كلمة منفعة
سر الاعتراف في الكنيسة هو سر التوبة، ومن غير توبة لا يكون الاعتراف اعترافًا..
— الاعتراف والتوبة

اورشليم

اورشليم، الأطلال، اطلال
حجم الخط
أورشليم والأطلال الأثرية المرتبطة بمصادر المياه
في مدينة أورشليم ، حيث تكون مشكلة مصادر المياه واحدة من أكبر المشاكل ، من الطبيعي أن تتركز حول هذه المشكلة بعض الأعمال القديمة الهامة . وقد كانت مصادر المياه ثلاثة : الينابيع والخزانات والقنوات الصناعية .
الينابيع الطبيعية : وقد سبق وصف الينابيع الطبيعية في البند الثاني من هذا البحث (في الفقرة الثالثة) . ولكن هناك بعض الأطلال الأثرية على جانب كبير من الأهمية ترتبط بهذه المصادر وبخاصة بجيحون أعظم المصادر وأهمها :
(1) - نبع العذراء : وهو جيحون القديم ، وكما وصفناه سابقاً (البند الثاني ، الفقرة الثالثة) ينبع من شق صخري في قاع وادي قدرون . وفي الظروف الطبيعية كان يجري الماء في بطن الوادي الذي يوجد الآن مطموراً تحت أنقاض المدينة القديمة . ولاشك في أنه عندما استقر المستوطنون القدامى في الكهوف (التي تم التنقيب عنها) على جانبي الوادي بالقرب من النبع ، عاشوا هم وقطعانهم علي ضفاف مجري ماء جار في واد منعزل بين تلال لا ماء فيها ، ومع هذا فمنذ وقت مبكر - علي الأقل منذ ألفي سنة ق . م . - بذلت جهود ضخمة لحجز بعض الماء ، وبني سد حجري أصم حوَّل مصادر المياه إلى بركة ذات عمق ملحوظ . ومنذ ذلك الوقت أو بعده بقليل ، أجريت حفريات في الشقوق الصخرية المحيطة بالبركة ، والتي جرت منها علي الأقل كميات من الماء علي طريق شق نفق في قلب التل الجنوبي الشرقي عوفل (أي الأكمة) ، حتي يمكن الحصول علي المياه منها داخل أسوار المدينة . واليوم يوجد نوعان من الأنفاق يعتبران عادة نفقاً واحداً باسم قناة سلوام ، ولكن يحتمل أن النفقين من عصرين تفصل بينهما قرون كثيرة .
(2) - قناة الكنعانيين : يبدأ النفق الأقدم من كهف مجاور للمنبع ثم يجري بعد ذلك ناحية الغرب مسافة 67 قدماً ، وفي النهاية الداخلية للنفق يوجد نفق عمودي يرتفع إلى أكثر من 40 قدماً ، ويصب في ممر صخري مرتفع ، يسير فى انحناء جانبي ضئيل نحو الشمال في اتجاه السطح . وقد انهدمت النهاية العليا في بعض أجزائها ، وأعيد بناء السقف الذي كان قد سقط ، عن طريق بناء قنطرة . وتقطع هوة عميقة شديدة الانحدار أرضية هذا الجزء من الممر الذي كشف عنه وارن جزئياً ، ولكن باركر أثبت بشكل حاسم أنها انتهت بنهاية مسدودة . ومن الواضح أن هذا الدهليز الكبير البالغ عرضه ما بين ثمانية وتسعة أقدام ، والذي كان مرتفعاً في بعض المواضع ، قد شيد (وقد يكون أصلاً كهفاً طبيعياً استخدم في العمل) لتمكين سكان المدينة المسورة من الوصول إلى النبع ، وهو في الواقع عمل مشابه للممر المائي الكبير في جازر الذي بدأ من حفرة في الصخر عمقها 26 قدماً ، وتنزل بدرجات إلى عمق 94 قدماً وست بوصات تحت مستوي سطح الصخر . وكان ارتفاع الممر المنحدر 23 قدماً وعرضه 13 قدماً . وهذا الممر الذي يرجع تاريخه بالتأكيد إلي ما قبل 1500 ق . م ، بل يكاد يكون من المؤكد أنه يعود إلى 2000 ق . م . قد حفر بواسطة سكاكين من الصوان للوصول إلى مصدر كبير من المياه الجوفية .
(3) - نفق أو خندق وزن : وقد ألقى اكتشاف الممر المائى فى جازر ، فيضاً من النور علي نفق وارن في أورشليم ، الذي يبدو أنه حفر لغرض مشابه. ولعل الهوة - التي سبق ذكرها قد عملت للوصول إلي مصدر الماء من نقطة أعلي ، أو لعلها قد عملت أو عدلت فيما بعد لتمنع الدخول إلى المدينة عن طريق الأنفاق . وعلي أي الوجوه فإن هذا الممر هو القناة المذكورة في سفر صموئيل الثاني (5 : 8) ، والتي صعد عن طريقها يوآب ورجاله سراً (1 أخ 11 : 6) ، ولابد أنهم خاضوا في المياه عند منبعها وصعدوا النفق العمودي (وهو عمل عظيم قام به بعض الضباط البريطانيين في 1910 م دون الاستعانة بالسلالم) ، واتجهوا بعد ذلك إلى قلب المدينة عن طريق النفق الكبير . وبناء علي ما يوجد في نفق المياه المشابه في جازر ، فإن هذا العمل العظيم ، لم يكن موجوداً في زمن داود فحسب بل لعله أنشيء قبل ذلك بحوالي 1000 عام .
4- قناة سلوام أو قناة حزقيا : يعتبر نفق سلوام الحقيقي عملاً متأخراً . وهو يتفرع من القناة القديمة عند نقطة علي بعد 67 قدماً من المدخل ، وبعد أن يسير في مجري شديد الالتواء مسافة 1682 من الأقدام ، يصب في بركة سلوام (الطول الكلي 1.749 قدماً) والقناة كلها محفورة في الصخر ويتراوح عرضها بين قدمين وثلاثة أقدام ، وتختلف في ارتفاعها من 16 قدماً في الطرف الجنوبي ، إلى أربع أقدام ونصف عند نقطة قرب المنتصف . وقد تغيرت ظروف هذا النفق تغيراً كبيراً مؤخراً نتيجة لما قامت به جماعة الكابتن باركر ، فقد أزالت الطمي المتراكم على مدي قرون ، وقبل ذلك كان عبور بعض أجزاء هذه القناة ، يتم بمشقة وجهد كبيرين . وتبدو الطبيعة البدائية لهذا البناء ، من الممرات الوهمية الكثيرة التي عملت فيه ، وكذلك بسبب الالتواءات الكثيرة التي تضاعف من طوله ، ولعل هذه الالتواءات حدثت من العمال الذين توخوا مسار الطبقات الرخوة . وقد اعتقد كلير مونت - جانو وآخرون أن واحداً أو أكثر من الالتواءات الكبيرة قد عمل لتجنب قبور ملوك يهوذا . وقد رويت طريقة بناء هذا النفق في نقش سلوام . فقد بدأ العمل فيه من كلا طرفيه في نفس الوقت ، والتقي الفريقان عند الوسط . ومما تجدر ملاحظته ، وجود فارق في المنسوب قدره قدم واحد فقط . ولكن الارتفاع الشاهق عند الطرف الجنوبي يرجع غالباً إلى انخفاض في التربة بعد أن تم التقاء الطرفين . ومن المؤكد أن هذا العمل العظيم هو المشار إليه في سفر الملوك الثاني (20 : 20) : وبقية أمور حزقيا وكل جبروته وكيف عمل البركة والقناة وأدخل الماء إلى المدينة ، أما هي مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك يهوذا . ونقرأ في سفر أخبار الأيام الثاني (32 : 30) : وحزقيا هذا سد مخرج مياه جيحون الأعلي وأجراها تحت الأرض إلى الجهة الغربية من مدينة داود .
(5) - قنوات أخري في جيحون : وعلاوة علي هاتين القناتين اللتين لهما أهمية كتابية خاصة ، توجد بقايا لقناتين أخريين على الأقل ، تبدآن مع نبع العذراء : إحداهما قناة عميقة محفورة في الصخر على الجانب الغربي من وادي قدرون ، وقد اكتشفها الكابتن باركر ، والقناة الأخري مبنية ومبطنة بالملاط ، وهي تبدأ من مستوي أدني من سائر القنوات المجاورة للشق الصخري السابق ذكره والذي تنبع منه المياه ، وتسير في اتجاه متعرج جداً على الجانب الغربي لقدرون ، ولعل إحدى هاتين القناتين - ويحتمل أن تكون الأولي منهاً - هي التي يطلق عليها شيلوه (إش 8 : 6) قبل أن يحفر حزقيا قناته .
وتوجد كهوف أخري وقنوات محفورة في الصخر حول جيحون القديمة مما يؤكد أهمية الموقع .
(6) - بير أيوب : وعمقها 125 قدماً ، ويتجمع الماء في القاع في غرفة كبيرة منحوتة في الصخر ، ومن الواضح أنها في فترة من الفترات زيد في عمقها ، لأنه عند عمق 113 قدماً توجد غرفة تجميع ، استبدلت الآن بالغرفة الأعمق . وقد وجد وارن ممرات أو درجات عديدة محفورة في الصخر في المنطقة المجاورة لهذه البئر .
(7) - الخزانات والصهاريج المختلفة : لقد حفرت الخزانات لتخزين مياه الأمطار ، في كل مكان في أرض فلسطين الجبلية . ولقد اعتمد كل ساكن من سكان أورشليم ، ولقرون عديدة ، اعتماداً كاملاً ، على الماء الذي يجمعه من فوق سطح منزله ، ليستخدمه في أغراضه المنزلية . وكانت هذه الخزانات تحفر أسفل المسكن أو إلى جانبه . وكان الكثير من هذه الخزانات علي شكل الإناء له فم ضيق نسبياً منحوت في الصخر الصلد ، وقد وجدت بعض الحفر المستديرة في الطبقة السفلي المسماة الملكة (انظر ما جاء في الفقرة الأولي من البند الثاني من هذا البحث) . وبعض هذه الخزانات القديمة عبارة عن كهوف منحوتة في الصخر ، ذات أشكال غير منتظمة وذات سطوح من صخر أصلد ، وفتحات عديدة في الغالب . والأشكال المتأخرة ذات قباب ، إما محفورة في الصخر ، أو في بعض الأحيان مبنية جزئياً في طبقات القمامة المتراكمة .
وقد شيدت خزانات ضخمة في الحرم (أي في منطقة الهيكل) للأغراض العامة ، الكثير منها معروف ، ويسع أكبرها ثلاثة ملايين من الجالونات . ومثل هذه المنشآت عملت أصلاً للطقوس الدينية ، ولكن - كما سنري - كانت مصادر أخري غير الأمطار تمد هذه الخزانات بالماء . وقد أقيمت خزانات مكشوفة في أجزاء كثيرة من المدينة ، ويطلق على هذه الخزانات في العربية اسم بركة . ويحوم الشك حول تاريخ إنشائها ، لكن المرجح أنه لا توجد واحدة منها من قبل العصر الروماني .
(8) - بركة إسرائيل : وبركة إسرائيل هي أضخم خزان داخل أسوار المدينة ، إذ تمتد من الزاوية الشمالية الشرقية للحرم ، إلى مسافة 360 قدماً فى اتجاه الغرب ، ويبلغ عرضها 125 قدماً ، وكان عمقها أصلاً 80 قدماً ، ولكنها في السنوات الأخيرة امتلأت بشكل كبير بنفايات المدينة . وبعض الأطراف الشرقية والغربية من هذه البركة محفورة في الصخر ، وأجزاء أخري منا مبنية . ومن الأجزاء المبنية في الطرف الشرقي ، خزان ضخم عرضه 45 قدماً ، يحازي الجزء الأسفل منه السور الشرقي القديم في منطقة الهيكل . وجوانب البركة كلها مبنية ، لأن هذا الخزان مشيد في عرض الوادي المشار إليه قبلاً (البند الثالث - الفقرة الثانية) علي أنه وادي القديسة حنة . وبعض أجزاء هذا الوادي مملوءة بالأنقاض بعمق مائة قدم . والقاع الأصلي للخزان مغطي بطبقة سمكها حوالي 19 بوصة من خرسانة صلبة جداً . وقد كانت هناك قناة كبيرة عند الطرف الشرقي للبركة مبنية بحجارة ضخمة ومتصلة بالبركة عن طريق حجر به ثلاثة ثقوب مستديرة ، قطر كل ثقب منها خمس بوصات ونصف البوصة . ووضع هذا المخرج يدل على أن كل كمية المياه فوق عمق 22 قدماً ، كانت تفيض عنه . ويعتبر بعض الثقاة أن هذه البركة تعود إلى ما قبل السبي . وكان الحجاج المسيحيون الأوائل ، يقولون إنها بركة الضأن المذكورة في إنجيل يوحنا (5 : 2) . وفي مرحلة متأخرة وحتي زمن قريب كان يظن أنها بركة بيت حسدا .
(9) - بركة بيت حسدا : كان اكتشاف حوض الماء الذي اختفي منذ زمن طويل - وهو الاكتشاف الذي تم منذ سنوات ، بالقرب من كنيسة القديسة حنة ، وهو دون شك بركة بيت حسدا التي كانت موجودة في القرن الخامس الميلادي ، سبباً في استبعاد الظن بأن بركة إسرائيل هي بركة بيت حسدا .
(10) - البركتان التوأمتان : وإلى الغرب من بركة إسرائيل توجد البركتان التوأمتان الممتدتان تحت الطريق في المنطقة المجاورة لقوس اكهومو (أي : هوذا الإنسان - يو 19 : 5) . وأبعاد الغربية منهما 165 قدماً × 20 قدماً ، والشرقية 127 × 20 قدماً ، ويظن كليرمونت - جانو أنهما بركة ستروثيوس التي ذكرها يوسيفوس . ولكن آخرين يحددون لوجودهما تاريخاً متأخراً عن ذلك ، إذ يعتبرون أنهما قد انشئتا في الواقع في خندق أنطونيا . وقد اكتشفت قناة كبيرة في 1817م. عرضها ما بين قدمين ونصف ، وثلاثة أقدام ، وترتفع في بعض الأماكن إلى 12 قدماً . وتجري من منطقة مجاورة لبوابة دمشق ، ولكنها منهدمة في أقصى الشمال . وتجري من البركتين قناة أخرى في اتجاه الحرم .
(11) - بركة حمام البطريق : وعلي التل الشمالي الغربي بين باب يافا وكنيسة القبر المقدس ، يوجد خزان كبير مكشوف يعرف عند سكان المدينة الحاليين باسم بركة حمام البطريق وطولها 240 قدماً (من الشمال إلى الجنوب) ، وعرضها 144 قدماً ، وعمقها من 19-24 قدماً . وقد تشققت البطانة الاسمنتية للقاع وأصبحت عديمة الفائدة من الناحية العملية . والحائط الشرقي لهذه البركة ضخم بشكل ملحوظ يكوِّن قاعدة الشارع المستوي المسمي حارة النصاري ، وليس من المستبعد أنه جزء من السور الثاني الذي طال التنقيب عنه ، وإذا صح ذلك ، فان البركة - التي ثبت أنها كانت تمتد في وقت من الأوقات مسافة 60 قدماً في اتجاه الشمال - قد تكون شيدت أصلاً كجزء من أجزاء الخندق . ومن ناحية أخري يبدو أن هذه البركة هي بركة أميجدالون (أو بركة البرج) التي ذكرها يوسيفوس ، والتي كانت مسرحاً لعمليات الفرقة العسكرية العاشرة ، ولكن يبدو أن هذا يتعارض مع النظرية السابقة ، حيث أن الأحداث المذكورة ، يبدو أنها تعني ضمناً أن السور الثاني كان يقع خارج البركة . ويرجع هذا الاسم الشائع الذي يطلقه السائحون عليها وهو بركة حزقيا إلى النظرية التي ثبت عدم صحتها الآن ، والتي كانت تزعم أن هذه البركة هي المشار إليها في سفر ملوك الثاني (20 : 20) ...عمل البركة والقناة وأدخل الماء إلى المدينة . وقد ذكر بعض الطبوغرافيين القراص أنها البركة العليا المذكورة فى إشعياء (7 : 3 ، 26 : 2) .
(12) بركة ماميلا : وتأخذ بركة حمام البطريق مياهها من
بركة ماميلا الواقعة علي مسافة نصف ميل إلي الغرب .وهذه البركة التي يبلغ طولها 293 قدماً وعرضها 193 قدماً وعمقها تسعة عشر قدماً ونصف القدم، تقع في وسط مقابر شاسعة للمسلمين، علي رأس وادي ميس وهو بداية وادي الربابة (هنوم) . وتخرج القناة التي تربط البركتين من الطرف الشرقي لبركة ماميلا وتسير في مجري متعرج بعض الشيء ، وتدخل المدينة بالقرب من باب يافا . والقناة في حالة سيئة ، والماء الذي تحملة -وبخاصة في موسم سقوط الأمطار الغزيرة-ماء قذر . وكان يظن في العصور الوسطي أنها بركة جيحون العليا، ولكن هذه وطريق حقل القصار يقعان في موضع آخر .ويقول ولسون وآخرون إنها بركة الثعبان التي ذكرها يوسيفوس حيث يقول: إن تيطس قد هدم كل الأماكن من سكوبس إلي هيرودس التذكاري الذي يتأخم بركة الثعبان وسواها بالأرض. ولكن ليس من السهل أن نجزم بشيء . والأرجح أن البركة كانت موجودة في وقت الحصار ، ويحتمل أنها بيت ممل المذكورة في التلمود البابلي.
(13) بركة السلطان : وهي بركة كبيرة ، فطولها 555 قدماً من الشمال إلي الجنوب وعرضها 220 قدماً من الشرق إلي الغرب . ويحيط بها من الغرب ومن الشمال منحني كبير من القناة ذات المنسوب المنخفض عندما تمر بها ، ثم بعد ذلك إلي وادي الربابة . ويتكون الجانب الغربي من سد ضخم عبر الوادي ، يمر فوقه طريق العربات إلي بيت لحم . وقد يعني الاسم البركة العظيمة أو أنه يعود إلي إعادة بنائها بأمر السلطان سليمان بن سليم الأول في القرن السادس عشر ، كما هو منقوش علي نبع جانبي علي السور الجنوبي .وهذه البركة مسجلة في سجلات كنيسة القبر المقدس باسم لاكوس جرماني علي اسم فارس الماني بني البركة أو جددها في 1176 م. ومن المحتمل أن جزءاً كبيراً من البركة هو منطقة لتجميع مياه الأمطار ، وأن الخزان الحقيقي هو البركة المحفورة في الصخر عند الطرف الجنوبي والتي ظهرت حديثاً . ويصعب الظن بأنه في أي وقت من الأوقات كانت كل المنطقة تمتليء بالماء ، فالآن يتجمع الماء في الخزان عند طرفه الأسفل -بعد موسم الأمطار -لارتفاع يقرب من 10-12 قدماً من الماء شديد القذارة، والذي يأتي أكثرة من مياه مجاري طريق يافا ، بينما يستخدم الثلثان العلويان من المكان سوقاً للماشية في أيام الجمع ، ويستخدم ماؤها الآن لرش الشوارع المتربة في موسم الجفاف.
وتوجد الآن خزانات أخري ذات أحجام ملحوظة، داخل المدينة وحولها ، مثل : بركة ستي مريم بالقرب من باب القديس استفانوس، وهي بركة غير مبطنة بالأسمنت في وادي الجوز تتصل بها قناة محفورة في الصخر وغيرها من القنوات التي لا أهمية تاريخية لها .
(14) برك سليمان : والقناتان اللتان تجلبان المياه إلي المدينة من مسافة بعيدة هما القناة العليا و القناة السفلي لأنهما كانتا تصلان إلي المدينة علي مستويين مختلفين، والأرجح أن الأولي كانت بالقرب من باب يافا ، والثانية عند ساحة الهيكل.
(15) القناة السفلي : ورغم أن القناة السفلي في حالة سيئة لايمكن ترميمها ، إلا أنه من الممكن تتبع مجراها كله، فقد كانت تنقل المياه من ثلاث برك كبيرة في وادي أرتاس (الحارث) علي بعد سبعة أميال جنوبي أورشليم، وتسمي عادة برك سليمان ، لعلها المشار إليها في سفر الجامعة (2: 6) : عملت لنفسي برك مياه لتستقي بها المغارس المنبتة الشجر ،ولا نستطيع أن نقول كثيراً علي الاسم حيث أن أي عمل عظيم في فلسطين كان خليقاً به أن ينسب إلي ملك إسرائيل الحكيم .وهذه الخزانات الثلاثة مشيدة في عرض الوادي، واسفلها وأكبرها طوله 582 قدماً وعرضه 177 قدماً ،ويصل عمق طرفه الأسفل إلي 50 قدماً . وعلي الرغم من أن المياة الفائضة من عين الصالح والتي تسمي عادة الينبوع المختوم (نشيد الأنشاد 4: 12) تصل إلي البرك ، فالأرجح أن وظيفتها الرئيسية كانت جمع مياه أمطار الشتاء الغزيرة ، ثم يمر الماء من خزان إلي خزان بعد تنقيته. وتوجد في هذا الوادي أربعة ينابيع تمد القناة التي مازالت تنقل المياه إلي بيت لحم ، حيث تمر عبر التل عن طريق نفق، ثم بعد أن تسير متعرجة طول جوانب التل ، تدخل نفقا آخر -تحول الآن إلي خزان لخزن المياه لمدينة أورشليم -ومنه تسير بجانب الجبل علي المنحدرات الجنوبية لأورشليم حتي تصل إلي الحرم. والطول الإجمالي لهذه القناة يبلغ حوالي12 ميلاً ، ولكن في زمن لاحق ، زاد طولها 28 ميلاً إلي وادي عروب في الطريق إلي حبرون علي بعد خمسة أميال أخري إلي الجنوب من البرك .ويوجد هنا ايضا خزان هو بركة العروب لتجميع مياه الأمطار، كما توجد عدة ينابيع صغيرة يربطها بالقناة عدد من القنوات الفرعية المحفورة في الصخر تحت الأرض. والطول الكلي للقناة السفلي هو 40 ميلاً تقريباً ، ويهبط المستوى من بركة العروب (علي ارتفاع 2645 قدماً فوق سطح البحر) عند طرفها الأقصي إلي القص حيث تنتهي عند الحرم (علي ارتفاع 2410 أقدام فوق سطح البحر )أي بمقدار 235 قدماً.

(16) القناة العليا : وتبدأ من سلسلة من الآبار متصلة بنفق طوله أربعة أميال تقريباً في وادي بيار أي وادي الآبار حيث تتجمع مياه أكثر من خمسين بئراً في أسفل الوادي، ثم يمر الماء بعد ذلك في بركة حيث تترسب المواد الصلبة، ثم تخترق نفقاً طوله 1700 قدم إلي وادي أرتاس ، وكان مستواها هنا يعلو 150 قدماً فوق القناة السفلي، وتتلقي المياه من الينبوع المختوم ، وفي النهاية تصل إلي أورشليم علي مستوي يعلو حوالي 20 قدماً فوق باب يافا. وأكثر ما نلاحظه في هذه القناة هو السحارة المقلوبة المبنية من كتل من الحجر الجيري المخرم، والتي تكوِّن أنبوبة حجرية قطرها 15 بوصة، وتحمل الماء عبر الوادي بالقرب من قبر راحيل.
(17) تواريخ بناء هذه القنوات : وقد وجدت علي عدد من هذه الكتل الحجرية نقوش لاتينية عليها أسماء بعض قادة المئات من عصر الامبراطور ساويرس (195 م) . وقد أدي هذا بالكثيرين إلي تحديد تاريخ هذا العمل العظيم، ولكن ولسن - وهو أحد الثقاة - يعتبر أن هذه الكتابات قد تشير إلي الإصلاحات ، وأن الأرجح هو أن هذا العمل يعود إلي عصر هيرودس . وما لم تكن روايات يوسيفوس مبالغاً فيها، فإن هيرودس كان له -ولابد- بعض الوسائل لجلب كمية وفيرة من الماء الجاري للمدينة علي نفس مستوي هذه القناة. ويري شيك أنها تعود إلي ما قبل ذلك ، إلي عصر يوحنا هيركانس (135 -125 ق.م. ). ولنا تاريخان محددان بالنسبة للقناة السفلي، فيوسيفوس يقرر أن بيلاطس البنطي اضطلع بمهمة تزويد أورشليم بمياة جارية ، وقد عمل ذلك بالأموال المقدسة، وجلب مياه هذا المجرى من مسافة تزيد علي مائتي غلوة (أكثر من 22 ميلاً) ، وفقي موضع آخر ذكر أنه أتي بالمياه من مسافة أربعمائة غلوة (ولعلها خطأ من الناسخ)، ولكن قد يكون ذلك اشارة إلي التجديدات التي عملها هيرودس أو الامتداد من وادي العروب إلي وادي أرتاس (28 ميلا)، لأن القناة السفلي من البرك إلي أورشليم من نفس بناء القناة من هذه البرك إلي جبل الفرنج ( الهيرودية) بناء علي ما ذكره يوسيفوس من أنها عملت في عصر هيرودس الكبير . وبالإجمال فإن الرأي الشائع هو أن القناة العليا كانت من عصر ساويرس ، وأن القناة السفلي كانت من عمل هيرودس ، أما امتدادها نحو الجنوب فقد تم في عهد بيلاطس البنطي.
ومازالت أورشليم تستخدم -إلي حد ما -القناة السفلى التي تم ترميمها حتي بيت لحم ، مع أن كل ما يصل إلي المدينة يأتي عن طريق أنبوبة منفردة قطرها أربع بوصات. أما القناة العليا فقد دمرت تدميراً لا أمل في إصلاحه، ويمكن تتبع بقاياها في بعض الأماكن فقط. أما أبار وادي البيار فقد طمرت ولم تعد لها فائدة، أما القناة المتعرجة الطويلة إلي وادي العروب فمتهدمة تماماً.
ثامنا- القبور والأطلال الأثرية والمواقع الدينية :
لسنا في حاجة إلي القول بأن جميع القبور القديمة المعروفة في منطقة أورشليم قد عبثت الأيدي بمحتوياتها منذ زمن طويل :
(1) قبور الملوك : والقبور التي يطلق عليها قبور الملوك في وادي الجوز هي في الواقع من آثار الملكة هيلانة ملكة أديابين، وكانت يهودية دخيلة (48م ) ويقول يوسيفوس إن عظامها وعظام أفراد أسرتها قد دفنت في الأهرامات وكانت ثلاثة تبعد عن أورشليم بثلاث غلوات (660 ياردة) ، وقد وجد دي سولكي تابوتاً حجرياً عليه نقوش عبرية تقول : الملكة سارة ويحتمل أن يكون هذا هو الاسم اليهودي للملكة هيلانة.
(2) قبر هيرودس : وعلي الجانب الغربي من وادي الميس (أعلي جزء في هنوم) يوجد قبر عظيم الأهمية من القبور اليونانية يضم داخله توابيت جميلة النحت ، تعرف عادة باسم قبور هيرودس (مع أن هيرودس الكبير دفن في الهيرودية) وقد يكون أحد هذه التوابيت- كما يقول شيك- لماريا مين زوجة هيرودس ،ولكن الأكثر احتمالاً أنه قبر حنانيا رئيس الكهنة.
(3) قبر أبشالوم : علي الجانب الشرقي لوادي قدرون وبالقرب من الزاوية الجنوبية الشرقية للحرم، توجد ثلاثة قبور تستلفت النظر ، يعرف أقصاها من جهة الشمال ، باسم قبر أبشالوم ، وهو قبر يوناني يهودي من عصر الأسمونيين (المكابيين) ، ويقول كوندور إنه يحتمل أن يكون قبر إسكندر جانوس . وإلي الجنوب منه يوجد القبر المعروف باسم قبر القديس يعقوب الذي نعلم من الكتابة العبرية المربعة الموجودة فوق الأعمدة بأنه قبر من قبور العائلة الكهنوتية من بني حيزير (1 أخ 24: 15) وقد يعود تاريخه إلي القرن السابق للمسيح.
والقبر المجاور والمعروف باسم قبر زكريا هو نصب تذكاري محفور في الصخر ، مساحة قاعدتة 16 قدماً مربعاً ، وارتفاعه ثلاثون قدماً، وله أعمدة مربعة في أركانه تتخللها أعمدة ايونية الطراز ، وقمة هرمية الشكل ، ولا نعرف أصله، ولكن اسمه التقليدي زكريا يعود إلي كلمات الرب المدونة في إنجيلي متي ولوقا (مت 23: 35 ، لو 11: 51) .
(4) القبر المصري : وعلي مسافة قليلة من وادي قدرون ، وعند مدخل قرية سلوام ، يوجد قبر آخر محفور في الصخر يسمي القبر المصري ، أو حسب ما يظنه البعض قبر زوجة سليمان المصرية .وهو عبارة عن قبر حجري قاعدته 18 قدماً مربعاً ، وارتفاعه 11 قدماً. وقد استخدم الجزء الداخلي منه في وقت من الأوقات للصلاة، وهو الآن من الممتلكات الروسية ، ويحتمل أنه يرجع إلي نفس زمن القبور الثلاثة سابقة الذكر ،ويبدو فيه التأثير المصري بقوة .
والقبور التي يطلق عليها قبور القضاة تعود إلي العصر الروماني، كما تعود إليه عشرات الآثار في نفس الوادي. وقبور الأنبياء علي السفوح الغربية لجبل الزيتون تعتبر الآن ، أنها تنتمي إلي القرن الرابع أو القرن الخامس المسيحي.
وبالقرب من الربوة فوق كهف إرميا ، وإلي الغرب والشمال الغربي منه ، يوجد عدد كبير من القبور، معظمها من قبور المسيحيين ، والموجود منها ناحية الشمال ، يدخل الآن ضمن أملاك الدومينيكان المرتبطين بكنيسة القديس استفانوس.
(5) قبر البستان : لقد شد أحد هذه القبور -وهو أقصاها جنوبا -الانتباه منذ أن زعم الجنرال غوردون أنه قبر المسيح . وعندما تم اكتشافه،كانت حالته -دون شك- مثل سائر القبور المجاورة ، قبرا من قبور المسيحيين يعود إلي القرن الخامس تقريباً ، مملوءا بالهياكل العظمية. ولم يثبت أنه كان أصلاً قبراً يهودياً ، ولم يكن له أي مسحة من القداسة حتي اعلن الجنرال غوردون نظريته .
(6) قبر سمعان البار : ويوقر اليهود توقيراً شديداً ، قبراً في الجانب الشرقي لوادي الجوز ، لا يبعد كثيراً في جهة الجنوب عن الطريق الشمالي الكبير .وهم يعتبرنه قبر سمعان البار ، ولكنه علي الأرجح ليس قبراً يهودياً علي الإطلاق.
(7) آثار أخري: ولا يسعنا هنا إلا أن نذكر ذكراً عابراً بعض الآثار الهامة والمرتبطة بالأسوار الخارجية للحرم . وقد بنيت أساسات ساحة الهيكل وبخاصة في جهات الشرق والجنوب والغرب ، من كتل ضخمة من حجارة ملساء ، متوسط ارتفاعها ثلاثة أقدام ونصف القدم ، ويمتد أحد هذه الصفوف-المعروف بأنه المسار الرئيسي نحو 600 قدم إلي الغرب من الزاوية الجنوبية الشرقية ، من كتل حجرية إرتفاعها سبعة أقدام. وبالقرب من الزاوية الجنوبية الشرقية عند الأساسات ذاتها ، اكتشف مهندسو بعثة صندوق استكشاف فلسطين بعضاً من هذه الكتل عليها حروف فينيقية، ظن الكثيرون عند اكتشافها أنها ترجع إلي عصر الملك سليمان.
والمعتقد الآن -بصفة عامة- أن هذه الشواهد الحجرية ربما استخدمت في زمن هيرودس الكبير ، ومن جهة أخري يظن أن كل هذه الأبنية الضخمة ترجع إلي زمن إعادة بناء الهيكل التي بدأها ذلك الملك العظيم.
ويقع قوس روبنسون في السور الغربي للحرم بين الركن الجنوبى الغربي للحرم بين الركن الجنوبي الغربي وحائط المبكي اليهودى وهو بداية قوس عرضة خمسون قدما ، ناتيء من سور الهيكل ، ويبلغ طول القنطرة المقامة عليه 50 قدماً، وقد اكتشف وارن الدعامة الموجودة في الجانب الآخر. ويوجد تحت القنطرة شارع مرصوف يرجع للعصر الروماني، وقد وجد اسفل الرصيف السليم داخل قناة حجرية لبنة من لبنات قنطرة أقدم .وقد ربطت هذه القنطرة بين فناء الهيكل والجزء الأعلي من المدينة في أيام الملوك الأسمونيين ، وقد حطمها اليهود في 63 ق.م. عندما توقعوا هجوم بومبي، ولكن هيرودس أعاد بناءها في 19 ق.م . ثم دمرت نهائياً في 70 م.
ويوجد قوس ولسن علي بعد نحو 600 قدم إلي الشمال بجوار سور الهيكل الغربي. وهو يقع تحت السطح داخل حدود الطريق الذي يعبر التيروبيون إلي باب السلسلة في الحرم ، ومع ان هذا القوس نفسه ليس قديماً جداً، إلا أنه توجد هنا علي أعماق أبعد أقواس تعود إلي الطريق الممهد الذي أنشأه هيرودس ، والذي يقترب هنا من ساحة الهيكل .
(8) الأماكن الدينية: لسنا في حاجة إلي أن نقول الكثير هنا عن الأماكن الدينية المعروفة التي يزورها الحجاج المتدينون. فمجموعة الكنائس التي تضمها كنيسة القبر المقدس ، تحتوي علي الكثير جدا من الأماكن الصغيرة لمشاهد أسبوع الآلام التي يعوزها الدليل القاطع. فبالإضافة إلي القبر المقدس نفسه-والذي لا يمكن التثبت من حقيقته تماما،حيث لحقه التدمير-فالموقع الوحيد الهام هو جبل الجلجثة وكل ما يمكن أن يقال هو أنه إذا كان موقع القبر صحيحا ، فموقع جبل الجلجثة قد يكون صحيحاً أيضاً. وهو صخرة مجوفة في ربوة صخرية مكسوة بالرخام وبغيره من الأحجار تنتشر عليها الكنائس .
والعمود المجاور لقبر داود (وهو موقع غير مقطوع بحقيقته) ، قد اعتبره البروفسور ساندي (في كتابه أماكن الأناجيل المقدسة ) من الأماكن المحققة ، وأكبر الأدلة أهمية هو ما أورده أبيفانياس من أنه عندما زار هادريان أورشليم في 130 م ، كان من المباني القليلة التي كانت ما زالت قائمة كنيسة الله الصغيرة ض في الموضع الذي ذهب إليه التلاميذ بعد عودتهم من جبل الزيتون بعد صعود المخلص ،حيث ذهبوا إلي العلية ، لأنه في هذا الموضع بنيت الكنيسة في حي صهيون .وبالارتباط بهذه البقعة تواترت الأنباء منذ الأيام الأولي للمسيحية ، عن مكان منزل قيافا ، ومكان وفاة العذراء مريم . وبناء علي هذا التقليد الأخير شيد الروم الكاثوليك الألمان كنيستهم الجديدة الضخمة كنيسة الدورميتيون (أي كنيسة المثوي )، ولكن هناك تقليد آخر يحدد موقع قبر العذراء في وادي قدرون بالقرب من جثسيماني حيث توجد كنيسة صغيرة لليونانيين، تحت الأرض.