثقة بل ومؤذية . ومن المحتمل أن مجموعة الأعمال المحتوية على الخمسة الأجزاء التي أشار إليها فوتيوس بطريرك القسطنطينية ، كانت من تأليف المانيين في شمالي أفريقيا ، الذين حاولوا أن يحملوا الكنيسة على قبولها عوضاً عن سفر الأعمال الكتابي الذي رفضه المانيون ، وقد وصمتها الكنيسة بالهرطقة . و اقوى حكم هو الذي أصدره ليو الأول بابا روما( حوالي 450 م ) فأعلن أنـها : لا يجب منعها فقط ، بل يجب أن تجمع وتحرق ، لأنه وإن كان فيها بعض الأشياء التي لها صورة التقـــوى ، إلا إنها لا تخلو مطلقاً من السم ، فهي تعمل خفية بغواية الخرافات ، حتى تصطاد في حبائل الضلالات ، كل من تستطيع خداعهم برواية العجائب . فأعمال بولس ، التي لا يبدو فيها هرطقة واضحة ، شملها الحرم الكنسي على أساس أنها جاءت في ختام المجموعة . على أي حال ، إن الكثيرين من معلمي الكنيسة ، ميزوا بين تفاصيل الخوارق وبين التعاليم الهرطوقية ، فرفضوا الثانية وأبقوا على الأولى .
رابعاً- الكاتب : ينسب فوتيوس بطريرك القسطنطينية الأعمال الخمسة لمؤلف واحد هو ليوسيوس كارنيوس ، كما أن الكتّاب الأوائل نسبوا أسفاراًمعينة فيها إلى ليوسيوس كارنيوس ، وعلى الأخص - بشهادة عدد كبير من الكتَّاب - أعمال يوحنا . وكما يتضح من هذه الأعمال ، يدّعى المؤلف بأنه كان تابعاً ورفيقاً للرسول . ويذكر القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس شخصاً اسمه ليوسيوس كان من حاشية يوحنا ، ولكن ملحوظة القديس أبيفانيوس هذه ، مشكوك في صحتها ولعلها نتجت عن خلطه بين ليوسيوس وأعمال يوحنا . ونسبة هذه الأعمال لتلميذ يوحنا ستظل موضع شك إذ أن الأرجـــح أنها ليست كذلك . ومهما كان الأمر فإنه عندما جمعت هذه الأعمال في مجموعة واحدة ، نسبت جميعها إلى المؤلف المزعوم لأعمال يوحنا ، وعلى الأرجح حدث هذا في القرن الرابع ، رغم أنه من الواضح أن الأعمال جميعها ليست بقلم كاتب واحد ( وأكبر دليل هو الاختلاف الواضح في الأسلوب ) وإن كان يوجد بعض التشابه بين البعض منها ، إما لأنها لمؤلف واحد أو لأنها أخذت عن مصدر واحد .
خامساً- العلاقة بين أسفار الأعمال المختلفة : كان واضحاً منذ العصور القديمة وجود ارتباط بين مختلف أسفار الأعمال ، ولا شك في أنه على أساس هذا الارتباط جمعت في مجموعة واحدة تحت اسم مؤلف واحد ، فالبعض يرون تشابهاً كبيراً بين أعمال بطرس وأعمــال يوحنا ، وأنهما من إنتاج مؤلف واحد ، ويرى البعض الآخر أن الأول بني على الثاني ، بينما يرى آخرون أن هذا التشابه نتيجة مدرسة لاهوتية واحدة ، وجو كنسي واحد . كما أن أعمال أندراوس فيها وجوه شبه كثيرة مع أعمال بطرس . وعلى أي حال ، فإنها جميعها تسودها روح الزهد ، وفي جميعها يبدو المسيح في صورة رسول ، وفي جميعها أيضا تزور النساء الرسول في السجن. أما من جهة التعليم اللاهوتي ، فأعمال بولس تقف وحدها ضد النزعة الغنوسية ، أما الأعمال الأخرى فتتفق في نظرتها الدوسيتية لشخص المسيح ، بينما نرى في أعمال يوحنا وأعمال بطرس وأعمال توما نفس التعليم الصوفي الغامض عن الصليب .
سادساً- قيمتها :
أ- كتاريخ : لا قيمة إطلاقاً لأسفار الأعمال الأبوكريفية من جهة الإلمام بحياة الرسل وأعمالهم ، ولعل الاستثناء الوحيد لذلك هو الجزء المختص ببولس وتكلا في أعمال بولس . وهنا أيضاً تضيع الحقائق التاريخية في أكوام من الأساطير . ودوائر خدمة الرسل - كما ذكرت في هذه الأعمال - لا يمكن قبولها بدون مناقشة رغم أنها قد تكون مستقاة من مصادر جديرة بالثقة . وعلى وجه العموم فإن الصورة المرسومة في أسفار الأعمال الأبوكريفية لجهود الرسل الكرازية هي صورة كاريكاتيرية غريبة غير متناسقة .
ب-كتسجيل للمسيحية في العصور الأولى : رغم أن أسفار الأعمال الأبوكريفية لا قيمة تاريخيه لها ، إلا أنها عظيمة القيمة فيما يختص بإلقاء الضوء على الفترة التي كُتبت فيها ، فهي ترجع إلى القرن الثاني ، وهي منجم غني بالمعلومات عن المسيحية في صورتها العامة في ذلك الوقت ، فهي تعطينا صورة حية للمسيحية في مواجهة الطوائف السرية المتطرفة والمذاهب الغنوسية التي ازدهرت في تربة أسيا الصغرى ، فنرى فيها الإيمان المسيحي مشوباً بروح الوثنية المعاصرة ونرى الإيمان بالمسيح الله المخلص الذي أشبع الشوق العارم للفداء من قوات الشر ، مع بعض عناصر باقية من البيئة الوثنية :
1- نرى في هذه الأسفار صورة للمسيحية في صورتها العامة تحت تأثير الأفكار الغنوسية بالمقابلة مع غنوسية المدارس التي تتحرك في مجال المفاهيم الأسطورية ، والتجريدات الباردة والتهويمات الخادعة . ويكمن خلف الغنوسية ، احتقار الوجود المادي . وفي مسيحية أسفار الأعمال الأبوكريفية نجد النتيجة العملية لهذين الفكرين النابعين من هذا الموقف المبدئي : مفهوم دوسيتي عن شخص المسيح ، ونظرة تقشف للحياة . وفي الدوائر الشعبية ، لم يكن للمسيح سوى القليل من سمات يسوع التاريخي ، كان هو الله المخلص فوق كل الرياسات والسلاطين ، وبالاتحاد به تخلص النفس من أعمال الشر الرهيبة وتدخل إلى الحياة الحقيقة . وحياة المسيح كإنسان تسامت حتى أصبحت مجرد مظهر ، وبخاصة آلام المسيح التي كانت تفهم بطريقة رمزية ، فأحيانا يرون فيها صورة لوجود المسيح في كنيسته يقاسم المؤمنين آلام الاستشهاد ، وأحيانا يرون في قصة آلام المسيح رمزاً للآلام البشرية بوجه عام . وأحياناً يرون فيها كيف أن خطية شعبه وضعفهم وعدم أمانتهم تسبب له آلاماً متجددة على الدوام . ويظهر التأثير الأدبي للغنوسية ، في روح التقشف المتزمت ، أقوى السمات المميزة لهذه الأعمال .
والحقيقة أن هذه الصورة من الزهد لا نجدها في الدوائر الغنوسية فحسب ، بل نجدها في الدوائر الكنسية القديمة كما يبدو من أعمال بولس وغيرها من المصادر . وظهور الصورة المتزمتة من الزهد في المسيحية الأولى أمر مفهوم ، فقد كان ميدان المعركة الرئيسية - التي كان على الإيمان المسيحي أن يخوضها ضد الوثنية الهيلينية - هو الطهارة الجنسية . وبالنظر إلى التهتك والخلاعة اللتين شاعتا في العلاقات الجنسية ، لا عجب أن يكون رد الفعل المسيحي هو التطرف إلى الناحية الأخرى ، وكبح الشهوة الجنسية تماماً. وهذا الاتجاه في الكنيسة الأولى أكدته الروح الغنوسية ، وظهر بوضوح في أسفار الأعمال الأبوكريفية التي ظهرت في الدوائر الغنوسية أو في بيئة شاعت فيها الأفكار الغنوسية . ولابد أنه كان لهذه الروايات الخيالية التي تعني أشد العناية بالطهارة الجنسية ، أثرها البالغ في شحن الأذهان ضد العلاقات الجنسية التي تلوث طهارة الروح التي كانوا ينشدونها .
وتوجد مبادئ أخلاقية أخرى في هذه الأسفار تتفق تماماً مع المبادئ المسيحية .
2- وأسفار الأعمال الأبوكريفية عظيمة النفع لمعرفة صور العبادة في بعض الدوائر المسيحية ، فنجد وصفاً كاملاً لممارسة الفرائض المقدسة في أعمال توما . كما توجد في هذه الأسفار بعض الصلوات التي تنبض بالدفء ، والغنية بعباراتها التعبدية .
3-ونجد بداية استخدام التراتيل المسيحية ، في أعمال توما التي توجد فيها تراتيل غنوسية تفيض بالخيال الشرقي .
4-يبدو في كل هذه الأسفار الغرام بالخوارق ، والحماسة الدينية التي ازدهرت في أسيا الصغرى في القرن الثاني ( مثلاً: رقص التلاميذ حول يسوع ، في أعمال يوحنا 94 ) .
سابعاً- أثرها : كان لأسفار الأعمال الأبوكريفية أثر ملحوظ في تاريخ الكنيسة ، فبعد أن استقرت المسيحية في حكم قسطنطين ، عاد الناس بأبصارهم إلى أيام الجهاد والاضطهاد ، واهتموا اهتماماً شديداً بأحداث عصر بطولات الإيمان ، عصر الرسل والشهداء ، فقرؤوا أعمال الشهداء بنهم ، وبخاصة الأعمال الأبوكريفية التي اعتمدوا عليها كثيراً لإشباع رغبتهم في معرفة المزيد عن الرسل ، مما لا يوجد في الأسفار القانونية . وكانت التعاليم الهرطوقية - التي امتزجت بالأساطير التي نسجوها حول الرسل – سبباً في إدانة السلطات الكنسية لها ، ولكن الحرم الكنسي لم يستطع أن يمحو أثر هذه الألوان الزاهية الموجودة في تلك الروايات ، وأمام ذلك كرس كتّاب الكنيسة أنفسهم لكتابة التواريخ القديمة بعد استبعاد كل ما هو ظاهر الهرطقة ، وأبقوا على الخوارق والمعجزات . ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط ، بل استخدمت مادة الأعمال الأبوكريفية بكثرة في تلفيق تواريخ الرسل الآخرين ، كما نجد في المجموعة المسماة" أبدياس" من القرن السادس . وكانت النتيجة أنه من القرن الرابع إلى القرن الحادي عشر تزايدت بسرعة المؤلفات عـــن الرسل وأصبحت الموضوع المحبوب الذي يقبل على قراءته المسيحيون من أيرلنده حتى جبال أثيوبيا ، ومن بلاد العجم حتى أسبانيا ( كما يقــول هارناك ) . كما كتبت الأساطير حول الرسل بالإشعار الدينية ، وظهرت هذه الكتابات في تواريخ الشهــداء و التقاويم ، وأصبحت مواضيع للمواعظ في أيام الصوم ، واستقي منها الرسامون مواضيع لرسومهم . وكتبت حلقات أخرى من هذه الأساطير في الكنائس السريانية والقبطية ، وترجمت الأساطير القبطية إلى العربية ، ومن العربية إلى الحبشية . وكانت هذه الكتابات أمَّا ولوداً لجميع أنواع الخرافات ، وكما يقول هارناك : أجيال بأكملها من المسيحيين بل أمم بأكملها منهم ، قد غشيت أبصارهم وبصائرهم بالمظاهر البراقة لهذه الروايات ، فلم يعموا عن رؤية نور التاريخ الصحيح فحسب ، بل عميت أعينهم عن رؤية الحق ذاته ، ولا يفتنا أن نذكر أن المراسلات مع الكورنثيين الواردة في أعمال بولس ، قبلتها الكنيستان السريانية والأرمينية واعتبرتاها قانونية .
الابوكريفا الأعمال - كل منها على حده :-
الأعمال الأبوكريفية التي سنتكلم عنها هنا ، هي أعمال ليوسيوس التي ذكرها فوتيوس بطريرك القسطنطينية . وهي بصورتها الحالية حدث فيها تنقيح لصالح الفكر الكنسي ، ولكنها في أصلها كانت تنتمي للقرن الثاني ، ومن العسير أن نعرف كم تختلف هذه الأعمال في صورتها الحالية عما ظهرت عليه أصــلاً، ولكن واضح من كثير من النقاط أن التنقيح الذي حدث بهدف حذف الأخطاء الهرطوقية ، لم يكن شاملاً فكثير من الأجزاء الواضحة الغنوسية ، مازالت موجودة، لأن المنقح - على الأرجح - لم يدرك معناها الحقيقي .
أولا - أعمال بولس : ويقتبس منها أوريجانوس مرتين في كتاباته التي مازالت محفوظة ، ولعل هذا هو سبب الاعتبار الكبير الذي حظيت به في الشرق . وفي المخطوطة الكلارومونتانية ( القرن الثالث ) - وهي من أصل شرقي - توضع أعمال بولس موضع الاعتبار مع راعي هرماس ورؤيا بطرس . كما أن يوسابيوس القيصري - الذي يرفض رفضاً باتا ًأعمال أندراوس وأعمال يوحنا وأعمال سائر الرسل - يضع أعمال بولس في قائمة الأسفار المشكوك في صحتها مع هرماس ورسالة برنابا وتعليم الرسل وغيرها .
أما في الغرب حيث كان يُنظر بعين الريبة لإوريجانوس ، فيبدو أنهم رفضوا أعمال بولس . ولا يرد لها ذكر إلا في كتابات القديس هيبوليتس الرومانى (حوالي 170-237م)، صديق أوريجانوس ، وهو لا يذكرها بالاسم ولكنه يستشهد بصراع بولس مع الوحوش كدليل على صدق قصة دانيال في جب الأسود . ولم يبق من أعمال بولس إلا أجزاء قليلة ، ولم يكن يعرف عنها إلا القليل حتى سنة 1904 حين ظهرت ترجمة لنسخة قبطية - غير سليمة الحفظ - نشرها س.شميدت . وظهر أن أعمال بولس وتكلا ليست في الحقيقة إلا جزءاً من أعمال بولس . ومن الملحوظات المذكورة في المخطوطة الكلارومونتانية وغيرها ، نستنتج أن هذه الأجزاء التي بين أيدينا لا تزيد عن ربع الأصل :
1. أطول هذه الأجزاء وأهمها هو ما وصل إلينا في كتاب منفصل باسم أعمال بولس وتكلا ولا نستطيع أن نقطع بالزمن الذي فصلت فيه عن أعمال بولس ، ولكنه لابد حدث قبل المرسوم الجلاسياني ( 496 م) الذي لا يذكر أعمال بولس ، ولكنه يديـن أعمال بولس وتكلا .
أ- تتلخص القصة في : أن فتاة مخطوبة من أيقونية اسمها تكلا استمعت إلى كرازة بولس عن البتولية وفتنت بها ، فرفضت الارتباط بخطيبها . ولتأثير بولس عليها ، اُستدعى بولس أمام الحاكم الذي ألقاه في السجن فزارته تكلا ، فتعرض كلاهما للمحاكمة ، فنُفي بولس من المدينة وحكم على تكلا بالحرق ، ولكنها نجت بمعجزة من وسط النار ، وأخذت في البحث عن بولس . وعندما وجدته رافقته إلى أنطاكية ( وغير واضح إن كانت أنطاكية بيسيدية أو أنطاكية في سوريا ) ، وفي أنطاكية فتن بها شخص ذو نفوذ اسمه إسكندر ، الذي عانقها علناً في الشارع ، فاستهجنت تكلا فعلته ونزعت التاج الذي كان على رأسه ، فحكم عليها أن تصارع الوحوش في ميدان الألعاب . وتركت تكلا تحت حراسة الملكة تريفينا التي كانت تعيش وقتئذ في أنطاكية . وعندما دخلت تكلا إلى حديقة المصارعة ، لقيت لبؤة حتفها دفاعاً عن تكلا ضد الوحوش ، وفي وسط الخطر ألقت تكلا بنفسها في حوض به عجول البحر ، وهي تهتـف : باسم يسوع المسيح أعمد نفسي في آخر يوم . وعندما اقترح البعض أن تمزق تكلا بين الثيران الهائجة ، أغمى على الملكة تريفينا فخشيت السلطات مما يمكن أن يحدث ، وأطلقوا سراح تكلا وسلموها لتريفينا فذهبت تكلا مرة أخرى للبحث عــن بولس ، وعندما وجدته أرسلها للكرازة بالإنجيل ، فقامت بالكرازة في أيقونية أولاً ثم في سلوقية حيث ماتت . وقد وضعت إضافات متأخرة نهاية تكلا ، تقول إحداها إنها ذهبت من سلوقية إلى روما في طريق تحت الأرض وظلت في روما حتى موتها .
ب- ورغم أن قصة تكلا كتبت لإيجاد سند رسولي للبتولية ، فمن المحتمل أن يكون لها أساس ضعيف من الصحة ، فوجود طائفة قوية باسمها في سلوقية يؤيد الرأي القائل بأن تكلا كانت شخصية تاريخية ، كما أن التقاليد عن صلتها ببولس - التي تجمعت حول المعبد الذي بنى في سلوقية تكريماً لها - هي التي شكلت عناصر هذه الرواية ، ولاشك أن فيها بعض الذكريات التاريخية . فتريفينا شخصية تاريخية تأكد وجودها من اكتشاف نقود باسمها ، وكانت أم الملك بوليمون الثاني ملك بنطس وقريبة للإمبراطور كلوديوس . وليس هناك ما يدعو للشك في ما جاء في هذه الأعمال من أنها كانت تعيش في أنطاكية في وقت زيارة بولس الأولى لها . كما أن هذه الأعمال واضحة في دقتها الجغرافية ، فتذكر الطريق الملكي الذي تقول إن بولس سار فيه من لسترة إلى أيقونية ، وهي حقيقة تستلفت النظر ، لأنه بينما كان الطريق مستخدماً في أيام بولس للأغراض العسكرية ، أهمل استخدامه كطريق منتظم في الربع الأخير من القرن الأول . ويوصف بولس في هذه الأعمال : بأنه رجل قصير القامة ، أصلع الرأس ، مقوس الساقين ، نبيل الأخلاق ، مقرون الحاجبين ، ذو أنف بارز بعض الشيء ، ممتلئ نعمة ، كان يبدو أحياناً إنساناً، وأحياناً أخرى كان يبدو بوجه ملاك . وقد يكون لهذا الوصف سند يعتمد عليه . ويدافع رمساي ( في كتابه" الكنيسة في الإمبراطورية الرومانية " ص 375 ) عن احتمال وجود نسخة قصيرة من هذه الأعمال ترجع إلى القرن الأول ، وذلك على أساس هذه الملامح التاريخية ، ولكن الكثيرين لا يقبلون وجهة نظره .
ج- كانت أعمال بولس وتكلا واسعة الانتشار ،ولها تأثير كبير و ذلك للتقدير الواسع لتكلا التي كانت لها مكانة كبيرة بين القديسين باعتبارها " أول أنثى تستشهد " . والإشارات إلى هذه الأعمال في كتابات الآباء قليلة ، ولكن الرواية نفسها كانت رائجة جداً بين المسيحيين في الشرق وفي الغرب على السواء . ووصل التقدير لتكلا أقصى مداه في منطقة غاليا . وهناك قصيدة شعرية عنوانها " الوليمة " كتبها " كيبريان " ، أحد شعراء جنوب غاليا ، في القـرن الخامس ، وفي تلك القصيدة تبدو تكلا في مستوى الشخصيات الكتابية العظيمة ، وكتاب " أعمال زاسيف وبولكسينا " مأخوذ كله من أعمال بولس وتكلا .
2. جزء هام آخر من أعمال بولس ، هو الجزء الذي يشتمل على ما يعرف بالرسالة الثالثة إلى الكورنثيين ، وفيها يذكر أن بولس كان في السجن في فيلبي ( ليس في زمن أعمال الرسل 16 : 23 ، ولكن بعد ذلك بوقت ) . وكان سجنه لسبب تأثيره على ستراتونيس زوجة أبولوفانيس ، فالكورنثيون الذين أزعجتهم هرطقة اثنين من المعلمين ، أرسلوا خطاباً لبولس يصفون له التعاليم الخبيثة التي تدعي أن الأنبياء لا قيمة لهم ، وأن الله غير قادر على كل شيء ، وأنه ليست هناك قيامة أجساد ، وأن الإنسان لم يخلقه الله ، وأن المسيح لم يأت في الجسد ولم يولد من مريم ، وأن العالم ليس من صنع الله بل من صنع الملائكة . وقد حزن بولس كثيراً بوصول هذه الرسالة ، وفي ضيق شديد كتب الرد الذي فند فيه هذه الآراء الغنوسية التي ينادي بها معلمون كذبة . ومما يستلفت النظر أن هذه الرسالة التي تستشهد كثيراً برسائل بولس الكتابية ، ورسالة الكورنثيين إلى بولس التي دفعته إلى كتابتها ، اعتبرتهما الكنائس السريانية والأرمينية ، قانونيتين بعد القرن الثاني ، ولم تصل إلينا الصورة الأصلية للرسالة في اليونانية ، ولكنها وصلتنا في نسخة قبطية ( غير كاملة ) ونسخة أرمينية ونسختين مترجمتين من الاتينية ( مشوهتين ) ، علاوة على تناولها في تفسير أفرايــم ( بالأرمينية ) . وقد فقدت النسخة السريانية .
3. علاوة على الجزأين المذكورين أعلاه من أعمال بولس ، توجد أجزاء أقل أهمية مثل شفاء الرسول لرجل مصاب بالاستسقاء في ميرا ( وهي تتمة لقصة تكلا ) ، ومصارعة بولس للوحوش في أفسس ( مبنية على ماجاء في 1 كو 15 : 32 ) ، واقتباسين قصيرين يذكرهما العلامه أوريجانوس ، وجزء ختامي يصف استشهاد الرسول في زمن نيرون الذي ظهر له بولس بعد موته . كما أن القديس أكليمندس الإسكندري يقتبس فقرة عن إرسالية بولس الكرازية ، والتي ربما شكلت جزءاً من أعمال بولس . وربما كانت هذه الأعمال ذاتها هي مصدر حديث بولس في أثينا الذي كتبه جون سالسبوري ( حوالي 1156 ) .
- المؤلف وتاريخ التأليف : مما ذكره العلامه ترتليان نعلم أن مؤلف " أعمال بولس " كان شيخاً من شيوخ أسيا ، كتب كتابه " بقصد تعظيم بولس ، بإضافات من عنده " وأنه طرد من وظيفته عندما اعترف بأنه فعل ذلك حباً في بولس " . وشهادة ترتليان هذه يؤيدها الدليل في الكتاب ذاته ، حيث أنه - كما رأينا - يظهر معرفة دقيقة بطبوغرافية أسيا الصغرى وتاريخها . وكثير من الأسماء الواردة بهذه الأعمال وجدت في أثار سميرنا ، وإن كان من الخطأ أن نستنتج بناء على ذلك أن المؤلف كان من مدينة سميرنا ، ولعله كان من مدينة نالت فيها تكلا تقديراً خاصاً، وكان الدافع له إلى كتابتها هو صلتها ببولس الكارز بالبتولية ، بجانب تفنيد بعض الآراء الغنوسية . ولعل تاريخ تأليف أعمال بولس يرجع إلى النصف الثاني من القرن الثاني بين 160 - 180 م .
ورغم أن أعمال بولس كتبت لبيان عظمة الرسول ، فإنها تبين بوضوح أن المؤلف لم يكن مؤهلاً لذلك من ناحية المقدرة الفكرية أو اتساع الرؤيا ، فالمستوى الفكري لهذه الأعمال هابط جداً كما أنها فقيرة في مفاهيمها ، فالموضوع الواحد يتكرر بدون أي تغيير ، والعيوب الظاهرة في خيال المؤلف واضحة في أسلوبه العاري الخالي من الفن . وبه اقتباسات كثيرة من العهد الجديد ، والصورة التي يرسمها للمسيحية ضيقة ومن جانب واحد ، وهي في جملتها صحيحة ، وليس فيها ما يؤيد رأي ليسيوس بأنها مأخوذة عن مؤلف غنوسي . فتكرار أحداث الخوارق ، والتقشف الشديد الذي يميز هذه الأعمال ، ليسا دليلاً على التأثر بالغنوسية ، بل أن التعليم فيها هو ضد الغنوسية ، كما نرى في المراسلات بين بولس والكورنثيين : " أن الرب يسوع المسيح ولد من مريم من نسل داود ، فقد أرسل الآب الروح من السماء إليها ." ويؤكد قيامة الأموات بقيامة المسيح من بين الأموات ، ولكن القيامة قاصرة على الذين يؤمنون بها ( وهذه النقطة يبدو أنها من ابتكار المؤلف ) ، فيقول : " ان من لا يؤمنون بالقيامة لن يقوموا " ويربط بين الإيمان بالقيامة وضرورة الامتناع تماماً عن المعاشرات الجنسية ، فالأطهار فقط هم الذين يعاينون الله ، " فلن يكون لكم نصيب في القيامة إلا إذا ظللتم طاهرين ولم تنجسوا الجسد " . والإنجيل الذي كرز به الرسول كان يتعلق " بضبط النفس والقيامة " . ومحاولة المؤلف تدعيم صورة المسيحية التي كانت سائدة في أيامه ، كانت هي الهدف الرئيسي لتأليف الكتاب ،فيصور الرسول بولس على انه رسول هذا المفهوم الشائع . ولإضفاء صورة جذابة على تعليمه ، ملئت الصورة بالخوارق و المعجزات لإرضاء ذوق ذلك العصر .
ثالثاً- إدانة الكنيسة لها : هناك إجماع في الشهادات الكنسية على الطابع العام للأعمال الأبوكريفية ، فهي كتابات استخدمتها الطوائف الهرطوقية ، أما الكنيسة فاعتبرتها غير جديرة بالثقة بل ومؤذية . ومن المحتمل أن مجموعة الأعمال المحتوية على الخمسة الأجزاء التي أشار إليها فوتيوس بطريرك القسطنطينية ، كانت من تأليف المانيين في شمالي أفريقيا ، الذين حاولوا أن يحملوا الكنيسة على قبولها عوضاً عن سفر الأعمال الكتابي الذي رفضه المانيون ، وقد وصمتها الكنيسة بالهرطقة . و اقوى حكم هو الذي أصدره ليو الأول بابا روما( حوالي 450 م ) فأعلن أنـها : لا يجب منعها فقط ، بل يجب أن تجمع وتحرق ، لأنه وإن كان فيها بعض الأشياء التي لها صورة التقـــوى ، إلا إنها لا تخلو مطلقاً من السم ، فهي تعمل خفية بغواية الخرافات ، حتى تصطاد في حبائل الضلالات ، كل من تستطيع خداعهم برواية العجائب . فأعمال بولس ، التي لا يبدو فيها هرطقة واضحة ، شملها الحرم الكنسي على أساس أنها جاءت في ختام المجموعة . على أي حال ، إن الكثيرين من معلمي الكنيسة ، ميزوا بين تفاصيل الخوارق وبين التعاليم الهرطوقية ، فرفضوا الثانية وأبقوا على الأولى .
رابعاً- الكاتب : ينسب فوتيوس بطريرك القسطنطينية الأعمال الخمسة لمؤلف واحد هو ليوسيوس كارنيوس ، كما أن الكتّاب الأوائل نسبوا أسفاراًمعينة فيها إلى ليوسيوس كارنيوس ، وعلى الأخص - بشهادة عدد كبير من الكتَّاب - أعمال يوحنا . وكما يتضح من هذه الأعمال ، يدّعى المؤلف بأنه كان تابعاً ورفيقاً للرسول . ويذكر القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس شخصاً اسمه ليوسيوس كان من حاشية يوحنا ، ولكن ملحوظة القديس أبيفانيوس هذه ، مشكوك في صحتها ولعلها نتجت عن خلطه بين ليوسيوس وأعمال يوحنا . ونسبة هذه الأعمال لتلميذ يوحنا ستظل موضع شك إذ أن الأرجـــح أنها ليست كذلك . ومهما كان الأمر فإنه عندما جمعت هذه الأعمال في مجموعة واحدة ، نسبت جميعها إلى المؤلف المزعوم لأعمال يوحنا ، وعلى الأرجح حدث هذا في القرن الرابع ، رغم أنه من الواضح أن الأعمال جميعها ليست بقلم كاتب واحد ( وأكبر دليل هو الاختلاف الواضح في الأسلوب ) وإن كان يوجد بعض التشابه بين البعض منها ، إما لأنها لمؤلف واحد أو لأنها أخذت عن مصدر واحد .
خامساً- العلاقة بين أسفار الأعمال المختلفة : كان واضحاً منذ العصور القديمة وجود ارتباط بين مختلف أسفار الأعمال ، ولا شك في أنه على أساس هذا الارتباط جمعت في مجموعة واحدة تحت اسم مؤلف واحد ، فالبعض يرون تشابهاً كبيراً بين أعمال بطرس وأعمــال يوحنا ، وأنهما من إنتاج مؤلف واحد ، ويرى البعض الآخر أن الأول بني على الثاني ، بينما يرى آخرون أن هذا التشابه نتيجة مدرسة لاهوتية واحدة ، وجو كنسي واحد . كما أن أعمال أندراوس فيها وجوه شبه كثيرة مع أعمال بطرس . وعلى أي حال ، فإنها جميعها تسودها روح الزهد ، وفي جميعها يبدو المسيح في صورة رسول ، وفي جميعها أيضا تزور النساء الرسول في السجن. أما من جهة التعليم اللاهوتي ، فأعمال بولس تقف وحدها ضد النزعة الغنوسية ، أما الأعمال الأخرى فتتفق في نظرتها الدوسيتية لشخص المسيح ، بينما نرى في أعمال يوحنا وأعمال بطرس وأعمال توما نفس التعليم الصوفي الغامض عن الصليب .
سادساً- قيمتها :
أ- كتاريخ : لا قيمة إطلاقاً لأسفار الأعمال الأبوكريفية من جهة الإلمام بحياة الرسل وأعمالهم ، ولعل الاستثناء الوحيد لذلك هو الجزء المختص ببولس وتكلا في أعمال بولس . وهنا أيضاً تضيع الحقائق التاريخية في أكوام من الأساطير . ودوائر خدمة الرسل - كما ذكرت في هذه الأعمال - لا يمكن قبولها بدون مناقشة رغم أنها قد تكون مستقاة من مصادر جديرة بالثقة . وعلى وجه العموم فإن الصورة المرسومة في أسفار الأعمال الأبوكريفية لجهود الرسل الكرازية هي صورة كاريكاتيرية غريبة غير متناسقة .
ب-كتسجيل للمسيحية في العصور الأولى : رغم أن أسفار الأعمال الأبوكريفية لا قيمة تاريخيه لها ، إلا أنها عظيمة القيمة فيما يختص بإلقاء الضوء على الفترة التي كُتبت فيها ، فهي ترجع إلى القرن الثاني ، وهي منجم غني بالمعلومات عن المسيحية في صورتها العامة في ذلك الوقت ، فهي تعطينا صورة حية للمسيحية في مواجهة الطوائف السرية المتطرفة والمذاهب الغنوسية التي ازدهرت في تربة أسيا الصغرى ، فنرى فيها الإيمان المسيحي مشوباً بروح الوثنية المعاصرة ونرى الإيمان بالمسيح الله المخلص الذي أشبع الشوق العارم للفداء من قوات الشر ، مع بعض عناصر باقية من البيئة الوثنية :
1- نرى في هذه الأسفار صورة للمسيحية في صورتها العامة تحت تأثير الأفكار الغنوسية بالمقابلة مع غنوسية المدارس التي تتحرك في مجال المفاهيم الأسطورية ، والتجريدات الباردة والتهويمات الخادعة . ويكمن خلف الغنوسية ، احتقار الوجود المادي . وفي مسيحية أسفار الأعمال الأبوكريفية نجد النتيجة العملية لهذين الفكرين النابعين من هذا الموقف المبدئي : مفهوم دوسيتي عن شخص المسيح ، ونظرة تقشف للحياة . وفي الدوائر الشعبية ، لم يكن للمسيح سوى القليل من سمات يسوع التاريخي ، كان هو الله المخلص فوق كل الرياسات والسلاطين ، وبالاتحاد به تخلص النفس من أعمال الشر الرهيبة وتدخل إلى الحياة الحقيقة . وحياة المسيح كإنسان تسامت حتى أصبحت مجرد مظهر ، وبخاصة آلام المسيح التي كانت تفهم بطريقة رمزية ، فأحيانا يرون فيها صورة لوجود المسيح في كنيسته يقاسم المؤمنين آلام الاستشهاد ، وأحيانا يرون في قصة آلام المسيح رمزاً للآلام البشرية بوجه عام . وأحياناً يرون فيها كيف أن خطية شعبه وضعفهم وعدم أمانتهم تسبب له آلاماً متجددة على الدوام . ويظهر التأثير الأدبي للغنوسية ، في روح التقشف المتزمت ، أقوى السمات المميزة لهذه الأعمال .
والحقيقة أن هذه الصورة من الزهد لا نجدها في الدوائر الغنوسية فحسب ، بل نجدها في الدوائر الكنسية القديمة كما يبدو من أعمال بولس وغيرها من المصادر . وظهور الصورة المتزمتة من الزهد في المسيحية الأولى أمر مفهوم ، فقد كان ميدان المعركة الرئيسية - التي كان على الإيمان المسيحي أن يخوضها ضد الوثنية الهيلينية - هو الطهارة الجنسية . وبالنظر إلى التهتك والخلاعة اللتين شاعتا في العلاقات الجنسية ، لا عجب أن يكون رد الفعل المسيحي هو التطرف إلى الناحية الأخرى ، وكبح الشهوة الجنسية تماماً. وهذا الاتجاه في الكنيسة الأولى أكدته الروح الغنوسية ، وظهر بوضوح في أسفار الأعمال الأبوكريفية التي ظهرت في الدوائر الغنوسية أو في بيئة شاعت فيها الأفكار الغنوسية . ولابد أنه كان لهذه الروايات الخيالية التي تعني أشد العناية بالطهارة الجنسية ، أثرها البالغ في شحن الأذهان ضد العلاقات الجنسية التي تلوث طهارة الروح التي كانوا ينشدونها .
وتوجد مبادئ أخلاقية أخرى في هذه الأسفار تتفق تماماً مع المبادئ المسيحية .
2- وأسفار الأعمال الأبوكريفية عظيمة النفع لمعرفة صور العبادة في بعض الدوائر المسيحية ، فنجد وصفاً كاملاً لممارسة الفرائض المقدسة في أعمال توما . كما توجد في هذه الأسفار بعض الصلوات التي تنبض بالدفء ، والغنية بعباراتها التعبدية .
3-ونجد بداية استخدام التراتيل المسيحية ، في أعمال توما التي توجد فيها تراتيل غنوسية تفيض بالخيال الشرقي .
4-يبدو في كل هذه الأسفار الغرام بالخوارق ، والحماسة الدينية التي ازدهرت في أسيا الصغرى في القرن الثاني ( مثلاً: رقص التلاميذ حول يسوع ، في أعمال يوحنا 94 ) .
سابعاً- أثرها : كان لأسفار الأعمال الأبوكريفية أثر ملحوظ في تاريخ الكنيسة ، فبعد أن استقرت المسيحية في حكم قسطنطين ، عاد الناس بأبصارهم إلى أيام الجهاد والاضطهاد ، واهتموا اهتماماً شديداً بأحداث عصر بطولات الإيمان ، عصر الرسل والشهداء ، فقرؤوا أعمال الشهداء بنهم ، وبخاصة الأعمال الأبوكريفية التي اعتمدوا عليها كثيراً لإشباع رغبتهم في معرفة المزيد عن الرسل ، مما لا يوجد في الأسفار القانونية . وكانت التعاليم الهرطوقية - التي امتزجت بالأساطير التي نسجوها حول الرسل – سبباً في إدانة السلطات الكنسية لها ، ولكن الحرم الكنسي لم يستطع أن يمحو أثر هذه الألوان الزاهية الموجودة في تلك الروايات ، وأمام ذلك كرس كتّاب الكنيسة أنفسهم لكتابة التواريخ القديمة بعد استبعاد كل ما هو ظاهر الهرطقة ، وأبقوا على الخوارق والمعجزات . ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط ، بل استخدمت مادة الأعمال الأبوكريفية بكثرة في تلفيق تواريخ الرسل الآخرين ، كما نجد في المجموعة المسماة" أبدياس" من القرن السادس . وكانت النتيجة أنه من القرن الرابع إلى القرن الحادي عشر تزايدت بسرعة المؤلفات عـــن الرسل وأصبحت الموضوع المحبوب الذي يقبل على قراءته المسيحيون من أيرلنده حتى جبال أثيوبيا ، ومن بلاد العجم حتى أسبانيا ( كما يقــول هارناك ) . كما كتبت الأساطير حول الرسل بالإشعار الدينية ، وظهرت هذه الكتابات في تواريخ الشهــداء و التقاويم ، وأصبحت مواضيع للمواعظ في أيام الصوم ، واستقي منها الرسامون مواضيع لرسومهم . وكتبت حلقات أخرى من هذه الأساطير في الكنائس السريانية والقبطية ، وترجمت الأساطير القبطية إلى العربية ، ومن العربية إلى الحبشية . وكانت هذه الكتابات أمَّا ولوداً لجميع أنواع الخرافات ، وكما يقول هارناك : أجيال بأكملها من المسيحيين بل أمم بأكملها منهم ، قد غشيت أبصارهم وبصائرهم بالمظاهر البراقة لهذه الروايات ، فلم يعموا عن رؤية نور التاريخ الصحيح فحسب ، بل عميت أعينهم عن رؤية الحق ذاته ، ولا يفتنا أن نذكر أن المراسلات مع الكورنثيين الواردة في أعمال بولس ، قبلتها الكنيستان السريانية والأرمينية واعتبرتاها قانونية .
الابوكريفا الأعمال - كل منها على حده :-
الأعمال الأبوكريفية التي سنتكلم عنها هنا ، هي أعمال ليوسيوس التي ذكرها فوتيوس بطريرك القسطنطينية . وهي بصورتها الحالية حدث فيها تنقيح لصالح الفكر الكنسي ، ولكنها في أصلها كانت تنتمي للقرن الثاني ، ومن العسير أن نعرف كم تختلف هذه الأعمال في صورتها الحالية عما ظهرت عليه أصــلاً، ولكن واضح من كثير من النقاط أن التنقيح الذي حدث بهدف حذف الأخطاء الهرطوقية ، لم يكن شاملاً فكثير من الأجزاء الواضحة الغنوسية ، مازالت موجودة، لأن المنقح - على الأرجح - لم يدرك معناها الحقيقي .
أولا - أعمال بولس : ويقتبس منها أوريجانوس مرتين في كتاباته التي مازالت محفوظة ، ولعل هذا هو سبب الاعتبار الكبير الذي حظيت به في الشرق . وفي المخطوطة الكلارومونتانية ( القرن الثالث ) - وهي من أصل شرقي - توضع أعمال بولس موضع الاعتبار مع راعي هرماس ورؤيا بطرس . كما أن يوسابيوس القيصري - الذي يرفض رفضاً باتا ًأعمال أندراوس وأعمال يوحنا وأعمال سائر الرسل - يضع أعمال بولس في قائمة الأسفار المشكوك في صحتها مع هرماس ورسالة برنابا وتعليم الرسل وغيرها .
أما في الغرب حيث كان يُنظر بعين الريبة لإوريجانوس ، فيبدو أنهم رفضوا أعمال بولس . ولا يرد لها ذكر إلا في كتابات القديس هيبوليتس الرومانى (حوالي 170-237م)، صديق أوريجانوس ، وهو لا يذكرها بالاسم ولكنه يستشهد بصراع بولس مع الوحوش كدليل على صدق قصة دانيال في جب الأسود . ولم يبق من أعمال بولس إلا أجزاء قليلة ، ولم يكن يعرف عنها إلا القليل حتى سنة 1904 حين ظهرت ترجمة لنسخة قبطية - غير سليمة الحفظ - نشرها س.شميدت . وظهر أن أعمال بولس وتكلا ليست في الحقيقة إلا جزءاً من أعمال بولس . ومن الملحوظات المذكورة في المخطوطة الكلارومونتانية وغيرها ، نستنتج أن هذه الأجزاء التي بين أيدينا لا تزيد عن ربع الأصل :
1. أطول هذه الأجزاء وأهمها هو ما وصل إلينا في كتاب منفصل باسم أعمال بولس وتكلا ولا نستطيع أن نقطع بالزمن الذي فصلت فيه عن أعمال بولس ، ولكنه لابد حدث قبل المرسوم الجلاسياني ( 496 م) الذي لا يذكر أعمال بولس ، ولكنه يديـن أعمال بولس وتكلا .
أ- تتلخص القصة في : أن فتاة مخطوبة من أيقونية اسمها تكلا استمعت إلى كرازة بولس عن البتولية وفتنت بها ، فرفضت الارتباط بخطيبها . ولتأثير بولس عليها ، اُستدعى بولس أمام الحاكم الذي ألقاه في السجن فزارته تكلا ، فتعرض كلاهما للمحاكمة ، فنُفي بولس من المدينة وحكم على تكلا بالحرق ، ولكنها نجت بمعجزة من وسط النار ، وأخذت في البحث عن بولس . وعندما وجدته رافقته إلى أنطاكية ( وغير واضح إن كانت أنطاكية بيسيدية أو أنطاكية في سوريا ) ، وفي أنطاكية فتن بها شخص ذو نفوذ اسمه إسكندر ، الذي عانقها علناً في الشارع ، فاستهجنت تكلا فعلته ونزعت التاج الذي كان على رأسه ، فحكم عليها أن تصارع الوحوش في ميدان الألعاب . وتركت تكلا تحت حراسة الملكة تريفينا التي كانت تعيش وقتئذ في أنطاكية . وعندما دخلت تكلا إلى حديقة المصارعة ، لقيت لبؤة حتفها دفاعاً عن تكلا ضد الوحوش ، وفي وسط الخطر ألقت تكلا بنفسها في حوض به عجول البحر ، وهي تهتـف : باسم يسوع المسيح أعمد نفسي في آخر يوم . وعندما اقترح البعض أن تمزق تكلا بين الثيران الهائجة ، أغمى على الملكة تريفينا فخشيت السلطات مما يمكن أن يحدث ، وأطلقوا سراح تكلا وسلموها لتريفينا فذهبت تكلا مرة أخرى للبحث عــن بولس ، وعندما وجدته أرسلها للكرازة بالإنجيل ، فقامت بالكرازة في أيقونية أولاً ثم في سلوقية حيث ماتت . وقد وضعت إضافات متأخرة نهاية تكلا ، تقول إحداها إنها ذهبت من سلوقية إلى روما في طريق تحت الأرض وظلت في روما حتى موتها .
ب- ورغم أن قصة تكلا كتبت لإيجاد سند رسولي للبتولية ، فمن المحتمل أن يكون لها أساس ضعيف من الصحة ، فوجود طائفة قوية باسمها في سلوقية يؤيد الرأي القائل بأن تكلا كانت شخصية تاريخية ، كما أن التقاليد عن صلتها ببولس - التي تجمعت حول المعبد الذي بنى في سلوقية تكريماً لها - هي التي شكلت عناصر هذه الرواية ، ولاشك أن فيها بعض الذكريات التاريخية . فتريفينا شخصية تاريخية تأكد وجودها من اكتشاف نقود باسمها ، وكانت أم الملك بوليمون الثاني ملك بنطس وقريبة للإمبراطور كلوديوس . وليس هناك ما يدعو للشك في ما جاء في هذه الأعمال من أنها كانت تعيش في أنطاكية في وقت زيارة بولس الأولى لها . كما أن هذه الأعمال واضحة في دقتها الجغرافية ، فتذكر الطريق الملكي الذي تقول إن بولس سار فيه من لسترة إلى أيقونية ، وهي حقيقة تستلفت النظر ، لأنه بينما كان الطريق مستخدماً في أيام بولس للأغراض العسكرية ، أهمل استخدامه كطريق منتظم في الربع الأخير من القرن الأول . ويوصف بولس في هذه الأعمال : بأنه رجل قصير القامة ، أصلع الرأس ، مقوس الساقين ، نبيل الأخلاق ، مقرون الحاجبين ، ذو أنف بارز بعض الشيء ، ممتلئ نعمة ، كان يبدو أحياناً إنساناً، وأحياناً أخرى كان يبدو بوجه ملاك . وقد يكون لهذا الوصف سند يعتمد عليه . ويدافع رمساي ( في كتابه" الكنيسة في الإمبراطورية الرومانية " ص 375 ) عن احتمال وجود نسخة قصيرة من هذه الأعمال ترجع إلى القرن الأول ، وذلك على أساس هذه الملامح التاريخية ، ولكن الكثيرين لا يقبلون وجهة نظره .
ج- كانت أعمال بولس وتكلا واسعة الانتشار ،ولها تأثير كبير و ذلك للتقدير الواسع لتكلا التي كانت لها مكانة كبيرة بين القديسين باعتبارها " أول أنثى تستشهد " . والإشارات إلى هذه الأعمال في كتابات الآباء قليلة ، ولكن الرواية نفسها كانت رائجة جداً بين المسيحيين في الشرق وفي الغرب على السواء . ووصل التقدير لتكلا أقصى مداه في منطقة غاليا . وهناك قصيدة شعرية عنوانها " الوليمة " كتبها " كيبريان " ، أحد شعراء جنوب غاليا ، في القـرن الخامس ، وفي تلك القصيدة تبدو تكلا في مستوى الشخصيات الكتابية العظيمة ، وكتاب " أعمال زاسيف وبولكسينا " مأخوذ كله من أعمال بولس وتكلا .
2. جزء هام آخر من أعمال بولس ، هو الجزء الذي يشتمل على ما يعرف بالرسالة الثالثة إلى الكورنثيين ، وفيها يذكر أن بولس كان في السجن في فيلبي ( ليس في زمن أعمال الرسل 16 : 23 ، ولكن بعد ذلك بوقت ) . وكان سجنه لسبب تأثيره على ستراتونيس زوجة أبولوفانيس ، فالكورنثيون الذين أزعجتهم هرطقة اثنين من المعلمين ، أرسلوا خطاباً لبولس يصفون له التعاليم الخبيثة التي تدعي أن الأنبياء لا قيمة لهم ، وأن الله غير قادر على كل شيء ، وأنه ليست هناك قيامة أجساد ، وأن الإنسان لم يخلقه الله ، وأن المسيح لم يأت في الجسد ولم يولد من مريم ، وأن العالم ليس من صنع الله بل من صنع الملائكة . وقد حزن بولس كثيراً بوصول هذه الرسالة ، وفي ضيق شديد كتب الرد الذي فند فيه هذه الآراء الغنوسية التي ينادي بها معلمون كذبة . ومما يستلفت النظر أن هذه الرسالة التي تستشهد كثيراً برسائل بولس الكتابية ، ورسالة الكورنثيين إلى بولس التي دفعته إلى كتابتها ، اعتبرتهما الكنائس السريانية والأرمينية ، قانونيتين بعد القرن الثاني ، ولم تصل إلينا الصورة الأصلية للرسالة في اليونانية ، ولكنها وصلتنا في نسخة قبطية ( غير كاملة ) ونسخة أرمينية ونسختين مترجمتين من الاتينية ( مشوهتين ) ، علاوة على تناولها في تفسير أفرايــم ( بالأرمينية ) . وقد فقدت النسخة السريانية .
3. علاوة على الجزأين المذكورين أعلاه من أعمال بولس ، توجد أجزاء أقل أهمية مثل شفاء الرسول لرجل مصاب بالاستسقاء في ميرا ( وهي تتمة لقصة تكلا ) ، ومصارعة بولس للوحوش في أفسس ( مبنية على ماجاء في 1 كو 15 : 32 ) ، واقتباسين قصيرين يذكرهما العلامه أوريجانوس ، وجزء ختامي يصف استشهاد الرسول في زمن نيرون الذي ظهر له بولس بعد موته . كما أن القديس أكليمندس الإسكندري يقتبس فقرة عن إرسالية بولس الكرازية ، والتي ربما شكلت جزءاً من أعمال بولس . وربما كانت هذه الأعمال ذاتها هي مصدر حديث بولس في أثينا الذي كتبه جون سالسبوري ( حوالي 1156 ) .
- المؤلف وتاريخ التأليف : مما ذكره العلامه ترتليان نعلم أن مؤلف " أعمال بولس " كان شيخاً من شيوخ أسيا ، كتب كتابه " بقصد تعظيم بولس ، بإضافات من عنده " وأنه طرد من وظيفته عندما اعترف بأنه فعل ذلك حباً في بولس " . وشهادة ترتليان هذه يؤيدها الدليل في الكتاب ذاته ، حيث أنه - كما رأينا - يظهر معرفة دقيقة بطبوغرافية أسيا الصغرى وتاريخها . وكثير من الأسماء الواردة بهذه الأعمال وجدت في أثار سميرنا ، وإن كان من الخطأ أن نستنتج بناء على ذلك أن المؤلف كان من مدينة سميرنا ، ولعله كان من مدينة نالت فيها تكلا تقديراً خاصاً، وكان الدافع له إلى كتابتها هو صلتها ببولس الكارز بالبتولية ، بجانب تفنيد بعض الآراء الغنوسية . ولعل تاريخ تأليف أعمال بولس يرجع إلى النصف الثاني من القرن الثاني بين 160 - 180 م .
ورغم أن أعمال بولس كتبت لبيان عظمة الرسول ، فإنها تبين بوضوح أن المؤلف لم يكن مؤهلاً لذلك من ناحية المقدرة الفكرية أو اتساع الرؤيا ، فالمستوى الفكري لهذه الأعمال هابط جداً كما أنها فقيرة في مفاهيمها ، فالموضوع الواحد يتكرر بدون أي تغيير ، والعيوب الظاهرة في خيال المؤلف واضحة في أسلوبه العاري الخالي من الفن . وبه اقتباسات كثيرة من العهد الجديد ، والصورة التي يرسمها للمسيحية ضيقة ومن جانب واحد ، وهي في جملتها صحيحة ، وليس فيها ما يؤيد رأي ليسيوس بأنها مأخوذة عن مؤلف غنوسي . فتكرار أحداث الخوارق ، والتقشف الشديد الذي يميز هذه الأعمال ، ليسا دليلاً على التأثر بالغنوسية ، بل أن التعليم فيها هو ضد الغنوسية ، كما نرى في المراسلات بين بولس والكورنثيين : " أن الرب يسوع المسيح ولد من مريم من نسل داود ، فقد أرسل الآب الروح من السماء إليها ." ويؤكد قيامة الأموات بقيامة المسيح من بين الأموات ، ولكن القيامة قاصرة على الذين يؤمنون بها ( وهذه النقطة يبدو أنها من ابتكار المؤلف ) ، فيقول : " ان من لا يؤمنون بالقيامة لن يقوموا " ويربط بين الإيمان بالقيامة وضرورة الامتناع تماماً عن المعاشرات الجنسية ، فالأطهار فقط هم الذين يعاينون الله ، " فلن يكون لكم نصيب في القيامة إلا إذا ظللتم طاهرين ولم تنجسوا الجسد " . والإنجيل الذي كرز به الرسول كان يتعلق " بضبط النفس والقيامة " . ومحاولة المؤلف تدعيم صورة المسيحية التي كانت سائدة في أيامه ، كانت هي الهدف الرئيسي لتأليف الكتاب ،فيصور الرسول بولس على انه رسول هذا المفهوم الشائع . ولإضفاء صورة جذابة على تعليمه ، ملئت الصورة بالخوارق و المعجزات لإرضاء ذوق ذلك العصر .
اقتراحات موسوعية أخرى
اهيه - اهية
إسم قبطى معناه اى نعم
ثريات
ثريات - chandeliers
هي تلك المعلقات النحاسية المشغولة والتي تحوي في داخلها القناديل المضاءة وكانت تع...
اليفاز
كلمة عبريه تعني الله ذهب نقى (تك36: 4)
اشاهم
إسم معناه شال الهم
سكيون
سكّيون
جماعة من المرتزقة كانوا فى جيش سيشق ملك مصر، مع اللولبيين والكوشيين، عند زحفه إلى يهوذا فى أ...
ديلس
ديلُس
جزيرة في بحر إيجة طولها نحو ثلاثة أميال وعرضها نحو ميل واحد. وهي غير مأهولة الآن يرتفع في وسط...