كلمة منفعة
القلب القوي، هو القلب الصامد، الذي لا تقوى عليه العوامل الخارجية، فلا يهتز بسبب من الخارج.
— القلب القوي

موسى والأربعون السنة الثانية من عمره

موسى والأربعون السنة الثانية من عمره
حجم الخط
(أ) موسى في مديان : مرت أربعون سنة سريعاً (أع 7: 23)، وجاء ابن ابنة فرعون - أعظم ملوك عصره- إلى أرض مديان وجلس عند البئر (خر 2: 15). وبينما هو جالس هكذا، جاءت سبع بنات إلى البئر، ورآهن يستقين لغنم أبيهن- كاهن مديان- ثم رأى جماعة من الرعاة يطردوهن. وكان في إمكان موسى ألا يزج بنفسه في مشكلة لا تعنيه، وبخاصة أنه أصبح غريباً وشريداً نتيجة لتدخله في مشكلة مشابهة، ولكن شهامته أبت عليه ذلك، فنهض موسى وأنجدهن وسقى غنمهن (خر 2: 17). ولابد أن كان في مظهره وعمله الشجاع ما أرهب الرعاة الذين أرعبوا البنات السبع، فانسحبوا أمام جرأة هذا الرجل الغريب. فلما عادت البنات إلى أبيهن رعوئيل (خر 2: 18، ويدعى أيضاً يثرون - خر 3: 1) أسرع من المعتاد وسألهن عن السبب، قلن رجل مصري أنقذنا من أيدي الرعاة، وإنه استقى لنا أيضاً وسقى الغنم. فقال لبناته: وأين هو؟ لماذا تركتن الرجل؟ ادعونه ليأكل طعاماً. فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل . فأعطى موسى صفورة ابنته (زوجة) (خر 2: 16- 21. ومعنى صفورة هو عصفورة ).
(ب) موسى ويثرون : ولا يذكر الكتاب متى ارتبط موسي بصفورة، وعندما ولدت له ابنه البكر، دعاه جرشوم لأنه قال كنت نزيلاً في أرض غريبة (خر 2: 22)، مما يدل على أن موسى لم يكن سعيداً وهو بعيد عن أخوته طيلة أربعين عاماً. وحدث في تلك الأيام الكثيرة أن ملك مصر مات (خر 2: 23)، والأرجح أن ذلك حدث قرب نهاية الأربعين السنة، حيث أن موت ذلك الفرعون هو الذي فتح الباب أمام عودة موسى إلى مصر.
(جـ) موسى أمام العليقة : لقد غطى الأصحاح الثاني من سفر الخروج المرحلتين الأولى والثانية من حياة موسى، أي مدة ثمانين عاماً. وقد انتهت كل من المرحلتين بنقطة فاصلة، الأولى بهروبه من مصر، والثانية بالأمر بعودته إلى مصر. كان موسى يرعى غنم يثرون حميه كاهن مديان، فساق الغنم إلى وراء البرية، وجاء إلى جبل الله حوريب . ولعله سبق أن قادها إلى هذا الموضع مراراً من قبل، ولكن حدث في هذه المرة أن ظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة. فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار، والعليقة لم تكن تحترق . ولابد أنه كثيراً ما شاهد من قبل أنه متى اشتعلت النار في عليقة، فإنها سرعان ما تحترق بضجيج (جا 7: 6)، فكان عجيبا أن يرى العليقة تتوقد بالنار دون أن تحترق. فقال : أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم: لماذا لا تحترق العليقة! وعندما اقترب منها ناداه الله محذراً له بأنه واقف على أرض مقدسة، فلم يكتف موسى بأن يخلع حذاءه من رجليه كما أمره ملاك الرب، بل غطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله (خر 3: 1-6). فأعلن الله نفسه لموسى بأنه إله آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب، وأنه سمع صراخ شعبه الذي في مصر، وأنه نزل لينقذهم من أيدي المصريين، ويصعدهم إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً . وهنا سمع موسى دعوة عجيبة: فالآن هلم فأرسلك إلى فرعون وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر (خر 3: 6-10). كانت قد مضت أربعون سنة منذ أن حاول إنقاذ أخوته بطريقته الخاصة مما أدى إلى هروبه من مصر، والآن يأتيه هذا التحدي من الله، فلا عجب أن يقول موسى لله: من أنا حتى أذهب إلى فرعون، وحتى أخرج بني إسرائيل من مصر؟ (خر 3: 11). وإذا كان رد موسى هو ما كان ينتظر من رجل في مثل موقفه، فإن جواب الله على تساؤله، كان عجيباً: إني أكون معك . وهذه تكون لك العلامة أني أرسلتك. حينما تُخرج الشعب من مصر، تعبدون الله على هذا الجبل (خر 3: 12). وكانت هذه العلامة تحدياً مزدوجاً لموسى: لإيمانه بإله آبائه، ولمحبته لشعبه، الذين رفضوه عند محاولته الأولى لخدمتهم. وإذ أراد موسى أن يتجنب تلك المواجهة، سأل الله : ها أنا آتي إلى بني إسرائيل وأقول لهم : إله آبائكم أرسلني إليكم، فإذا قالوا لي: ما اسمه فماذا أقول لهم؟ فقال الله لموسى: أهيه الذي أهيه (أي أنا هو الذي أنا هو ) وقال هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب أرسلني إليكم، هذا اسمي وهذا ذكري إلى دور فدور (خر 3: 15). وجاءه الأمر ثانية: اذهب اجمع شيوخ إسرائيل وقل لهم: الرب إله آبائكم… ظهر لي قائلاً : إني قد افتقدتكم وما صُنع بكم في مصر. فقلت أصعدكم من مذلة مصر إلى أرض … تفيض لبناً وعسلاً (خر 3: 16 و17). وطلب منه أن يدخل هو وشيوخ إسرائيل إلى ملك مصر ليطلبوا منه أن يدعهم يمضون سفر ثلاثة أيام في البرية ليذبحوا للرب إله آبائهم الذي ظهر لهم عن طريق موسى. وكان هذا مطلباً متواضعاً، ليكشف عدم معقولية رفض فرعون. ولكن الرب أردف ذلك بالقول : ولكني أعلم أن ملك مصر لا يدعوكم تمضون ولا بيد قوية. فأمد يدي وأضرب مصر بكل عجائبي التي أصنع فيها، وبعد ذلك يطلقكم (خر 3: 20). وقدم موسى اعتراضاً منطقياً بأن بني إسرائيل لن يصدقوه، ولن يسمعوا لقوله، فأعطاه الله ثلاث آيات: عصاه تتحول إلى حية، ويده تصبح برصاء، والماء يتحول إلى دم. وشتان ما بين هذه الآيات والعلامة التي سبق أن أعطاها الرب لموسى (خر 3: 12)، فهذه الآيات علامات مرئية واقعية، تخضع للحواس، دليلاً على قدرة الله، وتهدف إلى إقناعهم للإيمان بالله، وبأن موسى خادم العلي إله آبائهم. كما أن هذه الآيات كانت تحدياً محدداً لموسى، فقد أرهبت الحية موسى فهرب منها، إلا أنه أطاع عندما أمره الرب أن يمسك بذنبها، وفي الحال أصبحت الحية المخيفة عصا في يده. والبرص مرض مخيف، ولا بد أن منظر يده البرصاء قد ملأ موسى خوفاً وهلعاً، ومع ذلك عندما أمره الرب أدخلها في عبه ثم أخرجها من عبه فإذا هى سليمة خالية من كل أثر للبرص، وتحول الماء إلى دم يجعله شيئاً مقززاً تعافه النفس ولا تستطيع أن تشربه (خر 7: 20 و 21). وأثار موسى اعتراضاً آخر، فهو غير مؤهل للقيام بالعمل الذي دعاه إليه الرب، فهو ليس صاحب كلام، أي أنه ليس فصيح اللسان ، بل ثقيل الفم واللسان. فقال له الرب من صنع للإنسان فماً أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيراً أو أعمى؟ أما هو أنا الرب؟ فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك، وأعلّمك ما تتكلم به . ومع ذلك ظل موسى يقاوم قائلاً: استمع أيها السيد: أرسل بيد من ترسل (خر 4: 13)، أى أرسل أحداً سواي، فغضب الرب، وعيّن له أخاه هارون ليتكلم بلسانه (خر 4: 16)، وكان على موسى أن يأخذ في يده العصا التي تحولت إلى حية ليصنع بها الآيات (خر 4: 17).
(د) عودة موسى إلى يثرون : رجع موسى إلى يثرون حميه ليستأذنه في العودة إلى مصر ليرى أخوته. فقال له يثرون : اذهب بسلام ، ولم يخبره بإرسال الرب له لإخراج شعبه من مصر. وأعاد الرب الأمر لموسى وهو في مديان: اذهب ارجع إلى مصر. لأنه قد مات جميع القوم الذين كانوا يطلبون نفسه (خر 4: 18 و19).
(هـ) الرحيل إلى مصر : فأخذ موسى أمرأته وبنيه وأركبهم على الحمير ورجع إلى مصر. وأخذ موسى عصا الله في يده (خر 4: 20)، مما يدل على أن ابنيه كان صغيرين، أي أن موسى لم يأخذ صفورة زوجة له إلا قرب نهاية الأربعين السنة الثانية، أو أنها ظلت مدة طويلة (مثل راحيل) عاقراً، قبل أن تلد ابنيها.
(و) عريس دم (4 : 24- 31): في أثناء عودة موسى إلى مصر، حدث شئ عجيب، يلقي بعض الضوء على حياة موسى في مديان، ويؤيد فكرة أن ولدي موسى كانا صغيرين في ذلك الوقت. فما حدث في الطريق، في المنزل (خر 4: 24) يدل على أن موسى لم يختن ابنه قبل مغادرته مديان، ولعل ذلك حدث بسبب العجلة وانشغاله بالمهمة التي دعاه إليها الله، أو أن الأرجح هو أن صفورة اعترضت على عملية الختان. ولا يمكن الجزم باعتراضها على ختان جرشوم. لكن في الطريق، في المنزل، عندما أيقنت أن حياة موسى في خطر، وأنها هى المسئولة عن ذلك، قامت بنفسها بإجراء عملية الختان مكرهة، كما يبدو من تكرارها لعبارة عريس دم . ومهما كان الأمر فقد أخطأ موسى في عدم إجراء علامة العهد لابنه، وهو ما كان لزاماً على كل إسرائيلي أن يعمله، فقد كانت عقوبة إهمال ذلك هى الموت (تك 17: 13 و14).
(ز) التقاء موسى بهارون (خر 4: 14 و27): أرسل الرب هارون للالتقاء بموسى عند جبل الله. وكان هذا يتضمن القيام برحلة طويلة، مما قد يعني أن موسى أراد أن يزور البقعة التي دعاه فيها الله لمهمته، ليجدد ثقته وقوته استعداداً للصراع الذي ينتظره. وفي جبل الله تقابل هارون وموسى، وقبّله وهو عمل من أعمال المودة الأخوية ودليل على ما كان بينهما من رابطة أخوية قوية، بعد أن افترق أحدهما على الآخر طيلة أربعين عاماً. وكان لدى موسى الكثير ليقوله لهارون، إذ أخبره بجميع كلام الرب الذي أرسله، وبكل الآيات التي أوصاه بها (خر 4: 28).