كلمة منفعة
الصوم الكبير من أقدم وأقدس أصوام السنة، نتذكر فيه الصوم الأربعيني الذي صامه الرب، يضاف إليه أسبوع الآلام الذي هو ذخيرة السنة الواحدة.
— الصوم الروحي

الكتاب المقدس والأثار - شهادة الأركيولوجيا - 2

الكتاب المقدس والأثار - شهادة الأركيولوجيا - 2
حجم الخط
الكتاب المقدس والأثار - شهادة الأركيولوجيا- 2
(15) الحجر الموآبي ، والعهد القديم :
في سنة 1868 م ، إكتشفت قطعة من حجر البازلت الأسود ، في مدينة ذبيان ( ديبون القديمة ـ عدد 31 : 30 ) التي خرائبها الآن علي بعد ثلاثة أميال شمالي أرتون ، علي الجانب الشرقي من الأردن . وقد عرفت قطعة الحجر هذه بإسم حجر موآب ، حيث تقع هذه الخرائب ، داخل أرض موآب القديمة ، ويبلغ طوله حوالي ثلاثة أقدام ونصف وعرضه حوالي قدمين . مكتوب عليه بالحفر كتابة واضحة ، محفوظة وسالمة للغاية ، تحوي 34 سطراً من الكتابة الموآبية وهي قريبة جداً من الكتابة العبرية القديمة والفينيقية . وهذا الحجر محفوظ الآن بمتحف اللوفر بباريس . وقد قام الملك ميشع إبن كموش ، ملك موآب الذي كان معاصراً لآخاب ويهوشافاط وياهو ( يهورام ) بكتابة هذا الحجر سنة 800 ق.م. ويذكر فيه الأحداث التي قام بها في سبيل تحرير بلاده من نير بني إسرائيل . وبواسطة هذا الحجر أمكننا مقارنة أحداث حوالي ألفين سنة ، كما كتبها صانعيها أنفسهم . والعجيب أنه ما من سطر في هذا الحجر إلا ويفيدنا من جهة جغرافية التوراة أو تاريخها ، وتوضيح وتفسير الكثير مما أبهم علينا فهمه من التوراة . لقد كتب ميشع ملك موآب هذا الحجر ليكون تذكاراً لنجاحه الباهر في طرح نير بيت عمري عن رقبة موآب للإفتخار علي يهوه وشعبه ، ولكي يعظم نفسه وآلهته الوثنية . ولكن هذا الحجر نفسه ، الذي إنطمر ثلاثين قرناً تقريباً ، وظهر ، صار شهادة غير متوقعة وغير متعمدة للحق الإلهي ، والوحي المقدس ، وللرد علي إعتراضات الكافرين ، وأعداء الكتاب المقدس .. ألم يقل يوسف الصديق "أنتم قصدتم لي شراً ، والله قصد به خيراً " ( تك 50 : 20 ) فهذا الذي أراد به الوثنيون إلحاق الخزي والعار بشعب الله ، يستخدمه الله كشهادة إثبات جليلة ، برهاناً علي صحة ودقة الكتاب المقدس ، ضد " عقلانية " ذوي الإرادة الرافضة . فمثلاً :
أ ـ المزمور 119 ينقسم إلي فصول ، كل منها معنون بحرف من حروف الأبجدية العبرانية . ويبتدأ به كل بيت شعر من هذا الفصل . وعدد هذه الفصول 22 كعدد الأبجدية العبرانية . هنا قام أحد أعداء الكتاب المقدس وطعن في صحة هذا التقسيم ، وقال إن عدد هذه الحروف المستعملة في هذا المزمور ، وكيفية التقسيم هذه ، لم تكن مستعملة في زمن كتابة الوحي الإلهي ، مما يعني أن هذا الجزء كتب في زمن متأخر . أي أن يقول بأسلوب خبيث أن الكتاب المقدس ، كتاب كاذب موضع من قبل البشر وليس من الله ؟ ولأن هذا اللبيب وضع نفسه ناقداً لكلام الله المكتوب وجعل " عقله " أسمي من الوحي الإلهي وعصمة الكتبة الأطهار ، فقد إستحق أن يرد عليه لا البشر ، ولكن الحجر الجماد . فيقدم هذا الحجر المكتوب قبل ميلاد هذا اللبيب بقرون مديدة ، دليلاً علي وجود الإثنين وعشرون حرفاً للأبجدية العبراينة في عصر سابق لزمن كتابة هذا المزمور .
ب ـ وفي الكتاب المقدس يرد الخبر التالي " وكان ميشع ملك موآب صاحب مواشي ، فأدي لملك إسرائيل مئة ألف خروف ومئة ألف كبش بصوفها . وعند موت آخاب عصي ملك موآب علي ملك إسرائيل " ( 2 مل 3 : 4 ، 5 ) . وفعلاً تبدأ الكتابة المنقوشة بالحفر علي هذا الحجر ، بالقول " أنا ميشع إبن كموش جاد ، ملك موآب . إن أبي قد ملك علي موآب ثلاثين سنة وخلفته بعد وفاته . وأقمت هذا النصب إكراماً لكموش في " قرحوه " تذكار خلاص .. لأنه أنقذني من جميع الباغين عليّ وأنالني بغيتي من أعدائي ، حتي من عمري ملك إسرائيل .. وقد ضايقوا موآب أياماً كثيرة ثم خلفه إبنه وقال سوف أضايق موآب . وعلي عهدي قال كموش ، قم بنا فسأري شهوتي به وببيته وأسحق إسرائيل سحقاً أبدياً ". فبمقابلة الخبرين الوارد في الكتاب المقدس والوارد في الحجر المنقوش ، يتضح لنا علي الفور ان الجزية الثقيلة التي فرضها عمري علي موآب ، وزادها آخاب ، كانت علة التمرد ، الذي بدأ يطل برأسه أيام أخاب ، ثم إنفجر أيام إبنه يورام ـ يهورام . ذلك أن بلاد موآب كانت صغيرة لا تزيد عن مقاطعة الشوف في لبنان مثلاً ، ومن ثم كانت كمية المواشي الموردة لإسرائيل كجزية ، ثقيلة علي أرض صغيرة مثل هذه ، مما يدفع شعبها إلي السخط والتذمر فالتمرد . وهذا ما يتضح أيضاً من ( 2 مل 1 : 1 ) " وعصي ملك موآب علي إسرائيل ، بعد موت آخاب " . فمن الكتاب المقدس نعرف علة التمرد ، وفي الحجر الموآبي يرد سجل نتائج وتاريخ هذا التمرد . وهكذا علي نحو عجيب يشهد الحجر الصامت للكتاب المقدس .
جـ ـ وفي هذه الحجر ، يتردد ذكر كموش ، إله موآب ، مرات كثيرة . وإذا عدنا إلي زمن موسي ، نري تمسك موآب بعبادة هذه الآلة ( عد 21 : 29 ) وإذ نزلنا إلي أزمنة متأخرة ، نري أن سليمان في كهولته بني " مرتفعه لكموش رجس الموآبيين .. " ( 1 مل 11 : 7 ) وفي ( 2 مل 23 : 13 ) نري مدي كراهية يهوه لهذه العبادة . وفي نفس الوقت نجد ميشع يمدح كوش كثيراً ، في الحجر المنقوش وينسب إليه الفضل في الإنتصار ، أو عدم رضائه في حال الهزيمة . فما أعجب هذا التقابل بين الخبر في الحجر وبين رواية الكتاب المقدس .
د ـ وفي سياق الكتابة الموآبية ، ترد عبارة تقول " فإستولي عمري علي أرض ميديا ، فإحتلها " العدو ( في أيامه ) وفي أيام إبنه أربعين سنة " فإذا رجعنا إلي سفر الملوك نجد أن دولة عمري إستمرت 48 سنة وإنتهت بيورام ( 22 سنة حكم عمري + 2 سنة أخزيا بن آخاب + 12 سنة يورام ) فيكون المجموع 36 سنة ؟ فأين الفرق . هنا يبدو للوهلة الأولي تعارضاً بين التاريخ الكتابي وسجلات التاريخ الموآبي .. ولكن ما أعجب الإتفاق بين الخبرين الذي يكشف عن دقة الكتاب المقدس . ذلك أنه بعد زمري قامت حرب أهلية ، مدة أربع سنين ، قبلما تمكن عمري من الملك . فإذا أضفنا هذا إلي المجموع السابق ، يكون المجموع أربعين سنة ، المذكورة علي الحجر ، قبلما يبدأ ميشع ويورام حربهما . لاحظ أن يورام أو يهورام هو آخر أسرة عمري . وملك 18 سنة فهل هذا الإتفاق جاء عمداً بين كاتب الأسفار الإلهية والوثنيين ؟؟
هـ ـ كذلك ترد إشارة عجيبة في الحجر الموآبي تقول " أن بني جاد كانوا يقطنون أرض ( عطاروث ) منذ القدم ، فحصن ملك إسرائيل عطاروث لنفسه " فما معني هذه العبارة ؟ إذا رجعنا إلي سفر العدد ( 32 : 2 ـ 5 ) نجد أن بني جاد وبنو رأوبين قد أتوا إلي موسي النبي ، وألعازر الكاهن ورؤساء الجماعة ، وطلبوا الإستقرار في عطاروث ، وديبون ويعزيز ونمره وحشبون وغيرها من هذه المدن لأنهم أصحاب مواشي والأرض جيدة للرعي . وإستجاب موسي للبهم كما نعلم من نفس الإصحاح مقابل شروط معينة . فياللعجب ، لا نري فقط عطاروث ، المكان المذكور في الحجر الموآبي بل أيضاً ديبون وأربع أو خمس مدن أخري من المدن التي ذكرت علي الحجر وهي المدن المذكورة في هبة موسي النبي منذ ثلاثة ألاف سنة مضت . وهكذا بينما أراد ميشع أن يفتخر بأمجاده . رتب الله أن يشهد إفتخاره هذا لحق الإنجيل ، والوحي الإلهي بالكتاب المقدس ، ويرد علي إفتراءات الطاعنين علي الحق الإلهي ، بشهادة صامتة أعلي صوتاً من أي صوت يحاول التطاول علي كتابنا الأقدس .

(16) شلمناصر ، وعصر آخاب :
في سفر الملوك الأول ( 1 مل 19 : 15 ، 17 ) يرد ذكر حروب وإعتلاء ياهو بن نمشي عرش إسرائيل ، وحزائيل عرش آرام . ومن سفر الملوك الثاني نعلم أن ياهو قتل يورام بن آخاب من إيزابيل ، حوالي سنة 842 ق.م. ، وأباد كل أبناء بيت آخاب وأفراد الأسرة المالكة ، وتبوأ عرش المملكة الشمالية ( إسرائيل ) وحكم 28 سنة ( حوالي 842 ـ 814 ق.م. ) وكذلك نجد من ( 2 مل 8 : 15 ) أن حزائيل قتل بنهدد ملك آرام وخلفه في الحكم . وهكذا يحدثنا الكتاب عن ثلاثة ملوك في زمن واحد ، ياهو بن نمشي في إسرائيل ، وبنود وحزائيل في آرام ( سوريا ) . ومن الآثار الأشورية نجد أصداء هذا العصر . ففي حوالي سنة 1847 م إكتشف السير لايارد أطلال نينوي القديمة ( تل كوينجك الآن ) قبالة الموصل في العراق . وعثر في خرائب الحصن علي عمود رخام أسود إرتفاعه حوالي سبعة أقدام ، وقاعدته علي شكل مربع ضلعه قدمان . ويضيق العمود من أسفل إلي أعلي . ونصفه العلوي مزخرف في طبقات خمس ، بنقوش تصور إنعامات شلمناصر الثالث علي الولاة العديدين الذين أخضعهم لمملكته . ونصفه السفلي مغطي كله بالكتابات الكيونيفورمية الأشورية ، وهي كتابات علي شكل أسهم أو أسفين ، لذلك تعرف أيضاً بالسهمية أو الأسفينية . وتروي أخبار حكم شلمناصر الثالث ، أول ملك أشوري يصطدم ببني إسرائيل ، حيث كان محارباً عظيماً ، ولقبه المؤرخون بنابليون عصره ، وحكم حوالي 860 ـ 825 ق.م. وقد ورد في الآثار الأشورية ذكر حوالي عشرين أو ثلاثين من حملاته ، ثلاث منها علي بنهدد ملك آرام ، ورابعة علي حزائيل والإسمان يلقيان بملكي سوريا في هذا العمود . وهذا العمود موجود الآن بالمتحف البريطاني . وعندما نقارن التاريخ الكتابي لعصر آخاب ، بما جاء في هذا العمود يتضح لنا مايلي :
أ ـ ورد أسماء بنهدد وحزائيل كشخصيات تاريخية معاصرة وتلقيبهما بملوك دمشق أو آرام . والإسمان واردان في الكتاب المقدس .
ب ـ وفضلاً عن ذلك يظهر ياهو بن نمشي ، ملك إسرائيل في إحدي الصور المنقوشة علي العمود منحنياً علي الأرض ، متذللاً أمام شلمناصر ، بينما تقدم حاشيته التقدمات المختلفة ، علامة الخضوع للملك الأشوري . وإسم ياهو يرد بوضوح في هذا العمود ، فضلاً عن الهيئة والزي العبراني الواضح في الرسم .
جـ ـ وترد عبارة ذات قيمة عظيمة ، عرضاً في هذا العمود . وهي ذكر السامرة ( التي كانت عاصمة مملكة إسرائيل ) بلقب ( بيت عمري ) ومن ( 1 مل 16 : 23 ، 24 ) نعلم أن عمري قد إشتري هذه المدينة وجعلها عاصمة لمملكته ودعاها " شامر " بإسم صاحب المكان الذي إشتراه منه .
د ـ كما تلقب الأطلال الأشورية ، أخاب بلقب يزرعيل ، فتدعوه " أخاب يزرعيل " وقد نعجب لهذا الوصف ، لكن من سفر الملوك الأول ، نعلم أيضاً أن آخاب في آخر أيامه ، أقام منزلاً ملكياً في الحقل الذي إغتصبه من يزرعيل وهكذا علي نحو عجيب تلمح الأخبار الآشورية إلي أحداث الكتاب المقدس .
هـ ـ ومن سفر الملوك نعلم أن آخاب إنشغل بحروب متتالية مع بنهدد ملك دمشق ( 1 مل 20 : 1 ) ومع ذلك يظهره أحد الأطلال الآشورية ، كحليف لبنهدد ضد آشور . فكيف هذا ؟ لو قرأنا الكتاب المقدس بتمعن . نري هذا التقرير العجيب " وأقاموا ثلاث سنين بدون حرب بين آرام وإسرائيل " ( 1 مل 22 : 1 ) . أي بين بنهدد وآخاب . وهنا يتضح الأمر تلقائياً فأمام الخطر الأكبر المشترك ، تحالف خصمان سياسيان معاً للتصدي له . ويتضح هذا بجلاء عندما نتأمل
(1 مل 20 : 29 ـ 34 ) حيث يعقد آخاب مع بنهدد معاهدة صلح بشروط ميسرة جداً ؟ وبالطبع هذا لأغراض سياسية . وهكذا كلما " نفتش الكتب " المقدسة ظهر لنا مدي الدقة والعظمة فيها .

(17) آحاز وتغلث فلاسر :
لنأخذ مثلاً آخر من تاريخ بني إسرائيل . فبعد أن أخضع شلمناصر مملكة إسرائيل ، وصار ياهو عبداً له ، أكمل حملاته علي مملكة سوريا المجاورة كما يظهر من البيان المذكور علي طلله . وبدأت شوكة آشور تتزايد في المنطقة . وجاء الملك الآشوري تغلث فلاسر ، الذي تصفه الآثار الآشورية بأنه كان أكثر حروباً من الملوك الآشوريين الذين أتوا بعده . وأرتقي العرش حوالي سنة 745 ق.م. ، وإمتدت حملاته وإنتصاراته من تلال سوريا حتي حدود مصر ، ووصلت إلي شطوط الهند . ويقال أن إسمه الأصلي هو فول ، كما ورد أيضاً في الكتاب المقدس ، ولكن عندما إرتقي إلي العرش إختار إسم سلف شهير له ، كان قبله بأربعة قرون . وقد وصلتنا تواريخ حياته ، علي عدة ألواح حجرية من قصره الملكي الذي إكتشف في حلح ، التي كانت بلداً في نينوي ، ومنها نجد مايلي :
أ ـ ألزم " عزرياهو " أي ( عزريا أو عزيا ) ملك يهوذا أن يؤدي له الجزية لأنه إتحد مع مملكة حماة . وبعد سنتين من بداية تاريخه ، نجده قابضاً علي زمرة من الأمراء الذين صاروا خاضعين له وملزمين بدفع الجزية يأتي بينهم إسم منحيم ملك إسرائيل ( أنظر 2 مل 15 : 19 ، 20 ) .
ب ـ وتحدثنا أسفار الملوك وأخبار الأيام ، عن غزوات هذا الملك في الجليل الشرقي والغربي . وتواريخه التي وصلتنا تزودنا بالبيانات الوافية عن هذه الغزوات ، وتوضح مدي دقة العهد القديم . فتتحدث الألواح الآشورية عن إخضاعه للسامرة ، ودفع ملك إسرائيل له عشر وزنات من الذهب وألف وزنة من الفضة . وعن إستيلائه علي جلعاد وآبل ( بيت معكه ) وأقال شرق أرض بيت عمري ( أي السامرة كما رأينا سابقاً ) . ثم تحدثنا الألواح الآشورية عن تدمير تغلث فلاسر للقوات المتحالفة مع فقح ملك إسرائيل ورصين ملك ودمشق وأسره لهم ، وإستيلائه علي السامرة . ويفتخر في ألواحه بأنه هو الذي ذبح " فقح " وعين هوشع بدلاً منه وهنا نلاحظ أن الخبر الكتابي ينسب قتل فقح إلي هوشع ( 2 مل 15 : 30 ) ولكن الخبر الوارد في الألواح الآشورية يسهل فهمنا للعبارتين . فهوشع كان بلاشك صنيعة لتغلث فلاسر ، وتابعاً له ، أي كما يقولون في عالم السياسة اليوم " من رجاله " وبالتالي يعتبر فلاسر ، مصدر العمل والفاعل الأصلي للقتل ، وحق له أن ينسب القتل إلي نفسه ، مثلما تنسب بناء المدينة إلي الملك الذي أمر بذلك ، بينما يقوم العمال والأجراء بالبناء الفعلي .
جـ ـ كما تحدثنا الألواح الآشورية عن سقوط دمشق حوالي سنة 732 ق.م. ، وقطع رأس رصين وأسر الآلاف .
د ـ ثم نجد آحاز ملك يهوذا ، ضمن الخاضعين لآشور في غزوة لاحقة . وهذا ما سجلته الألواح الآشورية الحجرية المكتشفة ، والتي يرجع تاريخها إلي حوالي سبعة قرون ونصف قبل الميلاد . وهذا يتفق مع ما جاء في الكتاب المقدس من أحداث ، وردت في عبارات موجزة . ففي ( 2 مل 16 : 10 ) نجد العبارة المختصرة " سار الملك آحاز للقاء تغلث فلاسر ملك آشور إلي دمشق " وفي الأطلال الآشورية ، نجد آحاز واحداً من الأمراء الخاضعين لجزية آشور ، ويرد إسمه بين هؤلاء الذين زينوا نادي الملك المنتصر في دمشق . وتلتقي مصادر التاريخ الآشوري ، مع العبارة الكتابية الموجزة ، دون قصد سابق أو مشترك بينهما ، ومع إستقلال كل من المصدرين إستقلالاً تاماً ، لتوضح دقة الأخبار الكتابية . لقد رفض آحاز ملك يهوذا أن يصغي إلي وعد " يهوه " الرب له ، علي لسان أشعياء النبي ( 7 : 11 ، 14 ) بأن لا يخاف من رصين أرام ، وإبن رمليا ( أش 7 : 4 ـ 8 ) وطلب العون من آشور ضد دمشق والسامرة . وضرب بكلام الرب علي لسان أشعياء عرض الحائط . لبس هذا فحسب ، بل أعجبه شكل مذبح وثني في دمشق ، فأمر أحد الكهنة الممتثلين له ، بعمل مذبح مثله ، ورفع المذبح النحاسي من بيت الرب ووضع هذا المذبح عوضاً عنه ، وأقام عليه الذبائح لآلهة دمشق ، لأنها تساعده ( 2 أي 28 : 23 ) ؟؟ أنظر ( 2 مل 16 : 10 ـ 12 ) . ويضيف الكتاب المقدس قائلاً
" وفي ضيقه ( أي حتي في وقت الخطر القادم عليه ، عوضاً عن أن يلجأ إلي الله ) ، زاد خيانة بالرب " ( 2 أي 28 : 22 ) . لذلك إستحق هذا الملك أن يسقط كاتب حياته في سفر الملوك إسم " يهوه " من إسم ( يهو آحاز ) ويكتب إسم آحاز فقط ، حتي لا يتدنس إسم الله العظيم بشر هذا الملك ، الذي حاد عن طريق الرب وإلتصق بالوثنية ، وإعتمد علي آلهة دمشق لتساعده ؟؟ ولهذا سجل الكتاب المقدس بوضوح أن سبب سقوط هذا الملك وسقوط إسرائيل معه كان "خيانته للرب" ( 2 أي 28 : 23 ) . ويرد إسمه في الآثار الآشورية بالكامل ( يهو آحاز ) . وهكذا تردد أطلال آشور الحجرية أصداء الحق الإلهي في الأسفار الكتابية ، التي يحاول أعداء المسيح تشكيك المؤمنين فيها .

(18) سرجون :
من بينات دقة الكتاب المقدس ، وصدقه العجيب ، أنه إلي عهد قريب لم يكن التاريخ الوضعي المدني ، يعرف شيئاً عن الملك سرجون ، الوارد ذكره في ( أش 20 : 1 ) . فحسبه الدارسون أنه شلمناصر أو سنحاريب أو أسرخدون . وإرتاب أعداء الوحي المقدس في صحة وجود ملك بهذا الإسم ، وإستغل أعداء الكتاب المقدس هذه الفرصة للطعن في صحته والوحي به ؟ ولكن الله خيب ظنهم وأثبت صدق كتابه المقدس ، ولو كره الكافرون فإكتشف العالم الأثري الفرنسي بول بوتا سنة 42 / 1843 م ، بفضل الله ، بقايا قصر هذا الملك الآشوري ، في خورسباد ( دور شركين الآن ) بالقرب من نينوي وقرأ الكتابات السهمية ( أو الأسفينية ) التي عليه ، والتي تظهر قيام ملك أشوري بهذا الإسم في الفترة من 722 ـ 705 ق.م. ، وأنه كان خليفة شلمناصر وأبو سنحاريب . ورجع أعداء الوحي الإلهي للكتاب المقدس بخفي حنين ؟ وصار الطعن الموجه إلي الكتاب المقدس ، شهادة قوية لدقة أخباره حتي في الأمور الصغيرة . وسرجون هذا الوارد في ( أش 20 : 1 ) هو المقصود بعبارة " ملك آشور " في الآيات ( 2 مل 17 : 6 و 24 ، 18 : 11 ) حيث تعكس الأخبار الآشورية المكتشفة ، ما جاء بالكتاب المقدس ، من أخذه لأشدود ، ومحاربته لمصر ، وسبي أهل السامرة وإسكانهم مدن مادي التي تغلب عليها .

(19) سنحاريب ، وحزقيا :
يخبرنا الكتاب المقدس ، أن سنحاريب ملك آشور ، صعد علي الملك حزقيا وإستولي علي جميع مدن يهوذا الحصينة ، وحاصر أورشليم ، وهدد حزقيا الملك بالإسترقاق . ولم يجد حزقيا إزاء هذا الخطر الداهم ، من وسيلة لدرئه سوي أن يرسل إلي لخيش جزية من ( 30 وزنة ذهب ، 300 وزنة فضة ) لكي يرجع عنه . وقد وصلتنا الأخبار الآشورية الخاصة بهذا الملك ، حيث إكتشف الأثري لايارد القصر العظيم الذي شاده هذا الملك لنفسه في نينوي . كما وصلتنا إسطوانة من الخزف تعرف بإسطوانة تيلور ، وهي مسدسة الشكل ، إكتشفت في نينوي سنة 1830 م ، وهي محفوظة الآن بالمتحف البريطاني . هذه الآثار الآشورية تحدثنا عن أخبار سنحاريب بالتفصيل ، وفيها تقول " لأن حزقيا ، ملك يهوذا لم يخضع لنيري ، صعدت عليه ، وبقوة سلاحي وشدة بأسي ، أخذت ستة وأربعين مدينة من مدنه الحصينة ، ونهبت عدداً لا يحصي من الضياع والقري ، وسببت من قومه مائتي ألف ومئة وخمسين كبار وصغار ذكوراً وإناثاً ، وغنمت مالاً يحصي من الخيل والحمير والجمال والبقر والغنم وحاصرت حزقيا في أورشليم عاصمته ، كعصفور في قفص ، وبنت أبراجاً حول المدينة وأقمت حواجز أمام الأبواب لكي أسد عليه أبواب النجاة . فسقط رعب بطشي علي حزقيا هذا ، فأرسل إلي رؤساء أورشليم وشيوخها بثلاثين وزنة من الذهب وثماني مئة وزنة من الفضة ، وتحف عديدة ، وغنيمة عظيمة فاخرة .. كل ذلك أرسل إليّ ، إلي نينوي ، مركز ملكي ، لأن حزقيا أرسل ذلك جزية وعلامة علي خضوعه لسطوتي .. " . وواضح بجلاء عظيم ، الإتفاق بين التاريخ المقدس ، وبين التاريخ الآشوري فنحن نلاحظ أن التاريخ الآشوري لم يذكر أن سنحاريب فتح أورشليم ، رغم أنه إستولي علي كثير من مدن يهوذا المحصنة . ولكن ربما يلاحظ البعض أن هناك فارقاً في ذكر وزنات الفضة التي أرسلها حزقيا إلي الغازي الآشوري ، فالكتاب المقدس يقول
( 300 وزنة فضة ) والسجلات الآشورية تقول ( 800 وزنة ) فأيهما أصح ؟ الواقع أن البيانين صحيحان . ذلك أن الإكتشافات الأثرية ـ كما اكد العلامة سايس ـ أظهرت إختلاف مقادير وزنة الفضة في الحساب الآشوري عن الحساب العبراني ، حيث وجد أن النسبة بينهما كنسبة 8 : 3 . فتأمل .. ؟ ومن الكتاب المقدس نعلم أن سنحاريب لم ينصرف ـ رغم هذه الجزية ـ عن أورشليم . بل ظل محاصراً لها ، مستهزئاً بإله إسرائيل ( 2 مل 18 : 17 ) ونفس الآثار الآشورية ، تذكر رسائل الإستهزاء والتجديف هذه . وإستمر التجديف حتي تدخل الله بطريقة عجيبة ، وإنكسر سنحاريب ، ورجع عن المدينة . ولما كان من عادة ملوك الشرق جميعاً ـ عدا بني إسرائيل ـ أن لا يذكروا هزائمهم أو النكبات التي حلت بهم ، لذا تصمت الآثار الآشورية تماماً عن ذكر ما حل بسنحاريب ، بعد هذا التجديف المتواصل الوارد في نفس الآثار . وهنا يستدل الدارس علي بقية مجري الأحداث من التواريخ الأخري المتصلة بالأحداث ، ومن عدة شواهد مختلفة ، مثل توقف كافة أعمال البناء والتشييد والغزو العسكري .. فجأة وبدون مقدمات لفترة طويلة ، ومن الأحداث في مصر الفرعونية بعد خروج بني إسرائيل . أو توقف حملة عسكرية فجأة ، بعد أن كانت متقدمة ومنتصرة ، يتم إنسحابها دون أن تحقق الغاية المقصودة من شنها . كما هو الحال في حملة سنحاريب هذه . حيث لا نسمع بتاتاً عن إتجاه نحو الغرب ، بعد هذه الحادثة ، أو أنه أتم مقاصده في مصر وجنوبي سوريا طوال أيامه . والعجيب أن حادثة خروج الفئران علي جيشه ، نجدها مذكورة أيضاً في تاريخ هيرودتوس ، حيث يقول أن كهنة المصريين أخبروه نقلاً عن سجلاتهم أنه قبل أن يغزو قمبيز ( ملك فارس ) بلادهم ( حوالي سنة 525 ق.م. ) بقرن ونصف ، جاء لغزوها سنحاريب ملك الآشوريين والغرب ، بجيش جرار ، فلاقاه سيثوس ملك مصر ، بالقرب من بليوزيوم علي شط الفرع الشرقي من النيل . فحل الجيشان ، الواحد قبالة الآخر . ولماأرخي الليل سدو له دبّ جيش من الفئران علي جنود سنحاريب ، وأكل جعاب السهام ، وأوتار الأقواس ، وسيور الأتراس ، فلما أصبحوا ورأوا ما حل بهم ، أركنوا إلي الفرار ، وسقط جم غفير منهم علي أيدي المصريين ، فأذاقوهم أمر العقاب . فأقام ملك مصر تذكاراً لهذه الحادثة " ثم أروه التذكار ، وهو عبارة عن تمثال في صورة رجل يمسك بيده فار ، ومكتوب عليه " أنظروا وتعلموا إكراماً للآلهة " ( هيرودتوس ك 2 : 141 ) . ونري هذه القصة دليلاً واضحاً علي صحة النكبة التي حلت بجيوش سنحاريب وإن كانت القصة المصرية بالطبع ، تنسب ذلك إلي آلهة المصريين ، كما هو متوقع ، لا إلي إله اليهود . وهكذا يتردد صدي الخبر الكتابي في الآثار .

(20) أسرحدون :
من ( 2 مل 19 : 37 ، أش 37 : 38 ) يتضح أن أسرحدون خلف سنحاريب ، والكتابات الآشورية تظهر ذلك أيضاً ، حيث يدعو أسرحدون نفسه دائماً إبن سنحاريب ولا يرد في الآثار الآشورية ذكر أي ملك بينهما . وقد رأينا أن تاريخ سنحاريب ، في العهد القديم ، ينتهي بالعبارة : " فإنصرف سنحاريب ملك آشور ، وذهب راجعاً ، وأقام في نينوي " ( 2 مل 19 : 36 ) وبعناية الله العجيبة ، إكتشفت أقدم وصية في العالم ، لتشهد بدقة الكتاب المقدس . وهي الوصية التي تركها ملك آشور سنحاريب ، والتي يذكر فيها أنه أعطي أسرحدون ذهباً وكنوزاً .. والتي يبدو منها أنه كان ينوي أن يخلفه في العرش . الأمر الذي يعطي سبباً معقولاً لقيام أبنيه بقتله إنتقاماً وحسداً . وهذا ثابت من الآثار الأشورية الباقية من فترة أسرحدون . فقبل أن يتمكن أسرحدون من تبؤ العرش ، إضطر إلي الدخول في حرب مع أخويه آدرملك وأشور شارآصر ( وهما يتفقان مع الإسمين الواردين حسب النطق العبراني ، آدرملك وشرآصر ) وإنتصر عليهما . ونودي به ملكاً ، ثم رجع بعسكره إلي نينوي ، بينما هربا الإثنان إلي أرض أرمينيا ( أرض آراراط ) . ويحدثنا سفر الأيام أن أسرحدون غلب منسي ملك يهوذا ، وأخذه " بخزامة وقيدوه بسلاسل نحاس ، وذهبوا به إلي بابل ) ( 2 أي 33 : 11 ) علي نحو مذل وهذا أيضاً ظاهر في آثار نينوي ، ففي قائمة أسري أسرحدون ، يرد إسم ملك يهوذا فيها . ولكن هنا تواجهنا ملاحظة هامة . التوراة تقول أنه أخذ إلي بابل وليس إلي نينوي عاصمة ملك أسرحدون ، أليس ذلك خطأ تاريخياً في الكتاب المقدس ؟ ودليل علي عدم عصمته ، كما يري أعداء المسيح ، أو علي الأقل عدم دقة ؟ الواقع أن هذا الخطأ المزعوم ، يوضح مدي دقة الكتاب المقدس بأسلوب عجيب ، ويكشف عن ترابط وتوافق الأحداث ، الواحد بالآخر ، حتي في أدق التفصيلات ، والإشارات العابرة التي ذكرت في الأسفار المتعددة ، رغم التباعد الزمني لكاتبيها الأطهار ، مما يؤكد صحتها . وتفصيل الأمر ، كما توضحه الأحجار الأشورية ذاتها ، أن أسرحدون ، كان طوال مدة حياة أبيه نائباً عنه في بابل . وأنه قد بني قصراً بهيجاً له هناك ، قضي فيه الجزء الأعظم من حياته ، ونقل إليه كنوزه ، بل وفي بابل ذاتها تنازل عن الملك وسلمه إلي إبنه أشور بانيبال الثاني ، في السنة الثالثة والثلاثين من حكمه . وقد جدد هيكل بعل الكبير في بابل ، وأعاد إليه الأصنام التي إستولي عليها أبوه في محاولة منه لإرضاء أهلها . بل أعلن نفسه ملكاً علي بابل كما علي أشور ، وأراد أن يجعل بابل عاصمة العالم آنذاك ، الأمر الذي حدث فعلاً فيما بعد . لذلك لم يكن غريباً أذن أن يحمل قواد أسرحدون أسيرهم إليه في بابل وليس نينوي . وهذا من جملة الإتفاقات الصغيرة الغير مقصودة التي يقدرها كل ذي عقل سليم . وبعد فترة حكم أسرحدون تكف الأسفار المقدسة عن ذكر آشور . وهذا ما تشهد به الآثار الحجرية ، إذ إنحطت مملكة أشور ، وقامت علي أنقاضها مملكة بابل . وهكذا تنطق الحجارة بعصمة الكتاب المقدس . أما عن إطلاق سراح منسي من العبودية ، فيما بعد ، رغم إذلاله أولاً فليس هذا أيضاً مستغرب ، إذ كشفت الآثار الآشورية عن أعمال حلم مشابهة قام بها أسرحدون ، وإبنه أشور بانيبال . إذ صفحوا عن إبن مروداخ بلدان ولم يقتلوا نيخو ( نيكو ) ملك مصر ، رغم عصيانه ، بل ردوه إلي ملكه نائباً عن عائلة مصر الملكية القديمة . ومن ثم كان إرجاع منسي ( 2 أي 33 : 12 ، 13 ) بعد تأديبه ، كان بلاشك نوعاً من هذه الأعمال ، أو علي الأقل ـ علي الصعيد السياسي ـ كسب تابع نافع شكور لهم . حيث نعلم من الآثار الآشورية أن منسي دفع جزية لأسرحدون أشوربانيبال .

(21) نبوخذنصر .. والعهد القديم :
ولم تمض فترة قليلة ، إلا وقام نبوبلاسر ، أبو نبوخذنصر بحصار نينوي وتخريبها وتأسيس مملكة بابل سيدة العالم القديم ، والتي كان من أشهر ملوكها نبوخذنصر ، ويذكر الكتاب المقدس أن بابل قد أخذت إسماً في فلسطين كالإسم الذي أخذته أشور . وأحداث نبوخذنصر التاريخية واردة في أسفار الملوك والأخبار وعزرا ونحميا وحزقيال ودانيال . كما أن آثاره في بابل ، وما وجد له من مخلفات في أماكن أخري من إمبراطوريته الواسعة تعزز أخبار الكتاب المقدس فنجد :
أ ـ عندما قام نخو ( نكو ) فرعون مصر الوارد ذكره في ( 2 مل 24 : 7 ، أر 46 : 2 ) بحملة علي جنوب سوريا ليحمي مصالح مصر ، وقتل في طريقه ملك يهوذا في مجدو سنة 608 ق.م. أرسل نبوبلاسر ، إبنه نبوخذنصر ليتصدي للقوات المصرية ، فتقابل معها في موقعة كركميش ( موقعها اليوم جرابلس غربي نهر الفرات ) وهزمها سنة 605 ق.م. ودشن بذلك خبرته العسكرية وإستولي علي كل ممتلكات الإمبراطورية المصرية في سوريا وفلسطين آنذاك . وقد ذكر هذا الحدث أيضاً المؤرخ القديم بيروسوس ( وثني ) حوالي سنة 300 ق.م. ، ونقل عنه يوسيفوس (ك 10 ف 11 / 1).
ب ـ كذلك أثبت المؤرخون الصوريين أنفسهم ، حصاره لصور ، الوارد ذكره في ( حز 29 : 18 ) إذ قالوا أنه إستمر ثلاث عشرة سنة ( يوسيفوس ضد أبيون ك 1 / 21 ) .
جـ ـ خراب أورشليم الأول وسبي شعبها . ذكره المؤرخ بيرسوس أيضاً ، وقال أن نبوخذنصر أسكن أسري اليهود في ولاية بابل . بل يقر بها اليهود أنفسهم ، ولم يحاولوا إخفائها ، مثل عادة ملوك الشرق .
د ـ يحدثنا دانيال النبي بالتفصيل عن أوصاف نبوخذنصر ، وطول مدة ملكه وكشف المستقبل له . وتتفق التواريخ المدنية الموثوق بها مع أخبار الكتاب المقدس في هذا الصدد . فالمؤرحون القدامي ، بيروسوس وبوليستور وبطليموس ، يتفقون علي أن نبوخذنصر ملك ثلاثاً وأربعين سنة ، والآثار البابلية توافق علي ذلك أيضاً ، فقد إكتشفت قطعة من القرميد مكتوب عليها " في السنة الثانية والأربعين من ملك نبوخذنصر " والكتاب المقدس يذكر أيضاً ذلك ، فهو يقول " فخرج يهوياكين ملك يهوذا ، إلي ملك بابل .. وأخذه ملك بابل في السنة الثامنة من ملكه " ( 2 مل 24 : 12 ، أر 25 : 1 ) . أي أن سبي يهوياكين ، كان في السنة الثامنة من ملك نبوخذنصر . مما يعني أن نبوخذنصر ، حكم قبل سبي يهوياكين سبع سنوات . وفي ( 2 مل 25 : 27 ) وردت العبارة " وفي السنة السابعة والثلاثين لسبي يهوياكين .. رفع أويل مرودخ في سنة تملكه رأس يهوياكين .. " أي أن السنة السابعة والثلاثين لسبي يهوياكين ، كانت السنة الأولي لاويل مرودخ ، فتكون السنة السادسة والثلاثين هي السنة الأخيرة من ملك نبوخذنصر . فإذا جمعنا 7 + 36 يكون المجموع 43 ، وهو عدد سني ملك نبوخذنصر ، كما ورد في كتابات المؤرخين . وهذا الإتفاق الذي صار عن قير عمد ، ومن خلال مجرد ذكر الأحداث والسرد التاريخي الكتابي فقط ، حيث أننا لا نعرف من الكتاب المقدس أن أويل مرودخ هو خليفة نبوخذنصر ، إنما يكشف عن اليد الحقيقية التي كتبت الكتاب المقدس . ثم جعلت التواريخ الوثنية والأحجار الجامدة ، تنحني في خشوع وتشهد في صمت ، بما لم تشهد به بعض " العقول المستنيرة " ؟؟ في أواخر الأزمنة .
هـ ـ وبينما إعتبرت هذه العقول التي أعمتها ظلمة المادية والنجاسة ما جاء عن نبوخذنصر في الكتاب المقدس غير صحيح مطلقاً ، وأن نبوخذنصر لم يغزو مصر قط . قامت إحدي قطع القرميد المكتشف ، تعلمهم الحق الكتابي في صمت ، إذ نقش عليها " في السنة الثلاثين من ملك نبوخذنصر ملك بلاد بابل ، مضي إلي مصر ليصنع حرباً . أماسيس ملك مصر جمع .. وعسكره وزحفوا .. " تري لماذا جمع أماسيس ملك مصر عساكره وزحفوا ما لم يكن نبوخذنصر قد جاء لغزو مصر ؟ أم أن أماسيس ، لم يكن ملكاً لمصر أيضاً ؟
و ـ أما عن مرض نبوخذنصر المذكور في التوراة . فمن البديهي ، كما قلنا سابقاً أن لا نجد ذكراً صريحاً له في الآثار الباقية ، لأن عادة جميع ممالك الشرق ـ فيما عدا بني إسرائيل يشهد بذلك الكتاب المقدس ـ أن لا يسجلوا ما يمس أوطانهم أو ملوكهم . فلا نجد في تاريخ أي دولة من دول الشرق ـ فيما عدا إسرائيل العهد القديم ـ عبر تاريخها الطويل ، تسجيلاً لأي هزيمة عسكرية حلت بالدولة . وطبعاً هذا غير معقول . لذلك يتم التوصل إلي الجانب الآخر من تاريخ دولة ما عن طريق تاريخ الدول الأخري المجاورة لها ، فمثلاً هزيمة مصر علي يد ملك بابل ، سوف لا تظهر في سجلات مصر ، لكنها بالطبع ستظهر في السجلات البابلية . كذلك يستدل بالأحوال العامة الداخلية للبلد المنهزم نفسه في التعرف علي الجزء المخفي في التاريخ ، مثل توقف حملة عسكرية متقدمة ، ومنتصرة فجأة وبدون مقدمات أو أسباب عسكرية واضحة وإنسحابها دون أن تحقق أغراضها الأساسية ( كما في حملة سنحاريب علي أورشليم ) أو توقف الأعمال العمرانية والنشاطات الأقتصادية والحربية لفترة طويلة ، كما في حالة مصر بعد خروج بني إسرائيل . علي هذا الأساس يمكننا الإستدلال عن مرض نبوخذنصر الوارد ذكره في الكتاب المقدس من الإشارات الواردة عنه . فالمؤرخ بيروسوس يذكر أن نبوخذنصر بقي مدة غير قادر علي ممارسة مهام المملكة ، وأنه في مدة معلومة ، توقفت جميع أعماله العظيمة ، فلم يبن قصوراً شاهقة ولم يخزن خزائن ، ولم يسبح إلهه مرودخ ، ولم يقرب له ذبائح ولم يسق الأراضي , ولاشك أن هذا المؤرخ نقل أخباره عن المدونات في الآثار البابلية التي كانت تحت يده آنذاك . ذلك أن الآثار البابلية التي إكتشفت ، تظهر أن بلابارسك ، رئيس السحرة ، ونسيب الملك نبوخذنصر ، قد مارس السلطة الملكية لفترة من الوقت ، ثم ظهر الملك نبوخذصر فجأة علي عرشه ، وأكمل أعماله الملكية ، كما كان من قبل . كذلك ينسب هيرودتوس بعض أعمال نبوخذنصر إلي ملكة إسمها نيتوكرس . بل وصلتنا كتابة بابلية ، يشير فيه نبوخذنصر إلي فترة جنونه قائلاً ".. في كل ممالكي لم ابن مكان قوة عالياً . كنوز مملكتي الثمينة لم أجمع . في بابل أبنية لذاتي ، ولكرمة إسمي لم أصنع . في عبادة مروداخ إلهي سرور قلبي ، في بابل مدينة ملكي ومركز ( عاصمة ) مملكتي لم أجهز لمذابحه ضحايا .ولا نظفت الترع". وواضح أن بيروسوس المؤرخ نقل عن هذه الكتابات ، والتي بعناية الله وصلتنا أخيراً لتحدثنا عن جنون الملك نبوخذنصر ، الوارد ذكره في الكتاب المقدس ( سفر دانيال ) وهو نوع من الجنون يشعر صاحبه أنه تحول إلي حيوان ، وبسببه شعر نبوخذنصر أنه تحول إلي ثور وخرج يرعي في الحقول ، وعقب هذا المرض ، توفي نبوخذنصر . وإذا كانت الآثار البابلية ، لم توضح سبب توقف جميع الأعمال العظيمة هذه التي ذكرها نبوخذنصر في آثاره ، فإنه بلاشك لن يكون سوي السبب المذكور وهكذا تشهد الآثار والتواريخ المدنية الوثنية ، للأخبار الكتابية . فهل إتفق الوثنيون والآثار مع الكتبة الأطهار علي ذلك ؟؟

(22) بيلشاصر الملك :
أ ـ من الإتفاقات العجيبة الغير متعمدة ، التي توضحها لنا الآثار البابلية عبارة وردت في سفر دانيال ( 5 : 7 ) حيث يعد الملك بيلشاصر من يفسر الكتابات التي ظهرت علي حائط قصره بأن يعطيه المرتبة الثالثة في المملكة . وهذا وعد عجيب ، فمن المفروض أن يعد بالمرتبة الثانية كما هو متوقع ( قارن مثلاً تك 41 : 40 ـ 45 ، دا 2 : 48 ، 49 ) إذن هل أخطأ النبي دانيال في الكتابة ؟؟ أم أن سفره غير موحي به من الله ؟؟ أم أنه كتاب مزمور ؟ .. تري ماذا تقول الآثار في هذا الصدد . وفي سنة 1854 م إكتشف السير هنري رولستون ، في أم قير ( أور القديمة ) في أرض بابل ، إسطوانات تحوي أخباراً عن بعض أعمال أجراها الملك نابونيدس ، وهو معروف لدي اليونانيين بإسم لابينيتوس ، وفي إحادها تكلم هذا عن الملك بيلشاصر ( أو بلساراصر ) مظهراً كونه إبناً له ويدعوه " إبني الأكبر نطفة جسدي " وبذلك تتفق المخلفات الحجرية مع ما رواه المؤرخ بيروسوس من أن نبونيدس ، أشرك معه في آخر حياته إبنه بلشر آزر في الملك ، وأعطاه لقب ملك . ومن هنا لم يكن في إستطاعة بيلشاصر أن يعد دانيال بالمرتبة الثانية ، لأنه كان هو نفسه فيها . ولذلك وعده بالمرتبة الثالثة . وهكذا في الوقت الذي فيه تتطاول بعض " العقول " علي الحق الكتابي ، تتصدي لها الأحجار بالرد .
ب ـ بل أن هذه المسألة تسلط الأضواء علي نقطة أخري ، فقد ورد في دانيال ( 5 : 30 ) أن بيلشاصر ملك الكلدانيين ، قد قتل علي يد المديانيين ، بينما يتكلم بيروسوس وهيرودتوس عن نبونيدس ويقولان أن بابل أخذت في غيابه . فمن الآثار الباقية ، يتضح لنا أيضاً أن بيلشاصر كان حاضراً وقت هجوم ملوك الفرس علي المدينة ، فدافع عنها حتي قتل . وكان أبوه غائباً في بورسبا ، فإستسلم .
جـ ـ وترد في ( دا 5 : 11 ، 18 ) عبارة تفيد أن بيلشاصر إبن نبوخذنصر ، بينما واضح من السجلات الأثرية أنه لم يكن إبناً مباشراً له . وواضح أن كلمة إبن هنا مستخدمة حسب الإصطلاح الشرقي ، والذي كثيراً ما إستعملت به في الكتاب المقدس ، بمعني حفيد أو أحد من أولاد أولاده ، مهما بعد فمن الثابت أثرياً أن بيلشاصر كان حفيداً لنبوخذنصر ، حيث تزوج أبوه بنت نبوخذنصر وأنجب منها بيلشاصر .

(23) داريوس :
أما عن علاقة العهد القديم بمملكة فارس . فنحن نري أن دانيال تنبأ لبيلشاصر ، ملك بابل بنهاية حكمه وخراب مملكته
( 5 : 28 ) الأمر الذي تم فعلاً في الليلة التالية ، علي يد كورش الفارسي . ويحدثنا عزرا النبي عن كورش فيقول " أنه السنة الأولي من حكمه أصدر تصريحاً لليهود المسبيين بالعودة إلي أراضيهم وإعادة بناء هيكلهم في أورشليم ، بل وأعطاهم آنية الهيكل المقدس ، التي كان نبوخذنصر قد سلبها منهم . ومن الآثار البابلية نعلم أن كورش هو مؤسس المملكة الفارسية ، وأنه ملك في عيلام ، وكانت عاصمة شوشن منذ 520 سنة ق.م. تقريباً . وتم العثور علي آثار بإسمه ، وعن طريقه الكتابة المنقوشة علي صخرة كردستان وهي صخرة صلبة ، علي علو شاهق ، في منطقة كردستان ، وتقع عند سطح ذروة شديدة الإنحدار في سلسلة جبال زاغروس في إيران علي الضفة اليمني لنهر ساماس ـ آب ، بالقرب من قرية بهيستون ( وتسمي أحياناً بيسيستون ) ولذلك يعرف أيضاً بإسم صخرة بهيستون . وقد نقش داريوس الأول سنة 516 ق.م. هذه الصخرة علي إرتفاع حوالي 19.5 متراً من ينبوع المياه المتفجر عند سفح الجبل تذكاراً لنفسه ، حيث يروي كيف هزم جاوماتا وقتله ، ويصف تقسيمه للبلاد الواقعة تحت الحكم الفارسي إلي " استرابيات " أي مقاطعات . والكتابة المنقوشة علي هذه الصخرة ، مكتوبة بالشكل المسماري وهي بلغات ثلاث البابلية ، الفارسية ، السوسيانية ، بالإضافة إلي نحت بارز يمثل داريوس يطأ بقدميه علي جاماتا المغتصب للعرش . وقد تم إكتشاف هذه الصخرة سنة 1837 م بواسطة العلامة الأثري هنري رولنسرن ، الذي إستطاع بمعونة الله بعد سنوات من الدراسة المضنية ، فك طلاسم هذه اللغات سنة 1847 م وترجمة الكتابة المنقوشة عليها ، وبذلك فتح الطريق واسعاً إلي دراسة كنوز مكتبة أشور بانيبال ، التي إكتشفها لايارد بعد ذلك بعشر سنوات في خرائب نينوي ، تلك التي جمعت سجلات أعظم الممالك الشرقية القديمة الأشورية والبابلية ، وأمكن بذلك كتابة تواريخها ، التي ما كان ممكناً بالطبع التوصل إليه ، لو لم يوفق الله رولنصون في فك هذه اللغات القديمة الصعبة للغاية . وهذه اللغة البابلية هي ذاتها التي كتبت بها ألواح العمارنة التي إكتشفت في مصر بالصدفة في سنة 1887 م ، فدلت علي إنها بقايا ديوان الخارجية آنذاك . فتأمل يا عزيزي عناية الله الفائقة التي جعلت داريوس يسجل أخباره علي صخرة بهذا العلو الشاهق الشديد الخطورة ، ثم يقيم في القرن الـ 19 من يطلع علي هذه الأخبار ويترجمها ليرد بها علي " عقلانية المتطاولين علي الحق الكتابي المقدس " . ومن الكتاب المقدس نعلم أنه في أوائل حكم هذا الملك ، إحتجت الأمم المجاورة علي بناء إسرائيل للهيكل ، فأمر بإيقاف العمل . فأرسل اليهود له رسالة طويلة يؤكدون فيها أن ذلك كان بناءاً علي أمر من كورش . فأمر داريوس بالتفتيش في خزائن كورش عن هذا الأمر ، فوجد في أحميثا ، وهي أكبتانا أو همدان الآن في إيران ، هذا الأمر المشار إليه ، فللوقت أمر بمداومة العمل وأرسل إلي والي سوريا وأصحابه بتسهيل مهمة التنفيذ . وبالطبع ما كان سيصرح لهم ، لو لم يجد هذا الأمر المحفوظ في سجلات المملكة . فهل كانت هذ السجلات متواطئة مع كتبة الأسفار المقدسة في التزوير ؟ ولمصلحة من ؟ كذلك من جملة الإتفاقات العرضية الصغيرة غير المتعمدة ، لكنها تكشف عن دقة الأسفار الآلهية حتي في الأمور الزهيدة . وجود أمر كورش هذا ، في أحمثا ، في القصر الذي في بلاد مادي ( عز 6 : 2 ) لأن عزرا عندما كتب سفره كان ملوك فارس آنذاك يسكنون شوشن أو بابل ، ولم يكن يذهب إلي أحميثا إلا قليلاً . وبما أن شوشن وبابل كانتا مركزي الملك ، فقد كانت تحفظ فيهما أسفار أخبار الملوك . ولكن كورش ، كما سجل هيرودتوس ( ك 1 / 153 ) أقام في أحميثا ، فحفظت أخباره هناك . ولذك فتش داريوس الملك عن أمر كورش في تلك المدينة . ووجده فيها . فتأمل يا عزيزي ذلك ؟؟

(24) الحيثيون :
وذهب أعداء الكتاب المقدس ، في معرض هجومهم عليه ، إلي أنه لم يكن هناك قط ، شعباً يدعي " الحيثيون " لأننا لم نجد لهم مكاناً في التاريخ الدنيوي ، ومن ثم فإن ورود ذكرهم في التوراة ، دليل علي التلفيق والخطأ .. هذا ما ذهب إليه العقل البشري الرافض للخضوع للحق الإلهي المعلن في كتابه المقدس . تري ماذا تقول الأحجار المكتشفة بعد إنطمار قرون مديدة لمثل هؤلاء ؟ أوضحت الإكتشافات الأثرية الحديثة ، قيام حضارة حيثية منذ 1900 سنة قبل الميلاد ، وإستمرت نحو 1200 سنة . وإستطاعت أن تصمد أمام الممالك الأقوي في العالم القديم مدة طويلة . فيخبرنا الطلل الذي يرجع إلي عصر الدولة المصرية الثانية عشر ( 2000 ق.م. ) عن خراب مدن وقصور حيثية علي حدود البلاد . ومن ناحية أخري نجد في الأخبار المصرية أن تحتمس الأول الذي ملك سنة 1600 ق.م. ، أقام حرباً علي الحيثيين ، إستمرت عدة أجيال ، في عهود فرعونية متتالية ووصلتنا كتابات هيروغليفية عديدة تصف هذه الحروب بالتفصيل ، وتذكر الغنائم المسلوبة ومنها ( 924 مركبة مصفحة بذهب لملك الحيثيين ) . وفي بهو الأعمدة الذي الذي شاده تحتمس الثالث (تتموس) نجد صوراً وأسماء الشعوب والأماكن التي إنتصر عليها ، ويرد من بينها ذكر قادش ( عاصمة الحيثيين الغربيين ) وقد دعيوا في الكتابات المصرية بـ " الخيتيين " . وعندما عجز المصريون عن قهرهم تماماً . عقدوا معهم معاهدة صلح ، منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة . وبتدبير من الله ، وصلتنا هذه المعاهدة ، التي تعتبر أقدم خبر سياسي في الوجود ، وتبين شروطها المساواة التامة التي تعامل بها الحيثيون مع الفراعنة ، في أيام مجدهم وعزتهم العظمي . بل ونزل خيتاسيرا ملك الحيثيين إلي مصر ومعه إبنته العزيزة ارمانوفيرورا ، وزوجها برعمسيس الثاني . وهناك في طيبة نجد أيضاً صور تظهر نصرة رعمسيس الثاني علي الحيثيين في قادش ، وفيها يظهر الحيثيون منتعلين حذاءاً منعكفاً عند الإبهام . وواضح أن هذا زي أهالي جبال طوروس المكسوة بالثلوج ، التي سكنوها قبل أن ينزلوا ويستوطنوا في وادي العاصي وهكذا يقدم هذا الرسم القديم علي الجدران الفرعونية ، حلقة في سلسلة البينات الآثرية عن هذا الشعب الذي نسي زمناً مديداً . كذلك تساهم الكتابات الأشورية في هذا الصدد . ففي الألواح الحجرية الخاصة بسرجون التي ترجع إلي القرن التاسع عشر قبل الميلاد ، يرد ذكر الحيثيين ، كخصوم للبابليين منذ زمن طويل ، حتي قبل ظهور مملكة آشور ومما هو جدير بالذكر أن تاريخ ذكرهم في السجلات البابلية يطابق زمان ذكرهم الأول في سفر التكوين ، من حيث تاريخهم , وتبرهن هذه الألواح كذلك علي أنهم حافظوا علي مركزهم ضد قوات نينوي . كذلك تذكر ألواح تجلث ـ بلاسر ( تغلث فلاسر ) سنة 1130 ق.م. أنهم كانوا سائدين آنذاك من الفرات إلي لبنان . وأن آشور ناصرفال ( 883 ق.م. ) قد زحف علي كركميش في سوريا ، عاصمة الحيثيين في الشرق . كذلك ورد ذكر معارك معهم ، علي عمود شلمناصر الموجود في المتحف البريطاني ، وأخيراً قضي عليهم سرجون في معركة كركميش سنة 717 ق.م. وإنتهت بذلك مملكتهم التي دامت ، كما قال العلامة رايت زماناً مديداً أطول من ممالك بابل أو أشور أو اليونان أو الرومان . ليس هذا فحسب بل شاءت العناية الإلهية ، إكتشاف آثار حيثية أصلاً سنة 1870 م في حماة وكبادوكيا قرب أفسس ، وفي جرابلس ( كركميش القديمة ) وفي حلب وبعضها محفوظ بالمتحف البريطاني الآن . كذلك آلاف من الألواح الطينية التي كانت تكون جزءاً من المحفوظات الملكية ، في بوغاز كوي التي تبعد نحو 70 كم شرقي أنقرة بتركيا الآن . والتي كانت عاصمة الحيثين قديماً. وأمكن بفضل الله وإجتهاد العلماء المؤمنين ، التوصل إلي فك طلاسم اللغة الحيثية لهذا الشعب الغابر ، وبالتالي إعادة كتابة تاريخهم . وقد ظهر أنهم لم يكونوا فقط أهل حرب ، بل أهل حضارة أيضاً . وأنهم مهروا في الزراعة وتربية الحيوانات وإستغلال المعادن ، وبما كانوا أول من عرفوا صناعة الحديد ، كما يقول أحد الدارسين . وإمتدت حضارتهم إلي ما وراء الأناضول في شمال سوريا . وقد أثبتت العلامة شليمن من واقع إكتشافاته في مبلينوي ، أن الحيثيين قد ساهموا في ترقية الصناعة اليونانية . وأن التمدن الأقدم في أوروبا ، مديناً لهم ، كما للفينيقيين . أما لغتهم فهي إحدي فروع اللغات الهندوأوريبة . وقد أشارت الأطلال المصرية إلي أنه كان للحيثيين نظاماً خاصاً بهم في الكتابة . بل لعل إسم " قرية سفر " مدينة الكتب ، التي كانت إحدي مدنهم العظمي ، يدل علي أنهم كانوا ذوي علم . وهكذا تنبعث الأصداء من ورء مدفونات الدهور الغابرة ، لكي تدافع عن الحق الكتابي ضد الماديين والهراطقة ، ولعلك لاحظت الأساس الذي يخطئ علي أساسه المرء الكتاب المقدس . فعندما لا يفهم شيئاً فيه ، بدلاً من أن يقول أنه لا يفهم ، وبدلاً من أن يصل إلي الله لكي يعطيه " روح الفهم " ولأنه يؤله عقله المحدود ، ويجعل من نفسه ناقداً أعلي للكتاب الإلهي يصدر علي الفور حكمه بخطأ الكتاب المقدس ، وتزويره ؟ معبراً بذلك عن طبيعة " إرادته " تماماً مثل فشل تلميذ في حل مسألة رياضية ، إذن طالما هو فشل ، وهو لا يمكن أن يكون علي خطأ ؟ إذن الرياضة كلها خطأ . أو كما قال لي أحدهم مرة " مالا أفهم بعقلي فهو غير صحيح وخاطئ " وعلي هذا الأساس طالما أنني لا أفهم في علم الذرة مثلاً . إذن الذرة غير موجودة وعلماؤها علي خطأ ؟ والحيثيون في الكتاب المقدس ، هم بنو حث ، الإبن الثاني لكنعان ، وقد سكنوا في حبرون حيث كان إبراهيم متغرباً هناك . وكانوا ضمن الشعوب التي أخضعها العبرانيون ، وبعضهم خدم في جيش داوود كمحاربين ، وقد إشتهروا بالمركبات والخيل ( يش 11 : 4 ) .

(25) الحوريون :
أيضاً ظن البعض أن الحوريين ( أو الخوريين ) الوارد ذكرهم في نسب عيسو ( تك 36 : 20 ) هم سكان الكهوف ، لقرب الشبه بين الكلمة العبرانية " حوريين " مع كلمة كهف العبرية . ولكن الحفريات الحديثة أثبتت وجود هذا الشعب كجماعة متميزة ، سكنت شمالي ، وشمالي شرقي ما بين النهرين ، في المنطقة التي تقابل كردستان حالياً ، حوالي سنة 2000 ق.م. وكانت لهم حضارة خاصة بهم ، أثرت أيضاً علي الحضارة الحيثية كما يري الدارسون الأثريون ( في نقوش المعبد الحيثي في يازيليكايا ) وقد ورث حضارتهم هذه الأشوريون الذين أبادوهم حوالي سنة 1400 ق.م. .

(26) نقوش بركة سلوام :
أيضاً من الشهادات الأثرية المبهجة ، النقش الذي إكتشف سنة 1880 م علي جانب القناة المواجهة لبركة سلوام ( بركة سلوان الآن ) في أورشليم . بدراسة هذه النقوش ظهر أنها كتابة باللغة العبرانية القديمة ، إلي زمن حزقيا الملك ، وتوضح أن عمال الحفر الذين بدأوا من طرفي القناة ألتقوا معاً في هذا الموضوع . وصل الماء من النبع ( نبع العذراء الآن ) إلي البركة . ويعتبر نبع العذراء . هو الينبوع الطبيعي الوحيد في أورشليم ، أو بالقرب منها . ويعتبر هذا النقش ، ونوع الكتابة القديمة التي لاشك فيها ، شهادة صامتة تأتينا من وراء الدهور ، للكتاب المقدس الذي تكلم عن حفر حزقيا الملك ، للقناة وتوصيل المياه إلي البركة داخل المدينة ( 2 مل 20 : 20 ) . وتقترن بركة سلوام بالعهد القديم والجديد معاً . ففي العهد القديم إعتاد اليهود في إحتفالاتهم باليوم الأخير من عيد المظال ، أن يذهب أحد الكهنة إلي هذه البركة ويغترف بإبريق من الذهب ثلاث مرات من الماء ، ثم يعود بالإبريق المملوء في موكب عظيم ، إلي الهيكل حيث يصب الماء في وعاء فضي علي جانب المذبح الغربي ، وسط تسابيح الأسباط وترنيم " إحمدوا الرب فأنه صالح ، وأن إلي الأبد رحمته " حتي أنه قد صار مثلاً لدي اليهود " من لم ير الإبتهاج لأجل نبع الماء ، لم ير قط إبتهاجاً في كل أيام حياته " . وإلي هذا النوع من الإحتفال ، قال السيد المسيح " إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب " ( يو 7 : 37 ، 38 ) . وقد أرسل السيد المسيح إلي هذه البركة المولود أعمي ، في يوم السبت ليغتسل فيها ويبصر ( يو 9 : 7 ـ 11 ) .

(27) أريحا :
وزعمت المدرسة المادية التاريخية الألمانية في ق 19 م أن أسوار أريحا لم تسقط في مكانها ، كما جاء في سفر يشوع ( 6 : 20 ) وطبعاً تهلل أعداء الوحي بالكتاب المقدس . ولكن الحفريات التي أجريت في خرائب أريحا القديمة ، أظهرت أن أسوار أريحا قد سقطت في مكانها ، الأمر الذي مكن المهاجمون أن يصعدوا عليها ويدخلوا أريحا . والغريب أن أسوار المدن عندما كانت تسقط ، كانت تسقط إلي الداخل . لأنها كانت تسقط تحت ضربات آلات دك الأسوار التي تعمل علي إحداث الثقوب في الجدران ، وكانت تعرف بإسم " الكبش الحديدي " وهذه بالطبع تضرب السور من الخارج فيسقط إلي الداخل . أما أسوار أريحا التي إكتشفت فقد سقطت في مكانها ، مما يدل علي عدم وجود فعل بشري من خارج الأسوار . وطبعاً من داخلها أيضاً . وهكذا صدق التاريخ الأثري في القرن العشرين ، علي رواية القائد يشوع بن نون ، ولو كره الكافرون بوحي الكتب المقدس . ليس هذا فحسب بل وجدوا ما يدل علي وجود مساكن فوق الأسوار ( يش 2 : 6 ) وأن المدينة كان لها مدخلاً واحداً ( يش 2 : 5 ـ 7 ) ما عثروا علي بقايا أخشاب محترقة ورماد مما يدل علي صدق رواية التوراة من أن المدينة أحرقت بالنار ( راجع يش 6 : 24 ) ووجدوا أصناف من البقول في صوامع من طين محفوظة ، وعجين في أواني ، علامة علي أن المدينة لم تنهب عند غزوها حسب تحريم الرب لها ( راجع يش 6 : 17 ، 18 ، 20 ) ودليل علي أن أحداً ما لم يحاول إعادة بنائها لقرون عديدة بعد لعنها ( يش 6 : 26 ) . هذا ويلاحظ أن أريحا يشوع بن نون ، خلاف أريحا العهد الجديد ، وأريحا الحالية فموقع أريحا يشوع الآن هو تل السلطان ، علي مسافة ميل من مينة أريحا الحديثة التي تدعي " الريحا " .

(28) المرايا المعدنية :
كذلك ذهب أحد الطاعنين في الكتاب المقدس ، في القرن الـ 19 م إلي أن عمل المرايا المعدنية ، الواردة في خيمة الإجتماع ، أمر لايتفق مع عصر موسي بتاتاً . ومضت الأيام ، وكشفت الحفريات عن وجود مرايا معدنية ، ترجع إلي الفترة من ( 1500 ـ 1200 ق.م. ) في مصر ، وهي نفس فترة موسي النبي . وهكذا عندما يتشامخ العقل البشري علي الحق الإلهي في الكتاب المقدس ، تتصدي الأحجار الآثرية للرد عليه .

(29) إشارات أخري :
كذلك أشارت الحفريات الأثرية إلي أحداث أخري وردت في الكتب المقدس من المبهج أن نلم بها سريعاً فمثلاً :
أ ـ إكتشفت في مدينة صور الحالية ، بقيا المدينة القديمة وعثروا ضمن أطلالها علي نقوش أثرية قديمة تتكلم عن قحط حدث في هذه المنطقة وبدراسة هذه النقوش أثرياً وجد أنها تعود إلي زمن إيليا النبي وبالتالي تردد هذه النقوش صدي ما ورد في ( 1 مل 17 ) . كما تشير الحفريات وكتابات المؤرخين القدامي إلي زواج آخاب ملك إسرائيل من ايزابيل بنت ملك الصيدونيين ( 1 مل 16 : 31 ) .
ب ـ وفي سنة 1884 م إكتشف في شوشن ، في إيران بقايا قصر أحشويرش أو أخشوبرش ( وهو إكسركسيس لدي اليونان ) الوارد ذكره في سفر أستير حيث عثر علي قاعات الأعمدة والأفريز المصور من الطوب المزجج ، وكلها تدل علي فن الزخرفة التي إشتهرت بها عن جدارة قصور هذا الملك ، كما يقول الأثريون .
جـ ـ كذلك أثبتت حفريات السامرة ، أن بانيها هو عمري ملك إسرائيل وإكتشف فيها بقايا ( بيت العاج ) الذي بناه آخاب . ( 1 مل 16 : 22 ، 24 ) .

(30) موسي والكتابة :
وفي هذا الصدد لا يفوتنا أن نذكر أثراً هاماً . فقد ذهب ذات مرة أعداء الكتاب المقدس ، إلي الإدعاء بأن الكتابة لم تكن معروفة في أيام موسي النبي ، وأن وجود أسفار مكتوبة هو عمل متأخر ، يعود إلي قرون ما بعد الميلاد ؟؟ أي بأسلوب غير مباشر عدم صحة نسبة الأسفار الإلهية إلي كاتبيها وبالتالي بطلان الوحي الإلهي ؟؟ وهكذا لاحظ يا عزيزي أسلوب الخبث في طرح القضايا المنطقية جداً ؟؟ بإسم الموضوعية " والبحث عن الحق كل الحق " من قبل أناس يحملون الألقاب العلمية الرفيعة ؟؟ مثل لقب " دكتوراة " ؟؟ وإذا كان القائل بهذا الزعم أستاذاً جامعياً رفيع المستوي ؟ فمن يكذبه ؟؟ تماماً مثلما ذهب أحد الكتاب في زماننا هذا ، في معرض دراسته التاريخية إلي تفسير ظاهرة قيام بعض الحكام المسلمين في العصور الوسطي في مصر بختم رقاب المسيحيين ، علامة الإيفاء بالجزية المفروضة عليها ، بأن السبب في ذلك عدم وجود بطاقات شخصية ، أو وسائل إثبات الدفع ، مثل الإيصالات الدالة علي السداد .. إلخ !!! وطبعاً هو يتكلم عن فترة تاريخية تقع حتماً بعد القرن السابع الميلادي ، وعلي وجه التحديد ما بين الثاني عشر والسادس عشر الميلادي .. وليس عن فترة قبل الميلاد . وفي بلد كمصر ، حيث تتكلم عن حضارة سبعة آلاف سنة ( علي فرض صحة رقم سبعة ) حيث تعني الحضارة بكل تأكيد سجلات مكتوبة . وحيث عرفت ممالك العهد القديم ، في سائر الأماكن ، علي الأقل البلاد الشرقية ، أساليباً مختلفة للكتابة ، لعل أرخصها وأكثرها شيوعاً ، النقش علي الكسر الفخارية ، المعروفة بإسم (الشقفات) في الآثار ، وكان ذلك أسلوباً شعبياً . وعندما يتطاول العقل البشري علي الحق الكتابي ، يسمح الله في الوقت المعين ، بظهور آثار من عالم الجماد تتولي الرد علي تشامخ هذا العقل فتكشف الحفريات عن أقدم كتاب في العالم ، في مدفن يرجع إلي زمن الدولة الحادية عشر في مصر ، وهو زمن أقدم بكثير من زمن موسي . وعثر في هذا الكتاب علي أبجدية تامة ، يبدو أن منها ـ كما يقول الأستاذ بروس الذي إكتشفه ـ إشتقت جميع حروف الهجاء الفينيقية والعبرانية واليونانية والقبطية واللاتينية . ويحوي هذا الكتاب وصايا وحكم . تأمل يا عزيزي عمل الله العجيب الذي سمح لباطن الأرض أن تلفظ دفائنها وخباياها ، وتفشي عن أسرار ماتحتويه ، لكي ترد علي ذوي الأغراض ، ومن في نفوسهم مرض ، المستترين وراء " العقل " والعقل من إرادتهم الشريرة وخبثهم برئ . تري هل كانت الأسرة المصرية الحادية عشر
( 2050 ق.م. ) توجد في زمن ما بعد القرن العاشر الميلادي مثلاً ؟؟ وهل كانت الشقفات الفخارية موجودة قبل الميلاد ، ثم إندثرت في أزمنة المماليك والعثمانيين مثلاً ؟! هذه فقط بعض الأمثلة ، علي سبيل المثال ، لا الحصر ، حسبما يسمح به المجال لأحداث العهد القديم في ضوء الإكتشافات الآثرية .