كلمة منفعة
هناك مناسبات هامة تمر على الإنسان، يحسن أن يقف عندها، ولا يدعها تمر بسهولة، دون أن يأخذ فيها قرارًا يرفع من شأن روحياته وعلاقته بالله. نذكر من بينها:
— مناسبات لمن ينتهزها

مريم

مريم
حجم الخط
مريم
وتختلف الآراء حول معنى الاسم ، وهو في العبرية مريام ،فيظن البعض أنه مشتق من مريامون الهيروغليفية ومعناها مُحبِّة أو من كلمة عبرية معناها مُرّ أو عنيد أو بدين : وهو اسم:
أولاً: في العهد القديم:
(1) مريم ابنة عمرام ويكابد ، وأخت هرون وموسى ( عد 26: 59 ،1أخ 6: 3). ويذكر اسمها لأول مرة بمناسبة قيادتها للنساء في الترنيم والرقص ابتهاجاً بعبور البحر الأحمر والنجاة من فرعون . وتذكر باسم مريم النبية أخت هرون (خر 15: 20و21).
والأرجح أنها هي التي وقفت من بعيد تراقب سفط البردي الذي كان به الطفل موسى، والذي وضعته أمه فيه بين الحلفاء على حافة النهر(خر 2: 1-4)، وأنها هي التي تحدثت إلى ابنة فرعون وعرضت عليها أن تأتي لها بمرضعة من العبرانيات لإرضاع الولد ، فرحبت ابنة فرعون بذلك ، وهكذا استعادته أمه وربته حتى كبر فجاءت به إلى ابنة فرعون فصار لها ابناً (خر 2: 7- 10).
وفي سفر العدد نقرأ عنها كيف تكلمت هي وهرون - في حضيروت
على موسى بسبب المرأة الكوشية التي اتخذها (عد 12: 1) وواضح أن سبب تذمر مريم وهرون على موسى كان أعمق من موضوع المرأة الكوشية ، فقد كانت الغيرة هي العلة في ذلك ، إذ قالا : هل كلم الرب موسى وحده ، ألم يكلمنا نحن أيضاً ؟ (عد 12: 3). ودافع الرب نفسه عن موسى ووبخ مريم وهرون ، وضرب مريم بالبرص ، مما يرجح معه البعض أنها كانت صاحبة المبادرة في الكلام على موسى . وطلب هرون من موسى أن يصفح عن خطيتها الحمقاء ، فصرخ موسى للرب من أجل مريم ، ولكنها اضطرت أن تحتجز خارج المحلة سبعة أيام للتطهير . ولم يرتحل الشعب حتى أرجعت مريم (عد 12: 9-16).
وقد ماتت مريم في برية صين في قادش ودفنت هناك (عد 20: 1).
وظل عقاب مرين أنذاراً للشعب وتحذيراً من التمرد على من يختاره الرب ، فيقول لهم موسى في خطابه الوداعي قبيل موته هو نفسه:
أذكر ما صنع الرب ألهك بمريم في الطريق عند خروجكم من مصر (تث 24: 9). وظلت مريم بعد ذلك أجيالاً طويلة في ذاكرة الشعب كأحد القادة العظام ، فيقول لهم الرب على فم ميخا النبي : إني أصعدتك من أرض مصر ، وفكتك من بيت العبودية وأرسلت أمامك موسى وهرون ومريم (مي 6: 3و4).
ويذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودي أنها كانت زوجة لحور ، ومن ثم كانت جدة لبصلئيل بن أوري ، الذي ملأه روح الرب بالحكمة والفهم والمعرفة لإقامة خيمة الاجتماع (خر 31: 1-5).
(2) مريم - ابن أو ابنة ( فالاسم في العبرية غير واضح نوعه ) يثر بن عزرة
(1أخ 4: 17).
ثانياً :في العهد الجديد:
يذكر اسم مريم في العهد الجديد 51 مرة . ويظن البعض أن انتشار هذا الاسم في العهد الجديد ، يرجع إلى مريامن آخر أفراد الأسرة الأسمونية ، والتي كانت الزوجة الثانية لهيرودس الكبير . وهناك ست نساء - على الأقل - بهذا الاسم في العهد الجديد.
(1)مريم أم يسوع: وسنفرد لها فصلاً خاصاً بعد هذا .
(2)مريم في الكنيسة التي في رومية: والتي يرسل إليها الرسول بولس تحياته قائلاً : سلموا على مريم التي تعبت لأجلنا كثيراً ( رو 16: 6). والواضح أنها تعبت من أجل الرسول في مكان ما قبل أن تنتقل إلى رومية حيث أرسل إليها تحياته ، ولم يكن هو قد زار رومية من قبل.
(3) مريم أم يوحنا مرقس: ولم تذكر بهذا الاسم سوى مرة واحدة ( أع 12: 12). ولابد أنها كانت شخصية بارزة في الكنيسة في أورشليم ، وكانت من أقرباء برنابا، حتى ليدعوها الرسول بولس أخته ( كو 4: 10). وكان بيتها من الاتساع حتى كانت تجتمع في الكنيسة في أورشليم للصلاة بلجاجة من أجل بطرس . وحالما خرج من السجن ، ذهب إلى بيتها حيث كان كثيرون مجتمعين ، وهم يصلون ، مما يدل على أنه كان من عادة المؤمنين الاجتماع في بيتها ( أع 12: 5 و12) ، كما كان بالبيت جارية
( أع 12: 13) مما يدل على الثراء . ويظن البعض أنه نفس المنزل الذي صنع فيه الرب العشاء ( لو 22: 12) . ولعل كرم ضيافتها للمؤمنين وأمانتها للرب ، كانا من العوامل التي قدمت ابنها مرقس لمرافقة الرسولين بولس وبرنابا في رحلتهما التبشيرية الأولى.
(4) مريم التي من بيت عنيا : وكانت هي وأختها مرثا واخوها لعازر من الأصدقاء الشخصيين للرب يسوع.
وكانت مريم من تلاميذ الرب المقربين . ويقول يوحنا عن بيت عنيا إنها
قرية مريم ومرثا أختها (يو 11: 1).
وكان الرب يسوع يتردد كثيراً على بيتها في بيت عنيا القريبة من أورشليم ، وبخاصة في أيام الأعياد . وهناك ثلاثة مواقف يذكرها الكتاب المقدس عن مريم هذه :
أول موقف حدث في منزلها في بيت عنيا ، ولو أن لوقا لا يذكر بيت عنيا بالاسم (لو 10: 38-42)،ولكنها هي مريم نفسها التي يذكرها يوحنا ( في الأصحاحين 11، 12). وكانت مريم ميالة للتأمل والتعبد حيث جلست عند قدمي يسوع ، وكانت تسمع كلامه (لو 10: 39). أما مرثا فكانت مشغولة وحدها بالخدمة في البيت ، حتى إنها اشتكت للرب قائلة : أما تبالي بأن أختي قد تركتني أخدم وحدي ؟ . فأجابها الرب قال لها : مرثا مرثا أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة ، ولكن الحاجة إلى واحد . فاختارت مريم النصيب الصالح الذي لن ينزع منها (لو 10: 40-42).
والموقف الثاني حدث عندما مات أخوها لعازر ( يو 11: 1-46). ففي البداية أرسلت الأختان للرب قائلتين: يا سيد هوذا الذي تحبه مريض (عد3)، لكن الرب في حكمته تمهل حتى مات لعازر ، فتأثرت مريم بشدة ، حتى إنها جلست في البيت مع المعزين ، بينما أسرعت مرثا لملاقاة الرب يسوع حالما سمعت أنه قادم (عد 20). ولكن عندما أرسل الرب يدعوها ، قامت سريعاً وجاءت إليه (28و29)، واختلط الإيمان بالحزن في كلماتها : يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي (32).
أما الموقف الثالث ، فحدث قبل الفصح بستة أيام عندما صنعوا وليمة للرب في بيت عنيا ، والأرجح أن ذلك كان تعبيراً عن شكرهم للرب لإقامته لعازر الذي كان أحد المتكئين مع الرب يسوع ، فأخذت مريم المتعبدة منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن، ودهنت قدمي يسوع ، ومسحت قدميه بشعرها ، فامتلأ البيت من رائحة الطيب . وكان هذا الطيب يستورد من الهند ، وكان ثمنه يعادل أجر عامل على مدى سنة كاملة ، فألا يعبر هذا عن عمق مشاعرها من نحو سيدها العجيب ؟ لقد نسيت كل تحفظ في تعبيرها عن هذه المشاعر المقدسة ، فكسرت قارورة الطيب كثير الثمن ، وسكبته على رأس الرب يسوع (مت 26: 7 ،مرقس 14: 3) ، ثم انحنت عند قدميه- ربما لتتجنب نظرات الآخرين ، ودهنت قدميه بباقي الطيب ، وبكل الحب مسحتهما بشعر رأسها (يو 12: 3) ، وكان هذا في نظر رجال الأعمال إتلافاً كبيراً ، ولكن الرب يسوع - العالم بالقلوب - اعتبره من أجمل ما قُدم له ، لأنه كان عمل المحبة الخالصة ، وهي شيء ثمين عند الرب ) مت 26: 10 ، مرقس 14: 6 ، يو 12: 7).
ويخلط البعض بين هذه الحادثة ، وبين ما حدث في الجليل ، حين كان الرب يسوع في بيت سمعان الفريسي (لو 7: 36-50). فهناك كان يسوع بين خليط من الناس غير المتعاطفين ، أما ما حدث في بيت عنيا ، فكان بين أصدقاء شاكرين . في بيت سمعان الفريسي كانت المرأة خاطئة معروفة ، أما في بيت عنيا فكانت امرأة فاضلة متعبدة ، تعبر عن حبها وتقديرها . في بيت سمعان جاءت المرأة تلتمس الغفران ، أما في بيت عنيا فكان اعترافاً بالجميل من أحباء . فشتان ما بين الموقفين !
(5) مريم أم يعقوب ويوسي: وتذكر مريم هذه بألقاب مختلفة ، فهي أم يعقوب ويوسي ( مت 27: 56) ، كما يبدو أنها هي التي تسمى مريم الأخرى ( مت 28: 1)، مريم أم يوسي ( مرقس 15: 40). ومن الواضح أن كل هذه الألقاب تشير إلى نفس الشخص .
ولكن المشكلة هي فيما يتعلق بمريم زوجة كلوبا ( يو 19: 25 ) ، ولكن إذا رجعنا إلى قوائم المريمات اللواتي وقفن عند الصليب في مختلف الأناجيل ، نستطيع أن نرى أن مريم زوجة كلوبا هي نفسها مريم أم يعقوب ويوسي ( مت 27: 59 ) ، وأنها هي أيضاً مريم أم يعقوب الصغير ويوسي ( مرقس 15: 40 ). ويذكر يعقوب الصغير هذا باسم يعقوب بن حلفى ( مت 10: 3 ، مرقس 3: 18 ، لو 6: 15 ) . وهناك من يرى أن حلفى ( في العبرية ) هو نفسه كلوبا . ( في اليونانية ) ( أنظر حلفى .
ويشير هيجسيبوس (Hegesippus) - أحد آباء الكنيسة - إلى كلوبا بأنه كان أخاً ليوسف النجار ، وهو ما يذكره أيضاً يوسابيوس المؤرخ الكنسي ، فلو صح هذا ، لكانت مريم أم يسوع ، سلفة لزوجة كلوبا هذا ، حتى ليمكن القول عنها : أخت أمه مريم زوجة كلوبا ( يو 19: 25) ، ولكان أبناءها يعقوب بن حلفى أو كلوبا ( مرقس 3: 18) ويوسي ( مرقس 15: 40) ولاوي بن حلفي ( مرقس 2: 14).
على أي حال ، كانت مريم أم يعقوب الصغير ويوسي إحدى النسوة الجليليات اللواتي كان الرب قد شفاهن من أرواح شريرة وأمراض ، واللواتي تبعنه من الجليل ، وخدمنه من أموالهن (مرقس 15: 40 ، لو 8: 2و3). فقد تبعت مريم هذه الرب يسوع إلى أورشليم ( مت 27: 26 ، مرقس 15: 41) ، وشاهدت الصلب ( مت 27: 55 و 56 ، مرقس 15: 40 ، لو 23: 49 ) ، ودفن الجسد ( مت 27: 61 ، مرقس 15: 47 ، لو 23: 55 ) ، واشتركت في إعداد الحنوط لدهن جسد يسوع ( مرقس 16: 1 ، لو23: 6 )، ورأت القبر الفارغ ، وسمعت الملائكة يعلنون قيامة الرب يسوع ( مت 28: 1 - 7) ، مرقس 16: 2 - 7 ، لو 24: 1-7 ) ، وذهبت وأخبرت الرسل بما رأت وسمعت ( مت 28: 8 ، لو 24: 9-11 ) ، بل رأت الرب المقام شخصياً ( مت 28: 9و 10).
(6) مريم المجدلية: وسميت بالمجدلية نسبة إلى موطنها الأصلي في المجدل على الساحل الغربي لبحر الجليل ، على بعد ثلاثة أميال إلى الشمال من طبرية .
ومجدل معناها في اليونانية برج مراقبة ، ولعلها سميت كذلك لوجود أكواخ صغيرة. ويقول إدرشيم إن المدينة القديمة كانت تشتهر بنسج الصوف وصباغته، وبالتجارة وبناء السفن والصيد وحفظ الأسماك والزراعة ، مما أدى إلى ثراء المدينة وفي نفس الوقت إلى تفشي الفساد فيها .
وقد أخرج الرب مريم المجدلية سبعة شياطين (مرقس16: 9 ، لو8: 2)، وهذا معناه أنها كانت مريضة والرب قد شفاها ، ولكنها لم تكن إحدى الغانيات المنبوذات اجتماعياً ، وبالأحرى لم تكن عاهرة . وواضح أنها كانت ذات ثراء فقد كانت إحدى النساء اللواتي تبعن الرب وكن يخدمنه من أموالهن ( مرقس 15: 10 و11 ، لو 8: 2 و3 ). وليس ما يدعو للخلط بينها وبين المرأة الخاطئة المذكورة في إنجيل لوقا ( 7: 37).
وتبدو أهمية مريم المجدلية من تكرار اسمها كثيراً . كما أنها تذكر أولاً في غالبية القوائم . وهناك اثنتا عشرة إشارة إليها في الأناجيل .. فنعرف أن الرب قد أخرج منها سبعة شياطين (لو 8: 2) ، وأنها تبعت الرب من الجليل ، وأنها خدمته من مالها
( مت 27: 56) ، وأنها شاهدت حادثة الصلب ( مرقس 15: 40 ) ، وأنها كانت واقفة عند الصليب ( يو 19: 25) حتى النهاية ، إلى أن رأت مكان القبر ( مت 27: 61 ، مرقس 15: 47) ، وأنها ذهبت إليه في فجر يوم القيامة حاملة حنوطاً ( مت 28 : 1 ، مرقس 16: 1 ، يو 20: 1 ) ، وكانت أول من رأى الرب المقام ( مر 16: 9) ، ونقلت الخبر إلى التلاميذ ( لو 24: 10 ، يو 20: 18) .