كلمة منفعة
نصلى في صلاة الصلح وفي القداس الإلهي ونقول (والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس، هدمته..)
— حسد الشياطين
حب
حب
حجم الخط
حب - محبة
إن محبة الله والناس من أسس الديانة الصحيحة سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد، وقد قال الرب يسوع بنفسه، إنه بهاتين الوصيتين (المحبة لله والمحبة للقريب) يتعلق الناموس كله والأنبياء (مت 22 :40، مرقس 12 : 28 - 34). كما وصف الرسول بولس المحبة في أنشودته الرائعة، بأنها أعظم الفضائل في الحياة، فهي أعظم من التكلم بألسنة، ومن موهبة النبوة، ومن الإيمان الفائق الذي ينقل الجبال، فمع أن هذه المواهب جميعها مطلوبة ونافعة جداً، إلا أنها بدون المحبة، لا تساوي شيئاً، وبلا قيمة باقية في نظر الله. ولا يعني ذلك أن الرب يسوع أو الرسول بولس يقللان من قيمة الإيمان الذي تصدر عنه كل الفضائل، كما أنه أساس معملات الله مع الإنسان، وعلاقة الإنسان بالله (يو 6 : 28 و 29، عب 11 : 6)، لكنهما يؤكدان أن الإيمان ليس شيئاً إلا إذا كان عاملاً بالمحبة من نحو الله ومن نحو الإنسان (1 كو 13 : 2).
ولما كانت المحبة هي أسمى تعبير عن الله وعن علاقته ببني البشر، فلذلك ينبغي أن تكون أسمى تعبير أيضاً عن علاقة الإنسان بخالقه وبإخوته في البشرية.
أولاً - تعريف المحبة: الكلمات العبرية واليونانية المترجمة بالمحبة لها ظلال ودلالات عديدة، إلا أنه يمكن جمعها في تعريف بسيط هو أن المحبة لله أو للإنسان هي رغبة حارة فياضة وعاطفة حميمة عميقة من نحو المحبوب، والاهتمام الصادق الفعال الذي يطلب خير المحبوب.
وتتفاوت درجات ومظاهر هذه العاطفة في الأسفار المقدسة، تبعاً لظروف الحياة وعلاقاتها. فمثلاً هناك الحب بين الزوج والزوجة، والحب بين الأبوين والأبناء، وبين الأخوة في الجسد، وبين الأخوة في الإيمان، وبين الصديق والعدو، ثم علاقة الحب بين الله والإنسان. إلا أنه ينبغي ألا نتجاهل وجود الفكرة الأساسية في تعريف المحبة، في كل علاقات الحياة مهما اختلف مظهرها حسب الظروف والروابط.
والظلال المختلفة للكلمات اليونانية المستخدمة في العهد الجديد للتعبير عن المحبة - وهي فيلو و أغابي. تتجلى بصورة رائعة في حديث الرب مع سمعان بطرس على شاطئ بحيرة طبرية (يو 21 : 15- 18) ففي سؤال الرب لبطرس أتحبني أكثر من هؤلاء؟، استخدم الرب الفعل اليوناني أغاباس الذي يعبر عن أكمل وأسمى صور المحبة التي تتضمن تصميم الإرادة الجازم والنية الصادقة والانتماء القوي الواضح لدائرة الإعلان الإلهي.
أما بطرس فيستخدم - في إجابته - فعلاً آخر هو فيلو والذي يعبر عن العاطفة والمشاعر البشرية الطبيعية بما فيها من مشاعر وأحاسيس قوية.
وبينما تعبر هذه الإجابة عن نوعية قوية من الحب، إلا أنها أدنى درجة إذا ما قورنت بالمحبة التي يعبر عنها الفعل الذي استخدمه الرب. إلا أن بطرس كان واثقاً من وجود مثل هذه المحبة عنده من نحو الرب.
ثانياً - محبة الله: عند دراسة موضوع المحبة، تأتي على القمة محبة الله، لأن الله محبة ومنه تنبع كل محبة.
إن محبة الله هي ذلك الجانب من طبيعته - أو بالحري كل طبيعته لأنه محبة - الذي يجعله يفصح عن ذاته بعبارات الإعزاز لمخلوقاته، وأن يعلن عملياً ذلك الاهتمام وتلك العاطفة في أعمال المحبة الحانية، وبذل الذات في سبيل من يحبهم. فالله محبة (1 يو 4 : 8 و 16) تماماً كما هو نور (1يو 1: 5) وحق (1 يو 1 : 6). أما المحبة فتعبر عن شخصيته في تجاوب مع طبيعته.
وليس الله مجرد محب، بل هو الحب ذاته، فالحب هو ذات طبيعته، ومنه تشع هذه الطبيعة لتكون المجال الذي يعيش فيه أولاده، لأن من يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه (1يو 4 : 16). والمسيحية هي الديانة الوحيدة التي تؤكد أن الكائن الأسمى هو محبة، بينما تعلن الديانات الوثنية أن إلهها كائن غضوب في حاجة دائمة للترضية.
( 1 ) موضوع محبة الله: إن الابن الوحيد الرب يسوع المسيح هو موضوع محبة الله منذ الأزل وإلى الأبد. هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت (مت 3 : 17، 17 : 5، لو 20 : 3، يو 17 : 24). والآب يحب الابن بمعنى فريد فهو مختاري الذي سرت به نفسي (إش 42 : 1)، فهناك محبة أزلية بين الآب والابن، فالابن هو الموضوع الأصيل والأزلي لمحبة الآب: لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم (يو 17 : 24) ولأن محبة الله أزلية، فيلزم أن يكون موضوعها أزلياً أيضاً، أي يلزم أن يكون المسيح كائناً مع الآب منذ الأزل.
كما أن الله يحب كل المؤمنين بابنه، محبة خاصة، فمن يتحد بيسوع المسيح بالإيمان والمحبة، يصبح موضوع محبة الله بصورة متميزة عمن لم يتحد بالمسيح، فيقول المسيح: وأحببتهم كما أحببتني (يو 17 : 23) فالمسيح يشير إلى تلك الحقيقة، وهي أنه كما أن التلاميذ قد وجدوا من العالم نفس المعاملة التي وجدها الرب يسوع نفسه، فإنهم ينالون من الآب نفس المحبة التي أحب بها المسيح. فليسوا أبداً على هامش محبة الله، بل بالحري في المركز منها، لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني (يو 16 : 27)، واستخدام كلمة فيلو هنا إنما هو للتعبير عن محبة الله الأبوية من نحو المؤمنين بالمسيح ابن الله، فالمحبة هنا هي محبة أعمق من محبة الله للعالم، لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يو 3 : 16). فالله يحب العالم (يو 3 : 16 و 17، 1تي 2 : 4، 2بط 3 : 9). وهي حقيقة رائعة وبخاصة عندما ندرك أي عالم هذا الذي يحبه الله، إنه عالم الخطية والفساد. وقد تعلم نيقوديموس هذه الحقيقة المذهلة، بعد أن كان يعتبر أن محبة الله موجهة إلى اليهود فقط، فبالنسبة له - في نظرته الضيقة - كان إعلان محبة الله للعالم كله وللبشرية بأجمعها، أمراً مذهلاً.
الله يحب عالم الخطاة الساقطين الهالكين: إذ كنا بعد ضعفاء مات (المسيح) في الوقت المعين لأجل الفجار... ولكن الله بيَّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ( رو 5 : 6 - 8). وهذا العالم الضعيف، الفاجر، الخاطئ، عالم الأموات بالذنوب والخطايا (أف 2 :1) والذين لا بر فيهم، هو العالم الذي أحبه الله حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يو 3 : 16)، فأصل خلاص الإنسان، إنما هو محبة الله ورحمته. الله الذي هو غني في الرحمة من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها (أف 2 :4 و5). ولكن المحبة أكثر من الرحمة والعطف، فهي فعالة وتتحد بشخص المحبوب. ويصور لنا مثل الابن الضال، تصويراً جميلاً رائعاً، محبة الآب السماوي لأبنائه الضالين، وفرحه بعودتهم (لو 15: 1-10). ويجب ألا نتجاوز حقيقة هامة هي أن الله لا يحب العالم ككل، ولكنه يحب كل فرد فيه على حدة، فهو حب شامل للعالم أجمع، كما أنه حب خاص للفرد الواحد: كل من (يو 3 : 16)، الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي (غل 2 : 20).
( 2 ) مظاهر محبة الله: تظهر محبة الله نحو شعبه في سده لكل احتياجاتهم الروحية والجسدية والنفسية والعقلية (إش 48 : 14 و 20 و 21، 62 : 9 - 12، 63 : 3 و 12). ففي هذه الآيات يستخدم الله قوته وقدرته لخير شعبه في زمن تجوالهم في البرية وفي زمن السبي، فقد قادهم وأطعمهم وكساهم وأرشدهم وحماهم من كل أعدائهم. كما أظهر محبته في تعاطفه معهم في أحزانهم وضيقاتهم في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلصهم (إش 63 :9)، ولم يكن أبداً خصماً لهم بل صديقاً، رغم ما كان يبدو لهم - في بعض الأحيان - من أنه جلب عليهم الأتعاب والتجارب، أو - على الأقل - لم يبال بوقوعها عليهم. كما أنه لم ينسهم مطلقاً ولا لحظة واحدة في كل تجاربهم، ومع ذلك فقد ظنوا أنه نسيهم، ولكنه يقول لهم: هل تنسى المرأة رضيعها، فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك. هوذا على كفيَّ نقشتكِ (إش 49: 15 و 16). فكيف يمكن أن ينساهم وقد نقشهم على كفيه. وبدلاً من أن نظن أنه لا توجد محبة في تأديبات الرب لشعبه، فإن التأديب ذاته كثيراً ما كان دليلاً على المحبة الإلهية، لأن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله (عب 12 : 6 - 11). فالتأديب والتوبيخ النابعان من المحبة أمران ضروريان للنمو في القداسة والبر.
إن أساس فدائنا من الخطية هو محبة الله العجيبة وأنت تعلقت بنفسي من وهدة الهلاك، فإنك طرحت وراء ظهرك كل خطاياي (إش 38 : 17 و 18، انظر أيضاً مز 50 : 21، مز 90 : 8). وما جاء في أفسس من أن الله الذي هو غني في الرحمة من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح (أف 2 : 4)، يبين بصورة رائعة عجيبة كيف أن خلاصنا ينبع بأكمله من رحمة الله ومحبته. لأنه من محبة الآب أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات (أف 2 : 6 - 8)، إلا أن أعظم تعبير عن محبة الله للبشر هو ما تجلى في بذله ابنه الوحيد كفارة عن خطايا العالم، بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به (1 يو 4 : 9 و 10، انظر أيضاً يو 3 : 16، رومية 5 : 6 - 8). وبناء على ما عمله ابنه، صرنا نحن الخطاة الفجار أهل بيت الله لأننا به نلنا التبني. انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله (1 يو 3 : 1، غل 4 : 4 - 6). ولا يمكن لشيء في السماء أو على الأرض أو في الجحيم، أن يفصلنا عن محبة الله هذه، لأنه في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا، فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا ( رو 8: 37 ـ 39 ).
ثالثاً: - محبة الإنسان:
( 1 ) مصدر محبة الإنسان: أيَّا كان الحب لدى الإنسان - سواء نحو الله أو نحو أخيه الإنسان - فإن مصدره هو الله لأن المحبة هي من الله وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله. ومن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة ( 1 يو 4: 7 و 8 )، ونحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً (1يو 4: 19).
ويقول ترنش (Trench) في حديثه عن كلمة أغابي: إنها كلمة ولدت في حضن المسيحية، فالكتبة الوثنيون لا يستخدمون هذه الكلمة مطلقاً، وإنما يستخدمون كلمة أخرى هي كلمة فيلانثروبيا أو فيلادلفيا التي تعبر عن الحب بين ذوي القربى.
الحب في قلب الإنسان هو نتاج محبة الله، ولا يستطيع أن يحب بحق كحب الله، إلا القلب المتجدد، فغير المتجدد لا يقدر أن يبلغ هذه الدرجة الرفيعة من الحب. ولنا هذه الوصية منه، أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً (1يو 4: 21) ومن يحب أخاه يثبت في النور وليس فيه عثرة، وأما من يبغض أخاه فهو في الظلمة وفي الظلمة يسلك ولا يعلم أين يمضي لأن الظلمة أعمت عينيه (1 يو 2 : 7 - 11، انظر أيضاً 1يو 4 : 11 و 12). فالإنسان المتجدد يستطيع أن يرى أخاه الإنسان مثلما يراه الله، ويقدره كما يقدره الله، لا بما هو عليه بسبب خطيته وبغضته، بل بالحري كما يمكن أن تصير إليه حياته في المسيح. فالإنسان المتجدد يرى قيمة الإنسان وإمكاناته في المسيح، إذاً إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً (2كو 5 : 14 - 17). كما أن هذه المحبة تنسكب في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا (رو 5 : 5). كما أنها ثمر الروح، أما ثمر الروح فهو محبة ... (غل 5 : 22)، كما أن هذه المحبة تقوى وتشتد بمثال الرب يسوع المسيح الذي قدم للعالم روح المحبة الحقيقية وطبيعتها (يو 13 : 34، 15: 12، غل 2 : 20، أف 5 : 25 - 27، 1يو 4 : 9 و 10).
( 2 ) مواضع محبة الله:
يجب أن يكون الله هو الموضوع الأول والأسمى لمحبة الإنسان: تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى (مت 22 : 37 - 39، مر 12 : 29 - 31). والحب الأسمى تجاه الله مرتبط بتعليم وحدانية الله (تث 6 : 4)، فكما أن الله واحد، كذلك ينبغي ألا يتجزأ حبنا له أو ينقسم. وتظهر محبتنا لله في حفظ وصاياه، فإن هذه هي محبة الله أن نحفظ وصاياه (1 يو 5 : 3، 2 يو 6، انظر أيضاً خر 20 : 6 ).
والمحبة هنا ليست مجرد عاطفة أو مشاعر بل هي أسمى من ذلك، وتتجلى ليس في إطاعة أوامر الله فحسب، بل أيضاً في صيانة وصاياه والدفاع عنها، وفي السعي لمعرفة المزيد من إرادة الله، حتى يمكن التعبير عن المحبة لله بمزيد من الطاعة، فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك (تث 10 : 12).
والذين يحبون الله يكرهون الشر وكل أمور العالم في مختلف صورها لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم، إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب، لأن كل ما العالم شهوة الجسد وشهوة العيون، وتعظم المعيشة. ليس من الآب بل من العالم، والعالم يمضي وشهوته، وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد (1يو 2 : 15 - 17، انظر أيضاً مز 97 : 10)، فالمؤمن يجب ألا يحب كل الأمور التي تحيط بالإنسان وتبعده عن طريق الله.
والرب يسوع المسيح يطلب الموضع الأول في عواطفنا، قبل الأب والأم والابن والأخ والأخت والزوجة والصديق، إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده واخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً (لو 14 : 26، مت 10 : 35 - 38). وكلمة يبغض المذكورة هنا لا تحمل نفس المعنى الذي نستخدمها فيه اليوم، بل تعني أن يحب بدرجة أقل، تماماً كما قيل عن ليئة مكروهة (تك 29 : 31)، أي أن يعقوب أحبها أقل مما أحب راحيل، لأنه أحب راحيل أكثر من ليئة (تك 29 : 30).
ومحبة المسيح لأبعد الحدود هي اختبار التلمذة الحقيقية (لو 14 : 26). كما أنها الدليل القاطع والعلامة المميزة للمختارين (1بط 1 : 8). وأعظم دليل على أننا أولاد الله هو محبتنا هكذا لابنه (يو 8 : 42). وعدم توفر هذه المحبة يعني الانفصال الأبدي عن الله، إن كان أحد لا يحب الرب يسوع المسيح فليكن أناثيما أي محروماً (1كو 16 : 22).
والموضوع الثاني لمحبة الإنسان - بعد محبته لله - هو محبته لأخيه الإنسان، فالمحبة للأخوة هي نتيجة طبيعية للمحبة للأب، لأنه بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس. كل من لا يفعل البر فليس من الله، وكذا من لا يحب أخاه (1يو 3 : 10)، وإن قال أحد إني أحب الله وأبغض أخاه فهو كاذب، لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره، كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره. ولنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً (1يو 4 : 20 و 21). ودرجة الحب المطلوب منا نحو القريب أو الأخ هي: تحب قريبك كنفسك (مت 22 : 39) وهو ما يأمر به الناموس، ولكب الرب يسوع قدم لتلاميذه مثالاً أسمى من ذلك، وبناء على تعليم المسيح، يجب أن نرتفع فوق مستوى الناموس: وصية جديدة أنا أعطيكم، أن تحبوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً (يو 13 : 34). إن حباً هذا مقداره من نحو الآخرين، لهو شارة التلمذة الحقيقية، ففيها جميع ما يجب علينا من نحو الآخرين، المحبة لا تصنع شراً للقريب، فالمحبة هي تكميل الناموس (رو 13 : 8).
وخصائص المحبة التي علينا أن نبديها للآخرين تتجلى بصورة بديعة في الإصحاح الثالث عشر من الرسالة الأولى لكورنثوس: المحبة تتأنى وترفق، المحبة لا تحسد، المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ، ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتد ولا تظن السوء، ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق، وتحتمل كل شيء تصدق كل شيء، وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط أبداً (1كو 13 : 1 - 8) ومثل هذه المحبة ليست في حاجة إلى ناموس لأن فيها هي تكميل الناموس.
ثم لا ننسَ وصية الرب يسوع بصدد المحبة: سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات (مت 5 : 43 - 48 ). فتلميذ المسيح يجب ألا يرد الشر بالشر، بل بالحري يبارك من يسيء إليه.
كما يجب أن تظهر محبة تلميذ المسيح في سد الاحتياجات الضرورية، لا للأحباء فقط، بل وللأعداء أيضاً، بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الأخوة، وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه. يا أولادي لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق (1يو 3 : 16 - 18)، وكذلك إن جاع عدوك فاطعمه وإن عطش فاسقه، لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه. لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير (رو 12 : 20 و 21).
ويجب أن تكون محبتنا محبة عملية صادقة وليست مجرد ادعاء، لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق (1يو 3 : 18)، وأن تكون بلا رياء (رو 12 : 9)، بالمحبة الحقيقية تعبر عن نفسها بخدمة الآخرين بالمحبة اخدموا بعضكم بعضاً (غل 5 : 13). وليس هناك ما هو أروع من المثال الذي قدمه لنا الرب يسوع نفسه في غسل أرجل التلاميذ، فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض (يو 13 : 4 - 15).
فالمحبة تحتمل ضعفات الضعفاء وترضي الآخرين، فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نرضي أنفسنا. فليرض كل واحد منا قريبه للخير لأجل البنيان. لأن المسيح أيضاً لم يرض نفسه، بل كما هو مكتوب تعييرات معيِّريك وقعت عليَّ (رو 15 : 1 - 3)، واحملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح (غل 6 : 2). ولا يطلب أحد ما هو لنفسه، بل كل واحد ما هو للآخر (1كو 10 : 24). والمحبة تتنازل عن أمور قد تكون بريئة في ذاتها، لكنها قد تصبح حجر عثرة للآخرين، فإن كان أخوك بسبب طعامك يُحزَن، فلست تسلك بعد حسب المحبة. لا تهلك بطعامك ذاك الذي مات المسيح لأجله ... وحسن أن لا تأكل لحماً ولا تشرب خمراً ولا شيئاً يصطدم به أخوك أو يعثر أو يضعف (رو 14 : 15 و 21).
والمحبة تسامح الآخرين بفرح: كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح (أف 4 : 32)، وتكرم الآخرين: وادين بعضكم بعضاً بالمحبة الأخوية مقدمين بعضكم بعضاً في الكرامة (رو 12 : 10).
وبالإجمال ليس هناك ما هو أهم ولا أسمى من هذه المحبة لأنها تكميل الناموس، فان كنتم تكملون الناموس الملوكي حسب الكتاب: تحب قريبك كنفسك. فحسناً تفعلون (يع 2 : 8). والمحبة فوق جميع الفضائل: وعلى جميع هذه البسوا المحبة التي هي رباط الكمال (كو 3 : 14)، فهي الرباط الذي يربط سائر فضائل الحياة المسيحية. ومتى توفرت هذه المحبة، نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الأخوة. من لا يحب أخاه يبق في الموت (1يو 3 : 14). والمحبة هي الاختبار الحقيقي لثباتنا في الله والله فينا، الله لم ينظره أحد قط. إن أحب بعضنا بعضاً فالله يثبت فينا ومحبته قد تكملت فينا، الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه (1يو 4 : 12 و 16).
إن محبة الله والناس من أسس الديانة الصحيحة سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد، وقد قال الرب يسوع بنفسه، إنه بهاتين الوصيتين (المحبة لله والمحبة للقريب) يتعلق الناموس كله والأنبياء (مت 22 :40، مرقس 12 : 28 - 34). كما وصف الرسول بولس المحبة في أنشودته الرائعة، بأنها أعظم الفضائل في الحياة، فهي أعظم من التكلم بألسنة، ومن موهبة النبوة، ومن الإيمان الفائق الذي ينقل الجبال، فمع أن هذه المواهب جميعها مطلوبة ونافعة جداً، إلا أنها بدون المحبة، لا تساوي شيئاً، وبلا قيمة باقية في نظر الله. ولا يعني ذلك أن الرب يسوع أو الرسول بولس يقللان من قيمة الإيمان الذي تصدر عنه كل الفضائل، كما أنه أساس معملات الله مع الإنسان، وعلاقة الإنسان بالله (يو 6 : 28 و 29، عب 11 : 6)، لكنهما يؤكدان أن الإيمان ليس شيئاً إلا إذا كان عاملاً بالمحبة من نحو الله ومن نحو الإنسان (1 كو 13 : 2).
ولما كانت المحبة هي أسمى تعبير عن الله وعن علاقته ببني البشر، فلذلك ينبغي أن تكون أسمى تعبير أيضاً عن علاقة الإنسان بخالقه وبإخوته في البشرية.
أولاً - تعريف المحبة: الكلمات العبرية واليونانية المترجمة بالمحبة لها ظلال ودلالات عديدة، إلا أنه يمكن جمعها في تعريف بسيط هو أن المحبة لله أو للإنسان هي رغبة حارة فياضة وعاطفة حميمة عميقة من نحو المحبوب، والاهتمام الصادق الفعال الذي يطلب خير المحبوب.
وتتفاوت درجات ومظاهر هذه العاطفة في الأسفار المقدسة، تبعاً لظروف الحياة وعلاقاتها. فمثلاً هناك الحب بين الزوج والزوجة، والحب بين الأبوين والأبناء، وبين الأخوة في الجسد، وبين الأخوة في الإيمان، وبين الصديق والعدو، ثم علاقة الحب بين الله والإنسان. إلا أنه ينبغي ألا نتجاهل وجود الفكرة الأساسية في تعريف المحبة، في كل علاقات الحياة مهما اختلف مظهرها حسب الظروف والروابط.
والظلال المختلفة للكلمات اليونانية المستخدمة في العهد الجديد للتعبير عن المحبة - وهي فيلو و أغابي. تتجلى بصورة رائعة في حديث الرب مع سمعان بطرس على شاطئ بحيرة طبرية (يو 21 : 15- 18) ففي سؤال الرب لبطرس أتحبني أكثر من هؤلاء؟، استخدم الرب الفعل اليوناني أغاباس الذي يعبر عن أكمل وأسمى صور المحبة التي تتضمن تصميم الإرادة الجازم والنية الصادقة والانتماء القوي الواضح لدائرة الإعلان الإلهي.
أما بطرس فيستخدم - في إجابته - فعلاً آخر هو فيلو والذي يعبر عن العاطفة والمشاعر البشرية الطبيعية بما فيها من مشاعر وأحاسيس قوية.
وبينما تعبر هذه الإجابة عن نوعية قوية من الحب، إلا أنها أدنى درجة إذا ما قورنت بالمحبة التي يعبر عنها الفعل الذي استخدمه الرب. إلا أن بطرس كان واثقاً من وجود مثل هذه المحبة عنده من نحو الرب.
ثانياً - محبة الله: عند دراسة موضوع المحبة، تأتي على القمة محبة الله، لأن الله محبة ومنه تنبع كل محبة.
إن محبة الله هي ذلك الجانب من طبيعته - أو بالحري كل طبيعته لأنه محبة - الذي يجعله يفصح عن ذاته بعبارات الإعزاز لمخلوقاته، وأن يعلن عملياً ذلك الاهتمام وتلك العاطفة في أعمال المحبة الحانية، وبذل الذات في سبيل من يحبهم. فالله محبة (1 يو 4 : 8 و 16) تماماً كما هو نور (1يو 1: 5) وحق (1 يو 1 : 6). أما المحبة فتعبر عن شخصيته في تجاوب مع طبيعته.
وليس الله مجرد محب، بل هو الحب ذاته، فالحب هو ذات طبيعته، ومنه تشع هذه الطبيعة لتكون المجال الذي يعيش فيه أولاده، لأن من يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه (1يو 4 : 16). والمسيحية هي الديانة الوحيدة التي تؤكد أن الكائن الأسمى هو محبة، بينما تعلن الديانات الوثنية أن إلهها كائن غضوب في حاجة دائمة للترضية.
( 1 ) موضوع محبة الله: إن الابن الوحيد الرب يسوع المسيح هو موضوع محبة الله منذ الأزل وإلى الأبد. هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت (مت 3 : 17، 17 : 5، لو 20 : 3، يو 17 : 24). والآب يحب الابن بمعنى فريد فهو مختاري الذي سرت به نفسي (إش 42 : 1)، فهناك محبة أزلية بين الآب والابن، فالابن هو الموضوع الأصيل والأزلي لمحبة الآب: لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم (يو 17 : 24) ولأن محبة الله أزلية، فيلزم أن يكون موضوعها أزلياً أيضاً، أي يلزم أن يكون المسيح كائناً مع الآب منذ الأزل.
كما أن الله يحب كل المؤمنين بابنه، محبة خاصة، فمن يتحد بيسوع المسيح بالإيمان والمحبة، يصبح موضوع محبة الله بصورة متميزة عمن لم يتحد بالمسيح، فيقول المسيح: وأحببتهم كما أحببتني (يو 17 : 23) فالمسيح يشير إلى تلك الحقيقة، وهي أنه كما أن التلاميذ قد وجدوا من العالم نفس المعاملة التي وجدها الرب يسوع نفسه، فإنهم ينالون من الآب نفس المحبة التي أحب بها المسيح. فليسوا أبداً على هامش محبة الله، بل بالحري في المركز منها، لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني (يو 16 : 27)، واستخدام كلمة فيلو هنا إنما هو للتعبير عن محبة الله الأبوية من نحو المؤمنين بالمسيح ابن الله، فالمحبة هنا هي محبة أعمق من محبة الله للعالم، لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يو 3 : 16). فالله يحب العالم (يو 3 : 16 و 17، 1تي 2 : 4، 2بط 3 : 9). وهي حقيقة رائعة وبخاصة عندما ندرك أي عالم هذا الذي يحبه الله، إنه عالم الخطية والفساد. وقد تعلم نيقوديموس هذه الحقيقة المذهلة، بعد أن كان يعتبر أن محبة الله موجهة إلى اليهود فقط، فبالنسبة له - في نظرته الضيقة - كان إعلان محبة الله للعالم كله وللبشرية بأجمعها، أمراً مذهلاً.
الله يحب عالم الخطاة الساقطين الهالكين: إذ كنا بعد ضعفاء مات (المسيح) في الوقت المعين لأجل الفجار... ولكن الله بيَّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ( رو 5 : 6 - 8). وهذا العالم الضعيف، الفاجر، الخاطئ، عالم الأموات بالذنوب والخطايا (أف 2 :1) والذين لا بر فيهم، هو العالم الذي أحبه الله حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يو 3 : 16)، فأصل خلاص الإنسان، إنما هو محبة الله ورحمته. الله الذي هو غني في الرحمة من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها (أف 2 :4 و5). ولكن المحبة أكثر من الرحمة والعطف، فهي فعالة وتتحد بشخص المحبوب. ويصور لنا مثل الابن الضال، تصويراً جميلاً رائعاً، محبة الآب السماوي لأبنائه الضالين، وفرحه بعودتهم (لو 15: 1-10). ويجب ألا نتجاوز حقيقة هامة هي أن الله لا يحب العالم ككل، ولكنه يحب كل فرد فيه على حدة، فهو حب شامل للعالم أجمع، كما أنه حب خاص للفرد الواحد: كل من (يو 3 : 16)، الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي (غل 2 : 20).
( 2 ) مظاهر محبة الله: تظهر محبة الله نحو شعبه في سده لكل احتياجاتهم الروحية والجسدية والنفسية والعقلية (إش 48 : 14 و 20 و 21، 62 : 9 - 12، 63 : 3 و 12). ففي هذه الآيات يستخدم الله قوته وقدرته لخير شعبه في زمن تجوالهم في البرية وفي زمن السبي، فقد قادهم وأطعمهم وكساهم وأرشدهم وحماهم من كل أعدائهم. كما أظهر محبته في تعاطفه معهم في أحزانهم وضيقاتهم في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلصهم (إش 63 :9)، ولم يكن أبداً خصماً لهم بل صديقاً، رغم ما كان يبدو لهم - في بعض الأحيان - من أنه جلب عليهم الأتعاب والتجارب، أو - على الأقل - لم يبال بوقوعها عليهم. كما أنه لم ينسهم مطلقاً ولا لحظة واحدة في كل تجاربهم، ومع ذلك فقد ظنوا أنه نسيهم، ولكنه يقول لهم: هل تنسى المرأة رضيعها، فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك. هوذا على كفيَّ نقشتكِ (إش 49: 15 و 16). فكيف يمكن أن ينساهم وقد نقشهم على كفيه. وبدلاً من أن نظن أنه لا توجد محبة في تأديبات الرب لشعبه، فإن التأديب ذاته كثيراً ما كان دليلاً على المحبة الإلهية، لأن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله (عب 12 : 6 - 11). فالتأديب والتوبيخ النابعان من المحبة أمران ضروريان للنمو في القداسة والبر.
إن أساس فدائنا من الخطية هو محبة الله العجيبة وأنت تعلقت بنفسي من وهدة الهلاك، فإنك طرحت وراء ظهرك كل خطاياي (إش 38 : 17 و 18، انظر أيضاً مز 50 : 21، مز 90 : 8). وما جاء في أفسس من أن الله الذي هو غني في الرحمة من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح (أف 2 : 4)، يبين بصورة رائعة عجيبة كيف أن خلاصنا ينبع بأكمله من رحمة الله ومحبته. لأنه من محبة الآب أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات (أف 2 : 6 - 8)، إلا أن أعظم تعبير عن محبة الله للبشر هو ما تجلى في بذله ابنه الوحيد كفارة عن خطايا العالم، بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به (1 يو 4 : 9 و 10، انظر أيضاً يو 3 : 16، رومية 5 : 6 - 8). وبناء على ما عمله ابنه، صرنا نحن الخطاة الفجار أهل بيت الله لأننا به نلنا التبني. انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله (1 يو 3 : 1، غل 4 : 4 - 6). ولا يمكن لشيء في السماء أو على الأرض أو في الجحيم، أن يفصلنا عن محبة الله هذه، لأنه في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا، فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا ( رو 8: 37 ـ 39 ).
ثالثاً: - محبة الإنسان:
( 1 ) مصدر محبة الإنسان: أيَّا كان الحب لدى الإنسان - سواء نحو الله أو نحو أخيه الإنسان - فإن مصدره هو الله لأن المحبة هي من الله وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله. ومن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة ( 1 يو 4: 7 و 8 )، ونحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً (1يو 4: 19).
ويقول ترنش (Trench) في حديثه عن كلمة أغابي: إنها كلمة ولدت في حضن المسيحية، فالكتبة الوثنيون لا يستخدمون هذه الكلمة مطلقاً، وإنما يستخدمون كلمة أخرى هي كلمة فيلانثروبيا أو فيلادلفيا التي تعبر عن الحب بين ذوي القربى.
الحب في قلب الإنسان هو نتاج محبة الله، ولا يستطيع أن يحب بحق كحب الله، إلا القلب المتجدد، فغير المتجدد لا يقدر أن يبلغ هذه الدرجة الرفيعة من الحب. ولنا هذه الوصية منه، أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً (1يو 4: 21) ومن يحب أخاه يثبت في النور وليس فيه عثرة، وأما من يبغض أخاه فهو في الظلمة وفي الظلمة يسلك ولا يعلم أين يمضي لأن الظلمة أعمت عينيه (1 يو 2 : 7 - 11، انظر أيضاً 1يو 4 : 11 و 12). فالإنسان المتجدد يستطيع أن يرى أخاه الإنسان مثلما يراه الله، ويقدره كما يقدره الله، لا بما هو عليه بسبب خطيته وبغضته، بل بالحري كما يمكن أن تصير إليه حياته في المسيح. فالإنسان المتجدد يرى قيمة الإنسان وإمكاناته في المسيح، إذاً إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً (2كو 5 : 14 - 17). كما أن هذه المحبة تنسكب في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا (رو 5 : 5). كما أنها ثمر الروح، أما ثمر الروح فهو محبة ... (غل 5 : 22)، كما أن هذه المحبة تقوى وتشتد بمثال الرب يسوع المسيح الذي قدم للعالم روح المحبة الحقيقية وطبيعتها (يو 13 : 34، 15: 12، غل 2 : 20، أف 5 : 25 - 27، 1يو 4 : 9 و 10).
( 2 ) مواضع محبة الله:
يجب أن يكون الله هو الموضوع الأول والأسمى لمحبة الإنسان: تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى (مت 22 : 37 - 39، مر 12 : 29 - 31). والحب الأسمى تجاه الله مرتبط بتعليم وحدانية الله (تث 6 : 4)، فكما أن الله واحد، كذلك ينبغي ألا يتجزأ حبنا له أو ينقسم. وتظهر محبتنا لله في حفظ وصاياه، فإن هذه هي محبة الله أن نحفظ وصاياه (1 يو 5 : 3، 2 يو 6، انظر أيضاً خر 20 : 6 ).
والمحبة هنا ليست مجرد عاطفة أو مشاعر بل هي أسمى من ذلك، وتتجلى ليس في إطاعة أوامر الله فحسب، بل أيضاً في صيانة وصاياه والدفاع عنها، وفي السعي لمعرفة المزيد من إرادة الله، حتى يمكن التعبير عن المحبة لله بمزيد من الطاعة، فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك (تث 10 : 12).
والذين يحبون الله يكرهون الشر وكل أمور العالم في مختلف صورها لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم، إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب، لأن كل ما العالم شهوة الجسد وشهوة العيون، وتعظم المعيشة. ليس من الآب بل من العالم، والعالم يمضي وشهوته، وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد (1يو 2 : 15 - 17، انظر أيضاً مز 97 : 10)، فالمؤمن يجب ألا يحب كل الأمور التي تحيط بالإنسان وتبعده عن طريق الله.
والرب يسوع المسيح يطلب الموضع الأول في عواطفنا، قبل الأب والأم والابن والأخ والأخت والزوجة والصديق، إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده واخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً (لو 14 : 26، مت 10 : 35 - 38). وكلمة يبغض المذكورة هنا لا تحمل نفس المعنى الذي نستخدمها فيه اليوم، بل تعني أن يحب بدرجة أقل، تماماً كما قيل عن ليئة مكروهة (تك 29 : 31)، أي أن يعقوب أحبها أقل مما أحب راحيل، لأنه أحب راحيل أكثر من ليئة (تك 29 : 30).
ومحبة المسيح لأبعد الحدود هي اختبار التلمذة الحقيقية (لو 14 : 26). كما أنها الدليل القاطع والعلامة المميزة للمختارين (1بط 1 : 8). وأعظم دليل على أننا أولاد الله هو محبتنا هكذا لابنه (يو 8 : 42). وعدم توفر هذه المحبة يعني الانفصال الأبدي عن الله، إن كان أحد لا يحب الرب يسوع المسيح فليكن أناثيما أي محروماً (1كو 16 : 22).
والموضوع الثاني لمحبة الإنسان - بعد محبته لله - هو محبته لأخيه الإنسان، فالمحبة للأخوة هي نتيجة طبيعية للمحبة للأب، لأنه بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس. كل من لا يفعل البر فليس من الله، وكذا من لا يحب أخاه (1يو 3 : 10)، وإن قال أحد إني أحب الله وأبغض أخاه فهو كاذب، لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره، كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره. ولنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً (1يو 4 : 20 و 21). ودرجة الحب المطلوب منا نحو القريب أو الأخ هي: تحب قريبك كنفسك (مت 22 : 39) وهو ما يأمر به الناموس، ولكب الرب يسوع قدم لتلاميذه مثالاً أسمى من ذلك، وبناء على تعليم المسيح، يجب أن نرتفع فوق مستوى الناموس: وصية جديدة أنا أعطيكم، أن تحبوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً (يو 13 : 34). إن حباً هذا مقداره من نحو الآخرين، لهو شارة التلمذة الحقيقية، ففيها جميع ما يجب علينا من نحو الآخرين، المحبة لا تصنع شراً للقريب، فالمحبة هي تكميل الناموس (رو 13 : 8).
وخصائص المحبة التي علينا أن نبديها للآخرين تتجلى بصورة بديعة في الإصحاح الثالث عشر من الرسالة الأولى لكورنثوس: المحبة تتأنى وترفق، المحبة لا تحسد، المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ، ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتد ولا تظن السوء، ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق، وتحتمل كل شيء تصدق كل شيء، وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط أبداً (1كو 13 : 1 - 8) ومثل هذه المحبة ليست في حاجة إلى ناموس لأن فيها هي تكميل الناموس.
ثم لا ننسَ وصية الرب يسوع بصدد المحبة: سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات (مت 5 : 43 - 48 ). فتلميذ المسيح يجب ألا يرد الشر بالشر، بل بالحري يبارك من يسيء إليه.
كما يجب أن تظهر محبة تلميذ المسيح في سد الاحتياجات الضرورية، لا للأحباء فقط، بل وللأعداء أيضاً، بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الأخوة، وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه. يا أولادي لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق (1يو 3 : 16 - 18)، وكذلك إن جاع عدوك فاطعمه وإن عطش فاسقه، لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه. لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير (رو 12 : 20 و 21).
ويجب أن تكون محبتنا محبة عملية صادقة وليست مجرد ادعاء، لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق (1يو 3 : 18)، وأن تكون بلا رياء (رو 12 : 9)، بالمحبة الحقيقية تعبر عن نفسها بخدمة الآخرين بالمحبة اخدموا بعضكم بعضاً (غل 5 : 13). وليس هناك ما هو أروع من المثال الذي قدمه لنا الرب يسوع نفسه في غسل أرجل التلاميذ، فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض (يو 13 : 4 - 15).
فالمحبة تحتمل ضعفات الضعفاء وترضي الآخرين، فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نرضي أنفسنا. فليرض كل واحد منا قريبه للخير لأجل البنيان. لأن المسيح أيضاً لم يرض نفسه، بل كما هو مكتوب تعييرات معيِّريك وقعت عليَّ (رو 15 : 1 - 3)، واحملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح (غل 6 : 2). ولا يطلب أحد ما هو لنفسه، بل كل واحد ما هو للآخر (1كو 10 : 24). والمحبة تتنازل عن أمور قد تكون بريئة في ذاتها، لكنها قد تصبح حجر عثرة للآخرين، فإن كان أخوك بسبب طعامك يُحزَن، فلست تسلك بعد حسب المحبة. لا تهلك بطعامك ذاك الذي مات المسيح لأجله ... وحسن أن لا تأكل لحماً ولا تشرب خمراً ولا شيئاً يصطدم به أخوك أو يعثر أو يضعف (رو 14 : 15 و 21).
والمحبة تسامح الآخرين بفرح: كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضاً في المسيح (أف 4 : 32)، وتكرم الآخرين: وادين بعضكم بعضاً بالمحبة الأخوية مقدمين بعضكم بعضاً في الكرامة (رو 12 : 10).
وبالإجمال ليس هناك ما هو أهم ولا أسمى من هذه المحبة لأنها تكميل الناموس، فان كنتم تكملون الناموس الملوكي حسب الكتاب: تحب قريبك كنفسك. فحسناً تفعلون (يع 2 : 8). والمحبة فوق جميع الفضائل: وعلى جميع هذه البسوا المحبة التي هي رباط الكمال (كو 3 : 14)، فهي الرباط الذي يربط سائر فضائل الحياة المسيحية. ومتى توفرت هذه المحبة، نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الأخوة. من لا يحب أخاه يبق في الموت (1يو 3 : 14). والمحبة هي الاختبار الحقيقي لثباتنا في الله والله فينا، الله لم ينظره أحد قط. إن أحب بعضنا بعضاً فالله يثبت فينا ومحبته قد تكملت فينا، الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه (1يو 4 : 12 و 16).
اقتراحات موسوعية أخرى
لوك
إسم قبطى معناه كثرة الكلام
خدع
خَدَع
خدعه ختله وأراد به المكروه (انظر تك29: 25، 31: 20و26و27، 2صم 19: 26 ...الخ). وخدعه مخادعة أظه...
نوء
نوء
النوء : المطر الشديد ، وشدة هبوب الريح ، واضطراب البحر ويتمنى داود لو أن له جناحي حمامة لكى يسر...
كلوبا
كلوبا
يذكر يوحنا البشير إنه كانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت امه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدية (ي...
صك
صك
الصك وثيقة لاثبات دين أو صفقة. فعندما إشترى إرميا النبي الحقل من حنمئيل ابن عمه كتب ذلك في صك وخ...
محص
محص - ممحص
محص الشيء: خلصه من عيوبه ونقّاه. ومحص المعدن أو الذهب (أي 28: 1) بالنار: خلصه مما به من...