كلمة منفعة
كثيرون يتصرفون تصرفات يعودون فيندمون عليها بعد فعلها، إما بسبب النتائج السيئة لهذه التصرفات وبسبب تعب ضمائرهم وثورتها عليهم، ولأنهم لا يستطيعون أن يعيدوا الأمور إلى ما كانت عليه قبل أخطائهم هذه.
— الندم

التبني

التبني
حجم الخط
التبني
هي مترجمة عن الكلمة اليونانية هيوسيزيا (Huiothesia) أي وضعه في موضع الابن . ولا تذكر هذه الكلمة إلا في العهد الجديد، وفي رسائل الرسول بولس فقط ( غل 4 : 5، رو 8 : 15و 23و9 : 4، أف 1 : 5 ). وهي تشير إلى الإِجَراء القانوني الذي يستطيع به أي إنسان أن يلحق ابناً بعائلته، ويخلع عليه قانوناً كل حقوق وامتيازات الابن، رغم أنه ليس ابناً بالطبيعة، بل وليس من عشيرته الأقربين.
أولاً ــ الفكرة القانونية العامة : كانت هذه العادة شائعة بين اليونانيين والرومانيين وغيرهم من الشعوب قديماً، ولكنها لا تذكر مطلقاً في الشريعة اليهودية.
1- في العهد القديم : نقرأ عن ثلاث حالات من التبني في العهد القديم، هي :
2- موسى ( خروج 2 : 10 ) وقد تبنته ابنة فرعون.
3- جنوبث ( امل 11 : 20 ) وقد تبنته خالته تحفنيس زوجة فرعون مصر.
جـ- استير ( استير 2 : 7و 15 ) وقد تبناها مردخاي.
ويلاحظ أن هذه الحالات الثلاث لم تحدث في فلسطين بل في خارجها، في مصر وفي فارس، حيث كان التبني أمراً شائعًا. كما أن فكرة التبني لا تظهر في العهد الجديد إلا في رسائل الرسول بولس لكنائس خارج فلسطين أيضاً.
والتبني يصدر دائماً عن الأب المتبني، فهو الذي يأخذ زمام المبادرة على الدوام. وقد يكون الدافع لذلك هو ملء الفراغ لعدم وجود ذرية تشبع العواطف الأبوية والمفاهيم الدينية، وتحفظ اسم العائلة، او للرغبة في ممارسة السلطة الابوية. وكانت اجراءات وشروط التبني تختلف من شعب إلى آخر. فقد كان التبني عند الأمم الشرقية يمكن أن يمتد إلى العبيد أو الأسرى ( كما في حالة موسى )، وبالتبني ينالون حريتهم. أما عند اليونان والرومان، فكان التبني قاصراً على المواطنين الأحرار إلا في بعض الحالات الاستثنائية.
2- عند اليونان : كان ممكناً للإِنسان في أثناء حياته أو في وصية تنفذ بعد وفاته، أن يتبني أي مواطن ذكر، فيصبح في مكانة الابن له كل حقوقه، ولكن بشرط أن يقبل الابن المتبنى، القيام بكل الالتزامات القانونية والواجبات الدينية التي يلتزم بها الابن الحقيقي.
3-عند الرومان : لقد كانت سلطة الأب عند الرومان سلطة عاتية، فكان الأب يمارس على ابنه سلطة شبيهة بالسلطة التي يمارسها السيد على عبده، وقد أضفى هذا صورة غريبة على عملية التبني. وكانت إجراءات التبني شبيهة بما كان يجرى عند اليونانيين. وعلى وجه التحديد، كان التبني إجراء به ينتقل الابن من سلطة ابيه الحقيقي، إلى سلطة ابيه بالتبني، وكأنها عملية بيع افتراضية للابن، يصبح بها خاضعاً تماماً لسلطة الأب الذي تبناه.
4- التبني في رسائل بولس : لاشك في أن الرسول بولس ــ كشخص كان يتمتع بالجنسية الرومانية ــ كان عارفاً بالعادات الرومانية، كما أنه سواء في موطنه في طرسوس المدينة الكبيرة، أو في رحلاته العديدة، عرف عادات الشعوب الأخرى. وهو يستخدم الفكرة مجازياً ــ أشبه بأمثال الرب يسوع المسيح ــ فمن الخطر الذهاب بالمجاز أو التشبيه إلى حدود بعيدة من التفاصيل، فهو يستخدم فكرة التبني ليبين أن الله ــ بإعلان نعمته في المسيح ــ أتى بالناس إلى علاقة الأبناء له، ومنحهم حق اختبار البنوية.
1- في الرسالة إلى غلاطية يعني الحرية : ففى الرسالة إلى غلاطية يركز الرسول على الحرية التي يتمتع بها الذين يحيون بالإِيمان، في مقابل العبودية التي يرزح تحتها الذين يخضعون للطقوس والفرائض الناموسية، وهو ما كان يتعرض له المسيحيون ( 5 : 1 ). فهو يوضح أولاً الفرق بين الناموس والنعمة ــ من الناحية التاريخية ــ علىأنه الفرق بين التدبير المسيحي والتدبير السابق له ( 3 : 23و 24 )، وإن كان في موضع آخر يرجع بفكرة التبني إلى علاقة العهد بين الله وإسرائيل ( رو 9 : 4 ). أما في رسالته إلى غلاطية فإنه يوضح التباين تاريخياً بالمقابلة بين من يريدون أن يعيشوا تحت سيادة الناموس، ومن يريدون أن يعيشوا بالإِيمان. ويبدوا أن ثمة ثلاث صور يتضمنها وصفه للإِنسان تحت عبودية الناموس : صورة عبد، وصورة قاصر تحت أوصياء معينين من الأب، وصورة عبد، وصورة قاصر تحت أوصياء معيينين من الأب، وصورة الابن تحت سلطة الأب الروماني المطلقة ( غل 4 : 1 ــ 3 ).
وعملية التحرير هي قبل كل شيء عملية فداء او شراء ( 4 : 5 )، وهي عبارة تنطبق تماماً على العبد الذي افتدي من العبودية، والابن الروماني الذي يشتريه أو يفتديه أبوه الذي تبناه من تحت سلطة أبيه الطبيعي. ولكن في الحالة الثانية لم تتغير حالة الابن عملياً بهذا الإِجراء، إنما الذي حدث هو أنه استبدل سلطة أبيه الطبيعي بسلطة أب آخر. فلو أن بولس فكر في هذه العملية في صورة التبني الرومانية، فإنه ينظر إلى حالة الابن نتيجة هذا التبني في صورة التبني اليونانية الأكثر تحرراً والابعد إنعاماً، أو صورة الأبن في الأسرة اليهودية. أو لعله فكر في الحالات النادرة من تبني العبيد ورفعهم إلى مكانة الأبناء. والفداء شرط أساسي للتبني، يتم بالإِيمان ويصاحبه إرسال روح ابنه إلى قلوبنا صارخاً ياأبا الآب وبذلك يزول كل أثر للعبودية ( غل 4 : 5 ــ 7 ).
2- في الرسالة إلى رومية يعني الخلاص من الدين : في الرسالة إلى رومية ( 8 : 12 ــ 17 ) نجد فكرة الالتزام أو المديونية مرتبطة بفكرة الحرية. فالإِنسان ينظر إليه هنا كمن كان في وقت من الأوقات تحت سيادة وسلطة الجسد ( 8 : 5 )، ولكن عندما يسكن فيه روح المسيح، لا يظل مديناً للجسد بل يصبح مديناً للروح ( 8 : 12، 13 ). والمديونية أو الالتزام للروح هو الحرية بعينها. فهنا كما في غلاطية أيضاً، ينتقل الإِنسان من حالة العبودية إلى حالة البنوية التي هي أيضاً حالة الحرية. لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك ( وأولئك فقط ) هم أبناء الله ( 8 : 14 ). فروح التبني أو البنوية، على النقيض تماماً من روح العبودية ( 8 : 15 ). والروح الذي نحن له مدينون، والذي به ننقاد، يوقظ فينا ويؤكد اختبار البنوية في داخلنا ( 8 : 16 ). ففى كلا الفصلين، ينقل لنا الرسول بولس ــ تحت هذه الصورة المجازية ــ فكرة إنسان ينتقل من حالة الاغتراب عن الله، والعبودية تحت الناموس والخطية، إلى علاقة جديدة مع الله، هي علاقة الثقة والمحبة المتبادلتين، والوحدة في الفكر والإِرادة، هي العلاقة التي تميز الأسرة المثالية، التي يزول فيها كل أثر للقيود والقهر والخوف.
ثالثاً ــ الاختبار المسيحي : والتبني ــ كحقيقة واقعة في الاختبار المسيحي ــ هي إدراك المؤمن وتثبته من بنويته لله، وهو ما يحدث نتيجة الإِيمان بالمسيح، الذي به يصبح المؤمن متحداً بالمسيح فيحل فيه روح البنوة ويسيطر على كل كيانه حتى إنه يعرف الله ويخاطبه المسيح تماماً، قائلاً : ياأبا الآب ( انظرمرقس 14 : 36 ).
2- التبني وعلاقته بالتبرير : إن التبني هو نفس الاختبار المسيحي الذي يصفه الرسول بولس تحت صورة قانونية مجازية أخرى، هي التبرير بالإِيمان. ففى التبرير، يعلن الله أن الخاطىء قد صار مبرراً، ويعامله على هذا الأساس، ويمنحه الصفح والمصالحة والسلام ( رؤ 5 : 1 ). وفي هذه جميعها، نجد ــ بلاريب ــ علاقة الأب بالابن، ولكن في التبني تتأكد هذه العلاقة بوضوح وجلاء، فالتبني لايعني فقط أن الابن الضال قد عاد إلى بيته مستعداً أن يعترف بأنه ليس مستحقا أن يدعى ابناً، ويرضيه أن يحسب كأحد الأجراء، ولكنه يقابل بالعناق والقبلات، ويرد إلى مركز الابن كما كان قبلاً. فالفكرة في كل من الصورتين المجازيتين هي ان التبرير هو عمل القاضى الرحيم في اطلاق سراح المتهم السجين، أما التبني فهو عمل الأب الكريم وهو يأخذ الابن في حضنه ويمنحه الحرية والامتيازات والميراث.
2- التبني والتقديس : والتبرير ــ بالإِضافة إلى ذلك ــ هو بداية عملية تحتاج لبلوغها إلى الكمال، إلي النمو المستمر في حياة التقديس بمعونة الروح القدس، أما التبني فيسير جنباً إلى جنب مع التقديس، فأبناء الله هم الذين ينقادون بروح الله ( رو 8 : 14 )، وروح الله نفسه هو الذي يمنح اختبار البنوية. التقديس هو عملية تطهير ونمو شاملة من الناحية النظرية، أما التبني فيتضمن التقديس باعتباره علاقة وثيقة بالله، هي علاقة ولاء وطاعة وشركة مع الآب المحب على الدوام.
3-التبني والتجديد : يرى البعض أن التبني هو التجديد، ولذلك جمع الكثيرون من الآباء وعلماء الكنيسة الكاثوليكية بينه وبين التجديد بالمعمودية، مستبعدين بذلك تلك الحقيقة الجوهرية وهي الإِدراك الواعي للبنوية. إن الميلاد الجديد والتبني هما بكل تاكيد وجهان للاختبار الواحد، وان كانا ينتميان إلى أسلوبين مختلفين من التفكير، ولا ينتج عن الخلط بينهما سوى التشويش. فالميلاد الجديد يحدد بصورة خاصة اصل الاختبار المسيحي وصفته الأدبية كحقيقة تجريدية، أما التبني فيعبر عن علاقة حقيقية وثيقة بين الإِنسان والله. والرسول بولس لايثير هنا مطلقاً مسألة حالة الإِنسان الطبيعية والأصلية، فمن الشطط بهذه الصورة المجازية، القول بأن التبني معناه أن الإِنسان لم يكن بالطبيعة ابناً لله، فذلك يناقض تعليم الرسول بولس في فصول أخرى ( انظر مثلا : أع 17 : 28 ). فهو يرى أن الإِنسان بدون المسيح (أو خارج المسيح ) غريب أدبياً ومنفصل عن الله، وأن التغيير الذي يحدثه الإِيمان بالمسيح، يجعل منه أدبياً، ابناً مدركاً لبنويته.
رابعاً ــ التبني عمل الله : إن التبني كعمل إلهي، هو عملية أزلية من أعمال نعمته ومحبته، لأنه سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته ( أ ف 1 : 5 ).
1- الأبوة الإِلهية : إن الدافع والحافز للأبوة الإِلهية، كانا منذ الأزل في الله. وبمعنى من المعاني، منح الله اسرائيل التبني ( رو 9 : 4 ). فقد قال : إسرائيل ابني البكر ( خر 4 : 22، انظر أيضاً تث 14 : 1، 32 : 6، إرميا 31 : 9، هو 11 : 1 ). فالله لا يمكن أن يعلن ذاته إلا بإعلان شيء من أبوته، ولو أن كل إعلان كان إعلاناً جزئياً ونبوياً. أما عندما أرسل الله ابنه.. ليفتدي الذين تحت الناموس ، وأصبح ممكناً للإِنسان أن ينال التبني. فلكل من قبلوه، أرسل الله روح ابنه الأزلي ليشهد في قلوبهم أنهم أبناء الله، لمنحهم الثقة والحق في مخاطبة الله كأب ( غل 4 : 5و6، رؤ 8 : 15 ).
2- مجاله الشمل : ولكن هذا الاختيار هو أيضاً اختبار غير كامل، من ثم فأننا نتطلع إلى التبني الكامل، ليس لروح الإِنسان بحسب، بل لكل الخليقة بما فيها جسد الانسان ( رو 8 : 22، 23 ). فكل أولاد الله الآن يئنون، إذ يجدون أنفسهم في سجن الجسد خاضعين للبطل، ولكنهم يتوقعون التبنى فداء الجسد، فكل الخليقة تئن في انتظار استعلان أبناء الله، لانها ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله ( رو 8 : 21)، وعندئذ يبلغ التنبي مداه، عندما يصبح كل كيان الإِنسان منسجماً مع روح البنوة، وتصبح كل الخليقة في حالة تساعده على الاستمرار في حالة السعادة.