كلمة منفعة
قال أحد القديسين:لو اجتمع عشرة آلاف من الملائكة، لكان لهم رأى واحد، للأسف حينما يجتمع عدد قليل من البشر، فإنهم يختلفون..!
— الانقسام
الله (2)
الله (2)
حجم الخط
سادسا - فكرة الله في العهد الجديد :
1 - الاستناد على العهد القديم :
يستند العهد الجديد تماما على العهد القديم ، وقد أقر الرب يسوع المسيح وتلاميذه الفكرة المعلنة عن الله في العهد القديم ، على أنقى ما تكون ، وكان هذا أمرا بالغ الأهمية لهم ولمعاصريهم ، فلم يشعروا بأن هناك حاجة إلى تعديلها أو تغيرها . لقد أرادوا فقط تصويب بعض المفاهيم الخاطئة التي نادت بها اليهودية المتأخرة ، ولكن نقطة الانطلاق كانت دائما التعاليم السامية في الأنبياء والمزامير ، وكل الأفكار الهامة المتعلقة بالله في العهد القديم ، تظهر أيضا في العهد الجديد ، فهو إله واحد سام ، حي ، كائن روحي ، قدوس ، بار ، عادل ، رحيم ، كلي القدرة ، وكلي العلم ، لا يحده زمان أو مكان ، وليس ثمة صفات جديدة محددة تعزي إلى الله في العهد الجديد ، لم تكن ورادة في العهد القديم ، ومع هذا فهناك فرق ، إذ يوضع المفهوم كله في علاقة جديدة مع الإنسان ومع الكون ، فيتلألأ بكل لمعانه ويزداد جمالا وثراء ، ويختفي كل أثر للتخصصية ( أي إن الله يختص بإسرائيل فلم يعد الله يحمل اسم علم خاص يربطه بإسرائيل ، لأنه هو إله كل الأرض ، وهو لا يحابي أشخاصا أو أمما . وقد دخل عنصران جديدان إلى الفكر الديني عند البشر ، فرفع محتواه إلى مستوى جديد ، وهذان العنصران هما : إعلان يسوع المسيح للآب السماوي ، وإيمان الكنيسة بأن المسيح نفسه كان الله ، وأنه الإعلان الكامل والنهائي لله .
2 - النفوذ الأممي :
لم يكن للفكر اليوناني أي تأثير على محتوى العهد الجديد ، قد يكون أثر فيه بعض الشئ من جهة الشكل ، ولكن لم يكن له أي تأثير في فكر وتعليم يسوع المسيح ، قد يظهر الفكر اليوناني في التمييز القاطع بين الجسد والروح ، بين العقل والجسم ، كما يبدو في رسائل الرسول بولس ، وقد ساعد ذلك على تعريف روحانية الله بصورة أكثر دقة ، وفكرة اللوغس في إنجيل يوحنا ، والفكرة القريبة منها عن أن المسيح هو صورة الله عند بولس ، وفي الرسالة إلى العبرانيين ، لهما ما يشبههما عند المدارس الأفلاطونية والرواقية ، وتستخدم العبارتان لتحديد العلاقة الجوهرية بين الله والمسيح ، مما يعطي مفهوما جديدا للوحدانية .
3 - خلو العهد الجديد من البراهين اللاهوتية :
لا تظهر الفلسلفة في العهد الجديد كموضوع قائم بذاته ولكن ترتبط بالخبرة المسيحية ، فوجود الله في العهد الجديد - كما في العهد القديم - مسلم به تماما على أنه الأساس الشامل للحياة وللفكر ، ونحن لا نجد شيئا قريبا من علم اللاهوت الطبيعي ، إلا في ثلاث فقرات فقط فى أقوال الرسول بولس الموجهة إلى الوثنيين ، وهي تهدف إلى تعريفهم بطيعة الله أكثر مما تهدف إلى أثبات وجوده . عندما أوشك أهل لسترة على تقديم العبادة لبولس وبرنابا باعتبارهما إلهين وثنيين ، احتج الرسول بأن الله ليس شبيها بالناس ، ويثبت سلطانه وجلاله على أساس أنه هو الذي خلق كل شئ ( أع 14 : 15 ). ويقدم نفس الحجة في أثينا ، مستندا في توكيدها إلى دلائل حاجة الإنسان إلى الله ، كما وجدها في أثينا ذاتها ( أع 17 : 23 - 31 ) . ونفس الشهادة الطبيعية للنفس في مواجهة الكون ، نراها مرة أخرى في رسالته إلى أهل رومية باعتبارها أساس المسئولية الشاملة أمام الله ( رو 1 : 18 - 21 ) . وليس ثمة برهان منهجي في العهد الجديد عن وجود الله ، ولا عن صفات الله الميتافيزيقية ، سرمديته ، وقدرته على كل شئ ، وعلمه بكل شئ مثلما نجدها في علم اللاهوت النظامي . ولكننا نجد أساس هذه الاستدلالات في الخبرة الروحية التي ترى الله في المسيح كلي الكفاية .
4 - الأبوة الإلهية :
إن الفكرة الرئيسية عن الله في تعليم العهد الجديد هي أبوته فهي أساس كل تعليم . ولم تكن هذه الفكرة مجهولة تماما في الديانات الوثنية ، فاليونان والرومان عرفوا الآب زيوس أو جوبيتر باعتباره خالق الطبيعة وحافظها ، وعلى علاقة خاصة بالناس ، وتظهر الفكرة كثيرا في العهد القديم بمحتوى أغنى ، فالله ليس خالق إسرائيل وحافظه فحسب ولكنه يتعامل معه كما يتعامل الأب مع ابنه : كما يتراف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه ( مز 103 : 13 ، انظر أيضا تث 1 : 31 ، 32 : 6 ، إرميا 3 : 4 و 19 ، 31 : 20 ، إش 63 : 16 ، هو 11 : 1 ، مل 3 : 17 ) وحتى في تأديبه لهم : كما يؤدب الإنسان ابنه ( تث 8 : 5 ، إش 64 : 8 ) ، ونجد نفس الفكرة معبرا عنها بحنان الأم ورعايتها لوليدها ( إش 49 : 15 ، 66 : 13 ، مز 27 : 10 ) وهي جزء من علاقة العهد ، ولكن في العهد القديم لا تشغل الفكرة المركز الرئيسي الحاسم الذي تشغله في العهد الجديد ، كما أنها كانت دائما مقصورة على إسرائيل .
أ - في تعليم يسوع المسيح :
الله هو الآب بصورة فائقة ، وهو الاسم الذي كان يستخدمه عادة للكائن الأسمى ، ومما تجدر ملاحظته أن استخدام يسوع ل لهذا الاسم لم يصبح عاما مطلقا ، فنحن نقول الله بينما كان يسوع يقول الآب وهو يقصد أن طبيعة الله الأساسية ، وعلاقته بالناس يعبر عنها أفضل تعبير بعلاقة الأب بأبنائه ، ولكن الله أب بصورة أسمى وأكمل بما لايقاس - من أي إنسان ، فهو صالح و كامل الآب السماوي بالمقابلة مع الناس ، الذين - حتى باعتبارهم آباء - فهم أشرار ( مت 5 : 48 ، 7 : 11 ) والمثال الذي يتحقق فيهم بصورة جزئية غير كاملة وغير دائمة ، يكتمل فيه هو بصورة كاملة ، ولم يقصد المسيح العلاقة الطبيعية من جهة الأصل أو المنشأ بل العلاقة الشخصية ، علاقة المحبة والرعاية ، التي يمنحها الأب لأبنائه ، وفي الواقع ، هذه العلاقة شاملة ، لأن الآب كان يعمل في العالم دائما ( يو 5 : 17 ) وكل الأشياء في سلطانه ( لو 22 : 42 ) وبقوته الحافظة تعيش أضعف المخلوقات وأعظمها أيضا ( مت 6 : 26 ، 10 : 29 ) ، وما يؤكده المسيح ليس قوة الله الخالقة والمهيمنة فحسب ، بل الكيفية التي تظهر بها هذه القوة ، فهو صالح صلاحا مطلقا في كل أعماله وعلاقاته ( مت 7 : 11 ، مر 10 : 18 ) وإليه يتجه الناس وسائر المخلوقات في كل ما يحتاجون إليه ، وفيه يجدون الأمن والراحة والسلام ( مت 6 : 26 و 32 ، 7 : 11 ) ، ويفيض صلاحه تلقائيا على كل الأحياء حتى على الظالمين والأعداء ( مت 5 : 45 ) وهو يجازي الطائع ( مت 6 : 1 ، 7 : 21 ) ويصفح عن العاصي التائب ( مت 6 : 14 و 18 : 35 ) ويسترد الضال ( لو 15 : 11 - 32 ) ، فالأبوة هي محبة أصيلة وليست ومصطنعة ، سباقة بالفضل على غير استحقاق ، صفوحة ومعلمة ، تفتش عن البعيدين وتجتذبهم لقلبه ( بيشلاج - علم لاهوت العهد الجديد - المجلد الأول : 82 ) . وعلى هذا ، يجب على الناس أن يصلوا للآب من أجل كل شئ صالح ( مت 6 : 9 ) وهو مثال كل كمال ، يجب عليهم أن يسعوا لبلوغه ( مت 5 : 48 ) .
هذه هي الصورة العامة لله كما تعلنها أبوته ، ولكنها تتحقق بطرق مختلفة للذين يرتبطون به بعلاقات مختلفة .
والرب يسوع يعرف الآب كما لا يعرفه أحد آخر ، ويرتبط به بطريقة فريدة . وهذه الفكرة مركزية في تعليمه ، لأنها حقيقة جوهرية في خبرته . وفي أول ظهوره وهو صبى ، يعلن أنه يجب أن يكون في ما لأبيه ( لو 2 : 49 ) ، وفي النهاية يستودع روحه بين يدي أبيه ، وطوال حياته كان وعيه بهذه البنوية كاملا غير منقطع أنا والآب واحد ( يو 10 : 31 ) ، وكما أنه يعرف الآب ، كذلك الاب يعرفه ويعترف به ، وفي بدء خدمته كما في ذروتها في التجلي ، يشهد الآب لبنوته الكاملة الفريدة ( مر 1 : 11 ، 9 : 7 ) . لقد كانت علاقة حب وثقة متبادلة أصيلة وبلا حدود الآب يحب الابن وقد دفع كل شئ في يده ( يو 3 : 35 ، 5 : 20 ) وقد أرسل الآب الابن إلى العالم وائتمنه على رسالته ودفه إليه كل سلطانه ( مت 11 : 27 ) وأعطاه الذين آمنوا به ليقبلوا كلمته ( يو 6 : 37 و 44 و 45 ، 17 : 6 و 8 ) وهو يعمل كل الأعمال التي يعملها الآب ويتكلم بكلام الآب الذي أرسله ( يو 5 : 36 ، 8 : 18 و 29 ، 14 : 24 ) . واتكاله على الآب وثقته فيه كاملان تماما ( يو 11 : 41 ، 12 : 27 و 28 و يو 17 ) . وفي هذه الوحدة الكاملة بين المسيح والله التي لا تظللها غيوم الخطية والتي لا يفصم عراها شئ ، صار الله - للحياة البشرية على الأرض - كل ما يستطيع ويود . وكان المسيح كابن الله هو الإعلان الكامل والنهائي لله ليس أحد يعرف الابن إلا الآب ، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ( مت 11 : 27 ) . ونحن نستطيع أن نرى في المسيح لاكمال هذه البنوية فحسب ، بل نرى أيضا في مشاعره البنوية صورة الآب منعكسة عليه جليه كاملة حتى إننا نستطيع أن نعرف الآب الكامل أيضا : الذي رآني فقد رأى الآب ( يو 14 : 9 ، انظر أيضا يو 8 : 19 ) ، نعم ، إنها أكثر من صورة منعكسة ، حيث أن فكر المسيح وإرادته يماثلان فكر الآب وإرادته ، بل في اندماج كامل ، تتلألأ أقوال الآب وأعماله من خلال المسيح : الكلام الذي الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال صدقوني أني في الآب والآب في ( يو 14 : 10 و 11 ) ، وكما يكرم الناس الآب أو يكرهونه ، هكذا يكرمون الابن أو يكرهونه ( يو 5 : 23 ، 15 : 23 ) وفي اليوم الأخير عندما يأتي لينفذ الدينونة التي عهد بها الآب إليه ، فإنه سيأتي في مجد الآب ( مت 16 : 27 ، مر 8 : 38 ، لو 9 : 26 ) . وفي كل هذا يعلم المسيح أن علاقته بالآب فريدة ، والذي فيه هو أصيلا أو أكيدا ، ليس عند الآخرين إلا هدفا مثاليا يتحقق بالتدريج عن طريق الارتباط به : أنا هو الطريق والحق والحياة ، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي ( يو 14 : 6 ) وعلى هذا فهو بحق الابن الوحيد ( يو 3 : 16 ) وقد آمن معاصروه بأنه قد جعل نفسه معادلا لله ( يو 5 : 18 ) .
ومن خلال المسيح ، استطاع تلاميذه وسامعوه أيضا أن يعرفوا الله كأبيهم ، فهو يتكلم عن أبيكم وأبيكم الذي في السموات ، وبالنسبة لهم كأفراد ، فإن هذا يعني علاقة شخصية ، فهو أبوك ( مت 6 : 4 و 18 ) . وما يجب أن يحدد سلوكهم كله ، هو ادراكهم أنهم في محضر الآب ( مت 6 : 1 و 4 ) ، والحياة المثلى هي عمل مشيئته ( مت 7 : 21 ، 12 : 50 ) . وبعبارة أوضح هي أن تعمل كما يعمل هو وأن تحب وأن تغفر كما يحب هو ويغفر ( مت 5 : 45 ) وأخيرا أن تكون كاملا كما هو كامل ( مت 5 : 48 ) وهكذا يصبح الناس أبناء أبيهم الذي في السموات . وسلامهم وسلامتهم في معرفتهم عنايته التي لا تتغير والتي فيها لهم كل الكفاية ( مت 6 : 26 و 32) . والهدف النهائي لعلاقة الناس بالمسيح هو أنه بواسطته عليهم أن يصلوا إلى علاقة مع الآب مثل علاقته مع الآب ومعهم ، حيث يشكل الآب والابن والمؤمنون وحدة اجتماعية ( يو 14 : 21 ، 17 : 23 مع عدد 21 ) .
وبينما تتجلي ابوة الله تتحقق بصورة أصيلة وكاملة في المسيح ، وبشكل جزئي مشتق منه في المؤمنين ، فإن لها أيضا أهميتها لكل الناس ، فكل إنسان يستطيع أن يكون ابنا لله في المسيح ووارثا لملكوته ( لو 18 : 16 ) . وفي الطفولة ، كل الناس موضوع محبته وعنايته ( مت 18 : 10 ) وليست مشيئته أن يهلك أحد منهم ( مت 18 : 14 ) ، وحتى إن صاروا أعداء له ، فهو ما زال يهب احسانه للأشرار والظالمين ( مت 5 : 44 و 45 ، لو 6 : 35 ) ، وقد يصبح الابن الضال غير مستحق أن يدعى ابنا ، لكن الآب يظل أبا دائما . وقد يصبح الناس - إلى حد بعيد - غير امناء ، فلا تظهر عواطف الأبوة في دواخلهم ، وفي أعماق أرواحهم لا يعترفون بالله ، بل يعترفون بالشيطان أبا لهم ( يو 8 : 42 - 44 ) ، وهكذا فإن علاقتهم البنوية بالله يمكن أن تنفصم ، ولكن طبيعته وموقفه منهم لا يتغيران ، فهو الآب على الإطلاق وكآب هو كامل ( مت 5 : 48 ) . الأبوة السماوية الجوهرية الشاملة تجد غرضها الأبدي والدائم في الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب . وتتوقف علاقة الناس بالله على موقفهم منه ، فبينما لا يفيد البعض - لعدم الإيمان - شيئا ، فإن الآخرين - عن طريق الطاعة - يصبحون في واقع اختبارهم أبناء أبيهم الذي في السماء .
ب - في تعليم الرسل :
مع أن أبوة الله لا تظهر بصورة بارزة أو بكثرة في تعليم الرسل ، كما كان الحال مع الرب يسوع المسيح ، لكنها هي اساس كل تدبير الخلاص المعلن في تعليم الرسل . وتعليم الرسول بولس الرئيسي عن التبرير بالإيمان ليس إلا الصورة اللاهوتية لمثل الابن الضال . وما كان يملأ فكر الرسول يوحنا أن الله محبة ليس إلا تعبيرا مطلقا عن ابوته . وفي اتساق كامل مع تعليم المسيح ، لا يعرف الناس الآب ولا يأتون إليه إلا عن طريق المسيح وحده ، فكل تعليم الرسل عن نعمة الله هو أنها تتحقق عن طريق المسيح ابن الله الذي ارسله لأنه هكذا أحب الله العالم ( يو 3 : 16 ) وبموته يمكن أن يتصالح الناس مع الله ( رو 5 : 10 ، 8 : 3 ) وهو يتكلم إلى الناس عن طريق الابن الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره ( عب 1 : 2 و 3 ) والمركز الرئيسي المنسوب للمسيح هو أنه مركز أبوة الاب .
ونستطيع أن نميز ثلاث علاقات مختلفة في تعليم الرسل كما في تعليم المسيح ، فيها تتحقق الأبوة بدرجات مختلفة :
1 - أولا : أنه هو الله وأبو ربنا يسوع المسيح ( رو 15 : 6 ، 2 كو 1 : 3 ) ولهذا فهو مصدر كل بركة روحية في السماويات في المسيح ( أفسس 1 : 3 ) وبالمسيح لنا قدوم إلى الآب ( أف 2 : 18 ) .
2 - وعلى هذا فهو الله أبونا ( رو 1 : 7 ، 1 كو 1 : 3 ) . والمؤمنون هم أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ( غل 3 : 26 ) لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ( رو 8 : 14 ) هؤلاء يأخذون روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب ( رو 8 : 15 ، غل 4 : 6 ) وقد فهم البعض أن التبني يعني انكار بنوة الإنسان الطبيعية وأبوة الله الأساسية ، ولكن هذا يكون اشتطاطا بالمجاز بعيدا عن الغرض الذي يقصده الرسول بولس .
3 - وتعليم الرسل - مثله - مثل تعليم المسيح تماما - هو أن الإنسان في الخطية لا يستطيع أن يمتلك الوعي البنوي أو يعرف الله كأب ، ولكن الله في موقفه من الإنسان ، هو أب دائما وابدا ، ففي معنى الخلق والاعتماد ، الإنسان - على أي حال - هو ابن الله ( أع 17 : 28 ) . ولا معنى للحديث عن أي بنوية طبيعية أخرى لا تتحقق أيضا بصورة أدبية . ومن وجهة نظر الله ، الإنسان - حتى في خطيته - يمكن أن يكون ابنا بالمفهوم الشخصي والمعنوى ، وكل العملية والقوة اللازمين لتحقيق بنويته تنبع من محبة الله الأبوية ، الذي أرسل ابنه واعطى روحه ( رو 5 : 5 و 8 ) فهو الآب بصورة مطلقة إله وآب واحد للكل ، الذي على الكل، وبالكل وفي كلكم . ولكن لكل واحد منا أعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح ( أف 4 : 6 و 7 ) .
5 - الله ملك : والمفهوم الثاني في تعليم يسوع ، بعد الأبوة الإلهية ، هو ملكوت الله ( مرقس ولوقا ) أو ملكوت السموات ( متى ) ، وكما أن تعليم الأبوة يوضح علاقة الناس الفردية بالله ، فإن الملكوت يشير إلى حالتهم كجماعة ومجتمع تحت سيادة الآب .
أ - ملكوت الله : لقد أقر المسيح فكرة العهد القديم عن سيادة الرب وحولها إلى مبدأ داخلي روحي للإنجيل ، ولكن بدون أن يفصلها تماما عن الفكر الخارجي والرؤوي الذي كان في عصره . فقد أقر الفكرة اليهودية عن سلطان الله الأكيد ، وأنه في المستقبل القريب ، يتوقع إعادة تنظيم الظروف الاجتماعية في استعلان ملكوت الله على الناس والطبيعة ، على أساس أنها سوف تصل في النهاية إلى إعادة تجديد كل الأشياء حسب مشيئة الله ( مر 9 : 1 ، 13 : 30 ، مت 16 : 28 ، 19: 28 ) . وبركات الملكوت أدبية وروحية في طبيعتها وشروط الدخول إليها أدبية أيضا ( مت 8 : 11 ، 21 : 31 و 43 ، 23 : 37 و 38 ، لو 13 : 29 ) وهي التواضع ، والجوع والعطش إلى البر ، وحب الرحمة والنقاوة ، والسلام ( مت 5 : 3 - 10 ، 18 : 1 و 3 ، انظر أيضا مت 20: 26- 28، 25: 34، 7: 21 ، يو 3 : 3 ، لو 17 : 20 و 21 ) وعلى ذلك فإن ملك هذا الملكوت بار ومحب ورحيم من نحو كل الناس ، وهو يملك عن طريق الشركة الداخلية للروح بالروح ، وتوافق المحبة بين ارادة رعاياه وارادته هو .
ب - مليكها : ولكن من هو الملك ؟
1 - بصفة عامة في مرقس ولوقا ، وفي بعض الفصول من متى ، يطلق على الملكوت ملكوت الله وفي أمثال عديدة يأخذ الآب مركز الملك ، فالآب هو الذي يعطي الملكوت ( لو 12 : 32 ) ، وعلى هذا فالله الآب هو الملك ، فارداة الله هي قانون الملكوت ، والمثل الأعلى للملكوت هو شخصية الله .
2 - ولكن في بعض الفصول ، يكشف المسيح عن أنه هو الملك ، ويوافق على اعتراف بطرس بأنه المسيح وهذا يتضمن الاعتراف بأنه الملك ( مت 16 : 16 ) . ويتحدث عن وقت في المستقبل القريب فيه سيرى الناس ابن الإنسان آتيا في ملكوته ( مت 16 : 28 ) ليدين كل الناس باعتباره الملك ( مت 25 : 34 ، لو 19 : 38 ) ، وهو يقبل لقب الملك من بيلاطس ( مت 27 : 11 و 12 ، مر 15 : 2 ، لو 23 : 3 ، يو 18 : 37 ) ، ويقول ان ملكوته ليس من هذا العالم ( يو 18 : 36 ) ، وينتظر منه أن يرد الملك لإسرائيل ( أع 1 : 6 ) وملكوته - مثل ملكوت الله تماما - ملكوت أدبي وروحي .
3 - ولكن لا يمكن أن يكون هناك إلا ملكوت أدبي واحد وسلطة عليا واحدة فقط في الدائرة الروحية ، والارتباط بين الملكوتين ، يكمن في علاقتهما بأبوة الله ، والفكرتان غير متناقضتين أو غير مستقلتين ، فعن طريقهما أوصل إليهم المسيح فكرته عن الله كالآب الذي يحكم مملكة روحية بالمحبة والبر ، كما أنه نظم الطبيعة والتاريخ لاتمام مقاصد نعمته ، ويجب أن يصلي الناس من أجل مجئ الملكوت ( مت 6 : 9 و 10 ) ، وهم يدخلون الملكوت بعمل مشيئة الآب ( مت 7 : 21 ) وقد سر الله أن يعطيهم الملكوت ( لو 12 : 32 ) ، والأبوة أساسية ولكنها تحمل معها السلطة والحكم والقانون والنظام والعناية والتدبير لإقامة وادارة مملكة تعكس محبة الآب وتعبر عن ارادته . وحيث أن المسيح هو معلن أبوة الله كما أنه وسيطها ، فهو أيضا رسول الملكوت وحامله ، والملكوت ماثل أمام الناس في شخصه وفي تبشيره وفي أعماله ( مت 4 : 17 و 23 ، 12 : 28 ) ، وهو كملك هذا الملكوت يطلب ولاءهم وطاعتهم ( مت 11 : 28 و 29 ) ، وبنوته هي أساس علاقته بالملكوت ، وكأبن فهو يطيع الآب ، ويتكل عليه ويمثله أمام الناس ، وهو واحد مع الآب ، وبناء على هذه العلاقة ، هو رسول الملكوت ورئيسه ، وهو يشارك الآب في سلطانه وفي ملكوته .
ج - التعليم الرسولي :
ونجد في كتابات الرسل ، التأكيد على عناصر الملكية والسلطان والقانون والبر أعظم مما في الأناجيل فالملكوت ينسب إلى الله ( غل 5 : 21 ، كو 4 : 11 ، 1 تس 2 : 12 ، 2 تس 1 : 5 ) ، وإلى المسيح ( كو 1 : 13 ، 2 تى 4 : 10 و 18 ، 2 بط 1 : 11 ) وإليهما معا ( أف 5 : 5 ، انظر 1 كو 15 : 24 ) . والعبارة ملكوت ابن محبته تجمع خلاصة فكرة الملوكية المشتركة المؤسسة على العلاقة بين الآب والابن .
6 - صفات أدبية :
تظهر طبيعة الله وصفاته في العلاقة المزدوجة للآب والملك بالنسبة للناس ، وأي عبارات مجردة تقال عنه ، أي صفات تسند إليه هي استدلالات من أبوته الملوكية .
أ - الشخصية : وكون الآب والملك شخص (اقنوم ) لا يحتاج إلى مناقشة ، ومن قبيل اللغو ، أن نقول إن الأقنوم هو روح والمسيح ينسب بصورة مباشرة روحانية الله لأبوته " الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق ، لأن الرب طالب مثل هؤلاء الساجدين له . الله روح " ( يو 4 : 23 و 24 ) . وهناك تعبيرات مجازية تعطي نفس الحقيقة كما في عبارتي يوحنا " الله حياة " ( 1 يو 5 : 20 ) ، " والله نور " ( 1 يو 1 : 5 ) .
ب - المحبة : وهي أقوى الصفات المميزة للأبوة ، وهي اللفظ المجرد الذي يعبر بصورة كاملة عن الصفة الواضحة لله كأب ويستخدمها الرسول يوحنا لتلخيص كل كمالات الله في صيغة واحدة شاملة " الله محبة " ، وحيث لا توجد محبة ، فليس ثمة معرفة بالله ولا ادراك له ( 1 يو 4 : 8 و 16 ) . ولا تظهر عبارة " محبة الله " في الأناجيل باستثناء واحد في لوقا ( 11 : 42 ) - إلا في الصورة المقدمة في الإنجيل الرابع للتعبير عن رباط الوحدة والشركة النابع من الله ، والذي يربط المجتمع الروحي كله ، الله والمسيح والمؤمنين ( يو 15 : 10 ، 14 : 21 ). ورسالة المسيح كانت رسالة إعلان ، أكثر منها رسالة تعليم ، ومن كان يمثله المسيح - شخصيا وعمليا أمام الناس - كالآب الحي ، هو الذي يصيغه الرسل بالمحبة الشاملة والقادرة على كل شئ ، وقد رأوا هذه المحبة وتحققوا منها في الابن ، وبخاصة من موته الكفاري ، فهو " محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا " ( رو 8 : 39 ) ، " الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا " ( رو 5 : 8 ، انظر أف 2 : 4 ) ، فقد تجلت المحبة بكاملها في موت المسيح ( 1 يو 3 : 16 ) ، وعملية التجسد كلها ، وموت المسيح أيضا كانا بذلا وتضحية من الله ، والإعلان الأسمي عن طبيعته كمحبة ( 1 يو 4 : 9 و 10 ، انظر يو 3 : 16 ) . ومحبة الله هي علاقته الأبوية بالمسيح ، وقد امتدت للناس من خلال المسيح ، وبناء على محبة الله الممنوحة لنا في المسيح ، ندعى نحن المؤمنين أولاد الله ( 1 يو 3 : 1 ) والمحبة ليست مجرد عاطفة حنان واحسان تسكب على الناس أعظم الهبات والعطايا ، ولكنها علاقة مع الله تشكل كل قانون حياتهم ، وهي تضع على الناس اعظم الالتزمات الأدبية ، كما تمنحهم الطاقة الأدبية ، التي بها وحدها يمكنهم أن يتمموا هذه الالتزامات ، إنها الناموس والنعمة مرتبطان معا ، ومحبة الله تكمل فقط في الذين يحفظون كلمة يسوع المسيح البار ( 1 يو 2 : 5 ) " فإن هذه هي محبة الله أن نحفظ وصاياه " ( 1 يو 5 : 3 ) ، وهي تظهر بشكل خاص في المحبة الأخوية ( 1 يو 4 : 12 و 20 ) وهي لا تستطيع أن تجتمع مع محبة العالم والأشياء التي في العالم ( 1 يو 2 : 15 ) أو مع الأنانية البغيضة ( 1 يو 3 : 17 ) والإنسان يستمدها من الله عندما يصبح ابنا لله مولودا منه ( 1 يو 4 : 7 ) .
ج - البر والقداسة : البر والقداسة مفهومان مألوفان في أقوال يسوع وتلاميذه كعنصرين من عناصر الطبيعة الإلهية ، وكانا متداولين في الفكر المعاصر ، كما كانا من أبرز مفاهيم العهد القديم ، وعلى ذلك فقد أقرهما العهد الجديد تماما ولكن في سياق مختلف ، فهما مرتبطان بل ونابعان من فكرة المحبة ، وموقع الملكوية من الأبوة شبيه بموقع البر والقداسة من المحبة .
1 - نجد الرب يسوع يقول مرة : " أيها الآب القدوس " ( يو 17 : 11 ، انظر أيضا 1 بط 15 : 16 ) . ولكن فكرة القداسة ترتبط بصفة عامة بالله في عمله من خلال الروح القدس الذي يجدد وينير وينقي ويطهر حياة الناس ، وكل أثر لأي معنى مصطنع أو طقسي أو اخلاقي ، يختفي تماما من فكرة القداسة في العهد الجديد ، ويبقى فقط معنى الانفصال على أنه انفصال عن الخطية ، وهكذا نرى أن المسيح كرئيس كهنة " قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة " ( عب 7 : 26 ) وحيث يحل المسيح ، يجب ألا تكون هناك نجاسة ( 1 كو 6 : 19 ) ، والقداسة ليست خلقا مجردا أو ناموسيا ، ولكنها حياة قد صارت طاهرة وسامية بمحبة الله التي انسكبت في قلوب الناس ( رو 5 : 5 ) " ملكوت الله … بر وسلام وفرح في الروح القدس " ( رو 14 : 17 ) .
2 - البر ، كنوع من الصفات ، يماثل القداسة عمليا في العهد الجديد ، فهو ضد الخطية ( رو 6 : 13 و 20 ) والإثم ( 2 كو 6 : 14 ) ، وهو يقترن بالصلاح والحق كثمرة للنور ( أف 5 : 9 ، انظر 1 تي 6 : 11 ، 2 تي 2 : 22 ) ، وهو يعني قاعدة أو مثالا للسلوك فهو واحد في تأثيره مع حياة المحبة والقداسة ، وهو يتحقق في الناس بتبكيت الروح القدس ( يو 16 : 8 ) ، وفي أصله هو بر الله ( مت 6 : 33 ، انظر يو 17 : 25 ) وفي الفكر اللاهوتي لبولس : " بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون " ( رو 3 : 22 ) . وهو عمل الله بالنعمة المجانية ، مبررا للخاطئ ومتعاملا معه كبار ، حتى يمكنه بذلك أن يصبح بارا حقا ، فنحن " نحبه لأنه هو أحبنا أولا " ( 1 يو 4 : 19 ) . وطبيعة الله الكاملة إذا سواء سميناها محبة أو قداسة أو برا ، تظهر في عمله في الخلاص حيث يتقدم إلى الناس بالمحبة والرحمة حتى يصيروا مواطنين في ملكوته وارثين لبره ، وشركاء في محبته .
7 - صفات ميتافيزيقية :
يتضمن العهد الجديد وجود الله المطلق وصفاته الميتافيزيفية ، ولكنه لا يعطينا تعريفا محددا لها ، فسرمديته وعدم محدوديته وقدرته الكلية وعلمه الشامل المطلق ، لا نجدها معلنة في كلمات محددة ، ولكنها موجودة في كل تدبير الخلاص الذي يتممه هو ، فهو رب السماء والأرض ( مت 11 : 25 ) ، وقوى الطبيعة طوع أمره ( مت 5 : 45 ، 6 : 30 ) ، وهو قادر على استجابة كل صلاة وسد كل احتياج ( مت 7 : 7 - 12 ) وكل شئ مستطاع عنده ( مر 10 : 27 ، 14 : 36 ) ، فقد خلق كل الأشياء ( أف 3 : 9 ) وكل السلطات العالية مستمدة منه ( رو 13 : 1 ) ، وبقوته أقام المسيح من الأموات واخضع له كل " رياسة وسلطان وقوة وسيادة " في السماء وعلى الأرض ( أف 1 : 20 و 21 ، انظر مت 28 : 18 ) ، وكل قوة وكل صور الوجود خاضعة لقوة محبته من أجل قديسيه ( رو 8 : 38 و 39 ) ، ولا يمكن أن يحده زمان أو مكان ، فهو الإله الأزلي الأبدي ( رو 16 : 26 ) وعلمه لا نهائي مثل قوته ، وهو يعرف قلوب الناس ( لو 16 : 15 ) وكل احتياجاتهم ( مت 6 : 8 و 32 ) ويظهر علمه - بشكل خاص - في حكمته التي بها يحقق غرضه في الخلاص ، " حكمة الله المتنوعة حسب قصد الدهور الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا " ( أف 3 : 10 و 11 ) ويتضمن تعليم العهد الجديد أن كل كمالات القوة والقدرة والوجود تجتمع في الله ، وأنها معلنة في محبته ، وهي ليست مؤسسة على قواعد ميتافيزيقية ، ولكنها نابعة من أبوته الكاملة ، فالآباء الأرضيون يعملون كل ما في استطاعتهم من صلاح لأولادهم ، ولكن الآب السماوي يعمل كل الأشياء على أفضل ما يكون لخير أولاده، " كل الأشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله " لأنه لا حدود لقدرته أو مشيئته أو حكمته ( مت 7 : 11 ، رو 8 : 28 ) .
8 - وحدة الله :
والعهد الجديد يعلن بصورة صريحة قاطعة مطلقة بدون أي قيد ، إن الله واحد ( مر 12 : 29 ، رو 3 : 30 ، أف 4 : 6 ) ، ولم يكن هناك حقيقة أكثر استقرارا أو عمقا في الفكر اليهودي في ذلك العصر ، من حقيقة وحدة الله .
أ - ألوهية المسيح :ومع هذا فالواضح من كل ما هو مكتوب أن يسوع المسيح له من القوة والسلطان والمكانة مركزا فريدا ، لا يمكن معه إلا أن ندعوه " الله " ، وقد اعترفت الكنيسة الرسولية - في العبادة وفي العقيدة - له بهذه الكرامة ، وكل ما عرفوه عن الله ، وكل ما أعلن لهم الآن بصورة كاملة ونهائية ، قد تجمع في شخصه " فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا " ( كو 2 : 9 ) ، ولقد عرفوا فيه واطلقوا عليه كل ما كان الله يعنيه لهم .
ب - الروح القدس : وعلاوة على ذلك فإن " الروح القدس تعبير ثالث يمثل اقنوما إلهيا ، في حياة وفكر ولغة المسيح وتلاميذه ، ويسجل لنا يوحنا تعليم الرب يسوع عن الروح القدس ، وكيف أنه معادل تماما للرب المقام نفسه ( يو 14 : 16 و 17 و 18 ) ، كما أن الرسول بولس يقول عن الروح القدس أنه الرب ، " وأما الرب فهو الروح " ( 2 كو 3 : 17 ) ، ولكن في أماكن أخرى نجد الأسماء الثلاثة مذكورين جنبا إلى جنب ، لثلاثة أقانيم متميزين ( مت 28 : 19 ، 2 كو 13 : 14 ، أف 4 : 4 - 6 ) .
ج - معضلة الكنيسة : ولكن كيف تتفق وحدة الله مع المنزلة الإلهية الرفيعة والوجود المتميز للروح القدس ؟ لقد أكد يسوع الوحدة بينه وبين الآب ( يو 10 : 30 ) ، ولكنه لا يعلن أي مقولة تفسر وحدة اللاهوت في ظهوراته المتنوعة ، لقد وجد المسيحيون الأوائل في المسيح كل الكفاية لسد كل احتياجاتهم الروحية ، فهو مملوء بكل ملء الله ، فلم تزعجهم تلك المشكلة العويصة التي اعترضت الفكر ، ويعبر الرسول بولس عن مفهومه عن العلاقة بين المسيح والله باستخدام " الصورة " مجازيا ، فالمسيح هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة " ( كو 1 : 15 ، 2 كو 4 : 4 ) ، ويستخدم كاتب الرسالة إلى العبرانيين استعارة أخرى ، فالمسيح هو " بهاء مجده ( الله ) ورسم جوهره " ( عب 1 : 3 ) ، ولكن هذه العبارات المجازية لا تحملنا بعيدا عن الحقيقة الواضحة الجلية في كل مواضع العهد الجديد ، وهي أن المسيح في كل شئ ، كان يمثل الله لأنه واحد معه . وفي مقدمة الإنجيل الرابع ، نجد التعليم بخصوص " الكلمة " وكيف أن " الكلمة هو الله " ، " عقل الله " الأبدي الذي كان دائما معه ومنه ينبثق كفكر معلن ، أو كلمة مقولة ، في شخص يسوع المسيح الذي هو الكلمة الأزلي ، الله المتجسد وإلى هنا يسير بنا العهد الجديد. ولكنه لا يذهب بنا إلى أبعد من ذلك ، يسوع المسيح هو الله المستعلن ، ونحن لا نعرف شيئا عن الله سوى ما أعلن في المسيح ، فمحبته وقداسته وبره وقصد نعمته وهيمنته وسيطرته على كل الأشياء لاتمام مقاصد محبته الأبوية ، كل هذا لا نعرفه إلا في يسوع المسيح وبواسطته ، فالروح القدس يأخذ مما للمسيح ويعلنه للناس ( يو 16 : 14 ) " ومشاكل اتفاق " الواحد " مع الثلاثة " " والفرد " مع " الجمع " ، و " اللامحدود مع المحدود " ، والله الأبدي مع الكلمة الذي صار جسدا ، كل هذه المشاكل تركت للكنيسة لتحلها. وقد أعطى الروح القدس ليعلم الكنيسة كل الأمور وليرشدها إلى كل الحق ( يو 16 :13 ) " وها أنا معكم كل الأيام إلى أنقضاء الدهر " ( مت 28 : 20 ) .
الله : أسماؤه :
أولا مقدمة :
أعطى الناس الذين كانوا يعيشون في بلاد وأزمنة الكتاب المقدس ، قيمة كبيرة لاسم الشخص ، بصورة تفوق ادراك الأذهان في العصر الحديث - وبخاصة في الغرب - وأعطوا للاسم دائما معاني رمزية أو معاني تدل على صفات معينة .
وبينما الأسماء التي نطلقها الآن هي - في الغالب - لمجرد تحديد الشخص ، فإن الأسماء في الكتاب المقدس هي أسماء وصفية أو نبوية غالبا ، وتكاد جميعها أن تكون لها دلالة دينية ، فالأب يخصص ابنه لله أو يعلن تكريسه لله عن طريق ربط اسم الله بالخدمة التي سوف يقدمها الطفل ، أو ليذكر - عن طريق الاسم - فضل الله عليه في عطيته الكريمة له ، ألا وهي الطفل ، فمثلا : " نثنائيل " ، معناه " عطية الله " ، و " صموئيل " معناه " مسموع من الله " ، " وأدونيا " معناه " الرب سيدي " وهكذا وقد يبدو غريبا لنا الآن أن حياة الطفل أو صفاته يتكهن بها أبواه عندما يطلقان عليه اسما معينا ، والدليل على أن هذا كان يحدث كثيرا هو الاسم الذي أعطى للرب يسوع عند ولادته : " وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم " ( مت 1 : 21 ) .
ومن المتحمل أن اعطاء اسم يدل على صفة أنما كان يمثل هدف الوالدين الذي يبذلون جهدهم في تربية الطفل لتحقيقه ، فاسم الطفل يمثل أمنية يصلون لأجلها ويسعون لتحقيقها ، كما كان لارتباط الاسم بالشخص أثر سيكولوجى في حياته ، وتقدم لنا أسفار العهد القديم الكثير من الأمثلة المتنوعة ، تبدو في أقوى صورها في تغيير الأسماء للدلالة على ما طرأ على أصحابها من تغيير ، فمثلا تغيير اسم " أشبعل " ( رجل البعل ) إلى " إيشبوشث " ( رجل العار - 2 صم 2 : 8 ، 1 أخ 8 : 33 ) ، وحذف اسم " يهو " أي يهوه من اسم الملك المرتد آحاز ( 2 مل 15 : 38 ) ، كما غير نبوخذ نصر اسم آخر ملوك يهوذا من متانيا إلي " صدقيا " ليكون أكثر تعبيرا عن تأكيد ولائه لسيده الذي ولاه الملك ( 2 مل 24 : 17 ) .
1 - عبارة " اسمه " : حيث أن أسفار العهدين القديم والجديد تهدف إلى إعلان الله لنا ، ومن حيث أن العبرانيين قد وضعوا هذا العدد الكبير من الأسماء ، فلابد أن نتوقع منهم ، أن يجعلوا اسم الله وسيلة - من الدرجة الأولى - للإعلان عنه ، فهؤلاء العبرانيون الذين اعتادوا استخدام الأسماء المعبرة عن شخصياتهم لابد أنهم كانوا يعتبرون أسماء الله معبرة عن طبيعته .
ولفظة " ياه " ( الرب ) أو " اسمه " - كما يستخدم في الكتاب للدلالة على " الله " - هي لفظة هامة تحوي الكثير من المعاني ، بل هي تعبير بصورة شاملة عن استعلانه في الطبيعة ( مز 8 : 1 ، انظر مز 138 : 2 ) ، أو تحدد مكان عبادته حيث يدعو الناس باسمه ( تث 12 : 5 ) ، أو تستخدم مرادفا لصفاته المتعددة ، مثل الأمانة ( إش 48 : 9 ) ، النعمة ( مز 23 : 3 ) ، المجد ( مز 79 : 9 ) ... إلخ " ... ومن حيث أن اسم الله يشير إلى الله نفسه كما يريد أن يكون معروفا عند خلائقه ، فعندما يقال أن الله سوف يصنع لنفسه اسما بأعماله العظيمة ، أو أنه يصنع لنفسه " اسم مجد " ، نستطيع أن نفهم بسهولة أن اسم الله كثيرا ما يكون مرادفا لمجد الله ، وأن التعبير عن الأمرين ، كثيرا ما يكون واحدا أو بطرق مختلفة أو بصورة تبادلية " ( شولتز - الفكر اللاهوتي في العهد القديم ، المجلد الأول ص 124 / 125 - انظر أيضا مز 72 : 19 ، إش 63 : 14 ) .
2 0 أنواع الأسماء : ولا شك في أننا نتوقع لأهمية الاسم الإلهي في الكتاب ، أن يتردد كثيرا مع تنوع في الشكل ، وهذا هو الواقع ، ويمكن وضع الأسماء المتنوعة تحت الأقسام الآتية :
1 - الأسماء المطلقة أو الشخصية .
2 - الأسماء الوصفية .
3 - أسماء الله في العهد الجديد . ونلاحظ أنه بمرور الوقت تميل الأسماء الوصفية الى التبلور بالاستخدام الكثير والاحترام التعبدي ، لتصبح اسماء شخصية ، مثل اللقب الوصفي " قدوس " الذي نجده اسما شخصيا في سفري أيوب واشعياء . ويمكن الرجوع الى كل اسم في موضعه بالتفصيل .
ثانيا - الأسماء المطلقة أو الشخصية :
1 - ( إلوهيم ) ( الله ) وهو أكثر الأسماء استخداما في العهد القديم ، مثله مثل الاسم اليوناني " ثيوس " العهد الجديد . ويظهر الاسم " إلوهيم " في سفر التكوين وحده حوالي مائتي مرة ، 2555 مرة في الكتاب المقدس ، وهو صيغة من جملة صيغ مشتقة من أصل واحد ، مثل " أيل والوه العلي " .
أ- "وإلوهيم " في صيغة الجمع ، ولكنه يعامل معاملة المفرد ، فيأخذ فعلا في صيغة المفرد ، وكذلك يأخذ صفة مفردة ما لم يطلق على جمع من الآلهة الوثنية ( مز 96 : 5 ، 97 : 7 ) . ومن خصائص اللغة العبرية أن يعبر بصيغة الجمع عن الاتساع والعظمة والرفعة ، بالإضافة إلى التعددية الحقيقية ، وعلى هذا فليس من المعقول أن نفترض أن صيغة الجمع تشير إلى تعدد الآلهة كعقيدة بدائية عند الساميين ، إذ على النقيض من ذلك نجد أن الديانة العبرانية التاريخية ديانة توحيد ، بشكل مطرد لا يحتمل شكا أو جدلا .
ب - ولا يعلم اشتقاق الكلمة على وجه اليقين ، فجسنيوس وايوالد وآخرون يرون أن الاسم مشتق من كلمة " أول " (ui) أي " يقوي " والتي يشتق منها أيضا كلمة " إيل "(agil) بمعنى كبش ، " وايلاه "(elah) بمعنى " بلوطة " ، فهي صيغة الجمع من كلمة " إيل "(el) ، بينما يردها آخرون إلى كلمة " ألاه " (alah) أي " يرعب " . والصيغة المفردة موجودة في الكلمة قليلة الاستعمال " إلواه " (eloaaah)التي يكثر استخدامها في الأسفار الشعرية ويميل البعض (براوه وداريفر وبرجز في القاموس العبري الإنجليزي للعهد القديم ) إلى اعتبارها مشتقة من " ألاه " (alah) وانه أصل الصيغ الثلاث ( إيل ، إلواه ، إلوهيم ) على الرغم من الاعتراف بأن الموضوع كله يلفه الغموض ، وثمة رأي غريب يقول بأن اللفظ مشتق من أصل عربي هو " أول " بمعنى الرائد أو المتقدم ، ومنه يأتي معنى " القائد " ، والأكثر غرابة هو القول بأنه يتصل بحرف الجر " إلى " (el) للدلالة على أن الله هو " هدف " حياة الإنسان وغايته ، وسيظل الاسم موضع بحث حيث أن الموضوع يرجع إلى ما قبل التاريخ ، والاسم والألفاظ القريبة منه " إيل " و " إلوه " شائعة في اللغات السامية وفي الديانات السامية ايضا .
ج - ومن المعقول أن يكون المعنى هو " القدرة " أو " القوة " كما هو معروف في اللغات السامية ، وعليه فإنه يستخدم في صيغة الجمع للتعبير عن الجلال أو " القدرة المطلقة"، وأنه اسم عام أكثر منه شخصي محدد " لله " كما يدل على ذلك اطلاقه على من يمثلون الله ( قض 5 : 8 ، مز 82 : 1 ) أو الماثلين في حضرته ( 1 صم 28 : 13 ) .
2- ( إلواه ) وهي صيغة المفرد من " إلوهيم " ويكاد استخدامها يكون مقصورا على الأسفار الشعرية أو التعبيرات الشعرية وبخاصة في سفر أيوب ، فهو يتكرر في هذا السفر أكثر من سائر اسفار العهد القديم وتستخدم الصيغة الأرامية " إلاه " (elah) كثيرا في سفري عزرا ودانيال .
3 - إيل(EL) : وأكثر الألفاظ شيوعا في اللغات السامية ، للدلالة على الله ، هي كلمة " إيل " التي تمثلها الكلمة البابلية " إلو " (ilu) ، والكلمة العربية " الله " . ويستخدم هذا اللفظ في جميع اجزاء العهد القديم ، ولكنه يرد في سفر أيوب وفي المزامير أكثر من سائر الأسفار ، وقلما يستخدم في الأسفار التاريخية ، ولا يرد اطلاقا في سفر اللاويين ، ومن المحتمل أن يكون مشتقا من " أول " (ul) أي " القوي " أو " المتقدم " ، والتي جاء منها - كما سبق القول - " إيل " أي " الكبش " لأنه يسير في مقدمة القطيع ، أو من " إلاه " أي البلوطة الضخمة الشامخة ، ويوجد هذا اللفظ مركبا في كثير من الأسماء القديمة ، كما يستخدم مثل " إلوهيم " للدلالة على الآلهة الوثنية . وقد يستخدم مضافا الى اسم أو صفة للتعبير عن دلالة معينة مثل " إيل عليون " ( الله العلي تك 14 : 18 و 19 و 20 و 22 ) ، " وإيل رئي " ( تك 16 : 13 ) . 2 : 4 ، إش 7 : 7 ) وهو يطابق كلمة " كيريوس " في اليونانية في العهد الجديد ، وكثيرا ما يرتبط بالاسم " ياه " : " السيد الرب " ( تك 15 : 8 ، إش 7 : 7 .. ألخ) وبإلوهيم : " الرب الهي " ( مز 86 : 12 ) . ويستخدم في النص العبري المسوري ، في مخاطبة الله بخشوع ووقار وهيبة ، عوضا عن لفظ " يهوه " الذي لم يكونوا ينطقونه على الاطلاق . وجاء في المزمور المائة والعاشر : " قال الرب " يهوه " لربي ( أدوناي ) اجلس عن يميني حتى أضع اعداءك موطئا لقدميك " ونعلم من اقتباسات هذه الآية في العهد الجديد أنها حديث بين الله الآب والله الابن ( مت 22 : 41 - 45 ، أع 2 : 34 و 35 ، عب 1 : 13 ، 10 : 12 و 13 ) .
5 - " يهوه " وهو أكثر الأسماء المميزة لله كإله إسرائيل ويكتب " يهوه " ولكن اليهود يقرأونه " أدوناي " . ولا نعلم حقيقة اشتقاق الكلمة ، ولكن يبدو أن الحقائق تبرر الاستدلالات الآتية :
أ - كان هذا الاسم شائعا في الديانات غير الإسرائيلية كما يقول البعض ( فريدر وديلتز وهومل وونكلر وجوت ) على أساس أنه قد وجد في النقوش البابلية . ويبدو أن بعض الاسماء العمونية والعربية والمصرية تحتوي على هذا الاسم مركبا فيها ( انظر " لاهوت العهد القديم " ص 52 لدافيدسن ) لكن رغم أن الاسم كان شائعا في الديانات السامية البدائية كما كان " إلوهيم " إلا أنه أصبح الاسم الإسرائيلي المميز للدلالة على " الله " .
ب - وعليه فإنه لم يعرف لأول مرة عند دعوة موسى ( خر 3 : 13 - 16 ، 6 : 2 - 8 ) ، ولكنه في ذلك الوقت اصبحت له دلالة خاصة أوضح ، فسيعرف الله لإسرائيل بهذا الاسم " يهوه " كالله " الواحد " الذي أرسل موسى ليخلص إسرائيل : "و أقول لهم إله أبائكم أرسلني إليكم ، فإذا قالوا لى ما اسمه ، فماذا أقول لهم . فقال الله لموسى : أهيه الذي أهيه .. أهيه أرسلني اليكم " ( خر 3 : 13 و 14 ) ويبدو أن اللفظ كان معروفا للآباء في سفر التكوين ، فهو يظهر في بعض الاسماء قبل عصر موسى ، مثل " يوكابد أو يهوكابد " ( خر 6 : 20 ) ، " وأخيا أو أخياه " ( 1 أخ 2 : 25 ) ، ويوعاش أو يهو عاش ( 1 أخ 7 : 8 ) .
ج - الأرجح أن الاسم مشتق من " الحيوة " كما سميت " حواء " بذلك لأنها أم كل حي ( تك 3 : 20 ) ، فأهيه هي " أحيا " بابدال الحاء هاء ، وهو أمر وارد كثيرا .
د - واضح من القرائن في سفر الخروج ( خر 3 و 6 ) أنه صيغة المستقبل من الفعل اللازم وليس من الفعل المتعدي ، أي بمعنى " محي أو معطي الحياة " ، كما أنه لا يحمل المعنى الذي يقول به البعض من انه يعني المستقبل والحاضر والماضي أي " الذي سوف يكون ، والكائن ، والذي كان " ( انظر " ستير " وآخرين في " لاهوت العهد القديم " لأوهلر ) .
هـ - ويمكن أن نقول بشئ من الثقة أن المعنى هو الذي ذكره أوريجانوس في ترجمته لأسماء العهد القديم ، فالدلالة الواضحة من الأصحاح الثالث من سفر الخروج وغيره من الفصول ، هي أنه يدل على المستقبل البسيط أي أن " يهوه " تعني " سوف أكون " ، فهي لا تربط العلة بالمعلول ، ولا تعبر عن الوجود في صورة ميتافيزيقية ، ولكن عن وعد العهد بالحضور الإلهي في الوقت الحاضر وفي العصر المسياني في المستقبل . وهكذا أصبح هذا الاسم مرتبطا بالرجاء المسياني كما يبدو من العبارة " يوم يهوه " أو " يوم الرب " .
و - انه الاسم الشخصي لله متميزا عن الاسماء العامة مثل " إيل " إلوهيم ، شداي .. الخ والعهد القديم يؤكد امكانية معرفة الله شخصيا ، " ويهوه " هو اسمه الشخصي . وقد أحسنت الترجمة الأمريكية المنقحة في استخدام لفظ " يهوه " لتأكيد أهميته ودلالته كاسم شخصي " لله " قد اعلن به ذاته .
6 - " صخر " ( وهي " صور " بالعبرية ) :
وتتكرر كلمة " الصخر أو " صخرنا " خمس مرات كلقب من ألقاب الله ، في نشيد موسى المذكور في سفر التثنية ( 32 : 4 و 15 و 18 و 30 و 31 ) ، كما تذكر أيضا في المزامير وفي إشعياء وفي العبارات الشعرية في الأسفار الأخرى ، وكذلك في بعض اسماء الأعلام مثل " اليصور " " وصورئيل " الخ . وكثيرا ما تستخدم في الكتاب المقدس هذه الأسماء الوصفية : " صخر " ، " حصن " ، " ترس " ، " نور " ... لما تضفيه هذه الصور المجازية من قوة وثراء على المعنى المراد . واستخدام اداة التعريف - في أغلب الحالات - يؤيد وجهة النظر بأن المقصود من الكلمة أن تكون لقبا وصفيا ، وليست اسما " لإله الطبيعة " وهذا اللقب " صخر " يعطي معنى أن الله ثابت ، راسخ ، وطيد ، ويستخدم بشكل رائع مضافا إلى الضمائر مثل " صخرتي " " وصخرتهم " للتعبير عن الثقة اليقينية ( مز 28 : 1 ) .
7 - " قدوس " ( وهي بالعبرية " قدوش " ) :
ويستخدم كثيرا في إشعياء والمزامير أحيانا في الأنبياء الآخرين ، وهو اسم مألوف عند إشعياء ، حيث يذكر اثنتين وثلاثين مرة في نبوته أكثرها في عبارة " قدوس إسرائيل " . وهناك شك في حقيقة المعنى والاشتقاق ، ولكن الأرجح هو أنه من " قدش " أي انفصل أو انفرز ، ومما له دلالته أن الكلمة تستخدم لكل من الله والإنسان ، وعندما تستخدم للدلالة على الله ، فإنها تشير الى :
أ - سموه وانفصاله ، فوق كل الكائنات ، وتفرده بالنسبة لسائر الآلهة .
ب - علاقته الخاصة بشبعه إسرائيل ، الذي خصص نفسه من أجلهم ، وهو ما لم يفعله لأمم أخرى .
وبالمعنى الأول ، يستخدمه إشعياء عن ألوهيته الفريدة التي لا نظير لها ( إش 40 : 25 ) ، وبالمعنى الثاني يستخدمه بالإشارة الى علاقة العهد المتميزة وغير المتغيرة ( إش 42 : 3 ، 48 : 17 ) ويعبر عنها بصورة واضحة : " قدوس إسرائيل " . والأصل أن لفظ " قدوس " صفة اكثر منه اسم علم كما في أيوب وإشعياء ، وهو يعبر عن جوهر الألوهية اكثر مما يعبر عن اسم شخصي .
8 -" شدايً " ( القدير ) :
( تك 17 : 1 ) . وقد ورد في العهد القديم 48 مرة أغلبها في سفر أيوب . ويذكر أحيانا مركبا " إيل شداي " ومفردا في أحيان أخرى ويرى البعض أنه مشتق من الكلمة العبرية " شدد " بمعنى " يدمر " أو " يرعب " وهو أمر يبدو محتملا جدا ، للتعبير عن الله الظاهر في أعماله الجبارة المرعبة . ويقول البعض الآخر ، إنه يعني " الله العاصفة " من " شد " ( في العبرية shadha ) بمعنى " يصب " ولكنه اشتقاق بعيد الاحتمال ، واكثر منه امعانا في الخيال ، القول بأنه مشتق من " شي ، داي " بمعنى الكافي ، واستخدام هذا الاسم في عهود الآباء ، يدل على ارتقاء مفهومهم - فوق المفاهيم السامية الضعيفة - إلى القدرة المطلقة التي تدل على التوحيد بصورة أوضح ، وهو ما يتفق مع الوعي المبكر بالله كإله الهيبة التي تبعث على الرعب ، وصفته " كالله الواحد " تتفق مع استخدامها في أيام إبراهيم ويقابلها في الترجمة السبعينية وكذلك في العهد الجديد الكلمة اليونانية " بانتوكراتر " أي " القادر على كل شئ " .
ثالثا - الأسماء الوصفية :
وليس من السهل دائما أن نميز بين أسماء الله الشخصية ، وتلك التي تدل على صفة ، فكلا القسمين يلقي ظله على الآخر ، وبعض الأسماء السابقة ، هي في الحقيقة أسماء وصفية ، أصبحت شخصية لطول الاستعمال ، وفيما يلي ، نذكر أهم الأسماء الوصفية :
1 - " العزيز "( وبالعبرية "أبير" ) :
وهو يرتبط دائما بإسرائيل أو يعقوب والمعنى الصلي للكلمة العبرية ، يحمل معنى القوة ، منه تشتق كلمة " إبر " ( ebher ) أي " جناح قوى " ( إش 40 : 31 ) ، كما يستخدم النسر مجازيا في الإشارة إلى الله ( تث 32: 11) ويستخدم يعقوب هذا الإسم في بركته لأولاده ( تك 49 : 24 ) ، كما يستخدم في الصلاة من أجل القدس ( مز 132 : 2 و 5 ) ، وفي إشعياء ( 1 : 24 ، 49 : 26 ، 60 : 16 ) للتعبير عن تأكيد القوة الإلهية في نصرة المظلومين في إسرائيل ( إش 1 : 24 ) ، أو من اجل اسرائيل ضد ظالميهم . ونلاحظ أن يعقوب نفسه هو أول من استخدم هذا الاسم .
2 - ( إيل ) إله إسرائيل :
ويقترن الاسم " إيل " بعدد من الأسماء الوصفية للدلالة على الله في صفاته المختلفة ، وشيئا فشيئا أصبحت هذه أسماء أو القابا لله " إيل " إله اسرائيل ( تك 33 : 20 ) .
3 - ( عليون ) ( الأعلي ) :
ويترجم في العربية " بالعلي " ، وهو مشتق ( في العبرية ) من " علا " أي ارتفع ، ويستخدم للأشخاص وللأشياء للدلالة على الارتفاع والعلو ، وعن إسرائيل : " يجعلك مستعليا على جميع القبائل " ( تث 26 : 19 ) وعن بركة الماء في عبارة " البركة العليا " ( إش 7 : 3 ) ، وكل هذا يدل على أن المعنى عندما يطلق اللقب على الله ، وهو " المستعلي " أو " المرتفع فوق كل الآلهة وكل الناس . ويرد منفردا ( تث 32 : 8 ، مز 18 : 13 ) ، أو مقترنا بأسماء اخرى ، وفي أغلب الأحيان ، مع " إيل " أي الله ( تك 14 : 18 ، مز 78 : 35 ) ، ومع " ياه " أي الرب ( مز 7 : 17 ، 97 : 9 ) ، ومع " إلوهيم " أي الله ( مز 57 : 2 ، 78 : 56 ) واستخدامه المبكر في التكوين ( 14 : 18 و 19 ) يدل على مفهوم سام عن الله ، وعلى " توحيد " لا شك فيه ، منذ بدء التاريخ العبراني .
4 -"جبار " ( وبالعبرية " جبور " ) :
كان العبرانيون القدامي في صراع دائم ، من Hجل أرضهم ومن أجل حرياتهم ، صراع بلغ غايته في أيام شاول وداود ، تلك الأيام الحافلة بالبطولة ، حين ظهرت عصبة من الرجال كانت أعمالهم العظيمة سببا في أن يطلق عليهم هذا اللقب المشرف " أبطال أو جبابرة " ، كانوا رجال بسالة وشجاعة . وعلى هذا النهج كان فكر العبراني عن إلهه الذي يحارب عنه فاصبح من السهل ان ييطلق هذا الاسم على الله باعتبار أنه الجبار في القتال " كما جاء في مزمور داود عن الدخول الظافر تابوت العهد ( مز 24 : 8 ) ، وكذلك في الصورة المجازية عن المسيا الملك(مز45: 3). كا يذكر الاسم منفردا أو مرتبطا " بإيل " ( ويترجم في العربية : " إلها قديرا " أي جبارا - إش 9 : 6 ، إرميا 32 : 18 ) ، أحيانا مع " ياه " ( إش 42 : 13 ) .
5 - إيل رئي :
عندما كانت هاجر هاربة من اضطهاد سارة لها ، تكلم الرب اليها في برية شور بكلمات الوعد والتشجيع ، فدعت اسم الرب الذي تكلم معها : أنت إيل رئي " ( تك 16 : 13 ) ، وهي مشتقة من الكلمة العبرية " رأي " وهي نفس الكلمة العربية لفظا ومعنى ، وهذه هي المرة الوحيدة التي يرد فيها هذا اللقب في العهد القديم .
6 - " الصدِّيق" ( أي البار ) :
وبر الله هو ما يتصف به كإله العهد ، ويتكرر الحديث كثيرا عن بره ، حتى أن الكلمة تتحول من صفة إلى اسم علم ، فهو يدعى " بارا " ( صديقا ) ، أو " البار " والكلمة " صديق " كثيرا ما تكتب بلفظها في العربية أو تترجم إلى " البار " مع أنها تعتبر لقبا من ألقاب الله مثل " عليون " " وقدوس " . وأصل الكلمة في العبرية " صدق " ,هي نفس الكلمة في العربية لفظا ومعنى ، فهي تدل على الصدق والحق والأمانة ، وتستخدم للتعبير عن أمانة الله - كطبيعة فيه - لوعد العهد الذي ارتبط به ( إش 41 : 10 ، 42 : 6 ، انظر أيضا هوشع 2 : 19 ) . وهي قد ترد بمفردها " صديق "
( تث 32 : 4 ، مز 116 : 5 ) أو مع " إلوهيم " في " الله البار " 0 مز 7 : 9 ) ، وكثيرا ما ترد مع الرب : " الرب صديق " ( مز 129 : 4 ..الخ ) وفي سفر الخروج ( 9 : 27 ) يعترف فرعون بخطيئته نحو الله ويقول عنه : " الرب هو البار " ( الصدِّيق ) بأداة التعريف . وعبارة " الرب برنا " هو الاسم الذي يطلق على " غصن البر " من نسل داود ، وينبغي أن يؤخذ كاسم علم للمسيا الملك .
7 - الغيور ( وبالعبرية " كانا " ) :
ويرد كثيرا في أسفار موسى الخمسة ، وبخاصة في المرات الثلاث التي تذكر فيها الوصايا العشر ( خر 20 : 5 ، 34 : 14 ، تث 5 : 9 ) ، فيقال عن الله إنه " غيور " وبخاصة في الآية : " لأن الرب اسمه غيور ، إله غيور هو " ( خر 34 : 14 ) ولكن الكلمة لا تحمل المعنى الشرير للغيرة ، ولكنها تشير إلى الغيرة الصالحة ، غيرة الرب من أجل اسمه ومجده ( إش 9 : 7 ) " غيرة رب الجنود " ، وأيضا زكريا 1 : 14 ، 8 : 2 ) .
8 - " صباؤوت " ( رب الجنود ) :
وترتبط كلمة " صباؤوت " - أحيانا كثيرة - باسم العهد " ياه " ( أي الرب ) ، وتترجم بصورة مطردة بكلمة " جنود " ( إش 1 : 9 ، مز 46 : 7 و 11 ... الخ ) ، كما تستخدم نفس الكلمة في اليونانية في العهد الجديد وتترجم أيضا " رب الجنود "
( رو 9 : 29 ، يع 5 : 4 ) ، وهي في الرسالة إلى رومية مقتبسة عن إشعياء
( 1 : 9 ) عن الترجمة السبيعينة التي لا تترجم العبارة بل تنقلها كما هي بحروف يونانية ، ولا يعلم على وجه اليقين أصل الكلمة ومعناها ، وهي تطلق على الأجرام السماوية والقوى الأرضية ( تك 2 : 1 ) ، وعلى جيش إسرائيل (2صم 8: 16) ، وعلى الكائنات السماوية ( مز 103 : 21 ، 148 : 2 ، دانيآل 4 : 35 ) . ويحتمل أن المقصود بالكلمة كل القوى والكائنات السماوية التي خلقها الله ويهيمن عليها .
9 - " أهيه الذي أهيه " :
وهو الاسم الذي أعلنه الله لموسى عندما ظهر له في سيناء ليرسله لإنقاذ بنى إسرائيل ، وإذ كان موسى مدركا جدا لصعوبة اقناع الشعب برسالته ، سأل الرب عن الاسم الذي يذهب به إليهم : " فإذا قالوا لى ما أسمه ، فماذا أقول لهم ؟ فقال لموسى : " أهيه الذي أهيه .. أهيه ( أنا الكائن ) أرسلني اليكم " ( خر 3 : 14 ) . واسم الله هنا مشابه للاسم " ياه " ( يهوه أي الرب ) فيما عدا أن الصيغة هنا ليست للغائب كما هي في " يهوه " ، ولكن في صيغة المتكلم " أهيه " لأن الرب هنا هو المتكلم ، والأفضل أن تترجم بصيغة المستقبل " سأكون " مشيرا بذلك إلى ضمان عهده بأن يكون مع الشعب ولهم في كل الدهور الآتية .
رابعا - أسماء الله في العهد الجديد :
إن تعدد الأسماء الذي يتميز به العهد القديم ، غير موجود في العهد الجديد حيث لا نجد سوى اسمين اثنين ، كل منهما يقابله العديد من الأسماء في العهد القديم :
1 - ( ثيوس ) ( الله ) :
وهو أكثر الأسماء استخداما في العهد الجديد ، إذ يذكر أكثر من ألف مرة ، ويقابل " إيل " و " إلوهيم " وغيرهما في العهد القديم . ويمكن أن يستخدم مثل " إلوهيم " للآلهة الوثنية ، ولكنه في معناه الحقيقي يعبر عن جوهر الألوهية ، ولذلك فهو يطلق على المسيح كما يطلق على الآب ( يو 20 : 28 ، رو 9 : 5 ) .
2 - ( كيريوس ) ( الرب ) :
كما تستخدم أيضا كلمة " دسبوتس " اليونانية خمس مرات في العهد الجديد ، وتترجم " السيد أو الرب " ( لو 2 : 29 ، أع 4 : 24 ، 2 بط 2 : 10 ، يهوذا 4 ، رؤ 6 : 10 ) وفي كل حالة من هذه الحالات ، نجد التأكيد الواضح على السيادة ، فهي تقابل كلمة " أدون " في العهد القديم أما كلمة اليونانية الأكثر استخداما والتي تترجم " الرب " فهي " كيريوس " التي يقابلها في العبرية " ياه " " وأدوناي " . وترد اكثر من 600 مرة في العهد الجديد ، وقد استخدمتها الترجمة السبعينية للكلمتين " يهوه " " وأدوناي " ، ولذلك فكل الاقتباسات من العهد القديم التي يذكر فيها هذان الاسمان ، فأنهما يترجمان الى " كيريوس " وهي تطلق على الآب والابن والروح القدس بدرجات متساوية للدلالة على أن الآمال السيانية التي يشير اليها الاسم " ياه " ( الرب ) كانت بالنسبة لكتبة العهد الجديد قد تمت في يسوع المسيح الذي فيه قد تحقق الرجاء الذي طال انتظاره رجاء ظهور " ياه " ( الرب ) .
3 - اسماء وصفية ومجازية :
توجد في العهد الجديد - كما في العهد القديم - أسماء وصفية أو مجازية وهي تقابل الأسماء الوصفية في العهد القديم ، فيستخدم اسم " العلي " ( لو 1 : 32 و 35 و 76 ، 2 : 14 الخ ) وهو يقابل اسم " عليون " ، " والقدير " ( 2 كو 6 : 18 ، رؤ 1 : 8 الخ ) . وهو يقابل " شداي " و " الآب " كما في الصلاة الربانية وأماكن اخرى
( مت 6 : 9 ، 11 : 25 ، يو 17 : 25 ، 2 كو 6 : 18 ) ، " وملك الدهور "
( 1 تي 1 : 17 ) " وملك الملوك " ( 1 تي 6 : 15 ) ، " وملك الملوك ورب الأرباب " ( رؤ 17 : 14 ، 19 : 16 ) والعزيز ( 1 تي 6 : 15 ) ، " وسيدكم "
( أف 6 : 9 ، 2 بط 2 : مترجمة " الرب " رؤ 6 : 10 ) ، " والراعي " " والأسقف"
( 1 بط 2 : 25 ) .
له - صورته :
في سفر التكوين ( 1 : 26 و 27 ) نجد تلك الحقيقة وهي أن الله عمل الإنسان على " صورته " " كشبهه " ، والعبارتين مترادفتان ، ومفهوم أن الإنسان قد خلق على صورة الله ، هو أساس كل إعلان ، سواء تصريحا أو تلميحا ، ففي التكوين ( 9 : 6 ) نجد أن أساس النهي عن سفك دم الإنسان هو " لأن الله على صورته عمل الإنسان " ، وهو ما يتردد صداه في المزمور الثامن ، ويتكرر المعنى كثيرا في العهد الجديد ( 1 كو 11 : 7 ، أف 4 : 24 ، كو 3 : 10 )، وسنتناول هذا الموضوع بالتفصيل في مادة " أنثروبولوجي " ) ومن طبيعة الحال ، الصورة لا تتكون في شكل مادي ، ولكنها تتشكل في الأوصاف الروحية في عقل الإنسان والخصائص الأدبية كعامل مدرك عقلاني شخصي قادر على اتخاذ القرار والطاعة للناموس الأدبي ، وهذا ما يعطي الإنسان مكانته كسيد على الخليقة ، ويعطي لكيانه حرمته ، أن صورة الله في الإنسان قد تشوهت بالخطية ، ولكنها لم تفقد تماما ، وقد استردها الإنسان وبصورة اكمل ، بالفداء بيسوع المسيح .
1 - الاستناد على العهد القديم :
يستند العهد الجديد تماما على العهد القديم ، وقد أقر الرب يسوع المسيح وتلاميذه الفكرة المعلنة عن الله في العهد القديم ، على أنقى ما تكون ، وكان هذا أمرا بالغ الأهمية لهم ولمعاصريهم ، فلم يشعروا بأن هناك حاجة إلى تعديلها أو تغيرها . لقد أرادوا فقط تصويب بعض المفاهيم الخاطئة التي نادت بها اليهودية المتأخرة ، ولكن نقطة الانطلاق كانت دائما التعاليم السامية في الأنبياء والمزامير ، وكل الأفكار الهامة المتعلقة بالله في العهد القديم ، تظهر أيضا في العهد الجديد ، فهو إله واحد سام ، حي ، كائن روحي ، قدوس ، بار ، عادل ، رحيم ، كلي القدرة ، وكلي العلم ، لا يحده زمان أو مكان ، وليس ثمة صفات جديدة محددة تعزي إلى الله في العهد الجديد ، لم تكن ورادة في العهد القديم ، ومع هذا فهناك فرق ، إذ يوضع المفهوم كله في علاقة جديدة مع الإنسان ومع الكون ، فيتلألأ بكل لمعانه ويزداد جمالا وثراء ، ويختفي كل أثر للتخصصية ( أي إن الله يختص بإسرائيل فلم يعد الله يحمل اسم علم خاص يربطه بإسرائيل ، لأنه هو إله كل الأرض ، وهو لا يحابي أشخاصا أو أمما . وقد دخل عنصران جديدان إلى الفكر الديني عند البشر ، فرفع محتواه إلى مستوى جديد ، وهذان العنصران هما : إعلان يسوع المسيح للآب السماوي ، وإيمان الكنيسة بأن المسيح نفسه كان الله ، وأنه الإعلان الكامل والنهائي لله .
2 - النفوذ الأممي :
لم يكن للفكر اليوناني أي تأثير على محتوى العهد الجديد ، قد يكون أثر فيه بعض الشئ من جهة الشكل ، ولكن لم يكن له أي تأثير في فكر وتعليم يسوع المسيح ، قد يظهر الفكر اليوناني في التمييز القاطع بين الجسد والروح ، بين العقل والجسم ، كما يبدو في رسائل الرسول بولس ، وقد ساعد ذلك على تعريف روحانية الله بصورة أكثر دقة ، وفكرة اللوغس في إنجيل يوحنا ، والفكرة القريبة منها عن أن المسيح هو صورة الله عند بولس ، وفي الرسالة إلى العبرانيين ، لهما ما يشبههما عند المدارس الأفلاطونية والرواقية ، وتستخدم العبارتان لتحديد العلاقة الجوهرية بين الله والمسيح ، مما يعطي مفهوما جديدا للوحدانية .
3 - خلو العهد الجديد من البراهين اللاهوتية :
لا تظهر الفلسلفة في العهد الجديد كموضوع قائم بذاته ولكن ترتبط بالخبرة المسيحية ، فوجود الله في العهد الجديد - كما في العهد القديم - مسلم به تماما على أنه الأساس الشامل للحياة وللفكر ، ونحن لا نجد شيئا قريبا من علم اللاهوت الطبيعي ، إلا في ثلاث فقرات فقط فى أقوال الرسول بولس الموجهة إلى الوثنيين ، وهي تهدف إلى تعريفهم بطيعة الله أكثر مما تهدف إلى أثبات وجوده . عندما أوشك أهل لسترة على تقديم العبادة لبولس وبرنابا باعتبارهما إلهين وثنيين ، احتج الرسول بأن الله ليس شبيها بالناس ، ويثبت سلطانه وجلاله على أساس أنه هو الذي خلق كل شئ ( أع 14 : 15 ). ويقدم نفس الحجة في أثينا ، مستندا في توكيدها إلى دلائل حاجة الإنسان إلى الله ، كما وجدها في أثينا ذاتها ( أع 17 : 23 - 31 ) . ونفس الشهادة الطبيعية للنفس في مواجهة الكون ، نراها مرة أخرى في رسالته إلى أهل رومية باعتبارها أساس المسئولية الشاملة أمام الله ( رو 1 : 18 - 21 ) . وليس ثمة برهان منهجي في العهد الجديد عن وجود الله ، ولا عن صفات الله الميتافيزيقية ، سرمديته ، وقدرته على كل شئ ، وعلمه بكل شئ مثلما نجدها في علم اللاهوت النظامي . ولكننا نجد أساس هذه الاستدلالات في الخبرة الروحية التي ترى الله في المسيح كلي الكفاية .
4 - الأبوة الإلهية :
إن الفكرة الرئيسية عن الله في تعليم العهد الجديد هي أبوته فهي أساس كل تعليم . ولم تكن هذه الفكرة مجهولة تماما في الديانات الوثنية ، فاليونان والرومان عرفوا الآب زيوس أو جوبيتر باعتباره خالق الطبيعة وحافظها ، وعلى علاقة خاصة بالناس ، وتظهر الفكرة كثيرا في العهد القديم بمحتوى أغنى ، فالله ليس خالق إسرائيل وحافظه فحسب ولكنه يتعامل معه كما يتعامل الأب مع ابنه : كما يتراف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه ( مز 103 : 13 ، انظر أيضا تث 1 : 31 ، 32 : 6 ، إرميا 3 : 4 و 19 ، 31 : 20 ، إش 63 : 16 ، هو 11 : 1 ، مل 3 : 17 ) وحتى في تأديبه لهم : كما يؤدب الإنسان ابنه ( تث 8 : 5 ، إش 64 : 8 ) ، ونجد نفس الفكرة معبرا عنها بحنان الأم ورعايتها لوليدها ( إش 49 : 15 ، 66 : 13 ، مز 27 : 10 ) وهي جزء من علاقة العهد ، ولكن في العهد القديم لا تشغل الفكرة المركز الرئيسي الحاسم الذي تشغله في العهد الجديد ، كما أنها كانت دائما مقصورة على إسرائيل .
أ - في تعليم يسوع المسيح :
الله هو الآب بصورة فائقة ، وهو الاسم الذي كان يستخدمه عادة للكائن الأسمى ، ومما تجدر ملاحظته أن استخدام يسوع ل لهذا الاسم لم يصبح عاما مطلقا ، فنحن نقول الله بينما كان يسوع يقول الآب وهو يقصد أن طبيعة الله الأساسية ، وعلاقته بالناس يعبر عنها أفضل تعبير بعلاقة الأب بأبنائه ، ولكن الله أب بصورة أسمى وأكمل بما لايقاس - من أي إنسان ، فهو صالح و كامل الآب السماوي بالمقابلة مع الناس ، الذين - حتى باعتبارهم آباء - فهم أشرار ( مت 5 : 48 ، 7 : 11 ) والمثال الذي يتحقق فيهم بصورة جزئية غير كاملة وغير دائمة ، يكتمل فيه هو بصورة كاملة ، ولم يقصد المسيح العلاقة الطبيعية من جهة الأصل أو المنشأ بل العلاقة الشخصية ، علاقة المحبة والرعاية ، التي يمنحها الأب لأبنائه ، وفي الواقع ، هذه العلاقة شاملة ، لأن الآب كان يعمل في العالم دائما ( يو 5 : 17 ) وكل الأشياء في سلطانه ( لو 22 : 42 ) وبقوته الحافظة تعيش أضعف المخلوقات وأعظمها أيضا ( مت 6 : 26 ، 10 : 29 ) ، وما يؤكده المسيح ليس قوة الله الخالقة والمهيمنة فحسب ، بل الكيفية التي تظهر بها هذه القوة ، فهو صالح صلاحا مطلقا في كل أعماله وعلاقاته ( مت 7 : 11 ، مر 10 : 18 ) وإليه يتجه الناس وسائر المخلوقات في كل ما يحتاجون إليه ، وفيه يجدون الأمن والراحة والسلام ( مت 6 : 26 و 32 ، 7 : 11 ) ، ويفيض صلاحه تلقائيا على كل الأحياء حتى على الظالمين والأعداء ( مت 5 : 45 ) وهو يجازي الطائع ( مت 6 : 1 ، 7 : 21 ) ويصفح عن العاصي التائب ( مت 6 : 14 و 18 : 35 ) ويسترد الضال ( لو 15 : 11 - 32 ) ، فالأبوة هي محبة أصيلة وليست ومصطنعة ، سباقة بالفضل على غير استحقاق ، صفوحة ومعلمة ، تفتش عن البعيدين وتجتذبهم لقلبه ( بيشلاج - علم لاهوت العهد الجديد - المجلد الأول : 82 ) . وعلى هذا ، يجب على الناس أن يصلوا للآب من أجل كل شئ صالح ( مت 6 : 9 ) وهو مثال كل كمال ، يجب عليهم أن يسعوا لبلوغه ( مت 5 : 48 ) .
هذه هي الصورة العامة لله كما تعلنها أبوته ، ولكنها تتحقق بطرق مختلفة للذين يرتبطون به بعلاقات مختلفة .
والرب يسوع يعرف الآب كما لا يعرفه أحد آخر ، ويرتبط به بطريقة فريدة . وهذه الفكرة مركزية في تعليمه ، لأنها حقيقة جوهرية في خبرته . وفي أول ظهوره وهو صبى ، يعلن أنه يجب أن يكون في ما لأبيه ( لو 2 : 49 ) ، وفي النهاية يستودع روحه بين يدي أبيه ، وطوال حياته كان وعيه بهذه البنوية كاملا غير منقطع أنا والآب واحد ( يو 10 : 31 ) ، وكما أنه يعرف الآب ، كذلك الاب يعرفه ويعترف به ، وفي بدء خدمته كما في ذروتها في التجلي ، يشهد الآب لبنوته الكاملة الفريدة ( مر 1 : 11 ، 9 : 7 ) . لقد كانت علاقة حب وثقة متبادلة أصيلة وبلا حدود الآب يحب الابن وقد دفع كل شئ في يده ( يو 3 : 35 ، 5 : 20 ) وقد أرسل الآب الابن إلى العالم وائتمنه على رسالته ودفه إليه كل سلطانه ( مت 11 : 27 ) وأعطاه الذين آمنوا به ليقبلوا كلمته ( يو 6 : 37 و 44 و 45 ، 17 : 6 و 8 ) وهو يعمل كل الأعمال التي يعملها الآب ويتكلم بكلام الآب الذي أرسله ( يو 5 : 36 ، 8 : 18 و 29 ، 14 : 24 ) . واتكاله على الآب وثقته فيه كاملان تماما ( يو 11 : 41 ، 12 : 27 و 28 و يو 17 ) . وفي هذه الوحدة الكاملة بين المسيح والله التي لا تظللها غيوم الخطية والتي لا يفصم عراها شئ ، صار الله - للحياة البشرية على الأرض - كل ما يستطيع ويود . وكان المسيح كابن الله هو الإعلان الكامل والنهائي لله ليس أحد يعرف الابن إلا الآب ، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ( مت 11 : 27 ) . ونحن نستطيع أن نرى في المسيح لاكمال هذه البنوية فحسب ، بل نرى أيضا في مشاعره البنوية صورة الآب منعكسة عليه جليه كاملة حتى إننا نستطيع أن نعرف الآب الكامل أيضا : الذي رآني فقد رأى الآب ( يو 14 : 9 ، انظر أيضا يو 8 : 19 ) ، نعم ، إنها أكثر من صورة منعكسة ، حيث أن فكر المسيح وإرادته يماثلان فكر الآب وإرادته ، بل في اندماج كامل ، تتلألأ أقوال الآب وأعماله من خلال المسيح : الكلام الذي الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال صدقوني أني في الآب والآب في ( يو 14 : 10 و 11 ) ، وكما يكرم الناس الآب أو يكرهونه ، هكذا يكرمون الابن أو يكرهونه ( يو 5 : 23 ، 15 : 23 ) وفي اليوم الأخير عندما يأتي لينفذ الدينونة التي عهد بها الآب إليه ، فإنه سيأتي في مجد الآب ( مت 16 : 27 ، مر 8 : 38 ، لو 9 : 26 ) . وفي كل هذا يعلم المسيح أن علاقته بالآب فريدة ، والذي فيه هو أصيلا أو أكيدا ، ليس عند الآخرين إلا هدفا مثاليا يتحقق بالتدريج عن طريق الارتباط به : أنا هو الطريق والحق والحياة ، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي ( يو 14 : 6 ) وعلى هذا فهو بحق الابن الوحيد ( يو 3 : 16 ) وقد آمن معاصروه بأنه قد جعل نفسه معادلا لله ( يو 5 : 18 ) .
ومن خلال المسيح ، استطاع تلاميذه وسامعوه أيضا أن يعرفوا الله كأبيهم ، فهو يتكلم عن أبيكم وأبيكم الذي في السموات ، وبالنسبة لهم كأفراد ، فإن هذا يعني علاقة شخصية ، فهو أبوك ( مت 6 : 4 و 18 ) . وما يجب أن يحدد سلوكهم كله ، هو ادراكهم أنهم في محضر الآب ( مت 6 : 1 و 4 ) ، والحياة المثلى هي عمل مشيئته ( مت 7 : 21 ، 12 : 50 ) . وبعبارة أوضح هي أن تعمل كما يعمل هو وأن تحب وأن تغفر كما يحب هو ويغفر ( مت 5 : 45 ) وأخيرا أن تكون كاملا كما هو كامل ( مت 5 : 48 ) وهكذا يصبح الناس أبناء أبيهم الذي في السموات . وسلامهم وسلامتهم في معرفتهم عنايته التي لا تتغير والتي فيها لهم كل الكفاية ( مت 6 : 26 و 32) . والهدف النهائي لعلاقة الناس بالمسيح هو أنه بواسطته عليهم أن يصلوا إلى علاقة مع الآب مثل علاقته مع الآب ومعهم ، حيث يشكل الآب والابن والمؤمنون وحدة اجتماعية ( يو 14 : 21 ، 17 : 23 مع عدد 21 ) .
وبينما تتجلي ابوة الله تتحقق بصورة أصيلة وكاملة في المسيح ، وبشكل جزئي مشتق منه في المؤمنين ، فإن لها أيضا أهميتها لكل الناس ، فكل إنسان يستطيع أن يكون ابنا لله في المسيح ووارثا لملكوته ( لو 18 : 16 ) . وفي الطفولة ، كل الناس موضوع محبته وعنايته ( مت 18 : 10 ) وليست مشيئته أن يهلك أحد منهم ( مت 18 : 14 ) ، وحتى إن صاروا أعداء له ، فهو ما زال يهب احسانه للأشرار والظالمين ( مت 5 : 44 و 45 ، لو 6 : 35 ) ، وقد يصبح الابن الضال غير مستحق أن يدعى ابنا ، لكن الآب يظل أبا دائما . وقد يصبح الناس - إلى حد بعيد - غير امناء ، فلا تظهر عواطف الأبوة في دواخلهم ، وفي أعماق أرواحهم لا يعترفون بالله ، بل يعترفون بالشيطان أبا لهم ( يو 8 : 42 - 44 ) ، وهكذا فإن علاقتهم البنوية بالله يمكن أن تنفصم ، ولكن طبيعته وموقفه منهم لا يتغيران ، فهو الآب على الإطلاق وكآب هو كامل ( مت 5 : 48 ) . الأبوة السماوية الجوهرية الشاملة تجد غرضها الأبدي والدائم في الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب . وتتوقف علاقة الناس بالله على موقفهم منه ، فبينما لا يفيد البعض - لعدم الإيمان - شيئا ، فإن الآخرين - عن طريق الطاعة - يصبحون في واقع اختبارهم أبناء أبيهم الذي في السماء .
ب - في تعليم الرسل :
مع أن أبوة الله لا تظهر بصورة بارزة أو بكثرة في تعليم الرسل ، كما كان الحال مع الرب يسوع المسيح ، لكنها هي اساس كل تدبير الخلاص المعلن في تعليم الرسل . وتعليم الرسول بولس الرئيسي عن التبرير بالإيمان ليس إلا الصورة اللاهوتية لمثل الابن الضال . وما كان يملأ فكر الرسول يوحنا أن الله محبة ليس إلا تعبيرا مطلقا عن ابوته . وفي اتساق كامل مع تعليم المسيح ، لا يعرف الناس الآب ولا يأتون إليه إلا عن طريق المسيح وحده ، فكل تعليم الرسل عن نعمة الله هو أنها تتحقق عن طريق المسيح ابن الله الذي ارسله لأنه هكذا أحب الله العالم ( يو 3 : 16 ) وبموته يمكن أن يتصالح الناس مع الله ( رو 5 : 10 ، 8 : 3 ) وهو يتكلم إلى الناس عن طريق الابن الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره ( عب 1 : 2 و 3 ) والمركز الرئيسي المنسوب للمسيح هو أنه مركز أبوة الاب .
ونستطيع أن نميز ثلاث علاقات مختلفة في تعليم الرسل كما في تعليم المسيح ، فيها تتحقق الأبوة بدرجات مختلفة :
1 - أولا : أنه هو الله وأبو ربنا يسوع المسيح ( رو 15 : 6 ، 2 كو 1 : 3 ) ولهذا فهو مصدر كل بركة روحية في السماويات في المسيح ( أفسس 1 : 3 ) وبالمسيح لنا قدوم إلى الآب ( أف 2 : 18 ) .
2 - وعلى هذا فهو الله أبونا ( رو 1 : 7 ، 1 كو 1 : 3 ) . والمؤمنون هم أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ( غل 3 : 26 ) لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ( رو 8 : 14 ) هؤلاء يأخذون روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب ( رو 8 : 15 ، غل 4 : 6 ) وقد فهم البعض أن التبني يعني انكار بنوة الإنسان الطبيعية وأبوة الله الأساسية ، ولكن هذا يكون اشتطاطا بالمجاز بعيدا عن الغرض الذي يقصده الرسول بولس .
3 - وتعليم الرسل - مثله - مثل تعليم المسيح تماما - هو أن الإنسان في الخطية لا يستطيع أن يمتلك الوعي البنوي أو يعرف الله كأب ، ولكن الله في موقفه من الإنسان ، هو أب دائما وابدا ، ففي معنى الخلق والاعتماد ، الإنسان - على أي حال - هو ابن الله ( أع 17 : 28 ) . ولا معنى للحديث عن أي بنوية طبيعية أخرى لا تتحقق أيضا بصورة أدبية . ومن وجهة نظر الله ، الإنسان - حتى في خطيته - يمكن أن يكون ابنا بالمفهوم الشخصي والمعنوى ، وكل العملية والقوة اللازمين لتحقيق بنويته تنبع من محبة الله الأبوية ، الذي أرسل ابنه واعطى روحه ( رو 5 : 5 و 8 ) فهو الآب بصورة مطلقة إله وآب واحد للكل ، الذي على الكل، وبالكل وفي كلكم . ولكن لكل واحد منا أعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح ( أف 4 : 6 و 7 ) .
5 - الله ملك : والمفهوم الثاني في تعليم يسوع ، بعد الأبوة الإلهية ، هو ملكوت الله ( مرقس ولوقا ) أو ملكوت السموات ( متى ) ، وكما أن تعليم الأبوة يوضح علاقة الناس الفردية بالله ، فإن الملكوت يشير إلى حالتهم كجماعة ومجتمع تحت سيادة الآب .
أ - ملكوت الله : لقد أقر المسيح فكرة العهد القديم عن سيادة الرب وحولها إلى مبدأ داخلي روحي للإنجيل ، ولكن بدون أن يفصلها تماما عن الفكر الخارجي والرؤوي الذي كان في عصره . فقد أقر الفكرة اليهودية عن سلطان الله الأكيد ، وأنه في المستقبل القريب ، يتوقع إعادة تنظيم الظروف الاجتماعية في استعلان ملكوت الله على الناس والطبيعة ، على أساس أنها سوف تصل في النهاية إلى إعادة تجديد كل الأشياء حسب مشيئة الله ( مر 9 : 1 ، 13 : 30 ، مت 16 : 28 ، 19: 28 ) . وبركات الملكوت أدبية وروحية في طبيعتها وشروط الدخول إليها أدبية أيضا ( مت 8 : 11 ، 21 : 31 و 43 ، 23 : 37 و 38 ، لو 13 : 29 ) وهي التواضع ، والجوع والعطش إلى البر ، وحب الرحمة والنقاوة ، والسلام ( مت 5 : 3 - 10 ، 18 : 1 و 3 ، انظر أيضا مت 20: 26- 28، 25: 34، 7: 21 ، يو 3 : 3 ، لو 17 : 20 و 21 ) وعلى ذلك فإن ملك هذا الملكوت بار ومحب ورحيم من نحو كل الناس ، وهو يملك عن طريق الشركة الداخلية للروح بالروح ، وتوافق المحبة بين ارادة رعاياه وارادته هو .
ب - مليكها : ولكن من هو الملك ؟
1 - بصفة عامة في مرقس ولوقا ، وفي بعض الفصول من متى ، يطلق على الملكوت ملكوت الله وفي أمثال عديدة يأخذ الآب مركز الملك ، فالآب هو الذي يعطي الملكوت ( لو 12 : 32 ) ، وعلى هذا فالله الآب هو الملك ، فارداة الله هي قانون الملكوت ، والمثل الأعلى للملكوت هو شخصية الله .
2 - ولكن في بعض الفصول ، يكشف المسيح عن أنه هو الملك ، ويوافق على اعتراف بطرس بأنه المسيح وهذا يتضمن الاعتراف بأنه الملك ( مت 16 : 16 ) . ويتحدث عن وقت في المستقبل القريب فيه سيرى الناس ابن الإنسان آتيا في ملكوته ( مت 16 : 28 ) ليدين كل الناس باعتباره الملك ( مت 25 : 34 ، لو 19 : 38 ) ، وهو يقبل لقب الملك من بيلاطس ( مت 27 : 11 و 12 ، مر 15 : 2 ، لو 23 : 3 ، يو 18 : 37 ) ، ويقول ان ملكوته ليس من هذا العالم ( يو 18 : 36 ) ، وينتظر منه أن يرد الملك لإسرائيل ( أع 1 : 6 ) وملكوته - مثل ملكوت الله تماما - ملكوت أدبي وروحي .
3 - ولكن لا يمكن أن يكون هناك إلا ملكوت أدبي واحد وسلطة عليا واحدة فقط في الدائرة الروحية ، والارتباط بين الملكوتين ، يكمن في علاقتهما بأبوة الله ، والفكرتان غير متناقضتين أو غير مستقلتين ، فعن طريقهما أوصل إليهم المسيح فكرته عن الله كالآب الذي يحكم مملكة روحية بالمحبة والبر ، كما أنه نظم الطبيعة والتاريخ لاتمام مقاصد نعمته ، ويجب أن يصلي الناس من أجل مجئ الملكوت ( مت 6 : 9 و 10 ) ، وهم يدخلون الملكوت بعمل مشيئة الآب ( مت 7 : 21 ) وقد سر الله أن يعطيهم الملكوت ( لو 12 : 32 ) ، والأبوة أساسية ولكنها تحمل معها السلطة والحكم والقانون والنظام والعناية والتدبير لإقامة وادارة مملكة تعكس محبة الآب وتعبر عن ارادته . وحيث أن المسيح هو معلن أبوة الله كما أنه وسيطها ، فهو أيضا رسول الملكوت وحامله ، والملكوت ماثل أمام الناس في شخصه وفي تبشيره وفي أعماله ( مت 4 : 17 و 23 ، 12 : 28 ) ، وهو كملك هذا الملكوت يطلب ولاءهم وطاعتهم ( مت 11 : 28 و 29 ) ، وبنوته هي أساس علاقته بالملكوت ، وكأبن فهو يطيع الآب ، ويتكل عليه ويمثله أمام الناس ، وهو واحد مع الآب ، وبناء على هذه العلاقة ، هو رسول الملكوت ورئيسه ، وهو يشارك الآب في سلطانه وفي ملكوته .
ج - التعليم الرسولي :
ونجد في كتابات الرسل ، التأكيد على عناصر الملكية والسلطان والقانون والبر أعظم مما في الأناجيل فالملكوت ينسب إلى الله ( غل 5 : 21 ، كو 4 : 11 ، 1 تس 2 : 12 ، 2 تس 1 : 5 ) ، وإلى المسيح ( كو 1 : 13 ، 2 تى 4 : 10 و 18 ، 2 بط 1 : 11 ) وإليهما معا ( أف 5 : 5 ، انظر 1 كو 15 : 24 ) . والعبارة ملكوت ابن محبته تجمع خلاصة فكرة الملوكية المشتركة المؤسسة على العلاقة بين الآب والابن .
6 - صفات أدبية :
تظهر طبيعة الله وصفاته في العلاقة المزدوجة للآب والملك بالنسبة للناس ، وأي عبارات مجردة تقال عنه ، أي صفات تسند إليه هي استدلالات من أبوته الملوكية .
أ - الشخصية : وكون الآب والملك شخص (اقنوم ) لا يحتاج إلى مناقشة ، ومن قبيل اللغو ، أن نقول إن الأقنوم هو روح والمسيح ينسب بصورة مباشرة روحانية الله لأبوته " الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق ، لأن الرب طالب مثل هؤلاء الساجدين له . الله روح " ( يو 4 : 23 و 24 ) . وهناك تعبيرات مجازية تعطي نفس الحقيقة كما في عبارتي يوحنا " الله حياة " ( 1 يو 5 : 20 ) ، " والله نور " ( 1 يو 1 : 5 ) .
ب - المحبة : وهي أقوى الصفات المميزة للأبوة ، وهي اللفظ المجرد الذي يعبر بصورة كاملة عن الصفة الواضحة لله كأب ويستخدمها الرسول يوحنا لتلخيص كل كمالات الله في صيغة واحدة شاملة " الله محبة " ، وحيث لا توجد محبة ، فليس ثمة معرفة بالله ولا ادراك له ( 1 يو 4 : 8 و 16 ) . ولا تظهر عبارة " محبة الله " في الأناجيل باستثناء واحد في لوقا ( 11 : 42 ) - إلا في الصورة المقدمة في الإنجيل الرابع للتعبير عن رباط الوحدة والشركة النابع من الله ، والذي يربط المجتمع الروحي كله ، الله والمسيح والمؤمنين ( يو 15 : 10 ، 14 : 21 ). ورسالة المسيح كانت رسالة إعلان ، أكثر منها رسالة تعليم ، ومن كان يمثله المسيح - شخصيا وعمليا أمام الناس - كالآب الحي ، هو الذي يصيغه الرسل بالمحبة الشاملة والقادرة على كل شئ ، وقد رأوا هذه المحبة وتحققوا منها في الابن ، وبخاصة من موته الكفاري ، فهو " محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا " ( رو 8 : 39 ) ، " الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا " ( رو 5 : 8 ، انظر أف 2 : 4 ) ، فقد تجلت المحبة بكاملها في موت المسيح ( 1 يو 3 : 16 ) ، وعملية التجسد كلها ، وموت المسيح أيضا كانا بذلا وتضحية من الله ، والإعلان الأسمي عن طبيعته كمحبة ( 1 يو 4 : 9 و 10 ، انظر يو 3 : 16 ) . ومحبة الله هي علاقته الأبوية بالمسيح ، وقد امتدت للناس من خلال المسيح ، وبناء على محبة الله الممنوحة لنا في المسيح ، ندعى نحن المؤمنين أولاد الله ( 1 يو 3 : 1 ) والمحبة ليست مجرد عاطفة حنان واحسان تسكب على الناس أعظم الهبات والعطايا ، ولكنها علاقة مع الله تشكل كل قانون حياتهم ، وهي تضع على الناس اعظم الالتزمات الأدبية ، كما تمنحهم الطاقة الأدبية ، التي بها وحدها يمكنهم أن يتمموا هذه الالتزامات ، إنها الناموس والنعمة مرتبطان معا ، ومحبة الله تكمل فقط في الذين يحفظون كلمة يسوع المسيح البار ( 1 يو 2 : 5 ) " فإن هذه هي محبة الله أن نحفظ وصاياه " ( 1 يو 5 : 3 ) ، وهي تظهر بشكل خاص في المحبة الأخوية ( 1 يو 4 : 12 و 20 ) وهي لا تستطيع أن تجتمع مع محبة العالم والأشياء التي في العالم ( 1 يو 2 : 15 ) أو مع الأنانية البغيضة ( 1 يو 3 : 17 ) والإنسان يستمدها من الله عندما يصبح ابنا لله مولودا منه ( 1 يو 4 : 7 ) .
ج - البر والقداسة : البر والقداسة مفهومان مألوفان في أقوال يسوع وتلاميذه كعنصرين من عناصر الطبيعة الإلهية ، وكانا متداولين في الفكر المعاصر ، كما كانا من أبرز مفاهيم العهد القديم ، وعلى ذلك فقد أقرهما العهد الجديد تماما ولكن في سياق مختلف ، فهما مرتبطان بل ونابعان من فكرة المحبة ، وموقع الملكوية من الأبوة شبيه بموقع البر والقداسة من المحبة .
1 - نجد الرب يسوع يقول مرة : " أيها الآب القدوس " ( يو 17 : 11 ، انظر أيضا 1 بط 15 : 16 ) . ولكن فكرة القداسة ترتبط بصفة عامة بالله في عمله من خلال الروح القدس الذي يجدد وينير وينقي ويطهر حياة الناس ، وكل أثر لأي معنى مصطنع أو طقسي أو اخلاقي ، يختفي تماما من فكرة القداسة في العهد الجديد ، ويبقى فقط معنى الانفصال على أنه انفصال عن الخطية ، وهكذا نرى أن المسيح كرئيس كهنة " قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة " ( عب 7 : 26 ) وحيث يحل المسيح ، يجب ألا تكون هناك نجاسة ( 1 كو 6 : 19 ) ، والقداسة ليست خلقا مجردا أو ناموسيا ، ولكنها حياة قد صارت طاهرة وسامية بمحبة الله التي انسكبت في قلوب الناس ( رو 5 : 5 ) " ملكوت الله … بر وسلام وفرح في الروح القدس " ( رو 14 : 17 ) .
2 - البر ، كنوع من الصفات ، يماثل القداسة عمليا في العهد الجديد ، فهو ضد الخطية ( رو 6 : 13 و 20 ) والإثم ( 2 كو 6 : 14 ) ، وهو يقترن بالصلاح والحق كثمرة للنور ( أف 5 : 9 ، انظر 1 تي 6 : 11 ، 2 تي 2 : 22 ) ، وهو يعني قاعدة أو مثالا للسلوك فهو واحد في تأثيره مع حياة المحبة والقداسة ، وهو يتحقق في الناس بتبكيت الروح القدس ( يو 16 : 8 ) ، وفي أصله هو بر الله ( مت 6 : 33 ، انظر يو 17 : 25 ) وفي الفكر اللاهوتي لبولس : " بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون " ( رو 3 : 22 ) . وهو عمل الله بالنعمة المجانية ، مبررا للخاطئ ومتعاملا معه كبار ، حتى يمكنه بذلك أن يصبح بارا حقا ، فنحن " نحبه لأنه هو أحبنا أولا " ( 1 يو 4 : 19 ) . وطبيعة الله الكاملة إذا سواء سميناها محبة أو قداسة أو برا ، تظهر في عمله في الخلاص حيث يتقدم إلى الناس بالمحبة والرحمة حتى يصيروا مواطنين في ملكوته وارثين لبره ، وشركاء في محبته .
7 - صفات ميتافيزيقية :
يتضمن العهد الجديد وجود الله المطلق وصفاته الميتافيزيفية ، ولكنه لا يعطينا تعريفا محددا لها ، فسرمديته وعدم محدوديته وقدرته الكلية وعلمه الشامل المطلق ، لا نجدها معلنة في كلمات محددة ، ولكنها موجودة في كل تدبير الخلاص الذي يتممه هو ، فهو رب السماء والأرض ( مت 11 : 25 ) ، وقوى الطبيعة طوع أمره ( مت 5 : 45 ، 6 : 30 ) ، وهو قادر على استجابة كل صلاة وسد كل احتياج ( مت 7 : 7 - 12 ) وكل شئ مستطاع عنده ( مر 10 : 27 ، 14 : 36 ) ، فقد خلق كل الأشياء ( أف 3 : 9 ) وكل السلطات العالية مستمدة منه ( رو 13 : 1 ) ، وبقوته أقام المسيح من الأموات واخضع له كل " رياسة وسلطان وقوة وسيادة " في السماء وعلى الأرض ( أف 1 : 20 و 21 ، انظر مت 28 : 18 ) ، وكل قوة وكل صور الوجود خاضعة لقوة محبته من أجل قديسيه ( رو 8 : 38 و 39 ) ، ولا يمكن أن يحده زمان أو مكان ، فهو الإله الأزلي الأبدي ( رو 16 : 26 ) وعلمه لا نهائي مثل قوته ، وهو يعرف قلوب الناس ( لو 16 : 15 ) وكل احتياجاتهم ( مت 6 : 8 و 32 ) ويظهر علمه - بشكل خاص - في حكمته التي بها يحقق غرضه في الخلاص ، " حكمة الله المتنوعة حسب قصد الدهور الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا " ( أف 3 : 10 و 11 ) ويتضمن تعليم العهد الجديد أن كل كمالات القوة والقدرة والوجود تجتمع في الله ، وأنها معلنة في محبته ، وهي ليست مؤسسة على قواعد ميتافيزيقية ، ولكنها نابعة من أبوته الكاملة ، فالآباء الأرضيون يعملون كل ما في استطاعتهم من صلاح لأولادهم ، ولكن الآب السماوي يعمل كل الأشياء على أفضل ما يكون لخير أولاده، " كل الأشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله " لأنه لا حدود لقدرته أو مشيئته أو حكمته ( مت 7 : 11 ، رو 8 : 28 ) .
8 - وحدة الله :
والعهد الجديد يعلن بصورة صريحة قاطعة مطلقة بدون أي قيد ، إن الله واحد ( مر 12 : 29 ، رو 3 : 30 ، أف 4 : 6 ) ، ولم يكن هناك حقيقة أكثر استقرارا أو عمقا في الفكر اليهودي في ذلك العصر ، من حقيقة وحدة الله .
أ - ألوهية المسيح :ومع هذا فالواضح من كل ما هو مكتوب أن يسوع المسيح له من القوة والسلطان والمكانة مركزا فريدا ، لا يمكن معه إلا أن ندعوه " الله " ، وقد اعترفت الكنيسة الرسولية - في العبادة وفي العقيدة - له بهذه الكرامة ، وكل ما عرفوه عن الله ، وكل ما أعلن لهم الآن بصورة كاملة ونهائية ، قد تجمع في شخصه " فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا " ( كو 2 : 9 ) ، ولقد عرفوا فيه واطلقوا عليه كل ما كان الله يعنيه لهم .
ب - الروح القدس : وعلاوة على ذلك فإن " الروح القدس تعبير ثالث يمثل اقنوما إلهيا ، في حياة وفكر ولغة المسيح وتلاميذه ، ويسجل لنا يوحنا تعليم الرب يسوع عن الروح القدس ، وكيف أنه معادل تماما للرب المقام نفسه ( يو 14 : 16 و 17 و 18 ) ، كما أن الرسول بولس يقول عن الروح القدس أنه الرب ، " وأما الرب فهو الروح " ( 2 كو 3 : 17 ) ، ولكن في أماكن أخرى نجد الأسماء الثلاثة مذكورين جنبا إلى جنب ، لثلاثة أقانيم متميزين ( مت 28 : 19 ، 2 كو 13 : 14 ، أف 4 : 4 - 6 ) .
ج - معضلة الكنيسة : ولكن كيف تتفق وحدة الله مع المنزلة الإلهية الرفيعة والوجود المتميز للروح القدس ؟ لقد أكد يسوع الوحدة بينه وبين الآب ( يو 10 : 30 ) ، ولكنه لا يعلن أي مقولة تفسر وحدة اللاهوت في ظهوراته المتنوعة ، لقد وجد المسيحيون الأوائل في المسيح كل الكفاية لسد كل احتياجاتهم الروحية ، فهو مملوء بكل ملء الله ، فلم تزعجهم تلك المشكلة العويصة التي اعترضت الفكر ، ويعبر الرسول بولس عن مفهومه عن العلاقة بين المسيح والله باستخدام " الصورة " مجازيا ، فالمسيح هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة " ( كو 1 : 15 ، 2 كو 4 : 4 ) ، ويستخدم كاتب الرسالة إلى العبرانيين استعارة أخرى ، فالمسيح هو " بهاء مجده ( الله ) ورسم جوهره " ( عب 1 : 3 ) ، ولكن هذه العبارات المجازية لا تحملنا بعيدا عن الحقيقة الواضحة الجلية في كل مواضع العهد الجديد ، وهي أن المسيح في كل شئ ، كان يمثل الله لأنه واحد معه . وفي مقدمة الإنجيل الرابع ، نجد التعليم بخصوص " الكلمة " وكيف أن " الكلمة هو الله " ، " عقل الله " الأبدي الذي كان دائما معه ومنه ينبثق كفكر معلن ، أو كلمة مقولة ، في شخص يسوع المسيح الذي هو الكلمة الأزلي ، الله المتجسد وإلى هنا يسير بنا العهد الجديد. ولكنه لا يذهب بنا إلى أبعد من ذلك ، يسوع المسيح هو الله المستعلن ، ونحن لا نعرف شيئا عن الله سوى ما أعلن في المسيح ، فمحبته وقداسته وبره وقصد نعمته وهيمنته وسيطرته على كل الأشياء لاتمام مقاصد محبته الأبوية ، كل هذا لا نعرفه إلا في يسوع المسيح وبواسطته ، فالروح القدس يأخذ مما للمسيح ويعلنه للناس ( يو 16 : 14 ) " ومشاكل اتفاق " الواحد " مع الثلاثة " " والفرد " مع " الجمع " ، و " اللامحدود مع المحدود " ، والله الأبدي مع الكلمة الذي صار جسدا ، كل هذه المشاكل تركت للكنيسة لتحلها. وقد أعطى الروح القدس ليعلم الكنيسة كل الأمور وليرشدها إلى كل الحق ( يو 16 :13 ) " وها أنا معكم كل الأيام إلى أنقضاء الدهر " ( مت 28 : 20 ) .
الله : أسماؤه :
أولا مقدمة :
أعطى الناس الذين كانوا يعيشون في بلاد وأزمنة الكتاب المقدس ، قيمة كبيرة لاسم الشخص ، بصورة تفوق ادراك الأذهان في العصر الحديث - وبخاصة في الغرب - وأعطوا للاسم دائما معاني رمزية أو معاني تدل على صفات معينة .
وبينما الأسماء التي نطلقها الآن هي - في الغالب - لمجرد تحديد الشخص ، فإن الأسماء في الكتاب المقدس هي أسماء وصفية أو نبوية غالبا ، وتكاد جميعها أن تكون لها دلالة دينية ، فالأب يخصص ابنه لله أو يعلن تكريسه لله عن طريق ربط اسم الله بالخدمة التي سوف يقدمها الطفل ، أو ليذكر - عن طريق الاسم - فضل الله عليه في عطيته الكريمة له ، ألا وهي الطفل ، فمثلا : " نثنائيل " ، معناه " عطية الله " ، و " صموئيل " معناه " مسموع من الله " ، " وأدونيا " معناه " الرب سيدي " وهكذا وقد يبدو غريبا لنا الآن أن حياة الطفل أو صفاته يتكهن بها أبواه عندما يطلقان عليه اسما معينا ، والدليل على أن هذا كان يحدث كثيرا هو الاسم الذي أعطى للرب يسوع عند ولادته : " وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم " ( مت 1 : 21 ) .
ومن المتحمل أن اعطاء اسم يدل على صفة أنما كان يمثل هدف الوالدين الذي يبذلون جهدهم في تربية الطفل لتحقيقه ، فاسم الطفل يمثل أمنية يصلون لأجلها ويسعون لتحقيقها ، كما كان لارتباط الاسم بالشخص أثر سيكولوجى في حياته ، وتقدم لنا أسفار العهد القديم الكثير من الأمثلة المتنوعة ، تبدو في أقوى صورها في تغيير الأسماء للدلالة على ما طرأ على أصحابها من تغيير ، فمثلا تغيير اسم " أشبعل " ( رجل البعل ) إلى " إيشبوشث " ( رجل العار - 2 صم 2 : 8 ، 1 أخ 8 : 33 ) ، وحذف اسم " يهو " أي يهوه من اسم الملك المرتد آحاز ( 2 مل 15 : 38 ) ، كما غير نبوخذ نصر اسم آخر ملوك يهوذا من متانيا إلي " صدقيا " ليكون أكثر تعبيرا عن تأكيد ولائه لسيده الذي ولاه الملك ( 2 مل 24 : 17 ) .
1 - عبارة " اسمه " : حيث أن أسفار العهدين القديم والجديد تهدف إلى إعلان الله لنا ، ومن حيث أن العبرانيين قد وضعوا هذا العدد الكبير من الأسماء ، فلابد أن نتوقع منهم ، أن يجعلوا اسم الله وسيلة - من الدرجة الأولى - للإعلان عنه ، فهؤلاء العبرانيون الذين اعتادوا استخدام الأسماء المعبرة عن شخصياتهم لابد أنهم كانوا يعتبرون أسماء الله معبرة عن طبيعته .
ولفظة " ياه " ( الرب ) أو " اسمه " - كما يستخدم في الكتاب للدلالة على " الله " - هي لفظة هامة تحوي الكثير من المعاني ، بل هي تعبير بصورة شاملة عن استعلانه في الطبيعة ( مز 8 : 1 ، انظر مز 138 : 2 ) ، أو تحدد مكان عبادته حيث يدعو الناس باسمه ( تث 12 : 5 ) ، أو تستخدم مرادفا لصفاته المتعددة ، مثل الأمانة ( إش 48 : 9 ) ، النعمة ( مز 23 : 3 ) ، المجد ( مز 79 : 9 ) ... إلخ " ... ومن حيث أن اسم الله يشير إلى الله نفسه كما يريد أن يكون معروفا عند خلائقه ، فعندما يقال أن الله سوف يصنع لنفسه اسما بأعماله العظيمة ، أو أنه يصنع لنفسه " اسم مجد " ، نستطيع أن نفهم بسهولة أن اسم الله كثيرا ما يكون مرادفا لمجد الله ، وأن التعبير عن الأمرين ، كثيرا ما يكون واحدا أو بطرق مختلفة أو بصورة تبادلية " ( شولتز - الفكر اللاهوتي في العهد القديم ، المجلد الأول ص 124 / 125 - انظر أيضا مز 72 : 19 ، إش 63 : 14 ) .
2 0 أنواع الأسماء : ولا شك في أننا نتوقع لأهمية الاسم الإلهي في الكتاب ، أن يتردد كثيرا مع تنوع في الشكل ، وهذا هو الواقع ، ويمكن وضع الأسماء المتنوعة تحت الأقسام الآتية :
1 - الأسماء المطلقة أو الشخصية .
2 - الأسماء الوصفية .
3 - أسماء الله في العهد الجديد . ونلاحظ أنه بمرور الوقت تميل الأسماء الوصفية الى التبلور بالاستخدام الكثير والاحترام التعبدي ، لتصبح اسماء شخصية ، مثل اللقب الوصفي " قدوس " الذي نجده اسما شخصيا في سفري أيوب واشعياء . ويمكن الرجوع الى كل اسم في موضعه بالتفصيل .
ثانيا - الأسماء المطلقة أو الشخصية :
1 - ( إلوهيم ) ( الله ) وهو أكثر الأسماء استخداما في العهد القديم ، مثله مثل الاسم اليوناني " ثيوس " العهد الجديد . ويظهر الاسم " إلوهيم " في سفر التكوين وحده حوالي مائتي مرة ، 2555 مرة في الكتاب المقدس ، وهو صيغة من جملة صيغ مشتقة من أصل واحد ، مثل " أيل والوه العلي " .
أ- "وإلوهيم " في صيغة الجمع ، ولكنه يعامل معاملة المفرد ، فيأخذ فعلا في صيغة المفرد ، وكذلك يأخذ صفة مفردة ما لم يطلق على جمع من الآلهة الوثنية ( مز 96 : 5 ، 97 : 7 ) . ومن خصائص اللغة العبرية أن يعبر بصيغة الجمع عن الاتساع والعظمة والرفعة ، بالإضافة إلى التعددية الحقيقية ، وعلى هذا فليس من المعقول أن نفترض أن صيغة الجمع تشير إلى تعدد الآلهة كعقيدة بدائية عند الساميين ، إذ على النقيض من ذلك نجد أن الديانة العبرانية التاريخية ديانة توحيد ، بشكل مطرد لا يحتمل شكا أو جدلا .
ب - ولا يعلم اشتقاق الكلمة على وجه اليقين ، فجسنيوس وايوالد وآخرون يرون أن الاسم مشتق من كلمة " أول " (ui) أي " يقوي " والتي يشتق منها أيضا كلمة " إيل "(agil) بمعنى كبش ، " وايلاه "(elah) بمعنى " بلوطة " ، فهي صيغة الجمع من كلمة " إيل "(el) ، بينما يردها آخرون إلى كلمة " ألاه " (alah) أي " يرعب " . والصيغة المفردة موجودة في الكلمة قليلة الاستعمال " إلواه " (eloaaah)التي يكثر استخدامها في الأسفار الشعرية ويميل البعض (براوه وداريفر وبرجز في القاموس العبري الإنجليزي للعهد القديم ) إلى اعتبارها مشتقة من " ألاه " (alah) وانه أصل الصيغ الثلاث ( إيل ، إلواه ، إلوهيم ) على الرغم من الاعتراف بأن الموضوع كله يلفه الغموض ، وثمة رأي غريب يقول بأن اللفظ مشتق من أصل عربي هو " أول " بمعنى الرائد أو المتقدم ، ومنه يأتي معنى " القائد " ، والأكثر غرابة هو القول بأنه يتصل بحرف الجر " إلى " (el) للدلالة على أن الله هو " هدف " حياة الإنسان وغايته ، وسيظل الاسم موضع بحث حيث أن الموضوع يرجع إلى ما قبل التاريخ ، والاسم والألفاظ القريبة منه " إيل " و " إلوه " شائعة في اللغات السامية وفي الديانات السامية ايضا .
ج - ومن المعقول أن يكون المعنى هو " القدرة " أو " القوة " كما هو معروف في اللغات السامية ، وعليه فإنه يستخدم في صيغة الجمع للتعبير عن الجلال أو " القدرة المطلقة"، وأنه اسم عام أكثر منه شخصي محدد " لله " كما يدل على ذلك اطلاقه على من يمثلون الله ( قض 5 : 8 ، مز 82 : 1 ) أو الماثلين في حضرته ( 1 صم 28 : 13 ) .
2- ( إلواه ) وهي صيغة المفرد من " إلوهيم " ويكاد استخدامها يكون مقصورا على الأسفار الشعرية أو التعبيرات الشعرية وبخاصة في سفر أيوب ، فهو يتكرر في هذا السفر أكثر من سائر اسفار العهد القديم وتستخدم الصيغة الأرامية " إلاه " (elah) كثيرا في سفري عزرا ودانيال .
3 - إيل(EL) : وأكثر الألفاظ شيوعا في اللغات السامية ، للدلالة على الله ، هي كلمة " إيل " التي تمثلها الكلمة البابلية " إلو " (ilu) ، والكلمة العربية " الله " . ويستخدم هذا اللفظ في جميع اجزاء العهد القديم ، ولكنه يرد في سفر أيوب وفي المزامير أكثر من سائر الأسفار ، وقلما يستخدم في الأسفار التاريخية ، ولا يرد اطلاقا في سفر اللاويين ، ومن المحتمل أن يكون مشتقا من " أول " (ul) أي " القوي " أو " المتقدم " ، والتي جاء منها - كما سبق القول - " إيل " أي " الكبش " لأنه يسير في مقدمة القطيع ، أو من " إلاه " أي البلوطة الضخمة الشامخة ، ويوجد هذا اللفظ مركبا في كثير من الأسماء القديمة ، كما يستخدم مثل " إلوهيم " للدلالة على الآلهة الوثنية . وقد يستخدم مضافا الى اسم أو صفة للتعبير عن دلالة معينة مثل " إيل عليون " ( الله العلي تك 14 : 18 و 19 و 20 و 22 ) ، " وإيل رئي " ( تك 16 : 13 ) . 2 : 4 ، إش 7 : 7 ) وهو يطابق كلمة " كيريوس " في اليونانية في العهد الجديد ، وكثيرا ما يرتبط بالاسم " ياه " : " السيد الرب " ( تك 15 : 8 ، إش 7 : 7 .. ألخ) وبإلوهيم : " الرب الهي " ( مز 86 : 12 ) . ويستخدم في النص العبري المسوري ، في مخاطبة الله بخشوع ووقار وهيبة ، عوضا عن لفظ " يهوه " الذي لم يكونوا ينطقونه على الاطلاق . وجاء في المزمور المائة والعاشر : " قال الرب " يهوه " لربي ( أدوناي ) اجلس عن يميني حتى أضع اعداءك موطئا لقدميك " ونعلم من اقتباسات هذه الآية في العهد الجديد أنها حديث بين الله الآب والله الابن ( مت 22 : 41 - 45 ، أع 2 : 34 و 35 ، عب 1 : 13 ، 10 : 12 و 13 ) .
5 - " يهوه " وهو أكثر الأسماء المميزة لله كإله إسرائيل ويكتب " يهوه " ولكن اليهود يقرأونه " أدوناي " . ولا نعلم حقيقة اشتقاق الكلمة ، ولكن يبدو أن الحقائق تبرر الاستدلالات الآتية :
أ - كان هذا الاسم شائعا في الديانات غير الإسرائيلية كما يقول البعض ( فريدر وديلتز وهومل وونكلر وجوت ) على أساس أنه قد وجد في النقوش البابلية . ويبدو أن بعض الاسماء العمونية والعربية والمصرية تحتوي على هذا الاسم مركبا فيها ( انظر " لاهوت العهد القديم " ص 52 لدافيدسن ) لكن رغم أن الاسم كان شائعا في الديانات السامية البدائية كما كان " إلوهيم " إلا أنه أصبح الاسم الإسرائيلي المميز للدلالة على " الله " .
ب - وعليه فإنه لم يعرف لأول مرة عند دعوة موسى ( خر 3 : 13 - 16 ، 6 : 2 - 8 ) ، ولكنه في ذلك الوقت اصبحت له دلالة خاصة أوضح ، فسيعرف الله لإسرائيل بهذا الاسم " يهوه " كالله " الواحد " الذي أرسل موسى ليخلص إسرائيل : "و أقول لهم إله أبائكم أرسلني إليكم ، فإذا قالوا لى ما اسمه ، فماذا أقول لهم . فقال الله لموسى : أهيه الذي أهيه .. أهيه أرسلني اليكم " ( خر 3 : 13 و 14 ) ويبدو أن اللفظ كان معروفا للآباء في سفر التكوين ، فهو يظهر في بعض الاسماء قبل عصر موسى ، مثل " يوكابد أو يهوكابد " ( خر 6 : 20 ) ، " وأخيا أو أخياه " ( 1 أخ 2 : 25 ) ، ويوعاش أو يهو عاش ( 1 أخ 7 : 8 ) .
ج - الأرجح أن الاسم مشتق من " الحيوة " كما سميت " حواء " بذلك لأنها أم كل حي ( تك 3 : 20 ) ، فأهيه هي " أحيا " بابدال الحاء هاء ، وهو أمر وارد كثيرا .
د - واضح من القرائن في سفر الخروج ( خر 3 و 6 ) أنه صيغة المستقبل من الفعل اللازم وليس من الفعل المتعدي ، أي بمعنى " محي أو معطي الحياة " ، كما أنه لا يحمل المعنى الذي يقول به البعض من انه يعني المستقبل والحاضر والماضي أي " الذي سوف يكون ، والكائن ، والذي كان " ( انظر " ستير " وآخرين في " لاهوت العهد القديم " لأوهلر ) .
هـ - ويمكن أن نقول بشئ من الثقة أن المعنى هو الذي ذكره أوريجانوس في ترجمته لأسماء العهد القديم ، فالدلالة الواضحة من الأصحاح الثالث من سفر الخروج وغيره من الفصول ، هي أنه يدل على المستقبل البسيط أي أن " يهوه " تعني " سوف أكون " ، فهي لا تربط العلة بالمعلول ، ولا تعبر عن الوجود في صورة ميتافيزيقية ، ولكن عن وعد العهد بالحضور الإلهي في الوقت الحاضر وفي العصر المسياني في المستقبل . وهكذا أصبح هذا الاسم مرتبطا بالرجاء المسياني كما يبدو من العبارة " يوم يهوه " أو " يوم الرب " .
و - انه الاسم الشخصي لله متميزا عن الاسماء العامة مثل " إيل " إلوهيم ، شداي .. الخ والعهد القديم يؤكد امكانية معرفة الله شخصيا ، " ويهوه " هو اسمه الشخصي . وقد أحسنت الترجمة الأمريكية المنقحة في استخدام لفظ " يهوه " لتأكيد أهميته ودلالته كاسم شخصي " لله " قد اعلن به ذاته .
6 - " صخر " ( وهي " صور " بالعبرية ) :
وتتكرر كلمة " الصخر أو " صخرنا " خمس مرات كلقب من ألقاب الله ، في نشيد موسى المذكور في سفر التثنية ( 32 : 4 و 15 و 18 و 30 و 31 ) ، كما تذكر أيضا في المزامير وفي إشعياء وفي العبارات الشعرية في الأسفار الأخرى ، وكذلك في بعض اسماء الأعلام مثل " اليصور " " وصورئيل " الخ . وكثيرا ما تستخدم في الكتاب المقدس هذه الأسماء الوصفية : " صخر " ، " حصن " ، " ترس " ، " نور " ... لما تضفيه هذه الصور المجازية من قوة وثراء على المعنى المراد . واستخدام اداة التعريف - في أغلب الحالات - يؤيد وجهة النظر بأن المقصود من الكلمة أن تكون لقبا وصفيا ، وليست اسما " لإله الطبيعة " وهذا اللقب " صخر " يعطي معنى أن الله ثابت ، راسخ ، وطيد ، ويستخدم بشكل رائع مضافا إلى الضمائر مثل " صخرتي " " وصخرتهم " للتعبير عن الثقة اليقينية ( مز 28 : 1 ) .
7 - " قدوس " ( وهي بالعبرية " قدوش " ) :
ويستخدم كثيرا في إشعياء والمزامير أحيانا في الأنبياء الآخرين ، وهو اسم مألوف عند إشعياء ، حيث يذكر اثنتين وثلاثين مرة في نبوته أكثرها في عبارة " قدوس إسرائيل " . وهناك شك في حقيقة المعنى والاشتقاق ، ولكن الأرجح هو أنه من " قدش " أي انفصل أو انفرز ، ومما له دلالته أن الكلمة تستخدم لكل من الله والإنسان ، وعندما تستخدم للدلالة على الله ، فإنها تشير الى :
أ - سموه وانفصاله ، فوق كل الكائنات ، وتفرده بالنسبة لسائر الآلهة .
ب - علاقته الخاصة بشبعه إسرائيل ، الذي خصص نفسه من أجلهم ، وهو ما لم يفعله لأمم أخرى .
وبالمعنى الأول ، يستخدمه إشعياء عن ألوهيته الفريدة التي لا نظير لها ( إش 40 : 25 ) ، وبالمعنى الثاني يستخدمه بالإشارة الى علاقة العهد المتميزة وغير المتغيرة ( إش 42 : 3 ، 48 : 17 ) ويعبر عنها بصورة واضحة : " قدوس إسرائيل " . والأصل أن لفظ " قدوس " صفة اكثر منه اسم علم كما في أيوب وإشعياء ، وهو يعبر عن جوهر الألوهية اكثر مما يعبر عن اسم شخصي .
8 -" شدايً " ( القدير ) :
( تك 17 : 1 ) . وقد ورد في العهد القديم 48 مرة أغلبها في سفر أيوب . ويذكر أحيانا مركبا " إيل شداي " ومفردا في أحيان أخرى ويرى البعض أنه مشتق من الكلمة العبرية " شدد " بمعنى " يدمر " أو " يرعب " وهو أمر يبدو محتملا جدا ، للتعبير عن الله الظاهر في أعماله الجبارة المرعبة . ويقول البعض الآخر ، إنه يعني " الله العاصفة " من " شد " ( في العبرية shadha ) بمعنى " يصب " ولكنه اشتقاق بعيد الاحتمال ، واكثر منه امعانا في الخيال ، القول بأنه مشتق من " شي ، داي " بمعنى الكافي ، واستخدام هذا الاسم في عهود الآباء ، يدل على ارتقاء مفهومهم - فوق المفاهيم السامية الضعيفة - إلى القدرة المطلقة التي تدل على التوحيد بصورة أوضح ، وهو ما يتفق مع الوعي المبكر بالله كإله الهيبة التي تبعث على الرعب ، وصفته " كالله الواحد " تتفق مع استخدامها في أيام إبراهيم ويقابلها في الترجمة السبعينية وكذلك في العهد الجديد الكلمة اليونانية " بانتوكراتر " أي " القادر على كل شئ " .
ثالثا - الأسماء الوصفية :
وليس من السهل دائما أن نميز بين أسماء الله الشخصية ، وتلك التي تدل على صفة ، فكلا القسمين يلقي ظله على الآخر ، وبعض الأسماء السابقة ، هي في الحقيقة أسماء وصفية ، أصبحت شخصية لطول الاستعمال ، وفيما يلي ، نذكر أهم الأسماء الوصفية :
1 - " العزيز "( وبالعبرية "أبير" ) :
وهو يرتبط دائما بإسرائيل أو يعقوب والمعنى الصلي للكلمة العبرية ، يحمل معنى القوة ، منه تشتق كلمة " إبر " ( ebher ) أي " جناح قوى " ( إش 40 : 31 ) ، كما يستخدم النسر مجازيا في الإشارة إلى الله ( تث 32: 11) ويستخدم يعقوب هذا الإسم في بركته لأولاده ( تك 49 : 24 ) ، كما يستخدم في الصلاة من أجل القدس ( مز 132 : 2 و 5 ) ، وفي إشعياء ( 1 : 24 ، 49 : 26 ، 60 : 16 ) للتعبير عن تأكيد القوة الإلهية في نصرة المظلومين في إسرائيل ( إش 1 : 24 ) ، أو من اجل اسرائيل ضد ظالميهم . ونلاحظ أن يعقوب نفسه هو أول من استخدم هذا الاسم .
2 - ( إيل ) إله إسرائيل :
ويقترن الاسم " إيل " بعدد من الأسماء الوصفية للدلالة على الله في صفاته المختلفة ، وشيئا فشيئا أصبحت هذه أسماء أو القابا لله " إيل " إله اسرائيل ( تك 33 : 20 ) .
3 - ( عليون ) ( الأعلي ) :
ويترجم في العربية " بالعلي " ، وهو مشتق ( في العبرية ) من " علا " أي ارتفع ، ويستخدم للأشخاص وللأشياء للدلالة على الارتفاع والعلو ، وعن إسرائيل : " يجعلك مستعليا على جميع القبائل " ( تث 26 : 19 ) وعن بركة الماء في عبارة " البركة العليا " ( إش 7 : 3 ) ، وكل هذا يدل على أن المعنى عندما يطلق اللقب على الله ، وهو " المستعلي " أو " المرتفع فوق كل الآلهة وكل الناس . ويرد منفردا ( تث 32 : 8 ، مز 18 : 13 ) ، أو مقترنا بأسماء اخرى ، وفي أغلب الأحيان ، مع " إيل " أي الله ( تك 14 : 18 ، مز 78 : 35 ) ، ومع " ياه " أي الرب ( مز 7 : 17 ، 97 : 9 ) ، ومع " إلوهيم " أي الله ( مز 57 : 2 ، 78 : 56 ) واستخدامه المبكر في التكوين ( 14 : 18 و 19 ) يدل على مفهوم سام عن الله ، وعلى " توحيد " لا شك فيه ، منذ بدء التاريخ العبراني .
4 -"جبار " ( وبالعبرية " جبور " ) :
كان العبرانيون القدامي في صراع دائم ، من Hجل أرضهم ومن أجل حرياتهم ، صراع بلغ غايته في أيام شاول وداود ، تلك الأيام الحافلة بالبطولة ، حين ظهرت عصبة من الرجال كانت أعمالهم العظيمة سببا في أن يطلق عليهم هذا اللقب المشرف " أبطال أو جبابرة " ، كانوا رجال بسالة وشجاعة . وعلى هذا النهج كان فكر العبراني عن إلهه الذي يحارب عنه فاصبح من السهل ان ييطلق هذا الاسم على الله باعتبار أنه الجبار في القتال " كما جاء في مزمور داود عن الدخول الظافر تابوت العهد ( مز 24 : 8 ) ، وكذلك في الصورة المجازية عن المسيا الملك(مز45: 3). كا يذكر الاسم منفردا أو مرتبطا " بإيل " ( ويترجم في العربية : " إلها قديرا " أي جبارا - إش 9 : 6 ، إرميا 32 : 18 ) ، أحيانا مع " ياه " ( إش 42 : 13 ) .
5 - إيل رئي :
عندما كانت هاجر هاربة من اضطهاد سارة لها ، تكلم الرب اليها في برية شور بكلمات الوعد والتشجيع ، فدعت اسم الرب الذي تكلم معها : أنت إيل رئي " ( تك 16 : 13 ) ، وهي مشتقة من الكلمة العبرية " رأي " وهي نفس الكلمة العربية لفظا ومعنى ، وهذه هي المرة الوحيدة التي يرد فيها هذا اللقب في العهد القديم .
6 - " الصدِّيق" ( أي البار ) :
وبر الله هو ما يتصف به كإله العهد ، ويتكرر الحديث كثيرا عن بره ، حتى أن الكلمة تتحول من صفة إلى اسم علم ، فهو يدعى " بارا " ( صديقا ) ، أو " البار " والكلمة " صديق " كثيرا ما تكتب بلفظها في العربية أو تترجم إلى " البار " مع أنها تعتبر لقبا من ألقاب الله مثل " عليون " " وقدوس " . وأصل الكلمة في العبرية " صدق " ,هي نفس الكلمة في العربية لفظا ومعنى ، فهي تدل على الصدق والحق والأمانة ، وتستخدم للتعبير عن أمانة الله - كطبيعة فيه - لوعد العهد الذي ارتبط به ( إش 41 : 10 ، 42 : 6 ، انظر أيضا هوشع 2 : 19 ) . وهي قد ترد بمفردها " صديق "
( تث 32 : 4 ، مز 116 : 5 ) أو مع " إلوهيم " في " الله البار " 0 مز 7 : 9 ) ، وكثيرا ما ترد مع الرب : " الرب صديق " ( مز 129 : 4 ..الخ ) وفي سفر الخروج ( 9 : 27 ) يعترف فرعون بخطيئته نحو الله ويقول عنه : " الرب هو البار " ( الصدِّيق ) بأداة التعريف . وعبارة " الرب برنا " هو الاسم الذي يطلق على " غصن البر " من نسل داود ، وينبغي أن يؤخذ كاسم علم للمسيا الملك .
7 - الغيور ( وبالعبرية " كانا " ) :
ويرد كثيرا في أسفار موسى الخمسة ، وبخاصة في المرات الثلاث التي تذكر فيها الوصايا العشر ( خر 20 : 5 ، 34 : 14 ، تث 5 : 9 ) ، فيقال عن الله إنه " غيور " وبخاصة في الآية : " لأن الرب اسمه غيور ، إله غيور هو " ( خر 34 : 14 ) ولكن الكلمة لا تحمل المعنى الشرير للغيرة ، ولكنها تشير إلى الغيرة الصالحة ، غيرة الرب من أجل اسمه ومجده ( إش 9 : 7 ) " غيرة رب الجنود " ، وأيضا زكريا 1 : 14 ، 8 : 2 ) .
8 - " صباؤوت " ( رب الجنود ) :
وترتبط كلمة " صباؤوت " - أحيانا كثيرة - باسم العهد " ياه " ( أي الرب ) ، وتترجم بصورة مطردة بكلمة " جنود " ( إش 1 : 9 ، مز 46 : 7 و 11 ... الخ ) ، كما تستخدم نفس الكلمة في اليونانية في العهد الجديد وتترجم أيضا " رب الجنود "
( رو 9 : 29 ، يع 5 : 4 ) ، وهي في الرسالة إلى رومية مقتبسة عن إشعياء
( 1 : 9 ) عن الترجمة السبيعينة التي لا تترجم العبارة بل تنقلها كما هي بحروف يونانية ، ولا يعلم على وجه اليقين أصل الكلمة ومعناها ، وهي تطلق على الأجرام السماوية والقوى الأرضية ( تك 2 : 1 ) ، وعلى جيش إسرائيل (2صم 8: 16) ، وعلى الكائنات السماوية ( مز 103 : 21 ، 148 : 2 ، دانيآل 4 : 35 ) . ويحتمل أن المقصود بالكلمة كل القوى والكائنات السماوية التي خلقها الله ويهيمن عليها .
9 - " أهيه الذي أهيه " :
وهو الاسم الذي أعلنه الله لموسى عندما ظهر له في سيناء ليرسله لإنقاذ بنى إسرائيل ، وإذ كان موسى مدركا جدا لصعوبة اقناع الشعب برسالته ، سأل الرب عن الاسم الذي يذهب به إليهم : " فإذا قالوا لى ما أسمه ، فماذا أقول لهم ؟ فقال لموسى : " أهيه الذي أهيه .. أهيه ( أنا الكائن ) أرسلني اليكم " ( خر 3 : 14 ) . واسم الله هنا مشابه للاسم " ياه " ( يهوه أي الرب ) فيما عدا أن الصيغة هنا ليست للغائب كما هي في " يهوه " ، ولكن في صيغة المتكلم " أهيه " لأن الرب هنا هو المتكلم ، والأفضل أن تترجم بصيغة المستقبل " سأكون " مشيرا بذلك إلى ضمان عهده بأن يكون مع الشعب ولهم في كل الدهور الآتية .
رابعا - أسماء الله في العهد الجديد :
إن تعدد الأسماء الذي يتميز به العهد القديم ، غير موجود في العهد الجديد حيث لا نجد سوى اسمين اثنين ، كل منهما يقابله العديد من الأسماء في العهد القديم :
1 - ( ثيوس ) ( الله ) :
وهو أكثر الأسماء استخداما في العهد الجديد ، إذ يذكر أكثر من ألف مرة ، ويقابل " إيل " و " إلوهيم " وغيرهما في العهد القديم . ويمكن أن يستخدم مثل " إلوهيم " للآلهة الوثنية ، ولكنه في معناه الحقيقي يعبر عن جوهر الألوهية ، ولذلك فهو يطلق على المسيح كما يطلق على الآب ( يو 20 : 28 ، رو 9 : 5 ) .
2 - ( كيريوس ) ( الرب ) :
كما تستخدم أيضا كلمة " دسبوتس " اليونانية خمس مرات في العهد الجديد ، وتترجم " السيد أو الرب " ( لو 2 : 29 ، أع 4 : 24 ، 2 بط 2 : 10 ، يهوذا 4 ، رؤ 6 : 10 ) وفي كل حالة من هذه الحالات ، نجد التأكيد الواضح على السيادة ، فهي تقابل كلمة " أدون " في العهد القديم أما كلمة اليونانية الأكثر استخداما والتي تترجم " الرب " فهي " كيريوس " التي يقابلها في العبرية " ياه " " وأدوناي " . وترد اكثر من 600 مرة في العهد الجديد ، وقد استخدمتها الترجمة السبعينية للكلمتين " يهوه " " وأدوناي " ، ولذلك فكل الاقتباسات من العهد القديم التي يذكر فيها هذان الاسمان ، فأنهما يترجمان الى " كيريوس " وهي تطلق على الآب والابن والروح القدس بدرجات متساوية للدلالة على أن الآمال السيانية التي يشير اليها الاسم " ياه " ( الرب ) كانت بالنسبة لكتبة العهد الجديد قد تمت في يسوع المسيح الذي فيه قد تحقق الرجاء الذي طال انتظاره رجاء ظهور " ياه " ( الرب ) .
3 - اسماء وصفية ومجازية :
توجد في العهد الجديد - كما في العهد القديم - أسماء وصفية أو مجازية وهي تقابل الأسماء الوصفية في العهد القديم ، فيستخدم اسم " العلي " ( لو 1 : 32 و 35 و 76 ، 2 : 14 الخ ) وهو يقابل اسم " عليون " ، " والقدير " ( 2 كو 6 : 18 ، رؤ 1 : 8 الخ ) . وهو يقابل " شداي " و " الآب " كما في الصلاة الربانية وأماكن اخرى
( مت 6 : 9 ، 11 : 25 ، يو 17 : 25 ، 2 كو 6 : 18 ) ، " وملك الدهور "
( 1 تي 1 : 17 ) " وملك الملوك " ( 1 تي 6 : 15 ) ، " وملك الملوك ورب الأرباب " ( رؤ 17 : 14 ، 19 : 16 ) والعزيز ( 1 تي 6 : 15 ) ، " وسيدكم "
( أف 6 : 9 ، 2 بط 2 : مترجمة " الرب " رؤ 6 : 10 ) ، " والراعي " " والأسقف"
( 1 بط 2 : 25 ) .
له - صورته :
في سفر التكوين ( 1 : 26 و 27 ) نجد تلك الحقيقة وهي أن الله عمل الإنسان على " صورته " " كشبهه " ، والعبارتين مترادفتان ، ومفهوم أن الإنسان قد خلق على صورة الله ، هو أساس كل إعلان ، سواء تصريحا أو تلميحا ، ففي التكوين ( 9 : 6 ) نجد أن أساس النهي عن سفك دم الإنسان هو " لأن الله على صورته عمل الإنسان " ، وهو ما يتردد صداه في المزمور الثامن ، ويتكرر المعنى كثيرا في العهد الجديد ( 1 كو 11 : 7 ، أف 4 : 24 ، كو 3 : 10 )، وسنتناول هذا الموضوع بالتفصيل في مادة " أنثروبولوجي " ) ومن طبيعة الحال ، الصورة لا تتكون في شكل مادي ، ولكنها تتشكل في الأوصاف الروحية في عقل الإنسان والخصائص الأدبية كعامل مدرك عقلاني شخصي قادر على اتخاذ القرار والطاعة للناموس الأدبي ، وهذا ما يعطي الإنسان مكانته كسيد على الخليقة ، ويعطي لكيانه حرمته ، أن صورة الله في الإنسان قد تشوهت بالخطية ، ولكنها لم تفقد تماما ، وقد استردها الإنسان وبصورة اكمل ، بالفداء بيسوع المسيح .
اقتراحات موسوعية أخرى
زاين
زاين
الحرف السابع في الأبجدية العبرية، وهو يقابل حرفي الذال والزاي في العربية. ويعادل رقم سبعة في ا...
حائط السياج المتوسط
حائط السياج المتوسط
يكتب الرسول بولس إلى المؤمنين في أفسس: ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم...
يوحنا
أنظر رؤيا يوحنا .
ارضي
أرضي
هي ترجمة للكلمة اليونانية أبيجوس بمعنى موجود على الأرض أي ما يختص بالأرض أو بالحالة الحاضرة لل...
ثور
ثور
الثور أو العجل هو ذكر البقر، وهو حيوان معروف بقوته وصبره على العمل. وقد استانسه الإنسان منذ اقد...
بكر
بكر ــ بكورية
الكلمة تعني أساساً الابن الأكبر ( خر 6 : 14، 11 : 5 )، وفي حالة تعدد الزوجات كان ال...