كلمة منفعة
كثيرون يقدمون أعذارًا يغطون بها خطاياهم حتى لا يلاموا، ويغطون بها تقصيراتهم في عمل الخير..
— مشكلة الأعذار
موسى وبنو إسرائيل
موسى وبنو إسرائيل
حجم الخط
موسى وبنو إسرائيل
انتهى تماماً تهديد فرعون ومركباته (خر 14: 13)، ولكن بدأ الصراع بين موسى وبني إسرائيل، وكانت بوادره قد ظهرت من قبل (خر 5: 21، 14: 11). وكان هذا الصراع- الذي دام طويلاً - أشد ثقلاً على صبر موسى. وأصعب امتحاناً لإيمانه ومحبته للرب ولشعبه. (1) -التذمر في البرية : وبعد أن رأى الشعب عمل الله القدير في خلاصهم، وأيقنوا في خلاصهم، وأيقنوا من يد الله العاملة معهم، بقيادة موسى (خر 14: 31)، لم يلبثوا، سوى ثلاثة أيام، حتى تذمروا على موسى قائلين: ماذا نشرب؟ (خر 15: 24). وفي هذه المرة حوّل لهم الرب مياه مارة المرة إلى مياه عذبة بطرح الشجرة التي أراها الرب لموسى، في الماء (خر 15: 25). وبعد أن غادروا واحة إيليم، حيث كانت هناك اثنتا عشرة عين ماء وسبعون نخلة، أتوا إلى برية سين التي بين إيليم وسيناء …فتذمر كل جماعة بني إسرائيل على موسى وهارون في البرية، لأجل الطعام، وهناك أعطاهم الله السلوى والمن، بعد أن ظهر لهم مجد الرب في السحاب (خر 16: 1- 15). وذُكرت السلوى هنا باقتضاب كحادثة مفردة (خر 16: 13)، أما المن فظل طعامهم الأربعين السنة، وكان عليهم أن يلتقطوه كل صباح بحسب حاجة كل واحد، فيما عدا أيام السبت، إذ كان عليهم أن يلتقطوا نصيباً مضاعفاً في يوم الجمعة. وكان المن كبرز الكزبرة أبيض وطعمه كرقاق بعسل (خر 16: 14 -30). ثم عادوا وتذمروا مرة أخرى في رفيديم لعدم وجود ماء ليشربوا، فأمر الرب موسى أن يضرب الصخرة في حوريب، فخرج منها ماء، وارتوى الشعب (خر 17: 1-6). وهناك أيضاً انتصروا على عماليق في ظروف كان يجب أن تزيد ثقتهم في الرب، وفي عبده موسى (خر 17: 8- 13). (2) - زيارة يثرون : جاء يثرون كاهن مديان إلى موسى في جبل الله، وأتى معه بصفورة امرأة موسى، وبابنيه، إذ كان قد سمع بكل ما صنع الله وكيف أخرج إسرائيل من مصر، ولما قص موسى على حميه كل ما صنع الرب بفرعون والمصريين من أجل شعبه، فرح يثرون بجميع الخير الذي صنعه الرب لإسرائيل، وقال : الآن قد علمت أن الرب أعظم من جميع الآلهة لأنه في الشئ الذي بغوا به كان عليهم (خر 18: 8-12). وابتهاج يثرون بما أعطاه الله لإسرائيل من نصرة، وتقديمه محرقة واشتراكه في الوليمة مع شيوخ إسرائيل، كل هذا لا يعني أن يثرون - كما يرى البعض- كان أصلاً ممن يبعدون يهوه (الرب). ثم قدم يثرون لموسى نصيحة لتنظيم النظر في قضايا الشعب. وعمل موسى بهذه النصيحة، وأوكل لبعض المتقدرين من الشعب، النظر في القضايا الصغرى. أما الدعاوى العسرة فيجيئون بها إلى موسى. ثم صرف موسى حماه فمضى إلى أرضه (خر 18: 13- 27). (3) -الله يتجلى على جبل سيناء (خر 19، 20): إن المنظر الهائل المخيف الذي واكب إعطاء الناموس على جبل سيناء، بكشف لنا عن المزيد من شخصية موسى. ونجد وصفاً لمنظر الجبل في الأصحاح التاسع عشر من سفر الخروج. وعندما دعا الله موسى إلى رأس الجبل أطاع، وعندما نزل من الجبل حذر الشعب من الاقتراب إلى الجبل. ولما تكلم بالوصايا العشر، ارتعد الشعب ووقفوا من بعيد. وقالوا لموسى: تكلم أنت معنا فنسمع. ولا يتكلم الله لئلا نموت (خر 20: 18 و19). ويقول لنا كاتب الرسالة إلى العبرانيين إن المنظر كان هكذا مخيفاً حتى قال موسى: أنا مرتعب ومرتعد (عب 12: 21). ولكن رغم أن الشعب وقف من بعيد، فإن موسى اقترب إلى الضباب حيث كان الله (خر 20 : 21). (4) - هارون والسبعون شيخاً (خر 24): هنا نرى الفرق الكبير بين موسى وسائر الشعب، بما فيهم السبعون شيخاً وهارون وبنوه. فبينما سجد كل أولئك من بعيد، فإن موسى وحده هو الذي اقترب إلى الرب (خر 24: 1و 2). وكان ذلك بعد إقرار العهد، بعد أن قرأ موسى كتاب العهد في مسامع الشعب، فقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له. وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال: هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال (خر 24: 7و 8). وبعد ذلك صعد أولئك الشيوخ. ممثلو الشعب إلى الجبل ورأوا إله إسرائيل (خر 24: 10)، ولكن كل ما رأوا كان شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة تحت رجليه فرأوا الله وأكلوا وشربوا (خر 24: 11). وبعد ذلك صرف موسى أربعين نهاراً وأربعين ليلة في الجبل في محضر الله وكان منظر مجد الرب كنار آكلة على رأس الجبل أمام عيون بني إسرائيل (خر 24: 17). ولم يأكل موسى ولم يشرب طيلة الأربعين يوماً، فقد كان له كسيده طعام لآكل لا يعرفه سائر الناس (يو 4: 32). وذكر يشوع هنا (خر 24: 13، 32: 17) يدل على أن يشوع كان قريباً من موسى في أثناء الأربعين يوماً الأولى، بينما في الأربعين يوماً الثانية، كان أمر الرب لموسى : لا يصعد أحد معك، وأيضاً لا يُرَ أحد في كل الجبل (خر 34: 3)، إذ كان خادمه يشوع بن نون… لا يبرح من داخل الخيمة (خر 33: 11). (5) - موسى وخيمة الشهادة : بعد ذلك المنظر المهيب الذي واكب إعلان الوصايا العشر، ظل منظر مجد الرب يغطي الجبل ستة أيام، وفي اليوم السابع دُعى موسى من وسط السحاب فترك هارون وحور مع الشعب (خر 24: 14 و16)، أما موسى فدخل في وسط السحاب وصعد إلى الجبل. وكان موسى في الجبل أربعين نهاراً وأربعين ليلة (خر 24: 18)، وهناك أعطاه الرب تفصيل بناء خيمة الشهادة بحسب جميع ما أنا أريك من مثال المسكن، ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون (خر 25: 9). كما أعاد الرب القول: انظر فأصنعها على مثالها الذي أظهر لك في الجبل (خر 25: 40- انظر أيضاً عب 8: 5). وأخيراً أعطى الرب موسي لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بأصبع الله (خر 31: 18). (6) - الارتداد الأول (أصحاح 32): بينما كان موسى في الجبل يتسلم من الله التعليمات التي على أساسها يسكن الله في وسطهم، ارتد الشعب عن الله الذي وعدوا بأن يطيعوه، وقالوا لهارون : قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا (خر 32: 1). لقد عاشوا في بيئة وثنية على مدى بضعة قرون مما ترك أثره فيهم. فاستجاب هارون - أخو موسى- وصنع لهم عجلاً مسبوكاً. فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك في أرض مصر. فلما نظر هارون، بني مذبحاً أمامه ونادى هارون وقال : غداً عيد للرب (خر 32: 5). وفي هذا الموقف الغريب الخطير، لا عجب أن يُعلن الرب لموسى ما حدث، مما عرضهم للهلاك. ولكن موسى بادر في الحال إلى الشفاعة في الشعب. وعندما نزل موسى من الجبل، وأبصر العجل والرقص، حمي غضبه وطرح اللوحين من يديه وكسرهما أسفل الجبل، ثم أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعماً وذراه على وجه الماء وسقى بني إسرائيل (خر 32: 7- 20). ثم تحول إلى هارون نفسه طالباً منه تفسيراً لما حدث، فلما سمع منه تفسيره الهزيل، وقف موسى في باب المحلة وقال: من للرب فإلىّ . فاجتمع إليه جميع بني لاوي ، فأمرهم بأن يمروا في المحلة ويقتلوا كل المذنبين في هذا الأمر، فوقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل (خر 32: 21- 29). وكان هذا العمل من اللاويين عمل طاعة للرب، مما ذكره الرب لهم وكافأهم عليه: الذي قال عن أبيه وأمه لم أرهما، وبأخوته لم يعترف، وأولاده لم يعرف، بل حفظوا كلامك وصانوا عهدك (تث 33: 9). بل على هارون نفسه غضب الرب جدّاً ليبيده لولا شفاعة موسى فيه في ذلك الوقت (تث 9: 20). (7) - شفاعة موسى: فرجع موسى إلى الرب . وقال آه قد أخطأ هذا الشعب خطية عظيمة .. والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت . وإذ حصل على غفران الله، قال له الرب: والآن اذهب اهد الشعب إلى حيث كلمتك أي إلى أرض كنعان (خر 32: 31- 24). وهنا نرى لمحة أعمق عن شخصية موسى، فلم يحاول موسى أن يقلل من خطية عبادة الشعب للعجل الذهبي، أو يعتذر عن خطية هارون أو خطية الشعب، بل وصفها بأنها خطية عظيمة . عندما عرض عليه الرب أن يفنى الشعب، ويصير موسى شعباً عظيماً (وكان هذا امتحاناً لمحبة موسى للشعب)، فإن موسى استنجد بمحبة الرب لشعبه، تلك المحبة التي ظهرت في إنقاذه لهم من أرض مصر، إتماماً لمواعيده للآباء، ثم ذكر ما يمكن أن يسئ إلى اسم الله نفسه، لو أنه أهلك الشعب في البرية (خر 32: 11و 12). وإذ وعده الرب بالقول: هوذا ملاكي يسير أمامك (خر 32: 34) لقيادة الشعب إلى أرض الموعد، أخذ موسى الخيمة ونصبها له خارج المحلة بعيداً عن المحلة، ودعاها خيمة الاجتماع (ولعلها كانت خيمة خاصة به)، وهناك كان يكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه (خر 33: 11). وأخذ موسى وعداً من الرب: وجهي يسير فأريحك (خر 33: 14). ثم طلب من الرب أن يريه مجده، فقال له : أجيز كل جودتى قدامك… لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش… وأما وجهي فلا يرى (خر 33: 18- 23). ثم أمره الرب أن ينحت لوحين من حجر مل الأولين اللذين كسرهما، ويصعد بهما إلى الجبل، فنزل الرب في السحاب. فوقف عنده هناك ونادى باسم الرب، فاجتاز الرب قدامه ونادى: الرب الرب إله رحيم ورؤوف بطئ الغضب وكثير الإحسان والوفاء (خر 34: 6). وفى أثناء الأربعين يوماً الثانية التي مكثها موسى مع الله في الجبل، التمس موسى من الله أن يواصل سيره مع شعبه، وأعاد الرب وصاياه وتحذيراته من عبادة الأوثان لأن الرب اسمه غيور. إله غيور هو (خر 34: 14). وقد ظهرت هنا - أمام أقسى الامتحانات - عظمة موسى الحقيقية وتواضعه ومحبته لشعبه، ومحبته للرب، وغيرته على كرامة الرب ومجده. (8) - البرقع على وجه موسى : بعد المرة الثانية التي مكث فيها موسى على الجبل، عندما نزل من الجبل كان جلد وجهه يلمع (خر 34: 29- 35) مما جعل هارون وجميع الشعب يخافون أن يقتربوا إليه… فلما فرغ من الكلام معهم، جعل على وجهه برقعاً (خر 34: 33). ويعطينا الرسول بولس تفسيراً لهذا بالقول: وليس كما كان موسى يضع برقعاً على وجهه لكي لا ينظر بنو إسرائيل إلى نهاية الزائل (2 كو 3: 13)، حيث أنه وهو في محضر الله كان جلد وجهه يلمع في كلامه معه، من انعكاس بهاء محضر الله على وجهه (ارجع إلى مت 17: 2، أع 9: 3، رؤ 1: 14). (9) - خيمة الشهادة وطقوسها: فيما يتعلق بخيمة الشهادة وجميع آنيتها وأغطيتها وطقوسها، وثياب الكهنة، من المهم أن نلاحظ التأكيد الشديد على أن يكون كل شئ حسب المثال الذي أراه الرب لموسى في الجبل (خر 25: 9 و40، 26: 30، 27: 8، 39: 32، 43، مع عب 8: 5). وسواء كان موسى قد عرف شيئاً عن خطة بناء المعابد المصرية وطقوس العبادة فيها أم لم يعرف، فإن الأمر المشدد عليه هو أن يصنعها على المثال الذي أراه الله إياه في الجبل في خلال المدتين (كل منهما من أربعين يوماً) اللتين قضاهما مع الله في الجبل، ففي الأصحاحين 39، 40 اللذين بهما وصف إقامة الخيمة تتكرر العبارة : كما أمر الرب موسى ومرادفاتها، أكثر من خمس عشر مرة. كما أن السحابة التي غطتها، وبهاء الرب الذي ملأ المسكن، كانا شهادة على أن موسى قد أكمل العمل كما أمره الرب (خر 40: 33- 35). وبعد تدشين الخيمة الذي يختم به سفر الخروج، يأتي سفر الللاويين الذي فيه أعطى الرب التعليمات بخصوص الذبائح المختلفة ( أنظر خيمة الاجتماع و الذبائح . (10) ثياب هارون وأبنائه : يُخصص الأصحاحان الثامن والتاسع من سفر اللاويين لوصف إقامة هارون وأبنائه لخدمة الكهنوت، ووصف ثيابهم . ومع أن أنصبة هارون وبنيه من الذبائح تذكر في الأصحاحات السبعة الأولى من سفر اللاويين، فإن نصيب موسى لا يذكر إلا في الأصحاح الثامن (8: 29). ونجد وصفاً مفصلاً لثياب هارون وأبنائه، وبخاصة ثياب رئيس الكهنة. كما نجد وصفاً لتقديسهم للخدمة، (خر 28، 29، 39: 1- 31 و 41). وقام موسى بإجراءات التكريس (لا 8، 9). وكانت خدمة هارون وثيابه كلها رمزية باعتباره رئيساً للكهنة (لا 6: 22، 16: 32). فقبل أن يموت هارون ، خلع موسى عنه ثيابه وألبسها ألعازار بن هارون، ليحل محل أبيه رئيساً للكهنة (عد 20: 22- 28). ولكن لم يكن لموسى خليفة، فقد أعطى الله الناموس عن طريقة، ولم يكن الناموس ليتغير بتغير الأجيال (يش 1: 7، ملاخي 4: 4). (11) ناداب وأبيهو (لا 10): بعد أن قام موسى بإجراءات تقديس هارون وبنيه لخدمتهم، وقعت حادثة من أغرب الحوادث في تاريخ بني إسرائيل. كان لهارون أربعة أبناء، وقد كرسهم موسى ومسحهم جميعاً للخدمة، وأخذ ابناً هارون ناداب وأبيهو، كل منهما مجمرته وجعلا فيها ناراً ووضعا عليها بخوراً وقرباً أمام الرب ناراً غريبة لم يأمرهما بها . ويبدو أن عصيان بني إسرائيل وعنادهم، تمثلا في هذا العمل، الذي قاصصه الله بشدة. وقد علّق موسى على ذلك. بالقول: هذا ما تكلم به الرب : في القريبين مني أتقدس وأمام جميع الشعب أتمجد (لا 10: 3). وقد كان لهذا التمرد وضع شديد على موسى، حتى إنه لم يبد أي حزن على مصير ابني أخيه، بل طلب من هارون وابنيه الباقيين، ألا يبديا حزناً عليهما، ولكنه قال : أما أخوتكم، كل بيت إسرائيل فيبكون على الحريق الذي أحرقه الرب (لا 10: 6). (12) الارتحال من سيناء : يبدأ سفر العدد بإحصاء بني إسرائيل، ثم بيان مواقع نزولهم حول خيمة الاجتماع، ثم بعض الشرائع الخاصة بالنجاسة وشريعة الغيرة، وشريعة النذير. وبعد ذلك كلم الرب موسى قائلاً: كلم هارون وبنيه قائلاً: هكذا تباركون بني إسرائيل قائلين لهم: يباركك الرب ويحرسك، يضئ الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه إليك ويمنحك سلاماً. فيجعلون اسمي على بني إسرائيل وأنا أباركهم (عد 6: 22- 27). وبعد إقامة المسكن ومسحه وتقديسه وجميع أمتعته والمذبح وجميع أمتعته. وتدشينه ، يذكر كيف كان موسي يتلقى الأوامر من الله : فلما دخل موسى إلى خيمة الاجتماع ليتكلم معه، كان يسمع الصوت بكلمة من على الغطاء الذي على تابوت الشهادة من بين الكروبين فكلمه (عد 7: 89). ويصف الأصحاح التاسع الفصح الذي احتفل به بنو إسرائيل في أول السنة الثانية لخروجهم من أرض مصر، والتعليمات التي أعطاها الرب لموسى لعمل الفصح في الشهر الثاني، في اليوم الرابع عشر، لمن كان في الشهر الأول- نجساً لميت أو في سفر بعيد (عد 9: 9 - 13)، مما يدل على أن موسى كان - على الدوام- يلجأ إلى الرب في كل مشكلة تطرأ، طلباً لإرشاده (انظر أيضاً عد 15: 32- 35). وقد يبدو عجيباً أن موسى - عند الارتحال من سيناء- يطلب من حوباب- حميه - أن يرافقهم قائلاً له : لا تتركنا لأنه بما أنك تعرف منازلنا في البرية، تكون لنا كعيون (عد 10: 31). فقد يبدو ذلك وكأنه قلة ثقة من موسى في إرشاد الرب لهم. ولكن الأرجح أن إدراك موسى لمصاعب الطريق ومخاطرها، جعله يرجو مساعدة حوباب الذي يفترض أنه كان يعرف هذه المناطق جيداً، فمع أن موسى كان يثق في إرشاد الله لهم، إلا أنه أيضاً كان منفتحاً للاستعانة بالمهارة البشرية متى توفرت وكانت ذات نفع. (13) التذمر على المن: ما أن بدأ الارتحال حتى حدث التذمر مرة أخرى (عد 11: 1)، مما جعل غضب الرب يحمى عليهم، فاشتعلت فيهم نار الرب وأحرقت في طرف المحلة. ولم يكن هذا التذمر لعدم وجود طعام، بل لأنهم ملّوا من أكل المن، الخبز الذي من السماء (خر 16)، وطلبوا لحماً (مز 78: 18- 31)، مما أحزن موسى جداً، حتى إنه التمس موته من الرب (عد 11:11- 15). فذاك أفضل له من مواصلة المعاناة من شعب متمرد، إذ من أين له لحم لكل هذا الشعب. وكان جواب الرب له مزدوجاً، فسيعين سبعين رجلاً من شيوخ إسرائيل لمعاونته، وأنه سيعطي الشعب لحماً على مدى شهر من الزمان حتى يخرج من مناخرهم ويصير لهم كراهة (عد 11: 16- 20). ولكن إذ كان اللحم بعد بين أسنانهم … حمي غضب الرب على الشعب ، وضرب الرب الشعب ضربة عظيمة جداً، فدعى ذلك الموضع قبروت هتأوة (قبر الشهوات) لأنهم هناك دفنوا القوم الذين اشتهوا (عد 11: 33 و43). (14) مريم وهارون : حدث شئ غريب أثار - ولابد - مشاعر موسى بشدة، فقد حدث هجوم على شخصه من أقرب الناس إليه، من أخته مريم، ومن أخيه هارون. وفي ذكر اسم مريم أولاً، مع وقوع القصاص عليها، دليل على أنها المحرك الأول لهذا الكلام. وكانت المناسبة هى زواج موسى بامرأة كوشية، مما يرجح معه أنها لم تكن صفورة. فمتى ولماذا تزوج موسى هذه المرأة؟. لا يذكر الكتاب شيئاً عن ذلك، كما لم يذكر لها أسماً. ولم يرد موسى على اتهامات مريم وهارون، ولم يكن في حاجة إلى ذلك، لأن الله سرعان ما تدخل وأثبت لهما أن موسى يشغل موقعاً فريداً، فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسي؟ (عد 12: 8) وأصاب مريم بالبرص، فصرخ موسى إلى الرب - بناء على رجاء من هارون- فشفاها الرب بعد سبعة أيام، توقف فيها الشعب عن الارتحال من حضيروت. (15) الرفض والتمرد : يذكر سفر العدد (13) أن الرب كلم موسى أن يرسل رجالاً ليتجسسوا ارض كنعان، ولكن نفهم من سفر التثنية (1: 21) أن الشعب هو الذي تقدم أولاً إلى موسى في طلب إرسال الجواسيس، ولابد أن موسى - كعادته- رفع الأمر إلى الرب. فسمح له بذلك. فاختار موسى رئيساً من كل سبط، فأرسلهم موسى من برية فاران ليتجسسوا أرض كنعان في أيام باكورات العنب (عد 13: 3 و 17 و20). ثم رجعوا من تجسس الأرض بعد أربعين يوماً وأتوا معهم بزرجونة بعنقود واحد من العنب حملوه بالدقرانة بين أثنين مع شئ من الرمان والتين (عد 13: 23- 25). وشهد جميعهم أولاً بأن الأرض حقاً تفيض لبناً وعسلاً (عد 13: 27)، ولكنهم أردفوا بالقول : غير أن الشعب الساكن في الأرض معتز والمدن حصينة عظيمة جداً، وأيضاً قد رأينا بني عناق هناك (عد 13: 28 و29). وحاول كالب عبثاً أن يقنعهم بأنهم قادرون عليها لأن الرب معهم ، إذ ردوا عليه قائلين : هى أرض تأكل سكانها وجميع الشعب الذي رأينا فيها أناس طوال القامة. وقد رأينا هناك الجبابرة بني عناق من الجبابرة، فكنا في أعيننا كالجراد، وهكذا كنا في أعينهم (عد 13: 32 و33). وتذمر كل الشعب على موسى وهارون، وأرادوا الرجوع إلى مصر. ولما قال يشوع وكالب: الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها، الأرض جيدة جداً جداً. إن سر بنا الرب يدخلنا إلى هذه الأرض. ويعطينا إياها. أرضاً تفيض لبناً وعسلاً. إنما لا تتمردوا على الرب ولا تخافوا من شعب الأرض لأنهم خبزنا… والرب معنا. لا تخافوهم (عد 14: 5- 9). فأرادت كل الجماعة أن ترجمهما بالحجارة، لكن ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع لكل بني إسرائيل. وقال الرب لموسى: حتى متى يُهينني هذا الشعب… إني أضربهم بالوبأ وأبيدهم وأصيّرك شعباً أكبر وأعظم (عد 14: 12، أرجع أيضاً إلى خر 32: 10)، لكن موسى توسل مرة أخرى من أجل الشعب، مستنداً على محبة الرب لشعبه، وغيرته على مجده، فصلح الرب عن الشعب، ولكنه قال : حى أنا فتُملأ كل الأرض من مجد الرب. إن جميع الرجال الذين رأوا مجدي وآياتي التي عملتها في مصر وفي البرية، وجربوني الآن عشر مرات، ولم يسمعوا لقولي، لن يروا الأرض التي حلفت لآبائهم. وجميع الذين أهانوني لا يرونها، وأما عبدي كالب، فمن أجل أنه كانت معه روح أخرى وقد اتبعني تماماً، أدخله إلى الأرض التي ذهب إليها وزرعه يرثها (عد 14: 20- 25). ومات الرجال الذين أشاعوا المذمة الرديئة على الأرض بالوبأ أمام الرب (عد 14: 37). سادساً:- السنة الأخيرة : (أ) الفشل في قادش برنيع : يعود بنا الأصحاح العشرون - من سفر العدد - مرة أخرى إلى قادش، حيث ماتت مريم، وخاصم الشعب موسى (عد 20: 3 أرجع أيضاً إلى خر 17: 2)، لأن المكان كان مقفراً وليس به ماء. وهنا حدثت أعظم مأساة في حياة موسى ، فقد أمره الرب: خذ العصا واجمع الجماعة أنت وهارون أخوك، وكلما الصخرة أمام أعينهم أن تعطي ماءها، فتخرج لها ماء من الصخرة وتسقي الجماعة مواشيهم.. وجمع موسى وهارون الجمهور أمام الصخرة، فقال لهم: اسمعوا أيها المردة أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟ ورفع موسى يده وضرب الصخرة بعصاه مرتين، فخرج ماء غزير فشربت الجماعة ومواشيها. فقال الرب لموسى وهارون: من أجل أنكما لم تؤمنا بي حتى تقدساني أمام أعَين بني إسرائيل، لذلك لا تُدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها (عد 20: 8- 13). ويالها من مأساة لقد ظل موسى وهارون أربعين سنة يقودان الشعب، ويحتملان عوائدهم في البرية (أع 13: 18)، وها هما يحرمان من جني ثمر تعبهما. ويذكر المرنم خطبة موسى هذه، قائلاً : أمروا روحه حتى فرط بشفتيه (مز 106: 33). وقد يبدو العقاب لا يتناسب مع الخطأ، ولكن علينا أن نذكر أن موسى وهارون كانا يشغلان مكانة بارزة في حياة إسرائيل، وقد حباهما الله امتيازات وكرامة كبيرة، فكانت خطيتهما خطية عصيان وتمرد، وكان عقابهما حسب الناموس هو الموت. وفعلاً مات هارون بعد ذلك بقليل على جبل هور (عد 20: 23- 29). ورغم ما اعترى موسى من حزن عميق، إلا أنه استأنف المسير إلى كنعان، وكان قد أرسل إلى ملك أدوم ملتمساً منه أن يدعهم يمرون في أرضه، في طريق الملك، ولكن ملك أدوم أبى عليهم ذلك (عد 20: 14- 22)، وهكذا ارتحل بنو إسرائيل إلى جبل هور حيث مات هارون بعد أن خلع ثيابه الكهنوتية وألبسها ألعازار ابنه (عد 20: 22- 29). (ب) هزيمة ملك عراد والأموريين : بادر ملك عراد بني إسرائيل بالحرب، ولكن الرب دفعه وقومه ليد بني إسرائيل، فقضوا عليهم واستولوا على مدنهم (عد 21: 1- 3). وبعد هذه النصرة، تذمر بنو إسرائيل على الله وعلى موسى قائلين: لماذا أصعدتمانا من مصر لنموت في البرية لأنه لا خبز ولا ماء، وقد كرهت أنفسنا الطعام السخيف، فأرسل الرب على الشعب الحيّات المحرقة، فلدغت الشعب فمات قوم كثيرون من إسرائيل (عد 21: 5و 6). فأتوا إلى موسى معترفين بأنهم قد أخطأوا، فصلى موسى لأجل الشعب، فقال الرب لموسى: اصنع لك حية محرقة وضعها على راية، فكل من لُدغ ونظر إليها يحيا. فصنع موسى حيه من نحاس ووضعها على الراية، فكان متى لدغت حية إنساناً ونظر إلى حية النحاس يحيا (عد 21: 7-9) إذ كانت الحية النحاسية رمزاً لصليب المسيح (يو 3: 14و 15). ثم نجد وصفاً لنصرتهم على ملكي الأموريين سيحون وعوج ، وكانت نصرة سريعة خاطفة، إعلاناً لما يستطيع الرب أن يفعله في سائر أرض كنعان، لو أن بني إسرائيل اتكلوا عليه وأطاعوه.
(جـ) الوصول إلى نهر الأردن: وأخيراً نزل بنو إسرائيل في عربات (سهول) موآب عند نهر الأردن مقابل أريحا، على مرأى من أرض الموعد (عد 22: 1). تأتى بعد ذلك قصة بلعام (عد 22- 24)، ولا يذكر فيها اسم موسى، ولكنها بالغة الأهمية لما فيها من نبوات ومواعيد عظيمة للشعب. ثم يأتي الأصحاح الخامس والعشرون بقصة مخزية، من القصص العديدة لتعديات بني إسرائيل، فقد زنا الشعب من بنات موآب، وهو ما أشار به بلعام- النبي- العراف- على بالاق ملك موآب. وقد قتل بنو إسرائيل - بعد ذلك- بلعام مع ملوك مديان الخمسة (عد 31: 8). وقد ذكرت هذه الخطية مراراً لتحذير الشعب (يش 13: 22، 2 بط 2: 15، يهوذا 11، رؤ 2: 14). وكانت هذه القصة نبوة بتاريخ بني إسرائيل في أرض الموعد، لأنها كانت أول مرة يواجه فيها بنو إسرائبل - بعد خروجهم من مصر- مباهج ومغريات عبادة الأوثان بما فيها من دعارة وفجور، مما كانوا سيواجهونه في أرض كنعان، وبسبب هذه العبادات أهلك الرب الكنعانيين، وأعطى بني إسرائيل أرضهم. وكانت نتيجة سقوط بني إسرائيل في هذه الخطية، أن أهلك الرب منهم بالوبأ أ ربعة وعشرين ألفاً (عد 25: 1-9). وأعقب هذا الوبأ إجراء الإحصاء الثاني لبني إسرائيل (الأصحاح 26) والذي يسجله سفر العدد بطريقة تختلف عن تسجيل الإحصاء الأول (الأصحاح الأول)، كما تختلف الأعداد أيضاً لكل سبط ، ولكن المجموع الكلي (730 و 601) يقل قليلاً عنه في التعداد الأول (550 و 603)، مع ملاحظة زيادة في عدد اللاويين (23.000). وفي هؤلاء لم يكن إنسان من الذين عدهم موسى وهارون… في برية سيناء…. إلا كالب بن يفنة ويشوع بن نون (عد 26: 64). ثم أثيرت قضية بنات صلفحاد (عد 27: 1-11)، وصدر فيها قرار إبتدائي. ثم أعطى الرب موسى التعليمات الخاصة بإقامة يشوع خليفة له، وكذلك التعليمات الخاصة بالأعياد والتقدمات، وبخاصة أعياد الشهر السابع (الأصحاح 29) والنذور (الأصحاح 30). ثم ثأتي وصف الانتقام من المديانيين بشئ من التفصيل عن الغنائم من الناس ومن المواشي. وكانت خيانتهم للرب في أمر بعل فغور هى أخطر خطايا بني إسرائيل المسجلة عن فترة البرية. وما كان اغرب أن يحدث ذلك في نهاية أيام البرية، رغم وجود موسى معهم، ووقوع أرض الموعد على مرأى منهم. وقد وافق موسى على طلب السبطين والنصف، أن يعطيهم الأرض الواقعة في شرقي الأردن (الأصحاح 32)، على شرط أن يعبر كل متجند منهم مع أخواتهم إلى أن يتم إخضاع كل الأرض في غربي الأردن
انتهى تماماً تهديد فرعون ومركباته (خر 14: 13)، ولكن بدأ الصراع بين موسى وبني إسرائيل، وكانت بوادره قد ظهرت من قبل (خر 5: 21، 14: 11). وكان هذا الصراع- الذي دام طويلاً - أشد ثقلاً على صبر موسى. وأصعب امتحاناً لإيمانه ومحبته للرب ولشعبه. (1) -التذمر في البرية : وبعد أن رأى الشعب عمل الله القدير في خلاصهم، وأيقنوا في خلاصهم، وأيقنوا من يد الله العاملة معهم، بقيادة موسى (خر 14: 31)، لم يلبثوا، سوى ثلاثة أيام، حتى تذمروا على موسى قائلين: ماذا نشرب؟ (خر 15: 24). وفي هذه المرة حوّل لهم الرب مياه مارة المرة إلى مياه عذبة بطرح الشجرة التي أراها الرب لموسى، في الماء (خر 15: 25). وبعد أن غادروا واحة إيليم، حيث كانت هناك اثنتا عشرة عين ماء وسبعون نخلة، أتوا إلى برية سين التي بين إيليم وسيناء …فتذمر كل جماعة بني إسرائيل على موسى وهارون في البرية، لأجل الطعام، وهناك أعطاهم الله السلوى والمن، بعد أن ظهر لهم مجد الرب في السحاب (خر 16: 1- 15). وذُكرت السلوى هنا باقتضاب كحادثة مفردة (خر 16: 13)، أما المن فظل طعامهم الأربعين السنة، وكان عليهم أن يلتقطوه كل صباح بحسب حاجة كل واحد، فيما عدا أيام السبت، إذ كان عليهم أن يلتقطوا نصيباً مضاعفاً في يوم الجمعة. وكان المن كبرز الكزبرة أبيض وطعمه كرقاق بعسل (خر 16: 14 -30). ثم عادوا وتذمروا مرة أخرى في رفيديم لعدم وجود ماء ليشربوا، فأمر الرب موسى أن يضرب الصخرة في حوريب، فخرج منها ماء، وارتوى الشعب (خر 17: 1-6). وهناك أيضاً انتصروا على عماليق في ظروف كان يجب أن تزيد ثقتهم في الرب، وفي عبده موسى (خر 17: 8- 13). (2) - زيارة يثرون : جاء يثرون كاهن مديان إلى موسى في جبل الله، وأتى معه بصفورة امرأة موسى، وبابنيه، إذ كان قد سمع بكل ما صنع الله وكيف أخرج إسرائيل من مصر، ولما قص موسى على حميه كل ما صنع الرب بفرعون والمصريين من أجل شعبه، فرح يثرون بجميع الخير الذي صنعه الرب لإسرائيل، وقال : الآن قد علمت أن الرب أعظم من جميع الآلهة لأنه في الشئ الذي بغوا به كان عليهم (خر 18: 8-12). وابتهاج يثرون بما أعطاه الله لإسرائيل من نصرة، وتقديمه محرقة واشتراكه في الوليمة مع شيوخ إسرائيل، كل هذا لا يعني أن يثرون - كما يرى البعض- كان أصلاً ممن يبعدون يهوه (الرب). ثم قدم يثرون لموسى نصيحة لتنظيم النظر في قضايا الشعب. وعمل موسى بهذه النصيحة، وأوكل لبعض المتقدرين من الشعب، النظر في القضايا الصغرى. أما الدعاوى العسرة فيجيئون بها إلى موسى. ثم صرف موسى حماه فمضى إلى أرضه (خر 18: 13- 27). (3) -الله يتجلى على جبل سيناء (خر 19، 20): إن المنظر الهائل المخيف الذي واكب إعطاء الناموس على جبل سيناء، بكشف لنا عن المزيد من شخصية موسى. ونجد وصفاً لمنظر الجبل في الأصحاح التاسع عشر من سفر الخروج. وعندما دعا الله موسى إلى رأس الجبل أطاع، وعندما نزل من الجبل حذر الشعب من الاقتراب إلى الجبل. ولما تكلم بالوصايا العشر، ارتعد الشعب ووقفوا من بعيد. وقالوا لموسى: تكلم أنت معنا فنسمع. ولا يتكلم الله لئلا نموت (خر 20: 18 و19). ويقول لنا كاتب الرسالة إلى العبرانيين إن المنظر كان هكذا مخيفاً حتى قال موسى: أنا مرتعب ومرتعد (عب 12: 21). ولكن رغم أن الشعب وقف من بعيد، فإن موسى اقترب إلى الضباب حيث كان الله (خر 20 : 21). (4) - هارون والسبعون شيخاً (خر 24): هنا نرى الفرق الكبير بين موسى وسائر الشعب، بما فيهم السبعون شيخاً وهارون وبنوه. فبينما سجد كل أولئك من بعيد، فإن موسى وحده هو الذي اقترب إلى الرب (خر 24: 1و 2). وكان ذلك بعد إقرار العهد، بعد أن قرأ موسى كتاب العهد في مسامع الشعب، فقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له. وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال: هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال (خر 24: 7و 8). وبعد ذلك صعد أولئك الشيوخ. ممثلو الشعب إلى الجبل ورأوا إله إسرائيل (خر 24: 10)، ولكن كل ما رأوا كان شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة تحت رجليه فرأوا الله وأكلوا وشربوا (خر 24: 11). وبعد ذلك صرف موسى أربعين نهاراً وأربعين ليلة في الجبل في محضر الله وكان منظر مجد الرب كنار آكلة على رأس الجبل أمام عيون بني إسرائيل (خر 24: 17). ولم يأكل موسى ولم يشرب طيلة الأربعين يوماً، فقد كان له كسيده طعام لآكل لا يعرفه سائر الناس (يو 4: 32). وذكر يشوع هنا (خر 24: 13، 32: 17) يدل على أن يشوع كان قريباً من موسى في أثناء الأربعين يوماً الأولى، بينما في الأربعين يوماً الثانية، كان أمر الرب لموسى : لا يصعد أحد معك، وأيضاً لا يُرَ أحد في كل الجبل (خر 34: 3)، إذ كان خادمه يشوع بن نون… لا يبرح من داخل الخيمة (خر 33: 11). (5) - موسى وخيمة الشهادة : بعد ذلك المنظر المهيب الذي واكب إعلان الوصايا العشر، ظل منظر مجد الرب يغطي الجبل ستة أيام، وفي اليوم السابع دُعى موسى من وسط السحاب فترك هارون وحور مع الشعب (خر 24: 14 و16)، أما موسى فدخل في وسط السحاب وصعد إلى الجبل. وكان موسى في الجبل أربعين نهاراً وأربعين ليلة (خر 24: 18)، وهناك أعطاه الرب تفصيل بناء خيمة الشهادة بحسب جميع ما أنا أريك من مثال المسكن، ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون (خر 25: 9). كما أعاد الرب القول: انظر فأصنعها على مثالها الذي أظهر لك في الجبل (خر 25: 40- انظر أيضاً عب 8: 5). وأخيراً أعطى الرب موسي لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بأصبع الله (خر 31: 18). (6) - الارتداد الأول (أصحاح 32): بينما كان موسى في الجبل يتسلم من الله التعليمات التي على أساسها يسكن الله في وسطهم، ارتد الشعب عن الله الذي وعدوا بأن يطيعوه، وقالوا لهارون : قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا (خر 32: 1). لقد عاشوا في بيئة وثنية على مدى بضعة قرون مما ترك أثره فيهم. فاستجاب هارون - أخو موسى- وصنع لهم عجلاً مسبوكاً. فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك في أرض مصر. فلما نظر هارون، بني مذبحاً أمامه ونادى هارون وقال : غداً عيد للرب (خر 32: 5). وفي هذا الموقف الغريب الخطير، لا عجب أن يُعلن الرب لموسى ما حدث، مما عرضهم للهلاك. ولكن موسى بادر في الحال إلى الشفاعة في الشعب. وعندما نزل موسى من الجبل، وأبصر العجل والرقص، حمي غضبه وطرح اللوحين من يديه وكسرهما أسفل الجبل، ثم أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعماً وذراه على وجه الماء وسقى بني إسرائيل (خر 32: 7- 20). ثم تحول إلى هارون نفسه طالباً منه تفسيراً لما حدث، فلما سمع منه تفسيره الهزيل، وقف موسى في باب المحلة وقال: من للرب فإلىّ . فاجتمع إليه جميع بني لاوي ، فأمرهم بأن يمروا في المحلة ويقتلوا كل المذنبين في هذا الأمر، فوقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل (خر 32: 21- 29). وكان هذا العمل من اللاويين عمل طاعة للرب، مما ذكره الرب لهم وكافأهم عليه: الذي قال عن أبيه وأمه لم أرهما، وبأخوته لم يعترف، وأولاده لم يعرف، بل حفظوا كلامك وصانوا عهدك (تث 33: 9). بل على هارون نفسه غضب الرب جدّاً ليبيده لولا شفاعة موسى فيه في ذلك الوقت (تث 9: 20). (7) - شفاعة موسى: فرجع موسى إلى الرب . وقال آه قد أخطأ هذا الشعب خطية عظيمة .. والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت . وإذ حصل على غفران الله، قال له الرب: والآن اذهب اهد الشعب إلى حيث كلمتك أي إلى أرض كنعان (خر 32: 31- 24). وهنا نرى لمحة أعمق عن شخصية موسى، فلم يحاول موسى أن يقلل من خطية عبادة الشعب للعجل الذهبي، أو يعتذر عن خطية هارون أو خطية الشعب، بل وصفها بأنها خطية عظيمة . عندما عرض عليه الرب أن يفنى الشعب، ويصير موسى شعباً عظيماً (وكان هذا امتحاناً لمحبة موسى للشعب)، فإن موسى استنجد بمحبة الرب لشعبه، تلك المحبة التي ظهرت في إنقاذه لهم من أرض مصر، إتماماً لمواعيده للآباء، ثم ذكر ما يمكن أن يسئ إلى اسم الله نفسه، لو أنه أهلك الشعب في البرية (خر 32: 11و 12). وإذ وعده الرب بالقول: هوذا ملاكي يسير أمامك (خر 32: 34) لقيادة الشعب إلى أرض الموعد، أخذ موسى الخيمة ونصبها له خارج المحلة بعيداً عن المحلة، ودعاها خيمة الاجتماع (ولعلها كانت خيمة خاصة به)، وهناك كان يكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه (خر 33: 11). وأخذ موسى وعداً من الرب: وجهي يسير فأريحك (خر 33: 14). ثم طلب من الرب أن يريه مجده، فقال له : أجيز كل جودتى قدامك… لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش… وأما وجهي فلا يرى (خر 33: 18- 23). ثم أمره الرب أن ينحت لوحين من حجر مل الأولين اللذين كسرهما، ويصعد بهما إلى الجبل، فنزل الرب في السحاب. فوقف عنده هناك ونادى باسم الرب، فاجتاز الرب قدامه ونادى: الرب الرب إله رحيم ورؤوف بطئ الغضب وكثير الإحسان والوفاء (خر 34: 6). وفى أثناء الأربعين يوماً الثانية التي مكثها موسى مع الله في الجبل، التمس موسى من الله أن يواصل سيره مع شعبه، وأعاد الرب وصاياه وتحذيراته من عبادة الأوثان لأن الرب اسمه غيور. إله غيور هو (خر 34: 14). وقد ظهرت هنا - أمام أقسى الامتحانات - عظمة موسى الحقيقية وتواضعه ومحبته لشعبه، ومحبته للرب، وغيرته على كرامة الرب ومجده. (8) - البرقع على وجه موسى : بعد المرة الثانية التي مكث فيها موسى على الجبل، عندما نزل من الجبل كان جلد وجهه يلمع (خر 34: 29- 35) مما جعل هارون وجميع الشعب يخافون أن يقتربوا إليه… فلما فرغ من الكلام معهم، جعل على وجهه برقعاً (خر 34: 33). ويعطينا الرسول بولس تفسيراً لهذا بالقول: وليس كما كان موسى يضع برقعاً على وجهه لكي لا ينظر بنو إسرائيل إلى نهاية الزائل (2 كو 3: 13)، حيث أنه وهو في محضر الله كان جلد وجهه يلمع في كلامه معه، من انعكاس بهاء محضر الله على وجهه (ارجع إلى مت 17: 2، أع 9: 3، رؤ 1: 14). (9) - خيمة الشهادة وطقوسها: فيما يتعلق بخيمة الشهادة وجميع آنيتها وأغطيتها وطقوسها، وثياب الكهنة، من المهم أن نلاحظ التأكيد الشديد على أن يكون كل شئ حسب المثال الذي أراه الرب لموسى في الجبل (خر 25: 9 و40، 26: 30، 27: 8، 39: 32، 43، مع عب 8: 5). وسواء كان موسى قد عرف شيئاً عن خطة بناء المعابد المصرية وطقوس العبادة فيها أم لم يعرف، فإن الأمر المشدد عليه هو أن يصنعها على المثال الذي أراه الله إياه في الجبل في خلال المدتين (كل منهما من أربعين يوماً) اللتين قضاهما مع الله في الجبل، ففي الأصحاحين 39، 40 اللذين بهما وصف إقامة الخيمة تتكرر العبارة : كما أمر الرب موسى ومرادفاتها، أكثر من خمس عشر مرة. كما أن السحابة التي غطتها، وبهاء الرب الذي ملأ المسكن، كانا شهادة على أن موسى قد أكمل العمل كما أمره الرب (خر 40: 33- 35). وبعد تدشين الخيمة الذي يختم به سفر الخروج، يأتي سفر الللاويين الذي فيه أعطى الرب التعليمات بخصوص الذبائح المختلفة ( أنظر خيمة الاجتماع و الذبائح . (10) ثياب هارون وأبنائه : يُخصص الأصحاحان الثامن والتاسع من سفر اللاويين لوصف إقامة هارون وأبنائه لخدمة الكهنوت، ووصف ثيابهم . ومع أن أنصبة هارون وبنيه من الذبائح تذكر في الأصحاحات السبعة الأولى من سفر اللاويين، فإن نصيب موسى لا يذكر إلا في الأصحاح الثامن (8: 29). ونجد وصفاً مفصلاً لثياب هارون وأبنائه، وبخاصة ثياب رئيس الكهنة. كما نجد وصفاً لتقديسهم للخدمة، (خر 28، 29، 39: 1- 31 و 41). وقام موسى بإجراءات التكريس (لا 8، 9). وكانت خدمة هارون وثيابه كلها رمزية باعتباره رئيساً للكهنة (لا 6: 22، 16: 32). فقبل أن يموت هارون ، خلع موسى عنه ثيابه وألبسها ألعازار بن هارون، ليحل محل أبيه رئيساً للكهنة (عد 20: 22- 28). ولكن لم يكن لموسى خليفة، فقد أعطى الله الناموس عن طريقة، ولم يكن الناموس ليتغير بتغير الأجيال (يش 1: 7، ملاخي 4: 4). (11) ناداب وأبيهو (لا 10): بعد أن قام موسى بإجراءات تقديس هارون وبنيه لخدمتهم، وقعت حادثة من أغرب الحوادث في تاريخ بني إسرائيل. كان لهارون أربعة أبناء، وقد كرسهم موسى ومسحهم جميعاً للخدمة، وأخذ ابناً هارون ناداب وأبيهو، كل منهما مجمرته وجعلا فيها ناراً ووضعا عليها بخوراً وقرباً أمام الرب ناراً غريبة لم يأمرهما بها . ويبدو أن عصيان بني إسرائيل وعنادهم، تمثلا في هذا العمل، الذي قاصصه الله بشدة. وقد علّق موسى على ذلك. بالقول: هذا ما تكلم به الرب : في القريبين مني أتقدس وأمام جميع الشعب أتمجد (لا 10: 3). وقد كان لهذا التمرد وضع شديد على موسى، حتى إنه لم يبد أي حزن على مصير ابني أخيه، بل طلب من هارون وابنيه الباقيين، ألا يبديا حزناً عليهما، ولكنه قال : أما أخوتكم، كل بيت إسرائيل فيبكون على الحريق الذي أحرقه الرب (لا 10: 6). (12) الارتحال من سيناء : يبدأ سفر العدد بإحصاء بني إسرائيل، ثم بيان مواقع نزولهم حول خيمة الاجتماع، ثم بعض الشرائع الخاصة بالنجاسة وشريعة الغيرة، وشريعة النذير. وبعد ذلك كلم الرب موسى قائلاً: كلم هارون وبنيه قائلاً: هكذا تباركون بني إسرائيل قائلين لهم: يباركك الرب ويحرسك، يضئ الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه إليك ويمنحك سلاماً. فيجعلون اسمي على بني إسرائيل وأنا أباركهم (عد 6: 22- 27). وبعد إقامة المسكن ومسحه وتقديسه وجميع أمتعته والمذبح وجميع أمتعته. وتدشينه ، يذكر كيف كان موسي يتلقى الأوامر من الله : فلما دخل موسى إلى خيمة الاجتماع ليتكلم معه، كان يسمع الصوت بكلمة من على الغطاء الذي على تابوت الشهادة من بين الكروبين فكلمه (عد 7: 89). ويصف الأصحاح التاسع الفصح الذي احتفل به بنو إسرائيل في أول السنة الثانية لخروجهم من أرض مصر، والتعليمات التي أعطاها الرب لموسى لعمل الفصح في الشهر الثاني، في اليوم الرابع عشر، لمن كان في الشهر الأول- نجساً لميت أو في سفر بعيد (عد 9: 9 - 13)، مما يدل على أن موسى كان - على الدوام- يلجأ إلى الرب في كل مشكلة تطرأ، طلباً لإرشاده (انظر أيضاً عد 15: 32- 35). وقد يبدو عجيباً أن موسى - عند الارتحال من سيناء- يطلب من حوباب- حميه - أن يرافقهم قائلاً له : لا تتركنا لأنه بما أنك تعرف منازلنا في البرية، تكون لنا كعيون (عد 10: 31). فقد يبدو ذلك وكأنه قلة ثقة من موسى في إرشاد الرب لهم. ولكن الأرجح أن إدراك موسى لمصاعب الطريق ومخاطرها، جعله يرجو مساعدة حوباب الذي يفترض أنه كان يعرف هذه المناطق جيداً، فمع أن موسى كان يثق في إرشاد الله لهم، إلا أنه أيضاً كان منفتحاً للاستعانة بالمهارة البشرية متى توفرت وكانت ذات نفع. (13) التذمر على المن: ما أن بدأ الارتحال حتى حدث التذمر مرة أخرى (عد 11: 1)، مما جعل غضب الرب يحمى عليهم، فاشتعلت فيهم نار الرب وأحرقت في طرف المحلة. ولم يكن هذا التذمر لعدم وجود طعام، بل لأنهم ملّوا من أكل المن، الخبز الذي من السماء (خر 16)، وطلبوا لحماً (مز 78: 18- 31)، مما أحزن موسى جداً، حتى إنه التمس موته من الرب (عد 11:11- 15). فذاك أفضل له من مواصلة المعاناة من شعب متمرد، إذ من أين له لحم لكل هذا الشعب. وكان جواب الرب له مزدوجاً، فسيعين سبعين رجلاً من شيوخ إسرائيل لمعاونته، وأنه سيعطي الشعب لحماً على مدى شهر من الزمان حتى يخرج من مناخرهم ويصير لهم كراهة (عد 11: 16- 20). ولكن إذ كان اللحم بعد بين أسنانهم … حمي غضب الرب على الشعب ، وضرب الرب الشعب ضربة عظيمة جداً، فدعى ذلك الموضع قبروت هتأوة (قبر الشهوات) لأنهم هناك دفنوا القوم الذين اشتهوا (عد 11: 33 و43). (14) مريم وهارون : حدث شئ غريب أثار - ولابد - مشاعر موسى بشدة، فقد حدث هجوم على شخصه من أقرب الناس إليه، من أخته مريم، ومن أخيه هارون. وفي ذكر اسم مريم أولاً، مع وقوع القصاص عليها، دليل على أنها المحرك الأول لهذا الكلام. وكانت المناسبة هى زواج موسى بامرأة كوشية، مما يرجح معه أنها لم تكن صفورة. فمتى ولماذا تزوج موسى هذه المرأة؟. لا يذكر الكتاب شيئاً عن ذلك، كما لم يذكر لها أسماً. ولم يرد موسى على اتهامات مريم وهارون، ولم يكن في حاجة إلى ذلك، لأن الله سرعان ما تدخل وأثبت لهما أن موسى يشغل موقعاً فريداً، فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسي؟ (عد 12: 8) وأصاب مريم بالبرص، فصرخ موسى إلى الرب - بناء على رجاء من هارون- فشفاها الرب بعد سبعة أيام، توقف فيها الشعب عن الارتحال من حضيروت. (15) الرفض والتمرد : يذكر سفر العدد (13) أن الرب كلم موسى أن يرسل رجالاً ليتجسسوا ارض كنعان، ولكن نفهم من سفر التثنية (1: 21) أن الشعب هو الذي تقدم أولاً إلى موسى في طلب إرسال الجواسيس، ولابد أن موسى - كعادته- رفع الأمر إلى الرب. فسمح له بذلك. فاختار موسى رئيساً من كل سبط، فأرسلهم موسى من برية فاران ليتجسسوا أرض كنعان في أيام باكورات العنب (عد 13: 3 و 17 و20). ثم رجعوا من تجسس الأرض بعد أربعين يوماً وأتوا معهم بزرجونة بعنقود واحد من العنب حملوه بالدقرانة بين أثنين مع شئ من الرمان والتين (عد 13: 23- 25). وشهد جميعهم أولاً بأن الأرض حقاً تفيض لبناً وعسلاً (عد 13: 27)، ولكنهم أردفوا بالقول : غير أن الشعب الساكن في الأرض معتز والمدن حصينة عظيمة جداً، وأيضاً قد رأينا بني عناق هناك (عد 13: 28 و29). وحاول كالب عبثاً أن يقنعهم بأنهم قادرون عليها لأن الرب معهم ، إذ ردوا عليه قائلين : هى أرض تأكل سكانها وجميع الشعب الذي رأينا فيها أناس طوال القامة. وقد رأينا هناك الجبابرة بني عناق من الجبابرة، فكنا في أعيننا كالجراد، وهكذا كنا في أعينهم (عد 13: 32 و33). وتذمر كل الشعب على موسى وهارون، وأرادوا الرجوع إلى مصر. ولما قال يشوع وكالب: الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها، الأرض جيدة جداً جداً. إن سر بنا الرب يدخلنا إلى هذه الأرض. ويعطينا إياها. أرضاً تفيض لبناً وعسلاً. إنما لا تتمردوا على الرب ولا تخافوا من شعب الأرض لأنهم خبزنا… والرب معنا. لا تخافوهم (عد 14: 5- 9). فأرادت كل الجماعة أن ترجمهما بالحجارة، لكن ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع لكل بني إسرائيل. وقال الرب لموسى: حتى متى يُهينني هذا الشعب… إني أضربهم بالوبأ وأبيدهم وأصيّرك شعباً أكبر وأعظم (عد 14: 12، أرجع أيضاً إلى خر 32: 10)، لكن موسى توسل مرة أخرى من أجل الشعب، مستنداً على محبة الرب لشعبه، وغيرته على مجده، فصلح الرب عن الشعب، ولكنه قال : حى أنا فتُملأ كل الأرض من مجد الرب. إن جميع الرجال الذين رأوا مجدي وآياتي التي عملتها في مصر وفي البرية، وجربوني الآن عشر مرات، ولم يسمعوا لقولي، لن يروا الأرض التي حلفت لآبائهم. وجميع الذين أهانوني لا يرونها، وأما عبدي كالب، فمن أجل أنه كانت معه روح أخرى وقد اتبعني تماماً، أدخله إلى الأرض التي ذهب إليها وزرعه يرثها (عد 14: 20- 25). ومات الرجال الذين أشاعوا المذمة الرديئة على الأرض بالوبأ أمام الرب (عد 14: 37). سادساً:- السنة الأخيرة : (أ) الفشل في قادش برنيع : يعود بنا الأصحاح العشرون - من سفر العدد - مرة أخرى إلى قادش، حيث ماتت مريم، وخاصم الشعب موسى (عد 20: 3 أرجع أيضاً إلى خر 17: 2)، لأن المكان كان مقفراً وليس به ماء. وهنا حدثت أعظم مأساة في حياة موسى ، فقد أمره الرب: خذ العصا واجمع الجماعة أنت وهارون أخوك، وكلما الصخرة أمام أعينهم أن تعطي ماءها، فتخرج لها ماء من الصخرة وتسقي الجماعة مواشيهم.. وجمع موسى وهارون الجمهور أمام الصخرة، فقال لهم: اسمعوا أيها المردة أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟ ورفع موسى يده وضرب الصخرة بعصاه مرتين، فخرج ماء غزير فشربت الجماعة ومواشيها. فقال الرب لموسى وهارون: من أجل أنكما لم تؤمنا بي حتى تقدساني أمام أعَين بني إسرائيل، لذلك لا تُدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها (عد 20: 8- 13). ويالها من مأساة لقد ظل موسى وهارون أربعين سنة يقودان الشعب، ويحتملان عوائدهم في البرية (أع 13: 18)، وها هما يحرمان من جني ثمر تعبهما. ويذكر المرنم خطبة موسى هذه، قائلاً : أمروا روحه حتى فرط بشفتيه (مز 106: 33). وقد يبدو العقاب لا يتناسب مع الخطأ، ولكن علينا أن نذكر أن موسى وهارون كانا يشغلان مكانة بارزة في حياة إسرائيل، وقد حباهما الله امتيازات وكرامة كبيرة، فكانت خطيتهما خطية عصيان وتمرد، وكان عقابهما حسب الناموس هو الموت. وفعلاً مات هارون بعد ذلك بقليل على جبل هور (عد 20: 23- 29). ورغم ما اعترى موسى من حزن عميق، إلا أنه استأنف المسير إلى كنعان، وكان قد أرسل إلى ملك أدوم ملتمساً منه أن يدعهم يمرون في أرضه، في طريق الملك، ولكن ملك أدوم أبى عليهم ذلك (عد 20: 14- 22)، وهكذا ارتحل بنو إسرائيل إلى جبل هور حيث مات هارون بعد أن خلع ثيابه الكهنوتية وألبسها ألعازار ابنه (عد 20: 22- 29). (ب) هزيمة ملك عراد والأموريين : بادر ملك عراد بني إسرائيل بالحرب، ولكن الرب دفعه وقومه ليد بني إسرائيل، فقضوا عليهم واستولوا على مدنهم (عد 21: 1- 3). وبعد هذه النصرة، تذمر بنو إسرائيل على الله وعلى موسى قائلين: لماذا أصعدتمانا من مصر لنموت في البرية لأنه لا خبز ولا ماء، وقد كرهت أنفسنا الطعام السخيف، فأرسل الرب على الشعب الحيّات المحرقة، فلدغت الشعب فمات قوم كثيرون من إسرائيل (عد 21: 5و 6). فأتوا إلى موسى معترفين بأنهم قد أخطأوا، فصلى موسى لأجل الشعب، فقال الرب لموسى: اصنع لك حية محرقة وضعها على راية، فكل من لُدغ ونظر إليها يحيا. فصنع موسى حيه من نحاس ووضعها على الراية، فكان متى لدغت حية إنساناً ونظر إلى حية النحاس يحيا (عد 21: 7-9) إذ كانت الحية النحاسية رمزاً لصليب المسيح (يو 3: 14و 15). ثم نجد وصفاً لنصرتهم على ملكي الأموريين سيحون وعوج ، وكانت نصرة سريعة خاطفة، إعلاناً لما يستطيع الرب أن يفعله في سائر أرض كنعان، لو أن بني إسرائيل اتكلوا عليه وأطاعوه.
(جـ) الوصول إلى نهر الأردن: وأخيراً نزل بنو إسرائيل في عربات (سهول) موآب عند نهر الأردن مقابل أريحا، على مرأى من أرض الموعد (عد 22: 1). تأتى بعد ذلك قصة بلعام (عد 22- 24)، ولا يذكر فيها اسم موسى، ولكنها بالغة الأهمية لما فيها من نبوات ومواعيد عظيمة للشعب. ثم يأتي الأصحاح الخامس والعشرون بقصة مخزية، من القصص العديدة لتعديات بني إسرائيل، فقد زنا الشعب من بنات موآب، وهو ما أشار به بلعام- النبي- العراف- على بالاق ملك موآب. وقد قتل بنو إسرائيل - بعد ذلك- بلعام مع ملوك مديان الخمسة (عد 31: 8). وقد ذكرت هذه الخطية مراراً لتحذير الشعب (يش 13: 22، 2 بط 2: 15، يهوذا 11، رؤ 2: 14). وكانت هذه القصة نبوة بتاريخ بني إسرائيل في أرض الموعد، لأنها كانت أول مرة يواجه فيها بنو إسرائبل - بعد خروجهم من مصر- مباهج ومغريات عبادة الأوثان بما فيها من دعارة وفجور، مما كانوا سيواجهونه في أرض كنعان، وبسبب هذه العبادات أهلك الرب الكنعانيين، وأعطى بني إسرائيل أرضهم. وكانت نتيجة سقوط بني إسرائيل في هذه الخطية، أن أهلك الرب منهم بالوبأ أ ربعة وعشرين ألفاً (عد 25: 1-9). وأعقب هذا الوبأ إجراء الإحصاء الثاني لبني إسرائيل (الأصحاح 26) والذي يسجله سفر العدد بطريقة تختلف عن تسجيل الإحصاء الأول (الأصحاح الأول)، كما تختلف الأعداد أيضاً لكل سبط ، ولكن المجموع الكلي (730 و 601) يقل قليلاً عنه في التعداد الأول (550 و 603)، مع ملاحظة زيادة في عدد اللاويين (23.000). وفي هؤلاء لم يكن إنسان من الذين عدهم موسى وهارون… في برية سيناء…. إلا كالب بن يفنة ويشوع بن نون (عد 26: 64). ثم أثيرت قضية بنات صلفحاد (عد 27: 1-11)، وصدر فيها قرار إبتدائي. ثم أعطى الرب موسى التعليمات الخاصة بإقامة يشوع خليفة له، وكذلك التعليمات الخاصة بالأعياد والتقدمات، وبخاصة أعياد الشهر السابع (الأصحاح 29) والنذور (الأصحاح 30). ثم ثأتي وصف الانتقام من المديانيين بشئ من التفصيل عن الغنائم من الناس ومن المواشي. وكانت خيانتهم للرب في أمر بعل فغور هى أخطر خطايا بني إسرائيل المسجلة عن فترة البرية. وما كان اغرب أن يحدث ذلك في نهاية أيام البرية، رغم وجود موسى معهم، ووقوع أرض الموعد على مرأى منهم. وقد وافق موسى على طلب السبطين والنصف، أن يعطيهم الأرض الواقعة في شرقي الأردن (الأصحاح 32)، على شرط أن يعبر كل متجند منهم مع أخواتهم إلى أن يتم إخضاع كل الأرض في غربي الأردن
اقتراحات موسوعية أخرى
الجان
الجان
جن الشيء ستره، وبه سمي الجن لاستنارهم واختفائهم عن الابصار.. وكانوا يعتقدون ان الجان روح تلب...
حامل السلاح
سلاح - حامل السلاح
كان حامل السلاح محارباً يحمل الترس الكبير ، وربما بعض الأسلحة الأخرى ليمشي بها...
ميشائيل
ميشائيل
- اسم عبري معناه من مثل الله ؟ ، وهو :
(1) - ميشائيل بن عزيئيل عم هارون ، وقد داعه موسى وأ...
خفاش
خُفاش
الخفاش حيوان ثديي قادر على الطيران، ولكنه لا يطير إلا ليلاً، ويقضي النهار في الكهوف والأماكن...
الخروج
الخروج
أولاً - المسار:
(1) نقطة البداية و الانطلاق: في الرابع عشر من شهر أبيب (أوائل شهر ابريل) تج...
ابسخيرون
إسم يونانى معناه الأب القوى