كلمة منفعة
اذكر ضعفك، حينئذ تكون أكثر حرصًا، وحينئذ لا تخضع لأفكار الكبرياء والمجد الباطل، إن حاربتك.
— اذكر

إنجيل مرقس

وإنجيل مرقس هو الثاني في ترتيب الإناجيل الأربعة مع أن هذا لا يعني بالضرورة أنه كتب بعد إنجيل متى. وهو أقصر الأناجيل الأربعة والمادة التي يقدمها مرقس في أنجيله يقدمها في تفصيل كثير. فتقدم قصة حياة المسيح وأعماله وصلبه وقيامته بسرعة وفي تصوير رائع وفي مناظر تصويرية قوية متعاقبة الواحد تلو الآخر. وتسير هذه المناظر في ترتيب تاريخي متسلسل. ويوجه مرقس عناية خاصة إلى ما عمله المسيح أكثر مما يوجهه إلى تعاليم المسيح فيذكر لنا أربعة فقط من أمثال المسيح مع أنه يذكر لنا 18 من معجزات المسيح ويسجل لنا خطابا واحدا طويلا من خطابات المسيح ومواعظه (مر13). ويقدم لنا المسيح ابن الله القدير (مر1: 11، 5: 7، 9: 7، 14: 61 وكذلك مر8: 38، 12: 1-11، 13: 32، 14: 36)، والمخلص الظافر المنتصر. ويسرد مرقس الحوادث تحت عناوين: مناداة المسيح وخدمته في الجليل (مر1: 14-9: 50) والأسبوع الأخير في أورشليم (مر11: 1-16: 8). ويصل بين هذين الموضوعين الرئيسيين بذكر الحوادث التي تمت في المدة المتوسطة بين هذين الزمنين (مر10: 1-52) وتسري فكرة الألم والصليب خلال الإنجيل كله فيذكرها البشير ويعيدها على الأذهان مرة بعد الأخرى وقد استوعب ذكر آلام المسيح ثلث الإنجيل تقريبا ويظهر ظل الصليب في الصفحات الأولى من البشارة (مر2: 20، 3: 6). فإن طريق التتلمذ للمسيح هي طريق حمل الصليب (مر8: 34 وما يليه). وتتضمن معمودية الألم وتجرع الكأس (مر10: 38 وما يليه). ولا توجد كلمات تصدق على مادة الإنجيل وروحه أكثر من كلمات المسيح الواردة في مر10: 45 وفي كلمات قائد المئة في مر15: 39. محتويات إنجيل مرقس: يمكن أن تقسم محتويات هذه البشارة إلى: 1- بدء الإنجيل 1: 1-13. (ا) مناداة يوحنا المعمدان 1: 2-8. (ب) معمودية يسوع وتجربته 1: 9-13. 2- خدمة المسيح في الجليل ومناداته هناك وقيام السلطات الدينية عليه 1: 14-8: 26. (ا) في الأماكن الواقعة حول بحر الجليل 1: 14-5: 43. (ب) في الأماكن البعيدة عن بحر الجليل 6: 1-8: 26. 3- المسيا والآلام العتيدة 8: 27-10: 45. (ا) أقرار بطرس 8: 27-33. (ب) التنبؤ بالآلام 8: 31 و32، 9: 3-32، 10: 32-34. (ج) التعليم عن التلمذة الحقيقية للمسيح 8: 34-38، 9: 23-37، 10: 13 و35-45. (د) التجلي 9: 2-13. 4- سرد حوادث الآلام 10: 46-15: 47. (ا) في الطريق إلى أورشليم 10: 46-52. (ب) الدخول إلى أورشليم 11: 1-11. (ج) خدمة المسيح ومناداته في أورشليم 11: 12-13: 2. (د) خطاب نبوي عن خراب أورشليم والمجيء الثاني 13: 3-37. (ه) موت المسيح 14: 1-15: 47. 5- قيامة المسيح والقبر الفارغ 16: 1-8. 6- خاتمة عن ظهور المسيح بعد قيامته 16: 9-20. المصدر الذي اشتقت منه مادة هذا الإنجيل: كان الاعتقاد السائد في أواخر القرن الأول الميلادي أن هذا الإنجيل كتب في روما ووجه إلى المسيحيين الرومانيين. وكتب بابيوس مستندا إلى ما استقاه من يوحنا الشيخ لهذه العبارة التي اقتبسها يوسيبيوس في تاريخه الكنسي: "هذا أيضا ما قاله الشيخ، أن مرقس وقد كان مفسرا لبطرس ومترجما لآرائه، سجل جميع الأشياء التي تذكرها من أقوال المسيح وأعماله وذلك لأنه لم يسمع الرب ولا كان من أتباعه ولكنه اتبع بطرس فيما بعد كما ذكرا آنفا". وهذا الدليل الذي يأتينا من نهاية القرن الأول أو فاتحة القرن الثاني يربط بين كاتب هذا الإنجيل وبطرس. ثم أننا نجد ذكرا لمرقس في رسالة بطرس الأولى إذ يقول: "تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الَّتِي فِي بَابِلَ الْمُخْتَارَةُ مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ ابْنِي" (1 بط 5: 13). وبابل هنا اسم رمزي لروما وهذا القول لا يربط بين بطرس ومرقس فحسب بل يشير إلى إنهما يخدمان معا، وفي الغالب إنهما كانا يخدمان في روما. ومن المحقق أن مرقس انتهز الفرص الكثيرة التي أتيحت له ليتعرف على أقوال المسيح وأعماله من كثير من الذين سمعوا هذه الأقوال وكانوا شهود عيان لهذه الأعمال إلى جانب بطرس وكذلك عرف الكثير منها عن طريق أفراد الكنيسة الأولى وقريبه برنابا والرسول بولس والتلاميذ الذين ترددوا على منزل أمه مريم (أع12: 12 و17). ومن الواضح أن مرقس كتب بشارته للأمم ويظهر هذا من شرحه وتفسيره بعض العبارات الواردة عن أماكن في فلسطين وبعض العادات اليهودية وبعض التعبيرات غير المألوفة لدى الأمم (مر3: 17، 5: 41، 7: 3 و4 و11 و34، 12: 42، 14: 12، 15: 22 و42 وغيرها). ثم أن استخدام البشير لكلمات لاتينية كثيرة في صورتها اليونانية يرجح الرأي القائل بأن البشارة كتبت في روما. تاريخ كتابة الإنجيل: وقد ذكر إيرينيوس أحد آباء الكنيسة الأولين أن مرقس كتب البشارة التي تحمل اسمه قائلا: "بعد أن نادى بطرس وبولس بالإنجيل في روما وبعد انتقالهما (أو خروجهما) سلم لنا مرقس كتابة مضمون ما نادى به بطرس". وإذا كان الأمر كذلك فربما كتب هذا الإنجيل بين عام 65 وعام 68. ويلاحظ أن الجزء الأخير من الإنجيل وهو (ص16: 9-20) وجد في بعض المخطوطات القديمة ولم يوجد في البعض الآخر مثل المخطوطة السينائية ومخطوطة الفاتيكان. ولكن يجب أن لا يغرب عن بالنا أن حوادث الظهور الواردة في هذه الأعداد وكذلك أقوال المسيح المقام المذكورة فيها حقائق دامغة يؤيدها ورودها في الإناجيل الأخرى.