كلمة منفعة
الصوم الكبير من أقدم وأقدس أصوام السنة، نتذكر فيه الصوم الأربعيني الذي صامه الرب، يضاف إليه أسبوع الآلام الذي هو ذخيرة السنة الواحدة.
— الصوم الروحي

أبوكريفا العهد الجديد (1)

أبوكريفا العهد الجديد (1)
حجم الخط
أبوكريفا العهد الجديد(1)
كلمة ابوكريفا Apocrypha تطلق الآن على ما يسمى بالكتابات المزيفة وسميت هكذا لأنها تنسب إلى كتَّاب لا يمكن أن يكونوا قد كتبوها حقيقة ( مثل أخنوخ ، إبراهيم ، موسى ....... إلخ ) ، فهذه الشخصيات المنسوبة إليها هذه الكتب من أشهر الشخصيات في تاريخ إسرائيل ، ولا شك في أن الهدف من نسبتها إليهم هو لإضفاء أهمية وأصالة عليها .
الأسم ابوكريفا : عندما أطلقت كلمة ابوكريفا على الكتابات الدينية ، كانت تحمل معنى أنها قاصرة على دائرة معينة ضيقة ، لا يمكن لمن هم خارج هذه الدائرة أن يفهموها . فالكلمة بمعنى خفي - غامض - مبهم - عويص .
كان هناك نوعان من المعرفة عند اليونانيين القدماء : النوع الأول يشمل عقائد وطقوساً عامة لكل الناس ، أما النوع الثاني فكان يشمل عقائد وطقوساً غامضة عويصة لا يفهمها إلا فئة متمَّيزة خاصة ، ولذلك بقيت مخفية عن العامة . ثم أطلقت كلمة ابوكريفا في العصور المسيحية على بعض الكتابات غير القانونية في العهد القديم ، وكذلك في العهد الجديد ، وبخاصة الكتابات التي تشتمل على رؤى تتعلق بالمستقبل والانتصار النهائي لملكوت الله … إلخ ، إذ أنها أمور تسمو عن فكر البشر وحكمة المطلعين .
والمسيحية ليس فيها شيء من هذا القبيل ، فلا يوجد فيها شيء للعامة وشيء آخر للخاصة المتميزة ، فالإنجيل - منذ أيامه الأولى - يكّرز به للفقراء والجهلاء والأغنياء والحكماء ، كما أن الكتب المقدسة كانت تقرأ في الكنائس على مسامع الجميع . وكان القديس جيروم ( 342 -420 م ) و القديس كيرلس الأورشليمي ( 315 - 386 م ) هما أول من أطلق لفظ ابوكريفا على ما جاء في الترجمة السبعينية زيادة عما في الأسفار العبرية القانونية .
ويمكن أن نفهم كيف بدأت مثل هذه الكتابات في الكنيسة الشرقية ، متى علمنا أن كثيرين من أتباع الفلسفة اليونانية ، قبلوا الإيمان المسيحي ، وكان من الطبيعي أن ينظروا إليه من خلال الفلسفة القديمة . وقد رأى الكثيرون منهم بعض المعاني الصوفية في الأسفار القانونية ، فضمنوا هذه المعاني كتباً خاصة موجهة لفئة متميزة . وعلى نفس هذا المنوال نشأ بين اليهود - بجانب الناموس المكتوب - ناموس شفهي يتضمن تعاليم معلمي اليهود ، التي وضعوها في مرتبة أعلى من سائر الكتب .
وقد ساعد على حركة تأليف مثل هذه الكتب ، المذاهب الغنوسية وتعاليمها السرية للخاصة . وقد تأثر هؤلاء الغنوسيون بالصوفية البابلية والفارسية وكتاباتها . ويذكر القديس أكليمندس الإسكندري ( 150 - 215 م ) أسماء بعض الكتب السرية للديانة الزرادشتيه ، ولعله أول من أطلق لفظ ابوكريفا على هذه الكتابات الزرادشتية ، فالمسيحية الشرقية وبخاصة اليونانية نزعت إلى إعطاء الفلسفة المكانة التي يعطيها العهد الجديد والمسيحية الغربية للعـــهد القديم ، ففي ظنهم أن الفلسفة مهدت لديانة المسيح أكثر مما مهد العهد القديم .
ثم أصبحت كلمة ابوكريفا تعني كتباً أقل قيمة وأضعف سلطاناً من أسفار العهدين القديم والجديد . وقد حدث هذا لسببين : (1) أنه لا يمكن أن يكون قد أوحي لكاتب ممن عاشوا بعد عهد الرسل . (2) لا يمكن أن يعتبر أي كتاب قانونياً إلا إذا كانت قد قبلته كل الكنائس . وبذلك اعتبرت الكتابات التي ظهرت في نهاية القرن الثاني وأطلق عليها أبوكريفا - للحط من قدرها - أنها نبعت أساساً من المذاهب الهرطوقية مثل الغنوسيين ، ولم تحظ قط بالقبول لدى مجموع الكنائس . فيقول العلامة أوريجانوس (185 - 253 م ) ، إنه يجب أن نفرق بين الكتب المسماة ابوكريفا ، فالبعض منها يجب رفضه كلية لأنه يحوي تعاليم تناقض تعليم الكتاب ، وهكذا نجد أنه من نهاية القرن الثاني ، أصبحت كلمة ابوكريفا تطلق على ماهو زائف وتافـــه ، وبخاصة الكتابات التي تنسب لأناس لم يكتبوها .
ويعارض القديس إيريناؤس ( 130 - 200 م ) القديس أكليمندس الإسكندري فيرفض أن يكون للكتابات السرية أي اعتبار ، وكان يعتبر ( وكذلك القديس جيروم فيما بعد ) أن كلمتي قانونية و أبوكريفا على طرفي نقيض . كما أن العلامة ترتليان (160 - 225 م ) كانت له نفس النظرة ، فكلمة أبوكريفا كانت تعني عنده الأسفار غير القانونية .
والخلاصة هي :
1- في الكتابات الكلاسيكية ، الهيلينية ، كانت كلمة أبوكريفا تدل على معنى خفي أو غامض أو عسر الفهم .
2- في بداية عصر الآباء ، كانت كلمة ابوكريفا مرادفة لكلمة كتابات للخاصة أي لفئة معينة متميزة .
3-في العصور التالية لذلك ، كانت تستخدم في اليونانية ( مثل القديس إيريناؤس وغيره ) وفي اللاتينية ( القديس جيروم ومن بعده ) بمعنى غير قانوني أي أنها دون الأسفار القانونية
4-تطلق كلمة ابوكريفا - عند الكنائس البروتستنتية - على الكتب الموجودة في الترجمات السبعينية والفولجاتا ، ولكنها لا توجد في الكتاب المقدس العبري (مثل طوبيا ، يهوديت ،....الخ ).
5-لا يوجد مرادف لكلمة ابوكريفا في العبرية بمعنى الكتابة للخاصة أو الكتابة غير القانونيـــة .
و الأسفار ابوكريفا العهد القديم تشمل :
أ- كتابات رؤى نموذجية .
ب- كتابات أسطورية.
جـ - كتابات شعرية.
د- الوصايا .
هـ- الأقوال السيبلينية (كتب وحى العرّافات ) .
و ستجد الكلام عن هذه الاسفار فى ابوكريفا العهد القديم .
الابوكريفا - أسفار الأعمال :
كما ظهرت الكتابات الأبوكريفية في اليهودية ، هكذا بدأ في الدوائر المسيحية - وبخاصة الغنوسية - ظهور هذه الكتابات التي زعموا أنها تحتوي على حقائق المسيحية الأعمق ، وأنهم تسلموها كتقليد سري من المسيح المقام ومن رسله . وهي جميعها مزيفة وهرطوقية وعندما بدأ ظهور مفهوم الكنيسة الجامعة ، كان لابد أن ينظر إلى هذه الكتابات السرية بعين الريبة ، فمنعت منعاً باتاً ، ليس فقط لأنها شجعت روح الانقسام في الكنيسة لكن لأنها كانت عاملاً على نشر الهرطقات . وهكذا أصبحت كلمة ابوكريفا تعني زائفاً و هرطوقياً، وقد استخدمها بهذا المعنى القديس إيريناؤس و العلامة ترتليان كما سبق القول .
ورغم أنها لم توسم جميعها بالهرطقة ، فقط اعتبرت غير لائقة للقراءة في اجتماعات العبادة ، وإن كان البعض منها يمكن قراءته على انفراد . وبتأثير القديس جيروم اتسع معنى كلمة ابوكريفا لتشمل مثل هذه الكتابات التي لا تعترف الكنيسة بها أسفاراً قانوينة رغم عدم احتوائها على تعليم هرطوقي

وتطلق كلمة ابوكريفا بهذا المعنى الواسع على أسفار الأعمال الأبوكريفية ، ومع أن هذه الأسفار نشأت أصلاً في أوساط ذات نزعات هرطوقية ، إلا أن نعتها بالأبوكريفية لا يعني سوى أنها استبعدت من الأسفار القانونية للعهد الجديد ، لأن الكنيسة لم تعترف بصحتها وسلامة مصادرها . وهذا ما يجعلنا نقصر بحثنا على أسفار الأعمال التي تنتمى للقرن الثاني ، والذي فيه كان سفر الأعمال الكتابي قد أخذ موضعه في العهد الجديد .

أولاً- صفاتها العامة : الأعمال الأبوكريفية تزعم أنها تقدم تفاصيل أكثر مما في سفر الأعمال الكتابي ، عن أنشطة الرسل . والزيادات التي فيها مصبوغة بالمبالغات والتهاويل ، وتنم عن نزعة غير سليمة لإختراع الخوارق ، فهي مملوءة بالروايات الغريبة التي اختلقها خيال جامح ، فهي خالية من اللباقة ، بعيدة كل البعد عن الحقيقة ، وهي تصور الرسل في مستوى أعلى من مستوى البشر ، والضعفات البشرية التي تسجلها لهم الأسفار القانونية تختفي تماماً، فهم يسيرون في العالم كرجال ملمين تماما ًبكل أسرار السماء والأرض ، ويمتلكون قدرات لا حدود لها ، فلهم القدرة على الشفاء وإخراج الشياطين وإقامة الموتى . ومع أن هذه الأفعال العجيبة كثيرا ًما كانت تحدث ، إلا أن هذه الأسفار تروي معجزات أتاها الرسل تذكرنا بالخوارق اللا معقولة عن طفولة يسوع المذكورة في إنجيل توما ، مثل جعل سمكة مشوية تعوم ، أو تمثال مكسور يصبح سليما ًبواسطة رشه بمياه مقدسة ، أو طفل ذي سبعة شهور يتكلم بصوت رجل بالغ ، أو أن تصبح الحيوانات قادرة على الكلام بلغة بشرية .

الخوارق : والصفة الرومانسية للأعمال الابوكريفيه تظهر بشدة في ابتدائها - في أغلب الأحيــان - بالخوارق ، فيظهر الملائكة في رؤى أو أحلام ، وتُسمع أصوات من السماء ، وتهبط السحب لستر الأمناء في وقت الخطر ، كما تفتك الصواعق بأعدائهم ، وقوات الطبيعة المخيفة من زلازل ورياح ونيران تبعث الرعب في قلوب الفجار .
والسمة البارزة في الأعمال الأبوكريفية هي ظهور المسيح بأشكال متعددة ، فمرة يظهر في هيئة رجل عجوز ، ومرة في هيئة فتى ، ومرة أخرى في هيئة طفل ، ولكن الأغلب أن يظهر في صورة هذا الرسول أو ذاك ( من الغريب أن العلامة أوريجانوس يذكر تقليدا ًكان شائعا ًفي عهده بأن يسوع كان يستطيع في حياته أن يغير شكله وقتما وكيفما يشاء ، ويقول إن هذا كان السبب في ضرورة قبلة يهوذا الخائن - انظر مرقس 16 : 9 و 12 ) .

الزهد الجنسي : ويجب أن لا يُفهم مما سبق أن الأعمال الابوكريفية بما تحفل به من الإسراف في الروايات الرومانسية وتفاصيل الخوارق ، كان الهدف الوحيد منها هو تعظيم الرسل وإشباع الرغبة السائدة في العجائب ، بل كان لها غاية عملية هي إثبات وإشاعة نوع من المسيحية يُنادي بالإمتناع الصارم عن العلاقات الجنسية كالمطلب الأدبي الأساسي . فهذا الزهد الجنسي هو الموضوع الرئيسي في هذه الأعمال . فكفاح الرسل واستشهادهم إنما حدث نتيجة كرازتهم بوجوب طهارة الحياة الزوجية ، ولنجاحهم في إقناع الزوجات بتجنب مخالطة أزواجهن . فكل أسفار الأعمال الابوكريفية تتخللها فكرة أن الإمتناع عن الزواج هو أسمى شرط للدخول إلى الحياة الفضلى وربح السماء . فالإنجيل في جانبة العملي ( على حد العبارة البليغة في أعمال بولس ) هو " كلمة الله بخصوص ضبط النفس والقيامة " .
التعاليم الهرطوقية : وعلاوة على هذه الصبغة التقشفية ، فإن الأعمال الابوكريفية لا تخلو من هرطقات ، فجميعها - باستثناء أعمال بولس - تمثل فكرا ًدوسيتيا أي أن حياة المسيح على الأرض لم تكن إلا خيالاً غير حقيقي . وتبرز هذه الفكرة بشدة في أعمال يوحنا حيث نقرأ فيها أن يسوع عند سيره لم تكن أقدامه تترك أثراً، وأنه عندما كان الرسول يحاول أن يمسك بجسد المسيح كانت يده تخترق الجسد بلا أي مقاومة ، وأنه بينما كانت الجموع تحتشد حول الصليب ويسوع معلق عليه أمام أنظار الجميع ، كان السيد نفسه يتقابل مع تلميذه يوحنا على جبل الزيتون ، فلم يكن الصلب إلا منظرا ًرمزياً ، فالمسيح تألم ومات في الظاهر فقط . وارتبطت بهذه الأفكار الدوسيتية أفكار انتحالية ( مودالزم ) ساذجة لا تفرق بين الآب والابن .
المشاعر الدينية : بالرغم من هذا الانطباع السيئ الذي يخلفة هذا الطوفان من تفاصيل الخوارق والتهاويل ، وبالرغم من الجو السائد للزهد الجنسي والمفاهيم العقائدية الخاطئة ، فإن الإنسان لا يسعه - أمام كثير من الأجزاء منها - إلا أن يحس بنشوة الحماس الروحي ، وبخاصة في أعمال يوحنا و أندراوس وتوما حيث توجد أجزاء ( أناشيد وصلوات ومواعظ ) تبلغ أحياناً حد الروعة والجمال الشعري وتتميز بدفء ديني وحماسة صوفية وقوة أدبية . فالمحبة الصوفية للمسيح - رغم أنها كثيرا ًما ارتدت فكراً غنوسياً- ساعدت على تقريب المخلص للناس بإشباع أعمق اشواق النفس للخلاص من سلطان الموت المظلم . فالخرافات البالية و بقايا الوثنية الظاهرة ، يجب ألا تعمي أبصارنا عن أن في هذه الأعمال الأبوكريفية - رغم التشويه الشديد – صوراً للعقائد المسيحية في تلك العصور . وأن كثيرين من الناس تثبت إيمانهم بقوة المسيح المخلص من خلالها .

أصلها : هناك دوافع كثيرة وراء ظهور كتب مختلفة عن حياة وأعمال الرسل :
1- التقدير الكبير للرسل كمستودع للحق المسيحي : ففي العصر الرسولي كان السلطان الوحيد - بعد أسفار العهد القديم - بين الجماعات المسيحية هو الرب نفسه ، ولكن بعد أن انتهت هذه الفترة الخصبة وأصبحت ماضياً، أصبح الرسل ( الاثنى عشر و معهم الرسول بولس ) هم المرجع بعد المسيح لضمان استمرارية أسس الإيمان ، فقد أخذوا وصايا الرب عن طريقهم ( 2 بط 3 : 2 ) ، فنجد القديس أغناطيوس الانطاكى في رسائله ، يعطي الرسل مكانة سامية كرسل المسيح ، فكل ماله سند رسولي كان معتمداً عند الكنيسة ، وكان سلطان الرسل معترفاً به في كل العالم ، فقد ذهبوا إلى كل العالم للكرازة بالإنجيل ، فبناء على الأسطورة التي جاءت في بداية أعمال توما ، قسم الرسل مناطق العالم فيما بينهم . وكانت النتيجة الحتمية للمكانة الرفيعة التي وضعوا فيها الرسل ، كمعاقل الحق المسيحي ، أن زاد الاهتمام بالقصص المتناقلة عن أعمالهم ، والحاجة إلى مضاعفة الكتب التي تقدم تعاليمهم بكل تفصيل .
2- الفضول : فسفر أعمال الرسل القانوني لم يعتبر كافياً لإشباع الرغبة في معرفة حياة الرسل وتعاليمهم ، فبعض الرسل قد تجاهلهم سفر الأعمال ، كما أن المعلومات عن بطرس وبولس لا تزيد عن لمحات من أحداث حياتهما . وفي مثل هذه الظروف تصبح أي معلومات غير موجودة في سفر الأعمال القانوني ، مطلوبة بشدة . وحيث أن التاريخ الصحيح لكل رسول من الرسل كان قد لفه الغموض ، اخترعت الأساطير لإشباع الفضول النهم . والسمة البارزة في هذه القصص المخترعة ، هي الشهادة عن المستوى البالغ الرفعة الذي وصل إليه تقدير الرسل في فكر الشعب .
3-الرغبة في السلطان الرسولي : كما حدث في الأناجيل الأبوكريفيه ، كذلك كان الدافع إلى تزايد الروايات المنسوجة حول الرسل ، هو الرغبة في إضفاء أهمية كبيرة على بعض المفاهيم المتعلقة بالحياة ، والتعاليم المسيحية التي سادت بعض الدوائر ، وذلك بنسبها إلى الرسل . فبجانب الصورة الصحيحة للمسيحية والمعترف بها عند الجميع ، وجدت - وبخاصة في أسيا الصغرى - مسيحية شعبية بأنماط منحرفة للحياة ، فمن الجانب العملي ، نظروا إلى المسيحية كنظام للتقشف لا يشمل الامتناع عن الأطعمة الحيوانية والخمر فحسب ، بل أيضاً و أساساً الامتناع عن الزواج ، فكانت البتولية هي المثل الأعلى للمسيحية ، وكان الفقر و الأصوام أموراً ملزمة للجميع . وتسود هذه الروح كل أسفار الأعمال الأبوكريفية . والخطة الواضحة فيها هي تأكيد ونشر هذا النموذج التقشفي ، بإظهار أن الرسل كانوا يدافعون بحماس عنه ، كما أن الطوائف الهرطوقية استخدمتها وسيلة لنشر عقائدها الشاذة ، وسعوا لاستبدال تعليم الكنيسة الجامعة النامية ، بتعاليم غريبة ادعوا أنها تعاليم رسولية .
4-مكانة الكنائس المحلية : كان هناك سبب جانبي لتلفيق هذه الأساطير عن الرسل ، وهو رغبة بعض الكنائس في وجود سند لما تدعيه من أن مؤسسها هو أحد الرسل ، أو أنها كانت على صلة بهم . وفي بعض الحالات كان ما يقولونه عن دائرة خدمة أحد الرسل ، له سند صحيح ، ولكن في حالات أخرى ، هناك دلائل قوية على أنها مجرد اختلاق لإعطاء مكانة بارزة لكنيسة محلية .

ثانيا - مصادرها :
1- سفر الأعمال الكتابي : فيمكن عموماً القول بأن أسفار الأعمال الأبوكريفية مملوءة بالتفاصيل الأسطورية ، وقد بذلت في اختلاقها كل الجهود للإيحاء بصحتها التاريخية ، فإنها كثيراً ما تذكر أحداثاً وردت في سفر الأعمال الكتابي ، فالرسل يلقون في السجون ويخرجون منها بمعجزة ، والذين يتجددون يستضيفون الرسل في بيوتهم ، ويتكرر وصف عشاء الرب بأنه كسر الخبز ( أع 2 : 42 و 46 ) بصورة تلائم أغراضهم ، حيث لا يرد ذكر للخمر في صنع العشاء الرباني .
وفي أعمال بولس ، واضح أن المؤلف ، استخدم سفر الأعمال الكتابي كإطار لروايته ، وذلك لإضفاء صبغة الصحة التاريخية على هذه التلفيقات المتأخرة ، لكي تنال قبولاً لدى القارئ . واستنادهم الواضح على سفر الأعمال الكتابي دليل قوي على أنه كان له اعتباره السامي الرفيع في الوقت الذي كتبت فيه هذه الأسفار الابوكريفيه .
2- التقاليد : فهذه الصبغة الأسطورية لأسفار الأعمال الابوكريفيه، لا تمنع احتمال صحة بعض التفاصيل في الزيادات عما في سفر الأعمال الكتابي ، فلا بد أنه كانت هناك تقاليد كثيرة عن الرسل - لها أساس تاريخي صحيح - احتفظت بها الجماعــات المسيحية . ولا بد أن بعض هذه التقاليد وجدت لها مكاناً في كتابات ، كان بعض أهدافها - على الأقل - إشباع الفضول العام لمعرفة أشمل عن الرسل . ويقيناً يوجد شيء من الحقيقة التاريخية بين طيات قصة بولس وتكلا ( أعمال بولس ) ، فوصف شكل بولس الوارد في هذه القصة ، من المحتمل جداً أن يكون له أساس تاريخي صحيح ، ولكن يجب القول بأن دلائل وجود تقاليد يعتمد عليها ، ضئيلة جداً ، فالبذور القليلة من الحقيقة التاريخية ، مدفونة في أكوام من الأساطير التي لا شك في زيفها .
3-أدب الرحلات : ومع وجود هذا الارتباط بين أسفار الأعمال الأبوكريفية وبين سفر الأعمال الكتابي ، ورغم وجود بعض التقاليد الصحيحة بين طياتها ، إلا أنه مما لا شك فيه أنها في مجموعها من اختراع الروح الهيلينية التي تجد لذتها في الخوارق والمعجزات . وأكثر صور الأدب ، التي تكاد تترك طابعها على كل صفحة من أسفار الأعمال الأبوكريفية ، هي الكتابات الرومانسية عن الرحلات . وأكبر مثل للروايات الخيالية ، حياة الكارز الفيثاغوري صانع المعجزات ،القديس أبولونيوس من تيانا المتنيح في ختام القرن الأول ، والأعمال العجيبة التي يقال إنه كان يعملها في أثناء تجواله والتي نقلت - بشكل أقل إثارة - إلى غيره من المعلمين . وفي هذا الجو من الخيالات ، ولدت أسفار الأعمال الابوكريفيه. فأعمال توما تذكرنا بقصة أبولونيوس ، فكما ذهب الرسول توما إلى الهند ، هكذا ذهب القديس أبولونيوس فيثاغورس إلى الهند ، بلاد العجائب ، وهناك كرز بحكمة معلمه .
4-الشهادة الكنسية : يبدو من إشارة كاتب الوثيقة الموراتورية ( بيان بالأسفار المعترف بها في الكنيسة في حوالي 190 م ) إلى سفر الأعمال الكتابي ، أنه ربما كان يشير إلى سفر آخر للإعمال ، فهو يقول : " أعمال كل الرسل موجودة في كتاب واحد ، فقد كتبها لوقا ببراعة لثاؤفيلس ، في حدود ما وقع منها تحت بصره ، كما يظهر ذلك من عدم ذكره شيء عن استشهاد بطرس أو رحلة بولس من روما لأسبانيا " .
وفي القرن الثالث نجد تلميحات خاطفة لبعض أسفار الأعمال الابوكريفيه، ولكن في القرن الرابع كثرت الإشارات إليها في كتابات الشرق والغرب على السواء . وسنذكر هنا أهم هذه الإشارات :
1- شهادة كتاب الشرق : أول كتاب الشرق الذين ذكروا صراحة الأعمال الابوكريفيه، هو يوسابيوس القيصري أب التاريخ الكنسي ومؤسس فكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم. ( المتنيح في 340 م ) ، فهو يذكر أعمال أندراوس وأعمال يوحنا وأعمال الرسل الآخرين ، وكانت من الهوان بحيث لم يحسب أي كاتب كنسي أنها أهلاً لأن يستشهد بها ، فأسلوبها وتعليمها ينمان بكل وضوح عن مصدرها الهرطوقي ، لدرجة تمنع من وضعها حتى بين الكتب الزائفة ، بل رفضوها تماماً باعتبارها سخيفة وشريرة . ويصرح مارأفرايم السريانى "قيثارة الروح القدس" ( المتنيح 373 م) بأن أسفار الأعمال كتبها "الدوسيثيون" Dositheans لينشروا باسم الرسل ما هدمه الرسل أنفسهم . ويكرر القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص ( 315 -403 م ) الإشارة إلى أسفار أعمال كانت تستخدم بين الهراطقة . ويعلن القديس أمفيلوشيوس Amphilochius ( أمفيلوكيوس) اسقف أيقونية والتي كانت تُدعى بيسيدية الثانية، وكان معاصراً لأبيفانيــوس أسقف سلاميس ، أن كتابات معينة كانت تنطلق من دوائر الهراطقة وهي ليست أعمال الرسل ، بل روايات شياطين . كما أن مجمع نيقية الثاني ( 787 م ) يحتفظ لنا بعبارة القديس أمفيلوكيوس آنفة الذكر ، وقد بحث موضوع الكتابات الأبوكريفية ، وبصورة خاصة أعمال يوحنا - التي كان يستند إليها معارضو الأيقونات - وقد وصفها المجمع بأنه الكتاب المقيت وأصدر ضده هذا القرار : لا يقرأه أحد ، وليس ذلك فقط ، بل نحكم بأنه مستحق أن يلقى طعاماً للنيران .
2- شهادة الغرب : وتكثر الإشارات إلى هذه الأعمال منذ القرن الرابع ، فيشهد فيلاستريوس الاسقف من برسكيا ( حوالي 387 م ) بأن الأعمال الابوكريفيه كانت مستخدمة عند المانيين ، ويقول إنها وإن كانت لا تليق قراءتها للجمهور ، إلا أن القارئ الناضج يمكن أن يستفيد منها . وسبب هذا الحكم المنحاز يكمن في النزعة التقشفية في هذه الأعمال ، والتي كانت تتمشى مع الاتجاه السائد في الغرب في ذلك الوقت . ويشير القديس أغسطينوس مراراً إلى الأعمال الأبوكريفية بأنها كانت تستخدم عند المانيين ووصمها بأنها من تأليف ملفقي الخرافات . لقد قبلها المانيون واعتبروها صحيحة ، وفي هذا يقول القديس أغسطينوس: لو أن الناس الأتقياء المتعلمين الذين عاشوا في زمن مؤلفيها ، وكانوا يستطيعون الحكم عليها ، قد أقروا بصحتها ، لقبلتها سلطات الكنيسة المقدسة . ويذكر القديس أغسطينوس أعمال يوحنا وأعمال توما بالاسم ، كما أنه يشير إلى أن ليوسيوس هو مؤلف الأعمال الأبوكريفية . ويذكر تريبيوس الاسقف من استورجا ، أعمال أندراوس وأعمال يوحنا وأعمال توما وينسبها للمانيين . ويندد تريبيوس ، بالتعليم الهرطوقي في أعمال توما عن المعمودية بالزيت عوضاً عن المـــاء ، ويدين هذه الهرطقة . ويذكر أن ليوسيوس هو مؤلف أعمال يوحنا . كما أن المرسوم الجلاسياني يدين أعمال أندراوس وتوما وبطرس وفيلبس وينعتها بأنه أبوكريفية . ونفس هذا المرسوم يدين أيضاً كل الكتب التي كتبها ليوسيوس تلميذ الشيطان .
3-فوتيوس : أما أكمل وأهم الإشارات إلى الأعمال الأبوكريفية فهي ما جاء بكتابات فوتيوس بطريرك القسطنطينية في النصف الثاني من القرن التاسع ، ففي مؤلفـــه ببليوتيكا تقرير عن 280 كتاباً مختلفاً قرأها في أثناء إرساليته لبغداد ، وكان بينها كتاب يقال عنه" تجولات الرسل" الذي يشتمل على أعمال بطرس ويوحنا وأندراوس وتوما وبولس . ومؤلفها جميعاً- كما يعلن الكتاب نفسه بكل وضوح - هو ليوسيوس كارنيوس . ولغتها خالية تماماً من النعمة التي تتميز بها الأناجيل وكتابات الرسل ، فالكتاب غاص بالحماقات والمتناقضات ، وتعليمه هرطوقي ، وبخاصة أنه يعلم بأن المسيح لم يصبح مطلقاً إنساناً حقيقياً، وأن المسيح لم يصلب بل صلب إنسان آخـــر مكانه ، وأشار إلى تعليم التقشف والمعجزات السخيفة في هذه الأعمال ، وإلى الدور الذي لعبه كتاب أعمال يوحنا في صراع معارضي الأيقونات .
ويختم فوتيوس بالقول : بالاختصار يحوي هذا الكتاب عشرات الآلاف من الأشياء الصبيانية التي لا تصدق ، السقيمة الخيال ، الكاذبة ، الحمقاء ، المتضاربة ، الخالية من التقوى والورع ، ولا يجافي الحقيقة كل من ينعتها بأنها نبع وأم كل الهرطقات .