كلمة منفعة
وسط زحمة الحياة ومشاغلها وضوضائها واهتماماتها الكثيرة ما أجمل أن يتفرغ الإنسان -ولو قليلًا- للجلوس مع الله، في جو التأمل، والصلاة، وانفتاح القلب على الله..
— في البرية والهدوء

اشعياء ( 1 )

اشعياء ( 1 )، أشعيا، إشعيا، إشعياء، أشعياء
حجم الخط
إشعياء
يبرز إشعياء بين جميع أنبياء إسرائيل كملك عليهم جميعا ، والسفر الذى يحمل اسمه يعتبر من أروع ما كتب فى كل الآداب وموضعه هو " الخلاص بالإيمان " فإشعياء هو بولس العهد القديم .
أولاً – اسمه: وهو فى العبرية " يشوع ياهو " فاسمه يدل على رسالته إذ معناه " يهوه يخلص " أو " ياه ( الرب ) خلاصي " أو " خلاصي ياه " .
ثانياً – تاريخه الشخصي : هو إشعياء بن آموص ( وليس عاموس ) ، ويبدو أنه كان ينتسب إلى أسرة عريقة كما يتضح من سهولة اتصاله بالملك ( إش 7 : 3 ) وكذلك من علاقته الوثيقة بالكاهن ( 8 : 2 ) . ويقول التقليد إنه كان ابن عم الملك عزيا ، عاش فى أورشليم وصار واعظا للقصر . كان متزوجا وله ابنان : " شآريشوب " ومعناه " بقية ستؤوب أو ستعود " ( 7 : 3 ) ، " ومهير شلال حاش بز " ومعناه " سريع إلى النهب والسلب متعجل إلى الغنيمة " رمزا لشهوة أشور المجنونة للغزو ( 8 : 3 ) . ويقول تقليد يهودي استنادا إلى تفسير خاطئ لما جاء فى ( 7 : 14 ) ، أنه تزوج مرتين .
ثالثاً – دعـوتـه : فى سنة وفاة الملك عزيا ، تلقى إشعياء – بينما كان يتعبد فى الهيكل – الدعوة ليكون نبيا ( ص6 ) ولبي الدعوة بنشاط ملحوظ ، وقبل القيام بالرسالة مع أنه علم من البداية أنه مهمته ستكون الإنذار والتحريض ، ولكن بلا جدوى ( 6 : 9 – 13 ) . وحيث كان يقيم فى أورشليم ، أصبح أهلا لأن يكون المستشار السياسي والديني للأمة ، ولكن الاختبار الأسمى الذى أعده – أكثر من أى شيء آخر – لعمله الهام ، كان الرؤيا العظيمة للإله المثلث القداسة التى رآها فى الهيكل فى سنة وفاة عزيا الملك . وليس ثمة سبب وجيه يدعونا إلى الشك فى أن هذه كانت رؤاه الأولى ، رغم أن البعض يعتبرونها حدثت له بعد عدة سنوات من الخبرة فى الوعظ والتبشير ، وكان القصد منها تعميق حالته الروحية .
ومع أن هذه الرؤيا كانت الرؤيا الواضحة الوحيدة التى رآها إشعياء إلا أن السفر كله من أوله إلى آخره ، هو " رؤيا " – كما يذكر فى فاتحته ( 1 : 1 ) . لقد كان أفقه السياسى والروحى واسعا بلا حدود ، فهو كان نبي إسرائيل العالمى بمعنى الكلمة .
رابعاً – عبقريته الأدبية وأسلوبه : ليس هناك من يفوق إشعياء فى براعة التعبير وتألق الخيال فأسلوبه قمة فى فن الأدب العبرى ، فجمله وتعبيراته الوصفية دقيقة رفيعة المستوى . وهو فنان بارع فى اختيار الكلمات ، ويتميز السفر كله بالجمال والقوة ، فعباراته البارعة واستعاراته الجميلة وبخاصة عن الفيضانات والعواصف والأصوات ( 1 : 13 ، 5 : 18 و 22 ، 8 : 8 ، 10 : 22 ، 28 : 17 و 20 ، 30 : 28 و30 ) وكذلك أسلوب الاستفهام والحوار ( 6 : 8 ، 10 : 8 و 9 ) ، والطباق والجناس ( 1 : 18 ، 3 : 24 ،17 : 10 و 12 ) ، كذلك الإطناب والأمثال ( 2 : 7 ، 5 : 1 – 7 ، 28 : 23 – 29 ) ، وأساليب التورية وتلاعب الألفاظ ، كل هذه تميز سفر إشعياء وتضعه فى قمة آداب اللغة العبرية . كما أنه يشتهر بثرائه فى الكلمات والمترادفات ، فمثلا يستخدم حزقيال 1535 كلمة ، وإرميا 1653 كلمة ، وسفر المزامير 2170 كلمة بينما يستخدم إشعياء 2186 كلمة ، كما كان إشعياء يجيد الخطابة ، ويشبهه القديس جيروم بديموستنيس خطيب اليونان ، كما كان شاعرا مطبوعا ، وكثيرا ما كان يصوغ رسائله فى عبارات منظومة أو أسلوب شعرى ( 12 : 1 – 6 ، 25 : 1 – 5 ، 26 : 1 – 12 ، 38 : 10 – 20 ، 42 : 1 – 4 ، 49 : 1 – 9 ، 50 : 4 – 9 ، 52 : 13 – 53 : 12 ، 60 – 62 ، 66 : 5 – 24 ) . وفى كثير من الأوقات كان يستخدم الأوزان الشعرية الحزينة كما فى ( 37 : 22 – 29 ) حيث نجد قصيدة ساخرة عن سنحاريب ، وفى ( 14 : 4 – 23 ) قصيدة أخرى عن ملك بابل ،لقد كان لإشعياء ملكة شعرية رائعة .
خامساً – التقيلد الخاص باستشهاده : لا نعرف على وجه التحديد ، شيئا عن نهاية النبي، ولكن ظهر قرب نهاية القرن الثانى الميلادى ، تقليد مؤداه أنه استشهد فى وقت الردة الوثنية التى حدثت فى عهد الملك منسي ، بسبب أقوال معينة عن الله والمدينة المقدسة ، زعم معاصروه أنها مخالفة للناموس ، وتذكر " المشنا " اليهودية بوضوح أن منسي قتله ، كما أن الشهيد يوستينوس ( 150م ) فى حواره مع ترايفو اليهودى ، يعير اليهود بهذا الاتهام : " الذى نشرتموه بمنشار خشبى " . ويؤيد هذا التقليد ، أحد أسفار الأبوكريفا اليهودية من القرن الثانى الميلادى هو كتاب " صعود إشعياء " وما ذكره أبيفانيوس الأسقف فى كتابه " سير الأنبياء " . ويحتمل جدا أن يكون هناك تلميح إلى استشهاده فى الرسالة إلى العبرانيين ( 11 : 37 ) حيث نقرأ : " رجموا ، نشروا " ، ولكن لا يمكن تأكيد ذلك . على أى حال ، لقد عاش بعد كارثة حصار سنحاريب لأورشليم ( فى سنة 701 ق . م ) وبعد موت الملك حزقيا ( سنة 699 ق . م ) لأننا نقرأ فى سفر أخبار الأيام الثانى ( 32 : 32 ) أن إشعياء كتب تاريخ حياة الملك حزقيا . وعلى هذا تكون خدمته النبوية قد امتدت إلى ما يربو على الأربعين عاما ، بل يرى البعض أنها امتدت لأكثر من خمسين سنة .
سادساً – زمانه : نعرف من مقدمة السفر ( 1 : 1 ) أن إشعياء تنبأ فى أثناء حكم ملوك يهوذا عزيا ويوثام وآحاز وحزقيا . ويقول إن رؤاه الأولى فى سنة وفاة عزيا الملك ( 6 : 1 ) وكان ذلك فى 740 ق . م تقريبا ، كما نعلم أنه كان مازال يواصل خدمته عندما حاصر سنحاريب أورشليم فى 701 ق . م ، ولذلك فإن فترة خدمته كنبي شملت المدة من 740-701 ق . م فشهد إشعياء وهو بعد شاب ، التقدم السريع لمملكة يهوذا اقتصاديا وعسكريا ، لأنه فى أيام عزيا ، بلغت يهوذا درجة من الازدهار والقوة ، لم تتمتع بها منذ أيام سليمان . ففى أثناء حكم عزيا الطويل المزدهر – الذى دام 52 سنة – تحقق ليهوذا بناء الأسوار والأبراج والقلاع ، وإنشاء جيش عامل كبير ، وإقامة ميناء تجارى على البحر الأحمر ، كما ازدهرت التجارة الداخلية ، ودفع العمونيون الجزية ، وانتصرت يهوذا فى حربها ضد الفلسطينيين العرب ولكن إلى جانب القوة والثراء ، ساد الجشع والظلم والفساد وتحولت العبادة إلى عباده شكلية . لاشك فى أن دخل الهيكل ازداد جدا ، لكن لم تكن هناك رابطة بين الدين والحياة العامة . كان نجاح الأمة نجاحا ماديا ، وفى أثناء حكم يوثام (740 – 736ق.م) – الذى حكم عدة سنوات كنائب ملك فى أثناء حكم أبيه – بدأت تظهر فى أفق المشرق قوة جديدة ، فقد بدأ الأشوريين – الذين احتك بهم أخآب فى معركة كركر فى 854 ق . م ، والذين دفع لهم ياهو الجزية فى 842 ق . م – بدئوا فى الظهور من جديد ، تدفعهم شهوة عارمة للغزوات ، فقد وجه تغلث فلاسر الثالث – الذى يسمى " فول " فى الملوك الثانى ( 15 : 19 ) ، والذى حكم أشور من 745 – 727 ق . م – وجه اهتمامه إلى الغرب . وفى 738 ق . م أخضع أرفاد وكلنو وكركميش وحماة ودمشق وأجبرها فى دفع الجزية . وبسبب تواجده فى الغرب ، تحالف " فقح " ملك إسرائيل مع " رصين " ملك دمشق لمقاومة أى عدوان من جانب ملك أشور . وعندما رفض آحاز أن ينضم إلى هذا التحالف ، حاولا خلعه عن عرشه وإحلال " ابن طبئيل " مكانه على عرش داود ( 2مل 16 : 5 ، إش 7 : 6 ) وقد عرف هذا الصراع " بالحرب الأفرايمية الأرامية " ( 734 ق . م ) وتعتبر من أهم الأحداث فى عصر إشعياء . وفى فزع بالغ استنجد آحاز بتغلث فلاسر ( 2مل 16 : 7 ) الذى أسرع بالاستجابة وكانت النتيجة أن المحارب الأشورى القوى ، نهب غزة وأسر كل سكان الجليل وجلعاد ( 734 ق . م ) ، وأخيرا احتل دمشق ( 732 ق . م ) ، واضطر آحاز إلى دفع ثمن غال لحمايته ، وعندئذ ذلت يهوذا جدا ( 2مل 15 : 29 ، 16 : 7 – 9 ، 2أخ 28 : 19 ، أش 7 : 1 ) . لقد أدت سياسة آحاز الدينية والسياسية إلى الدمار ، فلكي يرضى آحاز تغلث فلاسر ، ذهب إلى دمشق للاشتراك فى أعياد انتصاراته ، وفى أثناء تواجده هناك ، رأى مذبحا أراميا ، فأرسل رسمه إلى أورشليم ، وعمل نظيره فى الهيكل فى أورشليم بدلا من مذبح النحاس الذى عمله سليمان . وهكذا أدخل آحاز – بكل نفوذه كملك – عبادة الأصنام إلى أورشليم ، بل عبر بنيه فى النار ( 2مل 16 : 10 – 16 ، 2أخ 28 : 3 ) .
وخلف حزقيا أباه آحاز ، وهو فى الخامسة والعشرين من عمره ، وملك 29 سنة ( 727 – 699 ق . م ) ، وكان إشعياء يكبره بنحو 15 سنة على الأقل وورث الملك الشاب عن أبيه تركة ثقيله ، إذ بدأت عظمة عصر عزيا ويوثام ، فى الذبول بسرعة أمام تهديدات الأشوريين المستمرة وجشعهم . لقد بدأ حزقيا حكمه بالاصلاح " فأزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السوارى وسحق حية النحاس التى عملها موسي ( 2مل 18 : 4 و 22 ) ، كما دعا البقية الباقية فى المملكة الشمالية ( إسرائيل ) ليشتركوا فى عيد الفصح ( 2أخ 30 : 1 ) . ولكن نهاية دولة إسرائيل كانت تقترب لأن هوشع ملك إسرئيل المتذبذب ( 730 – 722 ق . م ) . – بتشجيع من مصر – رفض أن يدفع الجزية السنوية لأشور ( 2مل 17 : 14 ) ومن ثم ظهر فى الحال شلمناصر الرابع – الذى جاء بعد تغلث فلاسر – أمام أبواب السامرة فى 724 ق . م وحاصر المدينة حصارا رهيبا لمدة ثلاث سنوات ( 2مل 17 : 5 ) . وأخيرا احتل سرجون الثانى – الذى جاء بعد شلمناصر الرابع – فى سنة 722 ق . م . المدينة سبي نحو 27.292 من أفضل شعب إسرائيل ( طبقا لوصف سرجون نفسه فيما خلفه من نقوش ) إلى أشور ، وجاء بمستوطنين من بابل وأماكن متفرقة أخرى وأسكنهم مدن السامرة ( 2مل 17 : 6 و 24 ) وهكذا اختفت مملكة إسرائيل فى طى النسيان ، وأصبحت يهوذا بعد ذلك وحيدة معرضة للنهب والتخريب سياسيا ودينيا من جيرانها البابليين والأشوريين ، ولم تسلم يهوذا فى الواقع من التخريب إلا بدفع جزية باهظة ، وكانت هذه هى الأزمة السياسية العظيمة الثانية فى أثناء خدمة إشعياء . ثم توالت الأزمات تباعا ، كانت إحداها مرض حزقيا الخطير الذى واجه معه الموت المحقق فى سنة 714 ق . م . ولأنه لم يكن له ولد كان قلقا جدا على مستقبل بيت داود ، ولذلك رفع قلبه فى صلاة حارة إلى الله فاستجاب له ومد له فى عمره خمس عشرة سنة ( 2مل 20 ، إش 38 ) . وحدث مرضه هذا فى فترة استقلال بابل بقيادة مرودخ بلادان عدو أشور الطموح العنيد ، الذى حقق لبابل استقلالها واسترد لها سيادتها على مدى اثنتى عشرة سنة ( 721 – 709 ق . م ) . وقد انتهز مرودخ مناسبة شفاء حزقيا – هذا الشفاء العجيب – فأرسل سفارة إلى أورشليم لتهنئته على شفائه ( 712 ق . م ) ويحتمل أنه بحث معه – فى نفس الوقت – موضوع تكوين حلف بينه وبين يهوذا لمقاومة الاشوريين( 2مل 20 : 12 – 15 ، إش 39 ) . وعلى أى حال لم يحدث شئ نتيجة لهذا التحالف ، لأن جيش سرجون ظهر فى فلسطين فى العام الثانى لتأديب أشدود على تآمرها مع ملك مصر ( 711 ق . م ) ، وهنا بدأت أعظم الأزمات ، فلقد عانت يهوذا وجيرانها كثيرا جدا من الابتزاز الأشورى الثقيل ، وحدث بعد اغتيال سرجون وتولى سنحاريب العرش فى سنة 705 ق . م . أن انفجر التمرد على كل الجبهات ولكن مرودخ بلادان الذى كان قد طرده سرجون فى سنة 709ق . م استعاد بابل واحتفظ بها ستة شهور على الأقل فى سنة 703ق.م ، فكان أن حزقيا – بتشجيع مصر وكل الفلسطينيين باستثناء بادى فى عقرون ، الذى كان ألعوبة فى يد سرجون – رفض دفع الجزية لأشور ( 2مل 18 : 7 ) ، فقد ظهر فى تلك الأثناء حزب قوى متشيع لمصر ، فى أورشليم . وفى ضوء كل هذه الأحداث والظروف زحف سنحاريب فى سنة 701 ق . م بجيش عظيم نحو الغرب مكتسحا كل ما صادفه ، وحاصر صور ولكنه لم يفتحها ، ولكن يافا والتقية وعقرون وأشقلون وعمون وموآب وأدوم ، كلها خضعت فورا لمطالبه ، أما حزقيا – وقد أصيب بهلع شديد – فأسرع بتقديم جزية سخية مجردا الهيكل والقصر من كل كنوزهما لكى يجمع تلك الجزية الباهظة ( 2مل 18 : 13 –16 ). ولكن سنحاريب لم يقنع بهذه ، بل اجتاح يهوذا . وكما يقول سنحاريب فى نقوشه أنه فتح 46 مدينة ذات أسوار ، وقري بلا عدد ، وحمل معه 200.150 من شعب يهوذا إلى السبي فى أشور ، كما فرض 800 وزنة من الفضة وثلاثين وزنة من الذهب ، جزية على يهوذا ، أى ما يساوى نحو 1.500.000 دولار . كما أخذ معه – كما يذكر هو – بنات حزقيا ونساء القصر والمغنيين والمغنيات ، مع غنيمة ضخمة . ولم يذكر هذا هو كل شيء ، فقد عرج سنحاريب نفسه – على رأس جيشه الضخم – على لخيش ، وفى نفس الوقت أرسل فرقة قوية بقيادة " ربشاقي " رئيس جيشه لمحاصرة أورشليم ( 2مل 18 : 17 – 19 : 8 ، إش 36 : 2 – 37 : 8 ) . ويصف سنحاريب – فى نقوشه – هذا الحصار بالقول : " لقد حبست حزقيا فى أورشليم كطائر فى قفص " . ولكن ربشاقي فشل فى احتلال المدينة ، وعاد إلى سنحاريب الذى كان فى ذلك الوقت قد فتح لخيش وتوجه لمحاربة لبنة . وبينما هو يدبر حملة أخرى ضد أورشليم سمع أن ترهاقة ( القائد العام للجيش المصرى ، والذى أصبح فيما بعد ملكا على كوش قد خرج ليحاربه ، فاضطر إلى الاكتفاء بإرسال سفارة له برسالة إلى حزقيا يطالبه فيها بتسليم المدينة فورا ( 2مل 19 : 9 – 19 ، إش 37 : 9 – 13 ) ، ولكن حزقيا رفض ذلك ، بناء على أقوال إشعياء النبي ، مع أن سنحاريب تخلص من جيش ترهاقة بدون مشقة كبيرة ، إلا أن جيشه الضخم ، ضربه ملاك الرب ، فاضطر الفاتح الأشورى العظيم أن يعود إلى نينوى ، ولعله أيضا بسبب عودة مرودخ بلادان إلى الظهور فى بابل . ولم يعد سنحاريب – على قدر علمنا – مرة أخرى إلى فلسطين خلال العشرين سنة التالية ، مع أنه قام بحملة مستقلة على شمالى العربية ( 691 – 689 ق . م ) . أما غزوة سنحاريب ليهوذا فى سنة 701 ق . م ، فتعتبر أهم حدث سياسي فى أثناء خدمة إشعياء ولولا مركز إشعياء كرجل دولة ، لاستسلمت أورشليم ، ولما نجت إلا بقية قليلة جدا من شعب يهوذا، وكان قد مضى على إشعياء فى خدمته النبوية نحو أربعين سنة ، أما كم من الوقت استمر فى خدمته بعد ذلك ، فأمر غير معروف لنا .
سابعاً – التحليل والمحتوي : ينقسم السفر إلى ستة أقسام رئيسية :
1- القسم الأول ويشمل الإصحاحات 1 – 12 ، وهى نبوات عن يهوذا وأورشليم ، تختم بمواعيد الرجوع ، ثم مزمور شكر .
2- القسم الثانى ويشمل الإصحاحات 13 – 23 ، وحى عن الدينونة والخلاص ، ويختص – فى معظمه – بالأمم الأجنبية التى ارتبط مصيرها بمصير يهوذا وأورشليم .
3- القسم الثالث ويشمل الإصحاحات 24 – 27 عن دينونة الله للعالم ، وفداء إسرائيل .
4- القسم الرابع ويشمل الإصحاحات 28 – 35 ، وهى سلسلة من التحذيرات النبوية من التحالف مع مصر ، تختم بنبوة عن أدوم ووعد بفداء إسرائيل .
5- القسم الخامس ويشمل الإصحاحات 36 – 39 وهى نبذة تاريخية ونبوة ، تتخللها ترنيمـة ، ويمكـن أن يعتبـر هذا القسم تذييلا للإصحاحات 1 – 35 ومقدمة للإصحاحات 40 – 66 .
6- القسم السادس ويشمل الإصحاحات 40 – 66 ، وهى نبوات للتعزية والخلاص والمستقبل المجيد الذى ينتظر إسرائيل .
وإذا فحصنا هذه الأقسام العامة بالتفصيل ، يمكننا أن نتابع أفكار النبي بصورة أفضل. وهكذا نرى أن الأصحاحات 1 – 12 تكشف عن خطايا يهوذا الاجتماعية ( 1 – 6 ) وتورطها السياسي ( 7 – 12 ) . والأصحاح الأول مقدمة يعزف فيها النبى الألحان الرئيسية للسفـر كله ، فمثلا الأعداد من 2 – 9 عن عدم الفهم ، من 10 – 17 عن العبادة الشكلية ، من 18 – 23 عن الغفران ، من 24 –31 عن الدينونة .
أما الأصحاحات من 2 – 4 ، فتحتوى على ثلاث صور مختلفة لصهيون :
أ- عظمتها وارتفاعها ( 2 : 2 – 4 ) .
ب- عبادتها للأصنام فى ذلك الوقت ( 2 : 5 – 4 : 1 ) .
ت- تطهيرها وتنقيتها نهائيا ( 4 : 2 – 6 ) .
أما الإصحاح الخامس على إدانة واتهام ليهوذا وأورشليم ويتكون من ثلاثة أجزاء :
أ-مثال عن كرم الرب ( 1 – 7 ) .
ب- مجموعة من ستة ويلات ضد الجشع ( 8 : 10 ) ، والانغماس فى اللذات( 11 – 17 )، والاستخفاف الوقح بالرب ( 18 : 19 ) ، وعدم ادراك الفروق الأخلاقية ( عد 20 ) ، والغرور السياسي ( 21 ) والبطولة المنحرفة ( 22 و 23 ) .
ج-إعلان الدينونة الوشيكة ، فالأشوريون فى طريقهم إليها ولا مهرب ( 24 – 30 ) .
وفى الأصحاح السادس يسجل النبي رؤاه الأولى وإرساليته . وفى الحقيقة هى رؤيا دفاعية ، تأتى بعد التحذير النبي لمعاصريه ، فعندما رفضوا رسالته عن التهديد بالخراب ، استطاع أن يجيب بأنه وقد أعلن الويل لنفسه فى سنة وفاة عزيا الملك ، فله الحق فى أن يعلن الويل لهم ( 6 : 5 ) ، فيخبرهم بوضوح أن خطايا يهوذا لا شفاء لها ، فقد فقدوا كل احساس روحى ، فلهم أعين ولكنهم لا يبصرون ، وبذلك فلا حل إلا بالقضاء أو " الدينونة العادلة من الإله الذى نسوه " ، ولكن " زرعا مقدسا " مازال باقيا فى جذع إسرئيل ( 6 : 13 ) .
وعندما نأتى إلى الأصحاحات 7 – 12 فإننا نرى إشعياء يقوم بدور رجل الدولة العملى ، فيحذر آحاز من ارتباطه السياسي بأشور . أما الجزء من 7 : 1 – 9 : 7 ، فنبوة عن عمانوئيل ، يمزج فيها التاريخ بالنبوة . فهى تصف الحركة الأرامية الأفرايمية التى قامت فى سنة 736 ق . م عندما رأى فقح ملك إسرائيل ورصين ملك دمشق – فى محاولة منهما للدفاع عن بلادهما ضد الاشوريين أن الأمر يتطلب أن يتحالف آحاز ملك أورشليم معهما . ولكن آحاز فضل صداقة أشور ورفض الدخول فى تحالف معهما ، ولكى يحمى نفسه التمس معونة أشور ، وأرسل إليها سفارة تحمل كنوزا ثمينة ملكية ومقدسة ، لرشوة تغلث فلاسر . وفى تلك اللحظة الفاصلة دخل إشعياء – بإرشاد من الله – فى حوار مع آحاز بخصوص هذه الخطوة المصيرية القاضية ، التى كان على وشك اتخاذها ، وإشعياء – كرجل دولة عملى – يحذر آحاز " الملك عديم الإيمان " بأن طريق الأمان الوحيد هو فى التسليم لله وعدم الارتباط بأى تحالف أجنبي لأن " الرب معنا " ليخلصنا ، ولا يمكن أن تنجح أى " مؤامرة " إلا إذا وقف الرب أيضا ضدنا . وعندما لم تجد رسالة النبى للوعد بالخلاص ترحيبا من الملك ، سلمها إشعياء لتلاميذه مصرورة ومختومة ، لتتحقق فى المستقبل ، مؤكدا لسامعيه أنه سيولد لهم ولد ويعطوا ابنا ، فى أيامه تثبت مملكة داود على العدل والبر . وكان أساس رجاء النبي هو النسل المسياوى . هذا الرجاء ، الذى لم يسبق له مثيل – إلا أنه كان يؤكده منذ بداية خدمته مكتوبا ومختوما ، للدائرة الداخلية من تلاميذه .
أما الجزء من 9 : 8 – 10 : 4 فيحتوى على إعلان لمملكة إسرائيل عن الغضب المتجمع والخراب الوشيك ، مع جزء متكرر كقرار ( 9 : 12 و 17 و 21 ، 10 : 4 ).وفى قصيدة فنية تتركب من أربع مقطوعات شعرية ، يصف النبى النكبات العظيمة التى جلبها الرب على مملكة إسرائيل الشمالية والتى ذهبت هباء فلم يتنبه لها الشعب ، وهى الغزو الأجنبي ( 9 : 8 – 12 ) ، والهزيمة فى المعركة ( 9 : 13 – 17 ) ، والفوضي السياسية ( 9 : 18 – 21 ) ، والسبي الوشيك ( 10 :1 – 4 ) . ومع ذلك فإن دينونات الله قوبلت بعدم المبالاة : " مع كل هذا لم يرتد غضبه بل يده ممدودة بعد " لقد فشل التأديب الإلهى ولم تبق إلا الدينونة . وفى 10 : 5 – 34 ، نجد أشور آلة فى يد الرب – قضيب غضب الله – وفى الأصحاحين الحادى عشر والثانى عشر نبوة عن عودة إسرائيل من السبي متضمنة رؤيا عن المسيا ، ملك السلام الكامل ، لأن رؤيا إشعياء عن مستقبل الأمم امتدت إلى ما بعد السبي ، فكان يرى فى سقوط أشور علامة لبدء عهد جديد من تاريخ إسرائيل ، فلا مستقبل لأشور لأن فى سقوطها هلاكها ، ولكن يهوذا لها مستقبل ، وليست النكبات التى تحل بها إلا لتأديبها ، فسيقوم ملك مثالي ، تبتهج كل الخليقة بمجيئه ، حتى الحيوانات البكم أيضا ( 11 : 1 – 10 ، وسيحدث خروج ثان عظيم لأنه فى ذلك اليوم يعيد السيد يده " ثانية " " ليقتنى بقية
شعبه " .. .. من أربعة أطراف الأرض ( 11 : 11 و 12 ) وفى ذلك اليوم " أفرايم لا يحسد يهوذا ، ويهوذا لا يضايق أفرايم " ( 11 : 13 ) ، بل إن الأمة المتحدة المفدية – بعد أن تسكن فى أرضها ( 11 : 14 – 16 ) – ستغنى ترنيمة الشكر معلنة خلاص الرب لكل الأرض( الأصحاح الثانى عشر ) .
أما الأصحاحات 13 – 23 فتحتوى على أقوال عن القضاء والخلاص ، تختص فى معظمها بالأمم الأجنبية التى تأثرت يهوذا وإسرائيل بمصائرها . ولقد جمعها الكاتب معا ، تماما كما جمعت الأقوال عن هذه الأمم الغربية فى إرميا ( 46 : 51 ) ، وفى حزقيال( 25 – 32 ) . لقد اتسع أفق إشعياء فشمل كل العالم . وأول نبواته عن الأمم الأجنبية ، هى وحى من جهة بابل ( 13 : 1 – 14 : 23 ) ، حيث يتنبأ بالخراب الكامل للمدينة( 13 : 2 – 22 ) ، ثم ينشد مرثاة حزينة أو ساخرة لسقوط ملكها ( 14 : 4 – 23 ) ، والملك المشار إليه هنا هو – بلا شك – ملك أشورى ( وليس بابليا ) من القرن الثامن قبل الميلاد ، والنبوة الموجزة التى تأتى بعد ذلك مباشرة ( 14 : 24 – 27 ) والمختصة بأشور تؤكد هذا التفسير . كما أن هناك أقوالا مختصرة عن بابل ( 21 : 1 – 10 ) تصف سقوط المدينة الوشيك . ويبدو أن كلتا النبوتين قد كتبتا فى أورشليم ( 13 : 2 ، 21 : 9 و 10 ) ولا يمكن مطلقا أن يقال إن أيا منهما لا يتصل فكرا أو لغة بعصر إشعياء ( 14 : 13 ، 21 : 2 ) ، فكل منهما تنبئ بالدينونة التى ستقع على بابل ( 13 : 19 ، 21 : 9 ) على يدي مادى ( 13 : 17 ، 21 : 2 ) وكلاهما تصفان إسرائيل فى السبي ولكن ليس بالضرورة كل الإسرائيليين .
أما الجزء من 14 :24 -27 فيخبرنا عن الخراب المؤكد للأشوريين .
أما الفصل 14: 28-32 فعبارة عن وحي يختص بفلسطين .
أما الأصحاحان الخامس عشر والسادس عشر ، فهما وحي ضد موآب حيث يشبه لحنهما الحزين ما جاء في الأصحاحين الثالث عشر والرابع عشر .وهما نبوتان منفصلتان تنتميان إلي فترتين مختلفتين من خدمة أشعياء (16: 13, 14) .
أما النقاط الثلاث بالغة الأهمية في هذا الوحي فهي :
أ-تعاطف النبي بشدة مع موآب في محنتهما (15: 5، 16: 11) فيمزج النبي دموعه بدموع الموآبيين ، فنري قلب النبي يذوب ألما لما تراه روحه ويتنبأ به فمه" .
ب- التماس موآب الحماية من أعدائها وبخاصة الأساس الذي تسند إليه ،وهو الرجاء المسياني بأن بيت داود سيظل قائماً قادراً علي صد أعدائه (16: 5) ، وهذه النبوة صدي للأصحاح التاسع (9: 5- 7) .
جـ الوعد بأن بقية موآب -رغم صغرها -سوف تنجو (16: 14) .وبعد ان تتعب موآب من الصلاة لكموش علي المرتفعات ،فإن النبي يتنبأ بأن موآب سوف تطلب الله الحي (16: 12).
أما الجزء الأول من الأصحاح السابع عشر (17: 1-11) فإنه وحي من جهه دمشق وشمالي إسرائيل حيث يتنبأ النبي عن مصير هذين الحليفين أرام وأفرايم ، في الحرب الأرامية الأفرايمية في سنه 734 ق.م .بأن بقية صغيرة كالخصاصة ستبقي (17: 6) وفي الجزء الباقي من الصحاح السابع عشر (17: 12- 14) يعلن النبي بكل جراءة ،الإبادة التامة لأعداء يهوذا -دون أن يذكرهم بالاسم -وهم الأشوريون.
أما الأصحاح الثامن عشر فيصف كوش -وهي في اضطراب عظيم -ترسل سفراءها إلي هنا وهناك -ويحتمل أن يكون إلي أورشليم -وهي تزعم البحث عن العون ، بينما هي تستعد للحرب ، وكانت أشور قد احتلت دمشق في سنة 732 ق.م. والسامرة فى سنة 722 ق.م ، ولهذا كانت مصر وكوش في خوف عظيم من الغزو وهنا يطلب أشعياء من السفراء أو الرسل العودة إلي بلادهم وأن يترقبوا -في هدوء-الرب وهو يحبط محاولة أشور -المعددة بذاتها -لاخضاع يهوذا. ويضيف أنه عندما يري الكوشيون يد الله في خلاص يهوذا وأورشليم (سنه 701 ق.م ) ، فإنهم سيأتون معهم بهدية للرب إلي مسكنه في جبل صهيون .
أما الأصحاح التاسع عشر ،فهو وحي من جهه مصر يحتوي علي تهديد (الأعداد1-17) ،ووعد (18-25)، وهو يعتبر من أبرز رسائل إشعياء للأمم الأجنبية ، وفيه نري ضربة مصر ، فتتخلي عن أوثانها لتعبد الله (19-22). ولكن أكثر ما يشد الانتباه في هذه النبوة ،أنه في ذلك اليوم تتحد مصر وأشور مع يهوذا في تحالف ثلاثي لعبادة الله،وليكونوا بركة للآخرين (23-25) ونظرة إشعياء المرسلية هنا بالغة الروعة.
ويصف الاصحاح العشرون زحف سرجون علي مصر وكوش ويحتوي علي نبوة مختصرة -في صورة رمزية-عن انتصار أشور علي مصر وكوش ،فبسيره معري وحافيا ثلاث سنين ، حاول أن يعلم شعب أورشليم أن حصار أشدود ليس إلا وسيلة لغاية في خطة حملة سرجون ، وأنه لمن الحماقة أن يستمر المنحازون لمصر في أورشليم ،في تشجيع الاستناد علي مصر ملتمسين العون منها .
أما الاصحاح الحادى والعشرون (21: 11و 12) فوحي مختصر عن "سعير" أو "أدوم"، "وهو القول الرقيق لوحيد -في العهد القديم -عن عدو إسرائيل التليد" فأدوم في قلق عظيم ، وكانت إجابة النبي مخيبة لآمالهم ، رغم أن نغمتها كانت نغمة المواساة. أما باقي الأصحاح (13-17)فوحي مختصر من جهه بلاد العرب ، وفيه نداء لسكان أرض تيماء ليقدموا خبزاً وماء لقوافل الددانيين الذين هربوا - بسبب الحرب - من طريق القوافل المعهودة .
أما الأصحاح الثاني والعشرون فيختص بالنزعة الغريبة في الحكم الثيوقراطي ،وهو يتكون من جزءين :
1- وحي من جهه "وادي الرؤيا" أي أورشليم (1-14) .
2- خطاب مملوء بالتقريع والقول القارص ضد شبنا الذي كان علي البيت (القصر) .وهنا نري إشعياء يتوقف في وسط توبيخات للأمم والشعوب الغريبة لسكان أورشليم العابثين ، وبخاصة "شبنا" أحد كبار موظفي الدولة ،فهو يصور مواطني أورشليم المتقلبين المتجاهلين لله وهم منغمسون في شراهة الأكل والشرب ،بينما كان العدو -في تلك اللحظة- يقف علي أبواب المدينة .ومن الناحية الأخري فإن شبنا - الذي يبدو أنه كان رجلاً غريب الأطوار معجباً بنفسه ،ولعله كان أرامي المولد -يحتمل جداً أنه كان من أنصار مصر الذين كانت سياستهم معادية لرأي إشعياء والملك .وقد تحققت نبوة إشعياء عن سقوط شبنا بسرعة (36: 3،37: 2) .
ويختص الأصحاح الثالث والعشرون بصور ، فيتنبأ إشعياء عن خرابها (عد 1)،وعن القضاء على مجدها التجاري (9) ،واستقلال مستعمراتها عنها (10) ،وإنها هي نفسها ستنسي "سبعين سنة" (15) ، ولكن بعد نهاية السبعين السنة ، ستنهض تجارتها ،وسيعود الازدهار إلي أعمالها ،وستكرس مكاسب تجارتها قدسا للرب (18) .
أما القسم الثالث الهام من سفر إشعياء فيشتمل علي الأصحاحات 24-27 التي تتحدث عن دينونة الله للعالم وفداء إسرائيل .هذه النبوات لها صلة قوية بالأصحاحات 13-23 ،فهي تعبر عن نفس المشاعر الرقيقة التي سبق أن رأيناها في هذه الأصحاحات (15: 5،16 :11)، وهي تلخص في عبارات رائعة كل وحي النبي عن جيران إسرائيل . ولا يعلو عليها شيء من ناحية الأهمية الدينية ،فهي تعلن ضرورة التأديب الإلهي والفداء المجيد الذي ينتظر الأمناء في إسرائيل ،وفي تفسير روحي للأزمة الأشورية في القرن الثامن من قبل الميلاد ،وهي رسائل خلاصية لم يكن القصد منها استعراض الفصاحة والبلاغة ،بل التفكير والتأمل .ويحتمل أنها قيلت بصفة خاصة للحلقة الداخلية من تلاميذه (8: 16) .
ولهذه الأصحاحات صبغة رؤوية ،ولكنها -بكل تأكيد -نبوات وليست رؤى ،فهو لم يصعد قط إلي السماء ولا تحدث مع ملاك كما نري في الأصحاح السابع من سفر دانيآل، والأصحاح الرابع من سفر الرؤيا .فهي رؤى من جهة انها نبوات عن أشياء معينة ستأتي أو ستحدث يقيناً .
ولقد كان إشعياء مغرماً بهذا النوع من النبوات ،فكثيراً ما يحلق بالقارئ خارج مجال التاريخ المجرد ،ليرسم صوراً عن المستقبل البعيد (2: 2-4،4: 2-6،11 :6-16، 30: 27-33) .
وفي الإصحاح الرابع والعشرين ، يعلن النبي عن الدينونة العامة للأرض (أرض يهوذا) ، ثم بعد ذلك سيشرق يوم أفضل (1: 15) .ونري وكأن النبي يستمع تسابيح الخلاص، ولكن للأسف لم يكن قد جاء أوانها ، إذ لابد أن تتوالي الدينونات .ففي الأصحاح الخامس والعشرين ينتقل النبي إلي زمن ما بعد الكارثة الأشورية ، ويعتبر نفسه واحدا من المفديين ،واضعاً في أفواههم تسبيحات الحمد والشكر من أجل خلاصهم .وتصف الأعداد 6-8 وليمة الرب ،وليمة السمائن علي جبل صهيون لكل الشعوب والأمم الذين (طبقا لما جاء في 2: 2-4) يجيئون إلي أورشليم ليصنع لهم "وليمة سمائن ممخة" ،وبينما يكون الشعب في الوليمة ،يشفي الرب بنعمتة الغنية عماهم الروحي حتي يروه الواهب الحقيقي للحياة والنعمة، كما انه يقضي علي العنف القاتل أي الحروب (2: 4) وما يتبعها من "دموع" حتي لا تصبح الأرض (أرض يهوذا) فيما بعد ميدانا لمعارك الأمم والشعوب ، بل مسكناً مباركاً للمفديين يعيشون في سلام وسعادة . ولم يكن هدف النبي من كل هذا سياسياً بل دينياً .
وفي الأصحاح السادس والعشرين (26: 1-19) يغني يهوذا أغنية لأورشليم مدينة الله الحصينة ،ومرة أخري يشترك النبي مع البقية المفدية من الشعب مقدما صورة حية لاتكالهم علي الرب وشكرهم له ،لأنه كان لهم "صخر الدهور" الحقيقي (عد 4) ،ثم يهتف فرحاً وهو مدفوع بالرجاء: "تحيا أمواتك !تقوم الجثث ! " . لأن الرب سيخرج الحياة من الموت (عد 19) . وتعتبر هذه أول إشارة واضحة في العهد القديم عن القيامة ،لكنها قيامة قومية وتختص بإسرائيل (عد 14) كما كانت هذه طريقة إشعياء للتعبير عن رجاء عودة الأمناء في إسرائيل من السبي (انظر هوشع 6: 2، حزقيال 37: 1-14 ،دانيال 12: 2) .
وفي الجزء الأخير من الأصحاح السادس والعشرين والأصحاح السابع والعشرين (26: 20-27: 13 ) يبين النبي أن تأديب إسرائيل هو أمر صحي ومفيد ،ولذلك يبدأ بتحريض جماعته- أي تلاميذه علي مواصلة خلوتهم للصلاة إلي ان يبدد غضب الله القوي العالمية (26: 20-27: 1) .ثم يتنبأ بعد ذلك بأن كرمة الرب الحقيقية ستكون فيما بعد في حراسة آمنة ضد الشوك والحسك في القتال أي الغزو الأجنبي (27: 2-6). وبعد أن يبين النبي أن تأديب إسرائيل يعتبر هيناً بالمقارنة بدينونة سائر الشعوب (27: 7- 11) ،يعدهم بأنه لو أن إسرائيل تاب ،فسيجمع الرب بقية شعبه "واحدا واحدا " من أشور ومن مصر (11: 12) ،ويسجدون للرب مرة أخري في الجبل المقدس في أورشليم ( 27: 12, 13) .
ووجهة النظر الأساسية في الأصحاحات 24-27 هي نفسها كما جاءت في الأصحاح الثاني (2: 2-4) وكذلك في الأصحاحات 13: 23، إلا أن النبي كثيراً ما يستشرف المستقبل البعيد منتقلاً بين عصره هو والأيام التي فيها سيرد إسرائيل . وإنه لأمر جدير بالملاحظة أن نري بصفة خاصة كيف أنه يؤيد أقواله بالانتقال إلي المستقبل البعيد ، إلي عصر فداء إسرائيل ، كما انه يتصور نفسه ضمن إسرائيل الجديد الذي سوف يخرج من فوضي الأحداث السياسية المعاصرة له . إن رؤاه لفداء إسرائيل تحمله -في نشوة غامرة -إلي المستقبل البعيد ، إلي زمن تنتهي فيه كل معاناة الأمة ،حتي إنه عندما يسجل ما شاهده في رؤاه، فإنه يصفه وكأنه تأديب قد مضي ، فنراه-مثلا- في الأصحاح الخامس والعشرين (25: 1-8)- وقد انتقل إلي نهاية الزمن -يشيد في أغنية عذبة ،بما رآه ،ويصف كيف أن سقوط ممالك العالم يتبعه تجديد الأمم الوثنية .
وفي الأصحاح السادس والعشرين (26: 8,9) يعود النبي ببصره إلي الماضي-من وجهة النظر المفديين في آخر الأيام -فيصف كيف أن إسرائيل اشتاق طويلا لإظهار بر الله الذي قد حل الآن (في آخر الأيام) .
بينما في الأصحاح السابع والعشرين (7-9) يضع النبي نفسه في وسط معاناة الأمة- في نظرة كاملة لمستقبلها المجيد ،ويصور كيف أن معاملات الله لإسرائيل لم تكن دينونة الغضب بل تأديب المحبة .هذا النوع من الرؤى أو النبوات ، كان في الحقيقة من الأمور المتوقعة منذ بداية هذه المجموعة من النبوات التي تبدأ عادة بكلمة "هوذا" ،فهذا الأسلوب في التقديم من خصائص إشعياء ، ويجعلنا نتوقع رسالة من نوع فريد .
أما القيمة الدينية العملية لهذه النبوات ،بالنسبة لعصر إشعياء نفسه ،فعظيمة جداً ،ففي عصر الحروب والغزو الأجنبي المتكرر ، حيث لم يبقي في البلاد سوي أناس قليلين (24: 6 و 13، 26: 18)، وصارت مدن يهوذا خربة وخالية (24: 10و 12، 25 : 2 ، 26: 5، 27: 10) ، وبطل فرح الدفوف ، وانقطع ضجيج المبتهجين وبطل فرح العود (24: 8)، وما زالت الأمة متمسكة بأصنامها (27: 9) والتخريب الذي يقوم به الأشوريون لم يكمل بعد ، ولابد أن تتوالي المصائب (24: 16) . فإن مما يدعو للعزاء أن يعرفوا أن الغفران مازال ممكناً (27: 9) وأن الرب ما زال حارساً لكرمته (27: 3و4) وأن دينونته ليست إلا لحيظة (26: 20) . ومع أنه لابد لشعبه أن يتشرد ،إلا انه سوف يحميهم بعناية فائقة "واحدا واحدا" (27: 12و13) ، وأنهم ومعهم جميع الشعوب -كما سبق القول -سوف يعبدون معا علي جبل صهيون بدعوة من الرب (25: 6و 7و 10)، ومن ذلك الوقت فصاعداً تصبح أورشليم مركزا للحياة والعبادة لجميع الأمم (24: 23، 25 : 6 ، 27: 13). مثل هذا الإيمان بالرب ، مثل هذه التحريضات ، ومثل هذه الأغاني والاعترافات التي يقدمها المفديون ، والتي رآها النبي في رؤياه، لابد أنها كانت مصدراً غنياً للعزاء الروحي للقديسين القلائل المتألمين في يهوذا وأورشليم ،وكوكبا هاديا للتلاميذ الأمناء الملتفين حول النبي.
وتحوي الأصحاحات 28-35 ،مجموعة من التحذيرات النبوية ضد التحالف مع مصر ،تختم بنبوة عن أدوم ووعد بفداء إسرائيل ،وكما جاء في الأصحاح الخامس (8: 23) ينطق النبي بست مجموعات من الويلات :
أ- ويل للسكاري ،للساسة الهازئين (ص 28) .ويعتبر هذا الأصحاح من أروع الأصحاحات في سفر إشعياء ، ففي الأعداد الأولي (1-6) يشير النبي محذراً ، إلي سكاري أفرايم المتكبرين ، الذين سيزيل إكليلهم سريعاً (السامرة)، ثم يعود بعد ذلك إلي ساسة أورشليم المترنحين من الخمر ،موبخاً إياهم ، وبخاصة الكهنة المدمنين للمسكر الذين يتعثرون في القضاء ، وكذلك الأنبياء المترنحين الذين ضلوا في الرؤيا (7 - 22) ، ثم يختم بمثل غزير المعني مأخوذ من الزراعة ، معلما إياهم أن أحكام الله ليست اعتباطية ،فكما أن الحارث لا يحرث ولا يمهد حقوله طوال العام، هكذا فإن الله لا يعاقب شعبه إلي الأبد ، وكما أن الدارس لا يدرس كل أنواع الحبوب بنفس الشدة ، كذلك لا يؤدب الله شعبه فوق ما يستحقون (23: 29) .
ب- ويل للديانة الشكلية (29: 1-14) ، وينصب هذا الويل الثاني علي " أريئيل" مكان مذبح الله ، أي أورشليم ، مركز تقديم ذبائح إسرائيل ، فداود هو أول من أقام مركزاً لعبادة الرب في صهيون ، أما الآن فقد أصبحت العبادة في صهيون تقليدية شكلية ،ولذلك هي غير صادقة، بل مجرد عبادة روتينية (29: 13انظر 1: 10-15، ميخا 6: 6-8) ، ولذلك يقول إشعياء أن الله مضطر أن يعمل عملاً عجيباً في وسطهم ليعود بهم إلي معرفته المعرفة الحقيقية (عد 14).
جـ ويل للذين يكتمون آراءهم عن الرب (29: 15-24)،فما هي آراؤهم التي يكتمونها ؟ إن النبي لا يكشف عنها ،ولكنه بلا شك يشير إلي تآمرهم مع المصريين ،وهدفهم الذي يرمي إلي تحطيم علاقتهم بالأشوريين الذين عاهدوهم علي دفع جزية سنوية لهم . وهنا يحتج إشعياء عليهم بشجاعة لافتراضهم أن السياسة التي لا تأخذ بمشورة وحكمة القدوس ، هي التي ستنجح ، مع أنهم ليسوا إلا من طين وهو الفخاري .وعند هذه النقطة يتطلع إشعياء نحو المستقبل ، إلي المسيا . مع أن هذا يبدو قطعا لسياق الحديث ، إلا أنه يقول إنه في مدة يسيرة جدا سيتحول لبنان -الذي كانت تجتاحة جيوش أشور -بستاناً مثمراً ،وسوف يفرح العمي والصم والمساكين بالروح بقدوس إسرائيل .
د- ويل للمنحازين لمصر (ص 30) :فيوجه إشعياء ويله الرابع إلي السياسيين المتمردين الذين في عنادهم يعلنون صراحة تأييدهم للتحالف مع مصر ، ومن الواضح ، أنهم استطاعوا ان يكسبوا الملك إلي جانبهم . وكانت هناك سفارة في طريقها إلي مصر ، تحمل معها -عبر صحراء الخروج-كنوزا ثمينة لشراء صداقة مضطهديهم القدماء . وهنا نري إشعياء يدين ما لم يستطع أن يمنعه . إن مصر هي "رهب الجلوس" أي أنها وحش بحري أسطوري في مظهرة الخارجي يهدد ويتوعد ، ولكنه في حقيقته متخاذل ، فعندما تحل الكارثة ، تجلس صامتة معرضة إسرائيل "للخزي والعار" .
هـ ويل للذين يستندون علي الخيل ويتوكلون علي المركبات (ص 31و 32) فما زال إشعياء في الويل الخامس يشجب بشدة أولئك الذين يستندون علي خيل مصر ومركباتها ، ويتجاهلون قدوس إسرائيل ، فإن الذين يفعلون ذلك ينسون أن المصريين ليسوا إلا أناسا وان خيلهم جسد لا روح ، وأن الجسد وحده لا يستطيع أن ينفع في صراعة مع الروح ، ولكن في النهاية يريد الرب أن ينقذ أورشليم ، إن رجع بنو إسرائيل عن اصنامهم إليه ، وفي ذلك اليوم تكون أشور قد أندثرت ، ويشرق عهد جديد علي يهوذا ويتجدد المجتمع ويبدأ الإصلاح من القمة ، وتستيقظ الضمائر فلا تختلط المعايير الأخلاقية (32: 1-8) .وكما يقول العالم ديلتز : "تحل الارستقراطية الأخلاقية محل ارستقراطية المولد والثراء كما انه في ذلك اليوم لا تهدد النساء العابثات غير المكترثات ، مصالح البلاد الاجتماعية (32: 9-14) ، وبانسكاب روح الرب ينبثق مجتمع مثالي يسود فيه العدل الاجتماعي والسلام والخير الوفير والأمان .
و- ويل للمخرب الأشوري (ص 33) : فينصب ويل إشعياء الأخير علي المخرب الغادر نفسه ، الذي أخرب مدن يهوذا وبدأ الآن حصاره لأورشليم (701ق.م ) وبدأ النبي يصلي ، وبينما هو يصلي "رأي" وماذا رأي ؟ رأي جيوش الأشوريين الجبارة تبيد وسكان أورشليم المنتصرين –بعد أن طال حصارهم –يندفعون كالجراد نحو الغنيمة التي أجبر العدو المنهزم علي تركها وراءه ، وباءت محاولة المخرب الاستيلاء علي أورشليم بالفشل . وستري كل الأرض مشهد هزيمة أشور ، وستمتلئ بالخوف والدهشة علي عمل الرب العجيب ، وحينئذ سيسكن الأبرار فقط أورشليم ،وستري عيونهم المسيا في بهائه ستراه يملك - لا كحزقيا علي بقعة محدودة ، ولكن علي أرض بلا حدود حيث يستمتع سكانها بسلام الرب وحمايته ، بلا خطية ومن ثم بلا مرض أيضاً (17: 24) . وبهذه الصور الجميلة للمستقبل ، لعهد المسيا تختم ويلات النبي ختاماً مناسباً ، فإشعياء لم يعلن أبداً أي ويل بدون أن يضيف إليه وعدا وأملاً مقابلاًَ له .
وفي الاصحاحين 34 ,35 يطلق النبي صرخة عنيفة من أجل العدالة ضد "كل الأمم" ،ضد أدوم بخاصة ، بنغمة الدينونة حيث أن أدوم قد أرتكبت جرائم فظيعة ضد صهيون (34: 8و 9) ولذلك قضي عليها بالخراب ، ولكن في الجانب الآخر ، سيعود من السبي كل مشتتي إسرائيل وابتهاج وفح يدركانهم .ويهرب الحزن والتنهد " (ص 35) .
أما الأصحاحات 36-39 فتحتوي علي مزيج من التاريخ والنبوة والأناشيد . وهذه الأصحاحات تؤدي غرضين ،فهي تذييل للأصحاحات 1-35 ، ومقدمة للأصحاحات 40-66، وفيها نجد ثلاثة أحداث تاريخية هامة ، كان إشعياء عاملاً بارزا فيها :
أ‌- المحاولة المزدوجة لسنحاريب للاستيلاء علي أورشليم (ص 36،37) .
ب‌- مرض حزقيا وشفاؤة (ص 38) .
جـ بعثة مردوخ بلادان (ص 39) .
وتكاد هذه الأصحاحات –مع بعض الحذف والإضافة لأجزاء معينة –تتطابق حرفياً مع ما جاء في الملوك الثاني (18: 13-20: 19) وهي تبدأ بعبارة تاريخية : "وكان في السنة الرابعة عشرة للملك حزقيا … "ولقد بذلت محاولات متعددة لحل غموض هذا التاريخ ،فلو أن الكاتب يشير إلي حصار سنة 701 ق.م ، لشكل ذلك صعوبة ، لأن هذا الحادث لم يحدث في "السنة الرابعة عشرة" لحزقيا ، ولكن في السنة السادسة والعشرين طبقاً لتواريخ حياته كما هي مدونة في الكتاب المقدس . أما إذا أرخنا اعتلاء حزقيا لعرش يهوذا في سنة 720ق.م. فإن حصار سنة 701 ق.م. يكون قد حدث – كما هو واضح –في السنة التاسعة عشرة لحزقيا ، ويحتمل أن "السنة الرابعة عشرة للملك حزقيا "كانت هي السنة الرابعة عشرة من "الخمس عشرة سنة" التي أضيفت لعمره ، ولكن الأرجح أنها تشير إلي السنة الرابعة عشرة من ملكه ، ويبدو أنه يستحسن أن تحمل هذه العبارة علي أنها عنوان تاريخي لكل هذا الجزء وبخاصة للأصحاح الثامن والثلاثين الذي يتحدث عن مرض حزقيا الذي حدث فعلاً في السنة الرابعة عشرة (714 ق.م) ، والذي كان -مع وجود سرجون في أشدود -أكبر أزمة شخصية في حياة الملك حزقيا .
لقد قام سنحاريب بمحاولتين في سنة 701 ق.م. لاخضاع أورشليم ، إحداهما من لخيش بجيش بقيادة ربشاقي (36: 2-37: 8) ،والثانية من لبنه حيث أرسل رسلا يحملون تهديدا لحزقيا (37 :9-13) . أما الجزء الموجز المذكور في الملوك الثاني (18: 14-16) فلم يذكر فيما بين العددين الأول والثاني من الأصحاح السادس والثلاثين من إشعياء ، لأن النبي لم يشأ -في ذلك لوقت -أن يعيد إلي الأذهان مذلة الشعب . وآخر "كلمة"لإشعياء بخصوص أشور (37: 21- 35) هي واحدة من أعظم نبوات النبي ، وهي تتكون من ثلاثة أجزاء :
أ‌- الجزء الأول ، قصيدة ساخرة في صورة رثاء لإذلال سنحاريب المحتوم (37: 22-29) .
ب‌- الجزء الثاني ، قصيدة مختصرة مختلفة اللحن ، موجهة إلي حزقيا لتشجيع إيمانه (30: 32) .
جـ- الجزء الثالث ، نبوة محددة عن الخلاص المؤكد لأورشليم (33: 35) ، ولقد تحققت نبوة إشعياء حرفياً .
أما الجزء الوارد في الأصحاح الثامن والثلاثين (38: 9-20) فيحتوي علي أغنية الشكر التي رفعها حزقيا إشادة بشفائة من مرض مميت . إنها انشودة جميلة شجية لم تذكر في سفر الملوك . لقد مرض حزقيا في سنة 714 ق.م. وبعد سنتين أرسل مردوخ بلادان -عدو الأشوريين اللدود -رسائل وهدية لتهنئة حزقيا إذ سمع شفائة العجيب ، ولا شك في أن الملك البابلي الداهية ، كان مدفوعا بدوافع سياسية ، ومهما كانت دوافع مردوخ ، فإن زيارة الوفد الذي أرسله جعلت حزقيا ينتفخ ، وفي لحظة من لحظات الضعف أراهم كل كنوزه الملكية ، وكانت هذه حماقة خطيرة ، إذ كان من الطبيعي أن رؤية ممتلكاته الثمينة الكثيرة ، لاربد أن تثير الجشع البابلي للاستيلاء علي أورشليم . وهنا نري إشعياء لا يدين تصرف الملك بشدة فحسب ، بل يعلن أيضاً ببصيرة خارقة أنه ستأتى أيام تحمل فيها كل كنوز أورشليم الكثيرة إلي بابل (39: 3-6 ، انظر أيضاً ميخا 4: 10) . وتعتبر هذه النبوة الأخيرة عن الدينونة أروع تهديدات إشعياء ، لأنه يؤكد بوضوح أنه ليس الأشوريون -الذين كانوا في ذلك الوقت في قمة قوتهم -بل البابليون هم الذين سيكونون وسائل الانتقام الإلهي لتنفيذ خراب أورشليم وليس ثمة سبب يدعو إلي التشكك في صحة هذه النبوة ، بل الحقيقة هي أنها أساس نبوي للأصحاحات التالية (40: 66) .
وإذ نأتي إلي الأصحاحات 40-66 ، نري نبوات التعزية والخلاص والمستقبل المجيد الذي ينتظر إسرائيل ، وتنقسم هذه الأصحاحات إلي ثلاثة أقسام:
أ‌- الأصحاحات من 40: 48، وهي تعلن الخلاص من الأسر بواسطة كورش .
ب‌-الأصحاحات من 49: 57 ،وصف لآلام "عبد الرب" ، ويختم هذا القسم كسابقه،بالقول : "ليس سلام قال إلهي للأشرار" (57: 21مع 48: 22) .
جـ- الإصحاحات من 58: 66 ، إعلان القضاء النهائي علي الفوارق القومية والمستقبل المجيد لشعب الله .ويعتبر الإصحاح الستون هو الإصحاح المتميز في هذا القسم في هذا القسم تماماً كالإصحاح الثالث والخمسين في القسم الثاني والإصحاح الأربعين في القسم الأول .
وبالدخول في تفاصيل أوسع ، نجد ان القسم الأول (ص 40-48) يبين بوضوح لاهوت الرب عن طريق قدرته الفريدة علي التنبؤ .إن اساس التعزية التي يعلنها النبي هو إله إسرائيل الذي لا شبيه له (ص 40) . إن رب إسرائيل كلي القدرة ، لا يقارن بالآلهة الأخرى .ففي مقدمة هذا القسم (40: 1-11) يسمع النبي أربعة أصوات : صوت النعمة (1 و 2) وصوت النبوة ( 3 و 5) ، وصوت الإيمان (6-8) ، وصوت البشارة (9-11) . ثم بعد أن يشيد بعظمة إله إسرائيل الذي لا شبيه له ، والذي قد نسوه (12 -26) ، يحثهم علي أن لا يظنوا أن الرب غافل أو غير مبال بمذلة إسرائيل ، فلابد لإسرائيل أن ينتظر خلاص الرب . إنهم يطلبون الخلاص العاجل ،لكنه يكرر لهم القول بأن ينتظروا ، لأنه مع هذا الإله الحكيم القادر ،ينبغي علي إسرائيل أن لا يجزع (27-31) .
أما في الأصحاح الحادي والأربعين ، فإن النبي يعلن أن البرهان الأعظم علي لاهوت الرب الفريد هو قدرته علي التنبؤ ، فهو يتساءل : "من أنهض من المشرق …؟" ومع أنه لا يذكر اسم ذلك البطل ، إلا أن كورش كان بلا شك في فكر النبي (انظر44: 28، 45: 1)، ولم يكن قد ظهر بعد في أفق أحداث التاريخ –كما يزعم البعض –ولكنها كانت نبوة بأنه سيأتي بالتأكيد . فأزمنة الأفعال المستخدمة تدل علي أفعال تامة حدوثها أكيد ، (واستخدمت بنفس الطريقة التي استخدمت بها في 3: 8،5: 13، 21: 9) أما الأجابة علي تساؤله فهي : "أنا الرب الأول ومع الآخرين أنا هو " (41: 4) .إن إسرائيل هو عبد الرب ، ويستمر الحديث ولكنه لم يعد بين الرب والأمم كما هو الحال في الأعداد من 1-7 ،ولكنه يجري الآن بين الرب والأوثان (21: 29) . وإذا يتحدث إلي الأوثان الصم ، يقول : " لو كنتم حقاًَ آلهة فتنبأوا ، أما انا فسأنهض بطلا من الشمال ، سيخضع كل من يقف في وجهة . ها أنا أعلن مقصدي مقدماً "من البدء" ، "ومن قبل" أن يوجد أدني تفكير في وجود مثل هذا البطل أو في أنه سيوجد في يوم من الأيام (عد 26) وسيثبت المستقبل هذه النبوات ، ويبرهن علي ألوهيتي الفريدة ، أنا الرب وليس سواي يعلم المستقبل .
وفي الأعداد من 25 -29 يعتبر النبي نفسه وكأنه انتقل إلي المستقبل ، فيتحدث من موقع اتمام نبواته ، وهذا كما رأينا من قبل -هو ما تميز به إشعياء في الأصحاحات من 24: 27.
وفي 42: 1-43: 13،يعلن النبي عن وسيط الفداء الذي هو "عبد الرب" ، ليس فقط الوسيط المؤقت (كورش) الذي سينهض كوسيط لفداء إسرائيل ، الذي يعتبر الخطوة الأولي في عمل الخلاص الشامل المتوقع ، بل أيضاً الوسيط الروحي ، حيث أن عبد الرب سيكون سبب إعلان أخبار الخلاص السارة للمسبيين ولجميع الأمم أيضاً . ففي الأصحاح الثاني والأربعين (1-9) يصف النبي هذا الشخص المثالي والعمل الذي سيقوم باتمامه. ورؤية هذا المستقبل المجيد تدفع النبي ليتغني بأغنية شكر قصيرة من أجل الفداء الذي يراه في المستقبل (42: 10-17) . لقد ظل إسرائيل زمنا طويلا أعمي وأصم لا يري ولا يسمع أوامر الرب (42: 18, 19) ، ولكن الآن يعلن الرب عزمه علي فدائهم ولو علي حساب أمم العالم الكثيرة حتي ينشروا شريعته لجميع الشعوب (42: 8-43: 13) .
وفي 43: 14-44: 23، نري أن الغفران هو ضمان الخلاص ، وأن عزم الرب علي فداء إسرائيل إنما هو بالنعمة ، فالخلاص هبة ، لقد محا الرب ذنوبهم من أجل نفسه هو (43: 25) ، وهذا الفصل الكتابي"صورة بارزة لأسمي درجة النعمة في العهد القديم " .أما آلهة الخشب والحجر فلا وجود لها ، والذين يصنعون الأصنام هم عميان ومظلمو القلوب "يرعون رمادا" (43: 20) .أما الفصل الأوسط من الأصحاح الرابع والأربعين (9-20) فيكشف -بلا رحمة -حماقة عبادة الأصنام.
وفي 44: 24-45: 25 ، يذكر النبي -أخيراً -اسم بطل خلاص إسرائيل ويصف مهمته ، أنه كورش الذي سيبنى أورشليم يضع أساس الهيكل (44: 28) ، كما سيخضع الأمم ويحرر المسبيين (45: 1و 13) وهو يتحدث عن كورش بعبارات رائعة ، فهو "راعي" الرب (44: 28) ، وهو أيضاً "مسيح" الرب أي "المسيا" (45: 1) ،"ورجل مشورتي" (46: 11)، الذي دعاه الرب باسمه ولقبه ،وهو لم يكن يعرفه (45: 3و 4) ،كما أنه هو الذي "أحبه الرب " (48: 14)، والذي يمسك بيمينه (45: 1) والذي سيتمم كل مسرة الرب (44: 28) ، مع أنه طائر "كاسر من المشرق " (46: 11) .
إن الوضوح الذي يتحدث به النبي عن كورش ، يجعل البعض يفترضون أنه كان قد ظهر في الأفق ، وهذا خطأ واضح ، فلم يكن في استطاعة معاصر أن يتحدث بمثل هذه العبارات عن كورش الحقيقي الذي في ظهر في سنة 538 ق.م. فالنبي يعتبره (كورش النبوات وليس كورش التاريخ ) ، يعتبره تحقيقاً لنبواته التي نطق بها قبل عصره بزمن طويل ، ففي نفس الوقت الذي يتنبأ النبي فيه عن كورش ، يتحدث عنه كبرهان علي تحقيق نبواته (44: 24-28 ، 45: 21) . هذه الظاهرة النبوية يمكن تفسيرها باعتبار أن النبي قد دفع بنفسه إلي المستقبل ، قبل موعده بزمن طويل . الأروع من كل هذا أن نري النبي في الأصحاح الخامس والأربعين (14: 17) يحلق بالفكر ، فيري -نتيجة لانتصارات كورش - الأمم المهزومة ترتد عن أصنامها ، وتلتفت إلي الرب المخلص كل البشرية (45: 22) .ومهما يكن الرأي ، فإن العنصر النبوي في هذه النبوات واضح لا لبس فيه .
أما في الأصحاحين السادس والأربعين والسابع والأربعين ، فإن النبي يستمر في وصف العمل المتميز الذي سيقوم به كورش ، بينما لا يذكر اسم كورش سوي مرة واحدة .لأن هناك تأكيداً خاصاً علي الأنهيار التام للديانة البابلية ، فواضح أن النبي يهتم بإذلال الأصنام البابلية ، أكثر من اهتمامه بسقوط مدينة بابل نفسها ،ومن الطبيعي أن خراب المدينة يعني هزيمة آلهتها (أصنامها )وتحرير إسرائيل .ولكننا نري هنا مرة أخري أن الكل يشير إلي المستقبل .والحقيقة هي أن سيادة الرب المطلقة التي لا مثيل لها ، ولاهوتة الفريد ،يتجليان في قدرته علي التنبؤ : "مخبر منذ البدء بالأخير "، قد تكلمت فأجريه . قضيت فأفعله" (46: 10,11) .
أما الأصحاح السابع والأربعون ،فهو مرثاة لسقوط المدينة الملكية ، ويشبه إلي حد بعيد ،الهجاء الساخر علي ملك بابل (14: 4-21).
والأصحاح الثامن والأربعون هو ملخص موجز للحوار المذكور في الإصحاحات 40-47 ،فالنبي يؤكد مرة أخري ،النقاط التالية :
أ‌- قدرة الرب الفريدة علي التنبؤ .
ب‌-إن الخلاص هو بالنعمة .
جـ- إن ظهور كورش سيكون البرهان القاطع علي حضور الرب الدائم في وسط شعبه .
د- إن قصاص الرب كان للتأديب فحسب .
هـ- إنه حتي ذلك الوقت يوجد رجاء ،متي قبلوا خلاص الرب المقدم لهم .ولكن يا للحسرة !لا سلام ولا خلاص للأشرار (48: 20-22) .
وهكذا ينتهي القسم الأول من "رؤيا"إشعياء الرائعة عن خلاص إسرائيل من السبي بواسطة كورش .
أما القسم الثاني (49-57) فيتعلق بوسيط الخلاص ، "عبد الرب" المتألم .فبداية من الأصحاح التاسع والأربعين ، يترك النبي محاولة إثبات لاهوت "يهوه" بقدرته علي التنبؤ ويتوقف كلية عن وصف إنتصارات كورش وسقوط بابل ،ليقدم بتفصيل أوسع ، شخصية وإرسالية "عبد الرب"المتألم ،ففي الإصحاحات 40-48 قد أشار مرات كثيرة إلي هذه الشخصية الفريدة والغامضة إلي حد ما ، متحدثاً عنه تارة بصيغة الجمع ،وتارة أخري بصيغة المفرد (41: 8-10، 42: 1-9و 18-22،43 : 10 ،44: 1-5و 21-28،45: 4، 48: 20-22) ، ولكنه الآن -بتحديد أوضح -يذكر وظائفه النبوية والكهنوتية ومؤهلاته للعمل ، وآلامه واتضاعه ،وأيضاً تمجيده النهائي . وفي كل هذه النبوات ، يذكر كلمة "عبد" نحو عشرين مرة .ولكن توجد بالتحديد أربعة اناشيد يطلق عليها "أناشيد عبد الرب" ،فيها يحلق النبي فوق كل جموع إسرائيل ، ليصل إلي تجسيد أتقي شخصية في إسرائيل ، بل بالحري إلي شخص فريد تتجسد فيه أفضل شخصية ، هذه الأربعة هي :
أ‌-(42: 1-9) قصيدة تصف وداعة عبد الرب وإرساليتة لكل العالم .
ب‌-(49: 1-13) يصف إرسالية "عبد الرب" وبخاصة روحياً .
جـ- (50: 4-11) مفاجأة عبد الرب لنفسه بخصوص تكميله بالآلام .
د - (52 : 13-53: 12) آلامه النيابية وتمجيده نهائياً .
وفي القصيدة الأخيرة من هذه القصائد الأربع نصل إلي ذروة سيمفونية النبي -الموحي له بها - وقمة الرجاء العبراني من جهة عصر المسيا . ففي هذا الجزء نجد أعمق إعلانات العهد القديم ، إنه إعلان جلي وواضح عن بر "العبد" ، في عبارات قوية بليغة رائعة ،جعلته يتصدر كافة النبوات عن عنصر المسيا ، ويسميه القديس بوليكاربوس الشهيد : "كتاب الآلام الذهبي في العهد القديم" ، وقد تحقق جميعه في يسوع المسيح .
أما الأصحاحات 58- 66 ،فتصف المستقبل المجيد لشعب الله ،فبعد أن وصف في الإصحاحات 40-48، كورش الوسيط المؤقت في خلاص إسرائيل ، ووصف في الإصحاحات 49-57 ،"عبد الرب" الوسيط الروحي لخلاصهم ،فإن النبي يستطرد في هذا الجزء الأخير ليصف كيفية تمتع الشعب بهذا الخلاص ،فهو يبدأ -كما سبق -بأمر مزدوج : "ناد بصوت عال .لا تمسك " (انظر 40: 1،49: 1) .
ففي الأصحاح الثامن والخمسين ،فإنه يتحدث عن الصوم الحقيقي وحفظ السبت بأمانة. وفى الأصحاح التاسع والخمسين ، يحث إسرائيل علي ترك آثامهم ، لأن خطاياهم- كما يقول لهم- هي التي سترت وجه الرب ، وعطلت خلاص الشعب. وفي العدد التاسع وما يليه ، يشترك النبي مع الشعب ، ليقودهم في تعبدهم للرب ، فقد حزن الرب علي حالة إسرائيل البائسة العاجزة ، فيلبس ثياب الحرب ليجري قضاءه العادل (15- 19) ،إذ لابد أن يفدي إسرائيل .وكنواة لأمة جديدة ، سيدخل الرب معهم - من جديد - في علاقة عهد ،وسيضع روحه عليهم ليمكث معهم من الآن وإلي الأب .