كلمة منفعة
هناك حب حكيم يفيد صاحبه حتى إن سَبَّب له شيئًا من الألم! ولكنه نافع لروحه وأبديته.
— الحب الحكيم والحب الجاهل

بطرس ــ رسالته الثانية

بطرس ــ رسالته الثانية
حجم الخط
بطرس ــ رسالته الثانية :
لعل رسالة بطر س الرسول الثانية هي أقل اسفار العهد الجديد من جهة الأدلة التاريخية على صحتها لذلك يرفض البعض أو يشكون في موضعها من الأسفار القانونية. هناك من يؤكد نسبتها إلى العصر الرسولي وإلى الرسول بطرس بالذات، وهناك أيضاً من ينسبها إلي عصر ما بعد الرسل وينكر نسبتها إلى الرسول بطرس. ولايتسع المجال أمامنا هنا لنقصي تاريخ المفكرين المذكورين، لسرد كل أراء المدافعين عن الرسالة أو المعارضين لها، أو محاولة البت في تلك القضية التي لم يستطع اصدار حكم قاطع فيها أحكم وأفضل رجال الكنيسة على مدى ألف عام. وما نحاوله هنا هو استعراض بعض الأسباب التي تبعث على الشك في صحة نسبتها للرسول، ومن الجانب الآخر الأسباب التي تؤيد ذلك.
أولاً ــ الأدلة الخارجية على صحة نسبتها للرسول:
1- الرأى القديم : يجب أن نعترف بأن هذه الأدلة ضئيلة، فأول كاتب ذكرها بالاسم هو أوريجانوس ( حوإلي 210 م ) ففي تعليقه على يشوع يذكر رسالتي بطرس، وفي موضع آخر يقتبس عبارة : " شركاء الطبيعة الإِلهية " ( 2 بط 1 : 4 )، ويقول عنها كما يقول " الكاتب ". ولكن أوريجانوس حرص على القول بأن هناك بعض الشك فيما يتعلق بها : "لقد ترك بطرس رسالة معترف بها، وربما رسالة ثانية، فهي موضع الجدل ". ويضعها يوسابيوس أسقف قيصرية بين الكتب التي يدور حولها الجدل. وكان جيروم يعرف الشكوك التي تساور الكثيرين من جهة الرسالة، ومع ذلك ضمها في " الفولجاتا " ( الترجمة التي قام بها للكتاب المقدس ). وسبب تردد جيروم من جهة الرسالة، وهو ــ كما يقول ــ " أختلاف أسلوبها عن أسلوب رسالة بطرس الأولى "، ويعلل هذا الاختلاف بأن الرسول " استخدم مترجمين مختلفين ". وبالإِضافة إلى أوريجانوس ويوسابيوس وجيروم، فأن معلمين عظام مثل أثناسيوس وأوغسطينوس وإبيفانوس وروفنيوس وكيرلس قد أقروا بصحتها. ولكن في عصر الاصلاح أنكر إرازمس رسالة بطرس الرسول الثانية، أما لوثر فيبدو أنه لم يشك مطلقاً في صحتها، أما كلفن فيبدو أنه تردد في قبلوها " بسبب الاختلافات بينها وبين الرسالة الأولى ". وقد أقر مجمعان كنسيان في القرن الرابع بصحة الرسالة ( وهما مجمع لاودكية في 372 م، ومجمع قرطجنة في 397 م )، ووضعاها بين الأسفار القانونية على قدم المساواة مع سائر أسفار العهد الجديد.
2- الرأي الحديث : أما آراء علماء العصر الحديث في الإِشارات إلى رسالة بطرس الثانية في كتابات عصر ما بعد الرسل فتشعب كثيراً، ويعتقد سلمون وورفيلد وزاهن وغيرهم اعتقاداً جازماً بوجود إشارات إليها في كتابات القرن الثاني وربما في مرجع أو مرجعين من القرن الأول، فهم يصرون ــ مع أدلة كثيرة تؤيدهم ــ على اقتناعهم بأن إيريناوس ويوستنيوس الشهيد الراعى هرماس والديداك ( تعليم الرسل ) وأكليمندس الروماني كانوا جميعهم يعرفون الرسالة وقد ألمحوا إليها في كتاباتهم. وإذا فحصنا كل هذه الأقوال بأمانة، فلابد أن نخلص إلي أن هذا الدليل دليل قوى حاسم.
ثانياً ــ الأدلة الداخلية على نسبتها للرسول :
1- الاسلوب واللغة
: قد يبدو هذا الدليل ضعيفاً، ولكن بالتأمل العميق في الرسالة نفسها، لابد أن نصل إلى نتيجة مرضية، فإن اختلاف الاسلوب بين الرسالتين المنسوبتين لبطرس الرسول، يعتبر سبباً قوياً للشك في صحة الرسالة الثانية، فعل هذا الأساس ــ إن لم يكن على هذا الأساس وحده ــ بنى جيروم وكلفن ترددهما في قبلوها. ومما يسترعى الانتباه، أنه في العصور الأولي لم يعترض أحد عليها مطلقاً بناء على العلاقة بينها وبين رسالة يهوذا ــ أى نقلها عن رسالة يهوذا، كما يدعون في عصرنا الحاضر. لقد كان الاختلاف المزعوم بينها وبين الرسالة الأولي في لغتها وتركيبها، وإلي حد ما في محتوياتها، هو السبب الوحيد في التردد في قبولها. ومع الاعتراف بوجود أساس مادي لهذا النقد، إلا أنه توجد أمثله كثيرة لوجود كلمات مشتركة في الرسالتين، يندر وجودهما في سائر أسفار الكتاب المقدس، فمثلاً كلمة " كديم أو ثمين " ومشتقاتها ــ في اليونانية طبعاً ــ ( ابط 1 : 7و 19، 2 بط 1 : 1 ) وكلمة " فضيلة " ( ابط 2 : 9، 2 بط 1 : 3 ) حيث لاتوجد هذه الكلمة إلا في الرسالة إلي فيلبي ( 4 : 8 ). والمحبة الأخوية ( ا بط 1 : 22، 2 بط 1 : 7 ) حيث لا يذكر سوى ثلاث مرات أخرى في العهد الجديد. وكلمة " يلاحظ أو يعاين " ( ابط 2 : 12، 3 : 2 مع 2 بط 1 : 16 ) فهي لاتستخدم ( في لفظها اليوناني ) في أي موضع آخر من العهد الجديد. " بلا عيب ولا دنس " ( ابط 1 : 9، 2 بط 3 : 14 حيث يعكس الترتيب فتجيء : " بلادنس ولا عيب " )، كما توجد هذه العبارة في أى مكان آخر. وكلمتا،" الفاجر وفجار " ( ابط 4 : 18، 2 بط 2 : 5، 3 : 7 ) ولا تستخدم إلا فى ثلاث مواضع أخرى،فيما عدا رسالة يهوذا حيث يتكرر ورودها ثلاث مرات.
1- سبب الاختلاف :
وعلاوة على ذلك، توجد وجوه شبه قوية كثيرة في الفكر واللغة بين الرسالتين. وهناك مثالان واضحان لذلك : ففى الرسالة الأولى يوصف المؤمنون " بالمختارين " ( ا : ا ) و " المدعوين " ( 2 : 21)، وفي الرسالة الثانية يجمع بين الكلمتين " دعوتكم واختياركم " ( 1 : 10 ). كما نجد في الرسالتين تركيزاً على النبوة ( ابط 1 : 10 ــ 12، 2 بط 1 : 19 ) جيداً العبارات المستخدمة في الرسالة الأولي، وأنه استخدم ــ عن قصد ــ العبارات التي تنفرد بها. فلو أن كاتب الرسالة الثانية شخص آخر غير الرسول بطرس، فمعنى هذا أنه نجح إلى أبعد الحدود في تقليد أسلوبه، وهو الأمر المستبعد جداً.
إن ما بين الرسالتين من أختلافات إنما جاءت أساساً من أختلاف الموضوعات التي تعالجها كل من الرسالتين، والهدف الذي جعله الكاتب نصب عينيه في كل منهما. ففى الرسالة الأولى كان هدفه الأول هو أن يعزي ويشدد ويسند إخوته المضطهدين. أما في الرسالة الثانية، فكان كل همه أن يحذرهم من الأخطار الأدهي والأنكى التي كان عليهم أن يخشوها أكثر من الالآم التي يوقعها بهم العالم المعادي. في الرسالة الأولي بدأ القضاء من بيت الله ( 4 : 17، 18 ) وكان على المؤمنين أن يتسلحوا بهذه النية، لا لمقاومة مضطهديهم، بل للاستشهاد ( 4 : 1 ). أما فى الثانية فإنه يضع أمام أبصارهم صورة مغايرة : إن الناس الفجار الذين ينادون بمبادىء منحلة، ويمارسون مخازي شنيعة، كانوا يتهددون الجماعة المسيحية بالغزو الأدبى. لقد استطاعت عين الرسول المتفحصة ــ المستنيرة بالروح القدس ــ أن تكتشف شروراً من أخبث الأنواع، وعرف جيداً أنها إذا استشرت واتسعت، فإنها لابد أن تقضي على الهدف الذي يسعى إليه، لذلك فهو يحذر مسبقاً، ويستنكر هذا الإتجاه بروح نبي الله وقوته.
2- الدلائل على كتابة بطرس الرسول لها : تبدأ الرسالة بهذه العبارة الإِيجابية : " سمعان بطرس عبد يسوع المسيح "، فاستخدام الاسم العبري القديم " سمعان " في مفتتح الرسالة أمر له أهميته، فلو أن مزيفاً كتب بأسم بطرس لبدأ رسالته بتقليد افتتاحية الرسالة الاولي تماماً : "بطرس رسول يسوع المسيح ". ولاحظ أيضاً أن كلمة " عبد " تذكر في الرسالة الثانية ولكنها لا تذكر في الأولي، فهو يصف نفسه بأنه عبد ورسول يسوع المسيح. ومع أن عدداً كبيراً من الكتابات المزيفة قد ظهرت في العصر المسيحى الأول،إلا أنه لا توجد أي وثيقة ــ ذات أهمية ــ يدعُّي مزيفهاً أنه رسول ( كما يقول دودز ). وإذا حملنا هذه العبارة القوية محمل الجد، لانتهي كل نزاع حول قضية كاتب الرسالة، فهو يفتتحها بالقول بإنه " عبد يسوع المسيح ورسوله ".
3-الجدية المسيحية :
وبالإِضافة إلى ذلك، نعلم يقينا أن الكاتب شخص مسيحى، فهو يخاطب " الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا ببر إلهنا والمخلص ليسوع المسيح " ( 1 : 1 )، فإيمانه هو نفس الإِيمان الثمين الذي يستمتع به كل مؤمن. كما أن له قد وهبت " المواعيد العظمى والثمينة " لكي يصير شريك الطبيعة الإِلهية ( 1 : 3، 4 ).
وهل من المعقول ــ بأي حال ــ أن شخصاً له مثل هذا الإِيمان ومثل هذه الانتظارات يمكن أن يزور ــ عامداً متعمداً ــ اسم سمعان بطرس رسول يسوع المسيح ؟ إن الكاتب لا يدخر وسعاً في شجب المعلمين الكذبة، الذين يفسدون الآخرين ويقلبون الحق، كما أنه يذكر سقوط الملائكة، وتدمير سدوم، وتوبيخ بلعام، كأمثلة لما ينتظر كل من يعرفون الحق، ومع ذلك يعيشون في الشر والإِثم. أيمكن أن مسيحياً وعبداً ليسوع المسيح يرتكب ــ بصورة مزرية ــ الأمور التي يدينها بكل هذه القوة ؟ لو أن الكاتب ليس هو الرسول بطرس، فلا بد أنه معلم كاذب، مفسد ومضلل للآخرين، ومنافق، وهو مالا يمكن أن يصدق!
2- علاقته بغيره من الرسل :
وعلاوه على ما سبق، فإنه يجمع نفسه مع سائر الرسل ( 3 : 2 ). كما أنه يتفق تماماً مع الرسول بولس ويعرف رسائله ( 3 : 15و 16 ). وهو يؤمن بجميع الحقائق الأساسية ويعلم بها.
إن الرسالة كلها تنطق بأنها من قلم رسول، وهو الأمر الذي لا يوجد في الكتابات الزائفة، لأن المزيف لايستطيع أن يفعل ذلك. كما أن الكاتب شديد الاهتمام بقداسة المؤمنين وولائهم، وهو يوصيهم أن " اجتهدوا لتوجدوا عنده بلا دنس ولا عيب في سلام " وأن " موافي النعمة وفي معرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح " ( 3 : 14، 18 ).
كل هذه وغيرها كثير من التعاليم الصافية النقية، تدل على أصل الرسالة الرسولي، مما يدل على صحتها وأصالتها.
6- تلميحات عن السيرة الذاتية :
وبالإِضافة إلى ذلك يذكر الكاتب بعض لمحات من حياة الرسول بطرس، من تاريخه الشخصي. فهو مثلاً يتكلم عن " خلع مسكني.. كما أعلن لي ربنا يسوع المسيح أيضاً " ( 1 : 13، 14)، والإِشارة هنا ــ بلاشك ــ هي إلي ما جاء في إنجيل يوحنا ( 13 : 36، 21 : 18و 19 ). ويتكلم على أنه كان شاهد عيان للتجلي ( 1 : 16 ــ 18 ). كمايقول ــ بطريق غير مباشر ــ إنه يكتب يوحي إلهي، الذي بدونه يستحيل وجود نبوة صادقة ( 1 : 19 ــ 21 ). كما يؤكد لهم أنها " رسالته الثانية " ( 3 : 1 ). وهذه الشهادة من جانب الكاتب شهادة شخصية مؤكدة ومباشرة، وهي أشبه ما تكون بطريقة بطرس الواضحة في الحديث عن نفسه في مجمع أورشليم : " أنتم تعلمون أنه منذ أيام قديمة اختار الله بيننا أنه بفمي يسمع الأمم كلمة الإِنجيل ويؤمنون "(أ ع 15 : 7).
5-اقتبس منها يهوذا :
نرى أن يهوذا يقتبس من رسالة بطرس الثانية، رغم أنه لم يبت نهائيا في موضوع أيهما أسبق، فبعض العلماء يقول أن رسالة يهوذا أسبق، والبعض الآخر يرون أن رسالة بطرس الثانية أسبق. ويدافع أحد كبار العلماء ــ وهو زاهن ــ بقوة عن أسبقية رسالة بطرس، وأن يهوذا هو الذي اقتبس منه. ونوجز هنا نقاط هذا الدفاع :
أ - يقتبس يهوذا من كتب خارج أسفار الكتاب المقدس مثل كتاب "أخنوخ " الأبوكريفي، ويحتمل أنه أقتبس أيضاً من كتاب " صعود موسى "، أما بطرس فلا يقتبس من مصادر خارج الكتاب المقدس، فالارجح أن يهوذا هو الذي اقتبس من رسالة بطرس الرسول الثانية ( 2 ــ 3: 2 )، وليس بطرس من يهوذا ( 4 : 16)، فوجه التشابه بين هذين الجزءين في الرسالتين قوي، مما يدل على أن أحدهما قد اقتبس من الآخر فكراً ولغة. كما أن وجوه الاختلاف في مثل قوة وجوه الشبه، ،والفرق الحقيقي بين الرسالتين، هو الفرق بين النبوة واتمامها.
ب- يتنبأ بطرس عن ظهور ( المعلمين الكذبة " ( 2 : 1 ) وأفعالهم في صيغة المستقبل ( 2 : 1، 2، 3، 12 ). إنه يستخدم صيغة المضارع في وصف أخلاق وتصرفات أولئك الناس الفجار، أما ظهورهم وتعليمهم فيتكلم عنهما بصيغة المستقبل ( 2 : 13و 14و 17و 18 ). عندما كتب بطرس الرسالة كانت الجرثومة المميتة موجودة وسرعان ما يستشرى عملها.
أما يهوذا ــ فعلى النقيض من ذلك ــ يتكلم في كل الرسالة عن نفس هؤلاء المفسدين باعتبارهم موجودين فعلاً ويعلمون عملهم المميت.
جـ - يشير يهوذا مرتين إلى بعض المصادر التي استقى منها المعلومات عن أولئك الأعداء، والتي كانت ولاشك معروفة عند قرائه، والتي كان الهدف منها تحذيرهم من الخطر قبل وقوعه وحمايتهم منه، وهذان المصدران هما : الأول مرجع تكلم عن " أناس فجار يحولون نعمة إلهنا إلى الدعارة وينكرون السيد الوحيد الله وربنا يسوع المسيح (أو إلهنا وربنا يسوع المسيح ) " ( عدد 4 ). وثانيهما نبوة بطرس : "إنه سيأتى في آخر الأيام قوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات أنفسهم " ( 2 بط 3 : 3).. ويطلب يهوذا ممن يخاطبهم أن يذكروا الأقوال التي قالها سابقاً رسل ربنا يسوع المسيح، ثم ينقل نبوة بطرس بنفس الالفاظ تقريبا : " إنه في الزمان الأخير سيكون فوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات فجورهم " ( يهوذا 17، 18 )، وهكذا طبق النبوة على أولئك الفجار الموجودين في أيامه واصفاً اياهم بالقول : " هؤلاء هم المعتزلون بأنفسهم نفسانيون لاروح لهم " ( عدد 19 ). والنتيجة الحتمية هي أن يهوذا قد اقتبس من بطرس.
د- إن التاريخ نفسه يؤيد أسبقية بطرس، فالرسول بطرس استشهد فيما بين 63 ــ 68 م والأرجح في 64 م، بينما يرجع السواد الأعظم من مفسري العصر الحاضر، برسالة يهوذا إلى الفترة ما بين 75 ــ 80 م، فليس ثمه شك في أنها كتبت بعد خراب أورشليم في 70 م، وبذلك تكون قد كتبت بعد موت بطرس بخمس إلي عشر سنوات.
فيهوذا إذاً اقتبس من بطرس، وفي هذا دليل على اقراره بأن رسالة بطرس الثانية هي رسالة صحيحة قانونيةلأنه اقتبس منها من أقوال الرسل الذين كانت فيهم روح النبوة.
ثالثاً ــ التعاليم العقائدية في الرسالة :
سنتناول هنا بعض الموضوعات الهامة في الرسالة، فان المجال لا يتسع لتناول كل موضوعات الرسالة :
أ‌- المعرفة المخلصة :
إن مفتاح رسالة بطرس الرسول الأولى هو كلمة "الرجاء "، أما مفتاح رسالته الثانية فكلمة " المعرفة "، فهو يعطينا مكانا بارزا ( 1 : 2و3و5و6و 8، 2 : 20و 21، 3 : 18 ). وهو يستخدم كلمة يونانية قوية تعنى " المعرفة الكاملة "، أي المعرفة التي تستند إلي الحقيقة، معرفة تصل إلى المؤمن بطريقة خارقة، كما من روح الله، ولذلك فهي معرفه صحيحة وكاملة. فهو يطلب القديسين أن تكثر لهم " النعمة والسلام " وذلك " بمعرفة الله ويسوع ربنا " الذي وهب لنا كل ماهو للحياة والتقوى بمعرفته ( 1 : 2و 3 ).
إن هذه المعرفة المخلصة تقوم على أساس " المواعيد العظمى والثمينة " التي منحها لنا والتي تصبح لنا حقيقة بالإِيمان به. إنها تقودنا إلى إدراك بر الله، والتثبيت من دعوتنا كقديسين، والمصير المجيد ينتظر كل من يعرفون الله ويتكلون عليه ( 1 : 2 ــ 4 ).
ب‌- النمو في المعرفة الحقيقية ( 1 : 5 ــ 11 ) :
" قدموا في إيمانكم فضيلة.. الخ " فهو لا يطلب منهم أن يقدموا إيماناً، لأن هؤلاء المؤمنين كانوا قد امتلكوا الإِيمان فعلاً، ولكنه بدءاً من الإِيمان كأساس للكل، يطلب أن تكون فيهم وتكثر كل الفضائل فالمؤمن في مسيس الحاجة إليها.
وما أبهي وما أجمل تلك الباقة التي ينظمها بطرس هنا، وكل منها ينبع من الآخر، وكل منها يضفى على الآخر قوة ومتانة : " قدموا في إيمانكم فضيلة " أي قوة ورجولة، ولتؤد الفضيلة إلى " المعرفة " والمعرفة وحدها أو العلم وحده ينفخ، ولكنها مع باقي أزهار الباقة من التعفف والصبر والتقوى والمحبة، تصبح من أهم وأقوى الدوافع السامية في سلوك المؤمن. يبدأ بولس في " ثمر الروح " بالمحبة ( غل 5 : 22 )، ويختم بطرس بالمحبة، فهي سلسلة ترتبط كل حلقة بالاخرى مكونة جزءا من الكل، سواء امسكنا بالسلسلة من طرفها هذا أو ذلك، فإننا نمسك بالسلسلة كلها، فحلقاتها تشكل وحدة واحدة، والإمساك بواحدة منها هو إمساك بالكل. فالله يهبنا بسخاء ما نحن في حاجة إليه، وعلينا نحن أن " نبذل كل جهد " لكي تكثر هذه الفضائل فينا.
جــ - عصمة مصادر المعرفة المخلصة ( 1 : 16 ــ 21 ) :
يستند الرسول بطرس في أقواله إلى حقيقتين راسختين هما : حقيقة تجلي المخلص ومعناها، وحقيقة الوحي بالروح القدس. وهاتان الحقيقاتان معاً تضفيان على تعليمه يقينا قوياً راسخاً. " لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرفنا كم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته ". كانت الديانات الوثنية تزخر بالأساطير والخرافات المصنعة أي المسبوكة، والمصوغة في قوالب شعرية، فالصوفية اليهودية، والأهواء المتقلبة التي كانت تبدو بوادرها في المسيحية، لم يكن لها مكان في رسالة الإِنجيل أو في التعليم الرسولي. فما كان يعلم به بطرس وسائر الرسل رفقائه، كان هو حق الله ولاسواه. ففى التجلي رأوا الزائرين القادمين من العالم غير المنظور، موسى وإيليا، لقد كانوا شهود عيان لهذا المشهد الرائع، ثم يردف بطرس ذلك بالقول : " وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت "، فان التجلي قد أثبت صحة ما سبق أن تكلم به الأنبياء عن المستقبل، وغرض الله في ملء الأرض بمجده، فكل كلمة نطق بها لابد ان تتم.
كما أن الرسول بولس يستند إلى وحي الأنبياء تدعيماً لتعليمه : " لأن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم اناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ". وهو يعتبر هذا حقاً اساسياً، فالنبوة ليست من إبتكار أحد، كما أنها غير مقيدة بزمن النبي، بل أتت إليه كما تأتي إلينا، فبطرس وغيره من المؤمنين لم يتبعوا "خرافات مصنعة " بل حقائق نطق بها الروح القدس على فم الأنبياء.
2- العوالم الثلاثة :
يذكر الرسول في الأعداد 5 ــ 13 من الأصحاح الثالث، ثلاثة عوالم، وهو لا يقصد ثلاثة أجرام سماوية، ولكن ثلاثة أحقاب طويلة، ثلاثة دهور في تاريخ الأرض، فهو يقسم تاريخها إلى ثلاثة أقسام محددة تماماً، ويذكر بعض مميزات كل منها.
أ - العالم القديم : " العالم الكائن حينئذ " ( 3 : 6 ). هذا هو العالم الأول، العالم الذي كان قبل الطوفان، العالم الذي فاض عليه الماء فهلك. وكان المستهزئون ــ فى أيام بطرس ــ يتساءلون، في سخرية بلاشك، "أين هو موعد مجيئة ؟ لأنه من حين رقد الآباء كل شيء باق هكذا من بدء الخليقة " ( 3 : 4 ). ومن عجب أن هذا مازال هو ما يتساءل عنه الناس الان. لقد أستند المستهزئون وقتئذ ــ كما يفعل إخوان لهم الآن ــ على استمرار الظواهر الطبيعية وثبات نواميس الطبيعة، فالطبيعة تسير في مجراها بلا أدنى تغيير أو أنحراف، ولا تبدو في الافق بادرة كارثة طبيعية، فلا بد إذاً من أن موعد مجيئه غير صحيح. ولكن بطرس يذكّر هؤلاء المتشككين المستهزئين بأن فيضاناً جارفاً مفاجئاً قد اجتاح العالم مرة، لقد أغرق الطوفان كل شيء حي ماعدا الذين احتموا بالفلك، وحيث أن هذه حقيقة تاريخية, يصبح هزؤ المستهزئين باطلاً ولاموضع له.
ب - العالم الحاضر : فعالم بطرس الثاني هو " السموات والأرض الكائنة الآن" ( 3 : 7 )، وهو يعني بذلك النظام الحاضر لكل ما في الجو وما على الأرض. وهو يؤكد أن هذا العالم " مخزون بتلك الكلمة عينها محفوظ للنار إلى يوم الدين وهلاك الناس الفجار " ( 3 : 7 )، وفي بعض الترجمات " محفوظ بالنار " أي أنه يحمل في ذاته عوامل فنائه التي سيحترق بها. فالعالم الكائن الآن مخزون في قبضة قوية، محفوظ لا لطوفان ثان، بل للنار. فظهور الرب والدينونة يرتبطان في الكتاب بالنار : " يأتى إلهنا ولا يصمت، نار قدامه تأكل ( تلتهم ) وحوله عاصف جداً "(مز 50 : 3، انظر إش 66 : 15 و16، دانيال 7 : 10 و11 ). كما نجد هذا في العهد الجديد أيضاً : " عند استعلان الرب يسوع المسيح من السماء مع ملائكة قوته في نار لهيب " ( 2 تس 1 : 7 و 8 ).
هناك كميات وافرة من مواد مخزونة في الأرض لتدميرها بالنار، فالزيوت والغازات بها من الطاقة، ما يستطيع ــ عندما يسر الله بأن يطلقها من عقالها ــ أن يحرق ويدمر هذا العالم الحاضر ويحوله إلى رماد. وكلمات بطرس لا تعني فناء العالم أو انحلاله كجسم عضوي، أو نهاية الزمان، ولكنه يتحدث عن انفجارات عنيفة وثورات طبيعية رهيبة، في الجو وفي الأرض، حتى يتحول هذا الكوكب إلى شيء جديد مجيد جميل.
جـ - العالم الجديد : هذا هو العالم الثالث :" ولكننا بحسب وعده ننتظر سموات جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها البر " ( 3 : 13 ). هذا هو الفردوس المستردالذي يقوم على أساس راسخ. . سماء جديد وأرض جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى قد مضتا والبحر لايوجد فيما بعد " ( رؤ 21 : 1 ). ولاشك أن إتمام هذة النبوة العجيبة سيعنى تغييراً جوهرياً في تكوين هذه الكرة. وإذا لم يوجد البحر فالحياة ــ كما نعرفها ــ تصبح مستحيلة، ولكن الذي صنع العالم يمكنه ــ ولاشك ــ أن يعد خلقه من جديد مطهراً إياه من كل أثر للخطية والشقاء والنقص، واعداده لسكنى كائنات كاملة، ولسكنى مجده السامي العظيم، فسيسكن عمانوئيل مع سكان الأرض الجديدة وفي أروشليم السماوية التي ستنزل إلى هذا الكوكب الممجد. وقد أمر الرب يوحنا قائلا : " اكتب فان هذه الأقوال صادقة وأمينة. ثم قال لي قد تم " ( رؤ 21 : 6.5 )، أي أنها لا بد ان تتم.
بطرس ــ رؤيا بطرس :
رؤيا بطرس هي أحد الكتب الأبوكريفية التي لاقت بعض الاعتبار سواء وقتياً أو محلياً في بعض الجهات. وقد ورد ذكرها في الوثيقة الموراتورية مع التعليق عليها بأن البعض لا يؤيدون قراءتها في الكنيسة. وهكذا نجد أن التحفظ عليها قديم منذ العصور الأولي.ويشير إليها ثاوفيلس الأنطاكي، ويقتبس منها اكليمندس الإسكندري، ويسجل سوزومين في القرن الخامس أنها كانت مازالت تقرأ في الكنائس سنوياً فى يوم جمعة الصلب. ولكن في الجانب الآخر نجد يوسابيوس يرفضها مع غيرها من الكتب الأبوكريفية عن بطرس، ويرفض معها أيضاً راعي هرماس ورسالة برنابا وأعمال بولس، ويعتبرها من الكتب الزائفة. ومع ذلك لقى الكتاب رواجاً في الشرق والغرب، وانتقلت الأفكار التي به إلى غيره من المؤلفات مثل الأقوال السبيليانية ورؤيا بولس ورؤيا توما حتى عصر دانتي وكوميدياه الإِلهية. ويستدل من كتابات الآباء على أن الكتاب يرجع إلى القرن الثاني، ويحتمل أنه يرجع إلى النصف الأول منه.
1- ماوصلنا منها : لقد عرف النص منذ 1886 م عندما اكتشفت في أخميم جزازة باليونانية مع جزء من إنجيل بطرس. وفي 1910 م اكتشفت نسخة باللغة الحبشية، وثبت أنها هي رؤيا بطرس من مقارنتها بما جاء بكتابات الآباء من اقتباسات منها. كما توجد أيضاً جزارتان أصغر من هذه.
والنسخة الحبشية تكاد تتفق في طولها مع ما ذكره أنيسفورس والفهرس في المخطوطة الكلارومونتانية، ولعلها تقدم لنا المحتويات الأصلية لهذه الرؤيا، ولو انه من الواضح أن النص قد عاني من نقص معرفة المترجم باللغة اليونانية والجزازة الأخميمية أقصر جداً وتسرد المعلومات في ترتيب مختلف.
2- المحتويات ( حسب النسخة الحبشية ) : سأل التلاميذ يسوع على جبل الزيتون عن علامات مجيئه وانقضاء الدهر، وبعد أن حذرهم من المضلين، ذكر لهم مثل شجرة التين، وفسره له بناء على التماس بطرس. ويبدأ الجزء الثالث بالقول : " وأراني في يمينه صورة لما سيحدث في اليوم الاخير ". وإذ رأي كيف سينوح الخطاة في شقائهم، يذكر بطرس القول : " كان خيراً لهم لو لم يولدوا " ( انظر مرقس 14 : 21 )، فيوبخه المخلص بالقول : " سأريك أعمالهم التي فيها أخطأوا "، ثم يصف له المخلص في حديث نبوي، العذبات التي سيقاسيها المحكوم عليهم. وهي نموذج من المفاهيم التي ظل يتناقلها الناس حتى العصور الوسطى ( وللفصل المقابل في الجزازة الأخميمية، مقدمة صغيرة تحوله إلى رؤيا لبطرس). ثم بعد ذلك وصف موجز لنصيب الأبرار ( الأصحاحان 13، 14 )، ويعقبهما فصل مقابل لقصة التجلي كما جاءت في الأناجيل (تحولت في الجزازة الأخميمية إلى وصف للفردوس ). وبعد صدور الصوت ( مت 17 : 5 )، أخذت سحابة يسوع وموسى وإيليا إلى السماء (وهذا الجزء الأخير غير موجود في اليونانية )، ثم نزل التلاميذ من الجبل وهم يمجدون الله.
3- العلاقة بين النسختين : كما سبق أن ذكرنا، تختلف الجزازة الأخميمية في بعض النقاط عن النسخة الحبشية، كما أن وصف الفردوس يسبق وصف الجحيم. والأرجح أن النسخة الحبشية، التي تحوي كل الروايات القديمة، تقدم لنا المحتويات الأصلية، وأن النسخة اليونانية تحوير عنها. وهناك بعض الأدلة على أن الجزازة الأخميمية تنتمى إلى إنجيل بطرس الذي وجدت معه. ولكن تختلف الأراء عما إذا كان كاتب الإِنجيل هو الذي أدمج فيه الرؤيا ( زاهن وجيمس ) أو أن الذي فعل ذلك كاتب آخر من عصر متأخر.