كلمة منفعة
لا تقل إذا أخطأت: ماذا أفعل، طبيعتي شريرة!فطبيعتك ليست شريرة. إنما الشر دخيل عليها.
— طبيعتك

كورنثوس

كورنثوس، رسالة بولس الرسول الاولى اليها
حجم الخط
كورنثوس- رسالة بولس الرسول الأولى إليها
الرسالة الأولى إلى الكنيسة في كورنثوس، هي ثانية رسائله طولاً، ولذلك توضع في العهد الجديد عادة بعد رسالته إلى الكنيسة في رومية (أطول رسائله).
أولاً- الكاتب: لا جدال في أن الكاتب هو الرسول بولس، فهي مع الرسالة الثانية إلى كورنثوس، والرسالة إلى رومية، والرسالة إلى غلاطية، هي الرسائل الأربع الأساسية التي تسجل الفكر اللاهوتي للرسول بولس، والتي تحظى بإجماع العلماء على صحتها وقانونيتها.
ثانياً- المرسل إليهم: يذكرهم الرسول بكل وضوح في مستهل رسالته، فهم: كنيسة الله التي في كورنثوس وكانت ثمرة خدمة الرسول في كورنثوس، ولكنه يوجه الرسالة أيضاً إلى جميع الذين يدعون باسم ربنا يسوع المسيح في كل مكان لهم ولنا (أي ربهم وربنا- 1كو 1: 1 و2). وكلمة مكان (وهي في اليونانية توبوس Topos) قد تعني مكان عبادة، وتشمل كل الاجتماعات المسيحية في أخائية خارج كورنثوس، مثل الكنيسة في كنخريا، ميناء كورنثوس (رو 16: 1).
ثالثاً- الخلفية: كانت كورنثوس منذ العصور القديمة من أهم المدن اليونانية لوقوعها على برزخ كورنثوس، نقطة التقاء الطرق البحرية بين الشرق والغرب، والطرق البرية بين الشمال والجنوب. فقد كانت في العصور التاريخية المركز التجاري والبحري المنافس لأثينا. ولقيام كورنثوس بدور قيادي في الثورة ضد روما، قام القائد الروماني موميوس (Mummius) وجيوشه بنهبها وتدميرها في عام 146 ق.م. وظل مكانها خراباً يباباً لمدة قرن من الزمان، إلى أن أصدر يوليوس قيصر في عام 46 ق.م. أمراً بإعادة بناء المدينة كمستعمرة رومانية. وفي عام 27 ق.م. أصبحت عاصمة لولاية أخائية.
وسرعان ما استعادت كورنثوس الجديدة أهميتها التجارية وشهرتها في عالم الإباحية الجنسية التي كانت لها قبلاً، حتى أصبحت كلمة يتكرنث (أي يتصرف كأهل كورنثوس) في اليونانية الكلاسيكية، مرادفة للخلاعة والفسوق. وهذا الجو من النحلال، هو الذي جعل الرسول بولس يحذر المؤمنين في كورنثوس من التجارب المحيطة بهم.
ويروي لنا الأصحاح الثامن عشر من سفر أعمال الرسل (18: 1- 18) قصة كرازة الرسول بولس فيها، وكيف أقام فيها سنة وستة أشهر يعلِّم بنيهم بكلمة الله (1كو 18: 11)، ويرجح أن ذلك كان من خريف عام 50م إلى ربيع عام 52م. كما نستنتج من نقش أثري يحدد تاريخ وصول غاليون وتوليه حكم ولاية أخائية (أع 18: 12) في يوليو عام 51م. أو نحو ذلك في السنة السادسة والعشرين من حكم كلوديوس قيصر- كما أن الرسول بولس عندما وصل إلى كورنثوس وجد أكيلا وبريسكلا قد أتيا حديثاً من روما بناء على أمر كلوديوس قيصر بأن يمضي جميع اليهود من رومية (أع 18: 1و2). ونعلم من بعض المصادر التاريخية أن هذا الأمر صدر في عام 49م.
وفي أثناء وجوده في كورنثوس، وضع الرسول بولس -رغم المقاومة الشديدة من اليهود- أساس كنيسة كبيرة بها الكثير من المواهب الروحية، تتكون من مؤمنين من اليهود والأمم، وكان من بين اليهود كريسبس رئيس المجمع (1كو 1: 14، 18: 8)، ومن الأمم تيطس بوستس الذي يوصف بأنه كان متعبداً لله (1كو 18: 7) الذي وضع بيته الذي كان ملاصقاً للمجمع، تحت تصرف الرسول بولس عندما لم يعد في استطاعته استخدام المجمع. وإذ كان تيطس يوستس هذا هو نفسه غايس (1كو 1: 14، رو 16: 23)، فيكون اسمه الكامل -كما يرجح- هو غايس تيطس يوستس، وهو اسم يدل على أنه كان مواطناً رومانياً يعيش في كورنثوس.
واشتدت مقاومة اليهود للرسول بولس وبلغت ذروتها بعد وصول غاليون للمدينة والياً على أخائية، بزمن قليل حين جاء قادة اليهود بالرسول بولس إلى كرسي الولاية بتهمة المناداة بديانة غير مصرح بها -ديانة غير اليهودية التي كان القانون الروماني يصرح بها، ولكن غاليون رأى أن ما يشكو منه قادة اليهود، أمر يتعلق باختلاف في تفسير الناموس، وأن الأمر لا يخصه كحاكم للولاية (أع 18: 15). ويدل تصرف غاليون على أن القانون الروماني كان يقف وقتئذ موقف الحياد من المسيحيين طالما أنهم لا يثيرون شغباً أو اضطراباً. وفي الحقيقة ظل الأمر كذلك إلى أن انقلب الحال في العقد التالي بأوامر امبراطورية. ولا شك في أن الرسول بولس تشجع بموقف غاليون، فلبث يعمل بعد ذلك أياماً كثيرة في كورنثوس، حتى إنه عندما غادرها، كانت هناك جماعة الإخوة الذين ودعهم وسافر في البحر إلى سورية (أع 18: 18).
ولم تكن تكتنف خدمته في أفسس، متاعب تلك المدينة فحسب، بل أيضاً الأخبار التي كانت تصل إليه عن كورنثوس. فعندما أشار إلى ما كان يحمله كل يوم من مسئولية الاهتمام بجميع الكنائس (2كو 11: 28)، لابد أنه كان للكنيسة في كورنثوس نصيب كبير من هذا الاهتمام. فمن بدء وجوده في أفسس، حانت له الفرصة لأن يكتب رسالة إلى المؤمنين في كورنثوس (1كو 5: 9). لتحذيرهم من مخالطة الزناة (وهي إشارة إلى الرذيلة التي كانت متفشية فيها)، ولم تصل إلينا هذه الرسالة. وقد أساء البعض في كورنثوس فهم الرسول بولس ظناً منهم أنه يحذرهم من التعامل مع كل الوثنيين الذين يمارسون هذه الرذائل -أمَّا ما كان يهدف إليه حقيقة- كما أوضح ذلك (1كو 5: 11) فهو أن مثل هذه الممارسات يجب عدم التساهل معها داخل المجتمع المسيحي، ويجب ألا يكون لشخص يمارسها، أي شركة مع الكنيسة، وواضح أن هذه الرسالة السابقة لم تأت بالنتيجة المرجوة (1كو 5: 1-13، 6: 9-20).
رابعاً- ظروف الكتابة: جاءت أخبار للرسول بولس -سواء في رسالة أو في زيارة خاصة من عائلة سيدة من كورنثوس اسمها خلوي (1كو 1: 11) أن روح الانقسام ظهرت بينهم، كما أن البعض منهم أنكروا على بولس رسوليته، رغم أنه هو الذي أسس الكنيسة هناك. وقد جاء هذا التحدي لسلطانه الرسولي، من جماعة من الناس كان جل اهتمامهم الحكمة والعلم بمعناهما الذي كان شائعاً عند المفكرين اليونانيين، والذين كانوا يقيسون الإنجيل الذي يكرز به بولس بمقاييسهم الفلسفية، فأراد الرسول بولس أن يكتب بنفسه تفنيداً لهذه الآراء، ولكن قبل أن ينتهي من كتابة ما يريد، وصلته أخبار جديدة عن كورنثوس من ثلاثة أشخاص جاءوا من كورنثوس هم: استفاناس وفرتوناتوس وأخائيكوس (1كو 16: 17)، الذين جاءوه برسالة من الكنيسة في كورنثوس يسألونه فيها عن بعض الأمور، كما أخبروه شفاهاً بأمور أكثر إزعاجاً مما أبلغه به أهل خلوي، فإن الرذيلة المنتشرة في كورنثوس لم تختف تماماً من الكنيسة، بل قد ظهرت فيها مؤخراً قضية مخزية، كما أن أعضاء الكنيسة الذين لهم دعاوي على بعضهم البعض يتقدمون بدعاويهم إلى القضاة الوثنيين. ولذلك فعوضاً عن إرسال ما كان قد كتبه (الأصحاحات الأربعة الأولى)، استأنف إملاء باقي الرسالة، فعالج أولاً الحالة التي وصلت إليها الكنيسة كما بلغته مؤخراً، ثم أخذ يجيب على أسئلتهم بالتتابع (فكان يبدأ الإجابة عن كل سؤال من أسئلتهم بالعبارة: وأما من جهة، مؤملاً أن يزيدهم إيضاحاً عندما يرتب له الرب زيارتهم شخصياً. وأرسل لهم هذه الرسالة إلى أن تتم الزيارة (ولعله أرسلها بيد استفاناس وفرتوناتوس وأخائيكوس)، وقال لهم أن ينتظروا زيارة من تيموثاوس لهم سريعاً.
خامساً- موجز الرسالة:
(1) المقدمة (1: 1-9).
(أ) تحية (1:1-3).
(ب) شكر (1: 4-9).
(2) بخصوص ما سمعه من أهل خلوي (1: 10- 4: 21).
(أ) التحزب وادعاء الحكمة (1: 10- 4: 5).
(ب) الرسل ومن تجددوا على أيديهم (4: 1- 6: 21)
(3) بخصوص ما بلغه من استفاناس ورفيقيه (5: 1- 6: 20).
(أ) قضية فاضحة (5: 1-13).
(ب) المسيحيون والمحاكم الرسمية (6: 1-11).
(جـ) الحرية والإباحية (6: 12- 20).
(4) الرد على رسالة الكنيسة في كورنثوس (7: 1-16: 8).
(أ) الزواج والطلاق (7: 1-10).
* هل العلاقات الزوجية مباحة دائماً (7: 10-11).
* الزواج المختلط (7: 12-24).
* النذور والعذراوية (7: 25-38).
* الأرامل (7: 39-40).
(ب) الطعام الوثني (8: 1-13).
(جـ) دفاع بولس عن رسوليته (9: 1-27).
(د) تحذيرات أخرى من الوثنية (10: 1- 11 :1).
* مثال من الإسرائيليين (10: 1-13).
* قداسة عشاء الرب (10: 14-23).
* الحرية والمحبة (10: 23- 11: 1).
(هـ) التصرف في اجتماعات الكنيسة (11: 2-14: 40).
(1) النساء في الكنيسة (11: 2-16).
(2) عشاء الرب (11: 17-34).
(3) المواهب الروحية: توزيعها (12: 1- 31أ).
* كيفية الحكم على أقوال موحى بها (12: 1-3).
* تسع مواهب من الروح القدس (12: 4-11).
* الجسد والأعضاء (12: 12-26).
* ممارسة المواهب الروحية (12: 27- 31أ).
(4) المواهب الروحية- أفضلية المحبة (12: 31ب- 13: 13).
(5) المواهب الروحية- التكلم بألسنة والنبوة (14: 1-40).
* أفضلية النبوة (14: 1-12).
* يجب ترجمة الألسنة (14: 13- 19).
* يجب أن يؤخذ الغريب في الاعتبار (14: 20- 25).
* ترتيب وليس عدم ترتيب (14: 26- 33أ).
* كلمة للسيدات (14: 33ب-36).
* خاتمة (14: 37-40).
(و) القيامة: (15: 1-58).
* الإنجيل الرسولي
* إذا لم تكن قيامة فليس هناك إنجيل (15: 12-19).
* الباكورة والحصاد (15: 20- 28).
* حجج عملية (15: 29-34).
* طبيعة جسد القيامة (15: 35-50).
* إعلان جديد (15: 51-58).
(ز) الجمع لأجل أورشليم (16: 1-4).
(5) الخاتمة: (16: 5-24).
(أ) خطط تالية (16: 5-14).
(ب) اعتبار القادة (16: 15: 18).
(جـ) تحيات ختامية وبركة (16: 19-24).
سادساً- المحتويات: يضم الرسول بولس إلى اسمه شخصاً آخر اسمه سوستانيس في مقدمة الرسالة. ولا يمكن الجزم بأنه هو سوستانيس المذكور في سفر أعمال الرسل (18: 17) رئيس المجمع الذي ضربه اليونانيون بعد أن طرد غاليون الوالي قادة اليهود في كورنثوس، فلو كان هو نفسه، لكان معنى ذلك أنه اقتفى أثر كريسبس رئيس المجمع السابق (أع 18: 8) وآمن بالمسيح.
ثم يشكر الرسول الله من أجل نعمة الله المعطاة لهم في يسوع المسيح، فقد استغنوا في كل كلمة وكل علم، وأنهم غير ناقصين في موهبة ما. وهو ما يؤيده في باقي الرسالة، في نفس الوقت الذي تبين فيه أنه كانت تنقصهم الصفات الأساسية للنضج الروحي والثبات الأخلاقي، وهو ما سنتناوله فيما بعد. ولكن الرسول بولس اختار أن يبدأ بهذه الأمور التي لأجلها استطاع أن يشكر الله بإخلاص، وأكد لهم أنهم إذ ينتظرون استعلان الرب يسوع المسيح، فإنهم يستطيعون أن يعتمدوا على إلههم الأمين الذي دعاهم لشركة ابنه، فهو الذي سيثبتهم (1كو 1: 1-9).
ثم ينتقل لمعالجة موضوع التحزب الذي أبلغه له أهل خلوي، ويدور جدل كثير حول ما إذا كان الرسول يذكر ثلاثة أحزاب أم أربعة (1كو 1: 12)، فالذين يقولون إنهم ثلاثة أحزاب، يعتبرون أن وأنا للمسيح هو رد بولس المفحم على من يقولون إنهم لبولس أو لأبلوس، أو لصفا (بطرس). ولكن السؤال: هل انقسم المسيح؟ (عد 13) يدل على أن البعض منهم كانوا يستخدمون اسم المسيح عنواناً لحزبهم. فإذا كان من قالوا إنهم لبولس كانوا يعتقدون أنهم يتبعون تعليم بولس، والذين لصفا (بطرس) هم الذي يعتبرون بطرس أكثر أهمية من سائر الرسل، والذين لأبلوس هم الذين وجدوا في فصاحة أبلوس ما يشبع عقولهم (ولعلهم كانوا من مدرسة الإسكندرية المجازية). أما إذا كان الرسول يعني أنه كان هناك حزب رابع يقول: أنا للمسيح، فهم الذين كانوا يرون أن المسيح قد حررهم من كل القيود. وقد اعتبر الرسول أن هذا التحزب عداوة للإنجيل، فكان يحارب على الجبهتين: جبهة الارتباط بقادة معينين، وجبهة التحرر باسم المسيح. ويقول إنه لم يقم بشيء يشجع البعض على الانتماء إليه، فهو لم يعمد إلاَّ يعمَّدون باسم المسيخ، بغض النظر عمن قام بتعميدهم، فقد أرسله المسيح ليبشر به مخلصاً ورباً لكل شعبه، وليس لهذا الحزب أو ذاك (1: 10-17).
واختيار أسماء قادة، مثل الانتماء إلى المدارس الفلسفية التي كانت تسمى بأسماء مؤسسيها، قد يعتبر علامة على الحكمة الدنيوية، ولكن إنجيل المسيح وإياه مصلوباً (2:2) لا علاقة له بالحكمة الدنيوية، فقد اختار الله جهَّال العالم ليخزي الحكماء، واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء، واختار الله أدنياء العالم.. لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه. ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرَّا وقداسة وفداء (1كو 1: 18-31).
لقد شعر بولس عندما وصل إلى كورنثوس بضعف وخوف ورعدة، ولم تكن كرازته بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة (2: 1-5).
ولعل البعض منهم ظن أن تعليمه ضعيف بالمقارنة بأبلوس الفصيح. لقد كان بولس يستطيع أن يتكلم بحكمة أعظم للناضجين (الكاملين) روحياً، ولكن ليس بحكمة من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر.. بل.. بحكمة الله.. التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر، وكان جهلهم هذا بحكمة الله، هو الذي جعلهم يصلبون رب المجد، وبذلك ختموا على مصيرهم. وهذه الحكمة السماوية لا يمكن الحصول عليها إلا من الإعلان السماوي، بالروح القدس. فأمور الله لا يعرفها إلا روح الله.. لكن الإنسان الطبيعي (الذي لم يستنر بروح الله) لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة، إذ ليس لديه الطاقة الروحية لفهمها. لكن الإنسان الذي يسكن فيه روح الله، الذي يمنحه التمييز، يستطيع أن يعرف فكر الله، لأن له فكر المسيح (2: 6-16).
ومهما كان ظن المسيحيين- في كورنثوس- فيما وصلوا إليه، فإنهم لم يكونوا من النضج بدرجة يتعلمون معها هذه الحكمة السماوية، فقد كانوا مازالوا أطفالاً روحياً يحتاجون إلى اللبن (التعليم الأوَّلي)، طالما كانت تسودهم روح التحزب والانقسام، وكان يمكن توقع حدوث هذا بين أناس غير مجددين، فقد كان هذا من عمل الجسد، ولذلك وصفهم بأنهم جسديون (1كو 3: 1-4).
فلم يكن بولس وأبلوس- على سبيل المثال- إلا خادمين للمسيح، يؤدي كل منهما الواجب الموكول إليه، فقد بذر بولس البذار في كورنثوس، ثم جاء أبلوس وسقى هذه البذار، ولكن الله هو الذي جعلها تنمو، أو بعبارة أخرى، وضع بولس الأساس وأبلوس بنى عليه، ولكن كان البناء بناء الله. فلم يكن في الأساس، أي خطأ، فالمسيح هو الأساس الصحيح الوحيد. والذين يبنون فوق هذا الأساس، يجب أن يدققوا في اختيار المواد التي يستخدمونها. ولم يكن بولس يقصد توجيه اللوم لأبلوس، بل للآخرين الذي استخدموا مواداً لا تتناسب مع الأساس. فالإنجيل الذي كرز لهم به بولس، كان كفيلاً بالثبات أمام تجربة الاضطهاد المحرقة، بل وأمام الدينونة الأخيرة الأشد، فهل التعليم الذي جاءهم به المعلمون الآخرون يمكن أن يثبت هكذا؟ عندما كان ينشب حريق يكتسح إحدى المدن القديمة، كانت المنشآت المشيدة من مواد غير قابلة للاحتراق، تبقى، أما المنشآت الخشبية والألواح وما أشبه، فكانت تحترق وتتصاعد دخاناً. وهكذا عندما يأتي يوم الامتحان الإلهي، سيظهر نوع المواد التي استخدمت في بناء الكنيسة، فالمواد الجيدة ستبقى وتُكافأ، أما المواد الرديئة فستحترق، فخلاص العامل، طالما يعتمد على نعمة الله، وليس على عمله، فلن يتعرض للخطر، ولو أنه قد يخسر المكافأة التي كان يمكن أن تكون من نصيبه (1كو 3: 5-15).
إن التحزب يشوه بناء الله. ويجب على قراء الرسول بولس أن يعوا أنهم كجماعة من المؤمنين بالمسيح، فهم هيكل الله الذي يسكن فيه روحه القدوس. والله لابد أن يتعامل مع أي شخص يسيء إلى هذا الهيكل. وفي الجانب الآخر، إذا تخلوا عن انقسامهم وحكمتهم الدنيوية، وجعلوا افتخارهم بالله وليس بالناس، فإنهم سيجدون أن بولس وأبلوس وصفا وسائر خدام المسيح، هم لهم كلهم، وليس لعدد قليل منهم. فليكن خدام المسيح هؤلاء مقبولين، لأنهم هم الذين أرسلهم المسيح لتوصيل إعلانه لشعبه. فليكن اعتبارهم لا على أساس شهرتهم، بل على أساس أمانتهم للرب الذي أرسلهم، فلم يكن الرسول بولس يهتم كثيراً بتقدير الناس له، بل كان ما يهمه هو تقدير سيده السماوي، وسيُعلن هذا التقدير عند مجيء الرب. وكل محاولة للحكم على خدام الرب قبل ذلك اليوم، هي محاولة للحكم قبل الوقت، ولا قيمة لها (1كو 3: 5- 4: 5).
استخدم الرسول بولس اسمه واسم أبلوس كمثال، ولكنه كان يعلم أنه لا هو ولا أبلوس شجعا روح التحزب. وعلى كل قائد مسيحي أن يتعلم منهما، فلا يفتكر فوق ما هو مكتوب (4: 6)، فهو لا يملك شيئاً من ذاته حتى يكون له الفخر، بل هي نعمة الله التي أعطته الموهبة للخدمة (4: 7).
لم تكن مسئولية الرسول بولس ورفقائه من الرسل، مسئولية سهلة، فقد كانوا معرضين كل يوم للافتراء والاضطهاد والحرمان والخطر والموت، بينما كان الكورنثيون (في نظر أنفسهم -قد وصلوا أي دخلوا فعلاً إلى المجد الآتي. ويستخدم الرسول أسلوب التهكم، لا ليجعلهم يشعرون بالخزي، بل ليريهم أفضل طريق ليسلكوه. فقد كان هو الوحيد بين معلميهم، الذي له عواطف الأب من نحوهم، فقد كانوا أبناءه في المسيح، وعلى الأبناء أن يتمثلوا بأبيهم الذي كان ينوي أن يزورهم شخصياً بعد قليل، وإلى أن يتمكن من ذلك، سيرسل لهم تيموثاوس. وعندما يأتي بنفسه سيكتشف حقيقة الذين كانوا يفتخرون بما بلغوه، ويحقرون من شأنه، فالأمر يتوقف عليهم فيما إذا كانت زيارته ستكون فرصة سعيدة، أم أنه يجب أن يأتيهم بعصا (1كو 4: 8-21).
ويستأنف الرسول الكتابة بعد أن كان قد كاد ينهبها، فبدأ (في الأصحاح الخامس) يعالج المسائل التي بلغته من استفاناس ورفيقيه. وأول كل شيء كانت هناك قضية الزنا التي حدثت من أحد أعضاء الكنيسة في كورنثوس، فقد كان يعاشر امرأة أبيه (وليس من المعلوم إن كان الأب قد مات أم كان ما زال حيَّا، وهو أمر لا يؤثر في القضية). والأسوأ من ذلك، هو أن بعض الأعضاء في الكنيسة، اعتبروا هذه المعاشرة -غير المشروعة- نوعاً من الحرية المسيحية التي كانوا يتشدقون بها ويفتخرون (1كو 5: 2و6). ولكن الرسول بولس لم يتردد في أن يأمر بعزل المذنب من شركتهم فوراً، فتجتمع الكنيسة وتصدر قرار العزل، وسيكون الرسول بولس -الذي حكم بهذا الحكم- حاضراً معهم بالروح، مشتركاً معهم في إصدار الحكم. وقوله: يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد يتضمن ليس مجرد العزل فحسب، بل الابتلاء بالمرض، إن لم يكن بالموت أيضاً، دفاعاً عن اسم الكنيسة، ولفائدة المذنب نفسه النهائية، لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع (عد 5). فلو تهاونت الكنيسة في أمر سلوك مثل هذا الشخص فستفسد بكاملها، كما أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله. وذكر الخمير سيحضر لفكر الرسول عيد الفطير الذي كان يعقب عيد الفصح، والذي يرمز إلى الطهارة الأدبية التي يجب أن تتوفر في الذين مات المسيح لأجلهم كحمل الفصح الحقيقي (15: 1-8).
وعندما كتب لهم في رسالة سابقة أن لا يخالطوا الزناة، لم يكن يقصد الوثنيين (فعدم الاختلاط بهم في كورنثوس، كان يعني الهجرة منها)، بل قصد أن مثل هؤلاء الناس يجب ألاَّ تكون لهم شركة مع الكنيسة. ونلاحظ هنا أن الرسول بولس، جمع -كما في كل مكان آخر- بين الطمع والفجور وعبادة الأوثان باعتبارها خطايا شنيعة تستوجب العزل من الشركة (5: 9-13).
كانت أخبار محاكمة الإخوة في كورنثوس، بعضهم البعض أمام المحاكم الوثنية، صدمة خطيرة في نظر الرسول بولس، لأنهم إذ كانوا يريدون تحقيق العدالة، فلماذا لا يفعلون ما كان يفعله اليهود، ويعرضون منازعاتهم للتحكيم داخل اجتماعاتهم؟ هذا يكون أفضل من عرضها على من لا علاقة لهم بالكنيسة، ويكون من الأفضل جدَّا أن يقتدوا بسيدهم ويتحملوا الظلم بدون شكوى. وإذا كان -كما يقول دانيال (7: 22) إن قديسي العلي سيكون لهم يوماً ما نصيب في تنفيذ الدينونة الأخيرة، فهل هم غير قادرين على الحكم في أمورهم الحاضرة؟ يجب أن يخجلوا من أنفسهم (1كو 6: 1-8).
ويخاطب الذين ظنوا أن الإنجيل يحررهم من القيود الأخلاقية العامة، فيؤكد لهم أنه لا مكان في ملكوت الله للناس الأشرار. لقد عاش البعض منهم، من قبل حياة شريرة، ولكنهم الآن قد اغتسلوا بدم المسيح، ويمكن لكل منهم أن يقول: كل الأشياء تحل لي، لكن ليس كل الأشياء توافق.. الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة ‎، وكأن حياتهم الجسمانية لا علاقة لها بالحياة الروحية، ولكن المسيح قد فدى الإنسان روحاً وجسداً، ولذلك يجب أن يتمجد الله في سلوكهم الجسدي، فجسد المؤمن هيكل للروح القدس، فلا يجوز مطلقاً أن يصير جسداً واحداً مع زانية (6: 9-20).
ثم يرجع إلى الأسئلة التي كتب له عنها الكورنثيون، فعالج في البداية موضوع الزواج والطلاق. فعلى الطرف الآخر من المستبيحين الذين خاطبهم من قبل، كان الذين ظنوا أنه من الأفضل للرجل أن لا يمس امرأة (7: 1)، وكان في إمكان الرسول بولس أن يوافق على ذلك حيث أنه شخصياً وجد في العزوبة أسلوباً ملائماً للحياة، ولكن باعتباره رجلاً عملياً، أدرك أن الزواج -والزواج بواحدة فقط- هو الأسلوب الأمثل للمسيحي، ويجب أن تتوفر الرغبة المشتركة بين الزوج والزوجة في منح كل منهما الآخر، حقوق وامتيازات الحياة الزوجية. فلم يكن بولس على رأي بعض المتصوفين من المسيحيين، الذي جاءوا بعد ذلك ونادوا بأن الجنس مكروه. ولكن إن استطاع غير المتزوجين، والأرامل، أن يظلوا -دون مشقة- على ما هم عليه، فحسناً يفعلون، وإلاَّ فليتزوجوا (7: 1-29).
أما من جهة موضوع الطلاق، فأمر الرب ملزم لشعبه (ارجع إلى مرقس 10: 6-12)، فالزواج عهد ارتباط أبدي، ولكن هناك حالة لم تشملها أقوال الرب، وهي إذا أصبح أحد الطرفين مسيحياً، ورغب الطرف الآخر في عدم الاستمرار في هذه العلاقة، فما العمل؟ في مثل هذه الحالة يمكن السماح بإنهاء العلاقة الزوجية، إلاَّ متى كان الطرف الآخر (غير المسيحي) راغباً في الإبقاء عليها، ففي هذه الحالة يكون الطرف غير المؤمن وأولاده مقدسين بارتباطهم بالطرف المؤمن، على أساس القاعدة: كل ما مس المذبح فهو يكون مقدساً (خر 29: 37)، فهناك دائماً رجاء خلاص الطرف غير المؤمن (1كو 7: 16).
وعلى العموم ليس ثمة سبب لأن يغير المؤمن من وضعه الذي وجد نفسه فيه عند تجديده، سواء كان مختوناً أو أغلف، عبداً أو حراً (7: 17-24).
ومن الجدير بالانتباه إليه، هو اهتمام الرسول بالتمييز بين أمر الرب الواضح (عد 10) وبين حكمه هو (1كو 7: 12 و25). ويتجلى هذا جدَّا في توجيهه لغير المتزوجين (الأعداد 25-38). ففي الضيق الحاضر (عد 26) قد يجد المسيحيون، بمسئولياتهم العائلية، صعوبة أكبر في مواجهة العالم المعادي، فمن لا يرتبط بهذه الالتزامات، فالأفضل له هو الانفصال عن نظام هذا العالم الزائل، فإذا كانا بعض المسيحيين- في حماستهم الأولى- قد نذروا العزوبة، أو إذا كانوا مخطوبين قد عزما على ألا يتزوجا، ثم بدا لهما أنه من الأفضل أن يتزوجا، فليتزوجا، إذ لا خطأ في ذلك (1كو 7: 28 و36).
وبالمثل كان من الأفضل للأرامل أن يلبثن على حالهن، ولكن إن رأين أن يتزوجن، فهن أحرار في أن يتزوجن، ولكن في الرب فقط (1كو 7:39 و40). ففي الأمر التي لم يتلق فيها أمراً مباشراً من الرب، فهو يعبر عن رأيه ويترك لقرائه الحرية في أن يقرروا لأنفسهم، ولكنه اعتبر أن رأيه رأي سليم، إذ يردف قائلاً: وأظن أني أنا أيضاً عندي روح الله (1كو 7: 39 و40).
كانت حقيقة أن معظم اللحوم المعروضة للبيع في مدينة وثنية مثل كورنثوس، كانت لحوم حيوانات قدمت ذبائح للأوثان، سبب مشكلة أمام ضمائر كثيرين من المؤمنين الراجعين من الوثنية، فهل يأكلون هذه اللحوم، أم أن أكلها يجعلهم شركاء في عبادة الأوثان؟ كان قرار مجمع أورشليم (أع 15: 29)، يقضي بالامتناع عما ذبح للأصنام، لكن الرسول بولس يستند إلى مبدأين هما الحرية المسيحية والمحبة المسيحية، فالمسيحي حرٍّ في أن يأكل منها حيث أنه لا وجود حقيقي للوثن، ولكن اعتبارات المحبة تجاه أخ مسيحي قد يتعثر ضميره من تصرف الأخ القوي، تجعله يضع حدوداً لحريته في هذا الأمر (8: 1-13). هذه الإشارة إلى القيود التطوعية على حرية المسيحي، ذكر الرسول بولس أن استعداده للقيام بذلك قد استغله مقاوموه لإلقاء الشك حول رسوليته، ولكن بولس يكتب للكنيسة في كورنثوس، أنه ليس ما يدعو للشك في هذا الأمر، إذ إنهم هم ختم رسالته في الرب (9: 2)، وإنه على أي حال سيواصل خدمته التي أؤتمن عليها من الرب، ويقول: إذ الضرورة موضوعة عليَّ، فويل لي إن كنت لا أبشر (9: 16).
ولكنه كان حرَّا في أن يعيش على حساب أولاده في الإيمان، أو أن يعمل ليعول نفسه، ولكنه فضَّل أن يعمل لكي يسد حاجته وحاجات الذين معه أيضاً ( أع 20: 34). ويقول: فإني إذ كنت حرَّا من الجميع، استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين.. صرت للكل كل شيء لأخلّص على كل حال قوماً فهو يمارس ضبط النفس لكي يأخذ الجعالة التي ستكون من نصيب الخدمة الأمينة، أمام كرسي المسيح (9: 1-27).
ويعود إلى موضوع الارتباط بالأوثان، فيذكِّر قراءه كيف أن فداء بني إسرائيل من مصر، وعبورهم البحر الأحمر، وأكلهم طعاماً واحداً روحياً، وشربهم شراباً واحداً روحياً في البرية، لم يعفهم من الدينونة عندما سقطوا في عبادة الأوثان والزنا (10: 1-13)، فمن المؤكد أيضاً أن المسيحيين لا يمكنهم تجنب عقاب الله إذا ظنوا أنهم يستطيعون الجمع بين الشركة في مائدة الرب حيث يشتركون في جسد الرب ودمه، والشركة في مائدة شياطين، كما لو اشتركوا في وليمة في معبد وثني تحت علم الوثن (ارجع إلى 8: 10). ومن الناحية الأخرى، ليس ما يمنع من تلبية دعوة صديق وثني والأكل من كل ما يقدمه على مائدته، أما إذا عُرف أن هذا الطعام مكرس لوثن، فيجب على المسيحي أن يمتنع، ويكون قدوة طيبة للآخرين، فليكن هَمُّ المؤمنين هو العمل على تمجيد الله وبركة الآخرين، وليس لخير أنفسهم فحسب، هذا ما فعله بولس مقتفياً مثال المسيح (10: 4-11: 1) ثم يتناول الرسول التصرف في اجتماعات الكنيسة، فلم يوافق على ما كان يجري في كنيسة كورنثوس، من أن تصلي المرأة أو تتنبأ ورأسها غير مغطى، مستنداً في ذلك إلى حقائق الحياة، ووجود الملائكة غير المنظورين في اجتماعات الكنيسة (11: 2-16).
ثم أبدى عدم رضاه أيضاً عن التصرف الأناني في ولائم المحبة، فبدلاً من مشاركة الآخرين الطعام، كان الأغنياء يأكلون ما أحضروه معهم، ويتركون إخوتهم الأفقر جياعاً. لقد مدحهم لأنهم حفظوا التعاليم كما سلمها إليهم (عد 2)، ولكنه لا يمدحهم على هذا التصرف مثلما لم يمدحهم على الانقسام والتحزب (11: 17-22).
ومن الواضح أنهم كانوا يحتفلون بعشاء الرب في نهاية ولائم المحبة، ولكن تصرفهم في أثناء تلك الوائم، وحالتهم في نهايتها، كانا دليلاً على أنهم لم يكونوا في حالة تتناسب مع الأكل من عشاء الرب الذي كانوا ينكرون أهميته بتصرفهم هكذا. فذكَّرهم الرسول بولس بما سلَّمه إليهم بهذا الخصوص، كما تسلَّمه من الرب وهو أقدم تسجيل وصلنا عن عشاء الرب ولم يكن قد مضى أكثر من خمس وعشرين سنة على موت الرب وقيامته. ويذكر الرسول هنا أمر الرب لتلاميذه: اصنعوا هذا لذكري.
لقد كان تصرفهم غير الأخوي، تدنيساً للعشاء، بتجاهلهم التزاماتهم كأعضاء في الجسد الواحد الذي يرمز إليه الخبز الواحد الذي يأكلونه، وبذلك كانوا يأكلون دينونة لأنفسهم، فلا عجب أن تفشى بينهم المرض والموت المبكر. فليتناولوا طعامهم العادي في البيت حتى يأتوا إلى عشاء الرب في حالة لائقة واستعداد روحي (11: 17-34).
وكان موضوع ممارسة المواهب الروحية أحد الموضوعات التي أرسل الكورنثيون يسألونه عنها. فكان الكثيرون منهم تجتذبهم المواهب الاستعراضية، وبخاصة موهبة التكلم بألسنة. ويقول لهم الرسول إن كل المواهب هي عطايا من الروح القدس، ولا يمكن لأحد يتكلم بقوة الروح القدس، وينطق بما يسيء إلى اسم الرب، كما أنه ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس (12: 1-3).
ويذكر الرسول تسع مواهب يعطيها الروح القدس، ويشبهها بوظائف أعضاء الجسم البشري التي تعمل معاً لمنفعة الجسد كله. وبروح واحد قد اعتمد كل المؤمنين إلى جسد واحد. وكما تشيع الفوضى في الجسم البشري، لو حاول كل عضو أن يؤدي وظائف الأعضاء الأخرى، أو عهدت جميع الأعضاء بوظائفها لعضو واحد، فإن الفوضى تسود على الكنيسة، إلا إذا قام كل عضو بوظيفته لخير الجميع (12: 1-31أ).
والأسمى من كل المواهب، هي نعمة المحبة السماوية التي تغنَّى بها الرسول بولس في الأصحاح الثالث عشر. فقد يكون المسيحيون موهوبين مكرسين أسخياء في عطائهم، وقد يكون لهم إيمان ينقل الجبال، وقد يكونوا من النسيج الذي صنع منه الشهداء، ولكن إذا غابت المحبة، فلا منفعة من كل ذلك. فالمحبة، فوق كل شيء آخر، هي الشيء الجوهري المطلوب. وما استخدمه الرسول في وصف المحبة، يمكن أن يقال عن المسيح، فنستطيع أن نضع اسم المسيح، مكان المحبة. فكل المواهب الأخرى لها مكانتها لوقت محدود، أما المحبة فتثبت إلى الأبد. إن حالة الإنسان الراهنة، بالمقارنة بالكمال الذي سيبلغه يوماً ما، هي كالطفولة بالمقارنة بسنوات النضج. فالأشياء التي تناسب الحالة الحاضرة من عدم النضج الروحي، تعتبر لا شيء بالنسبة لما سيكون عليه المؤمنون عند تمجيدهم مع المسيح، أما المحبة فلا تخبو ولا يسمو عليها شيء أبداً. فالإيمان والرجاء والمحبة، تكّون ثالوثاً من الفضائل السماوية التي ستثبت إلى الأبد، ولكن أعظمهن المحبة، لذلك فلتكن المحبة هي غايتكم (12: 31ب- 14: 11).
ثم يتناول بأكثر تفصيل ممارسة بعض المواهب الروحية، وبخاصة موهبتي التكلم ألسنة والنبوة. فيتكلم الرسول بولس عن التكلم بألسنة كشخص يمتلك هو نفسه هذه الموهبة بدرجة بالغة (ولم يكن أحد ليظن ذلك لو لم تكن للرسول فرصة ليذكرها عرضاً في 14: 18). ويستنكر الرسول المبالغة في أهميتها، وأنه يجب ألاَّ تُمارس بين الجماعة إلاَّ إذا وُجد مترجم، وإلاَّ فليصمت وليكلم نفسه والله (1كو 14: 4 و5 و28). إن النقطة الهامة في كل حديث هي أن تفهم الكنيسة ما يُقال وتُبنى به، وهي لا يمكن أن تُبنى بما لا تفهمه. ونفهم من كلمة الله أن الله قد يستخدم التكلم بألسنة لمخاطبة أناس يأبون الإيمان برسالته بلسان مفهوم (14: 21 اقتباساً من إش 28: 11و 12). علاوة على ذلك يجب عمل حساب تأثير ذلك على أي شخص غير مؤمن يحدث أن يدخل إلى اجتماع مسيحي، فإن منظر وأصوات جماعة بكاملها تتكلم بألسنة مختلفة، لابد أن يترك انطباعاً من المجانين، بينما النبوة -أي إعلان فكر الله بقوة الروح القدس- تبكته وتجعله يتأكد من وجود الله فيهم.
أما النبوة فلا تحتاج إلى الكثير من الضوابط، فبالإضافة إلى تذكيرهم بأن الأنبياء يجب أن يتكلموا الواحد بعد الآخر، وليس الجميع معاً، ويكفي أن يتكلم اثنان أو ثلاثة في الاجتماع الواحد. و النبي يجب أن يكون ضابطاً لنفسه، فيستطيع أن يتكلم أو أن يصمت (14: 29-32). ويجب أن تصمت النساء في الكنائس، ولا يقاطعن المتكلمين بأسئلتهن (14: 33ب-36). ولم يكن السول بولس يعبر عن رأيه الشخصي في هذه الأمور، بل كان ينقل إليهم وصايا الرب باعتباره رسوله المؤهل لذلك. أما عبارة ولكن إن يجهل أحد فليجهل (1كو 14: 38) فقد جاءت في الترجمة التفسيرية، إن جهل أحد هذا، فسيبقى جاهلاً. وجاءت في الترجمة الكاثوليكية: إن جهل أحد فسيُجهل وفي الترجمة العربية الجديدة: فإن تجاهل ذلك فتجاهلوه، أو بالحري فاتركوه في جهله.
وهناك مبدآن لهما أهمية دائمة في الكنيسة، وهما: ليكن لك شيء للبنيان (14: 26)، و ليكن كل شيء بلياقة وحسب ترتيب (14: 40).
ومع أن الأصحاح الخامس عشر يأتي بين جوابين على سؤالين من الكورنثيين، الجواب الأول بدأه بقوله: أما من جهة المواهب الروحية (12: 1)، والجواب الثاني: وأما من جهة الجمع لأجل القديسين (16: 1)، فليس من الواضح أن تعليمه بخصوص القيامة (الأصحاح الخامس عشر) جاء إجابة لسؤال محدد منهم في الرسالة التي بعثوا بها إليه، أم لا. على أي حال، كان الرسول بولس يعلم أن هناك بعض شكوك عند بعض الكورنثيين، تحوم حول هذا التعليم (فقد كانت الفلسفة اليونانية تعتقد بخلود النفس فقط)، لذلك أراد أن يذكرهم -قبل كل شيء- بأن قيامة المسيح هي محور الإنجيل الذي بشرهم به (15: 1-11). كما يذكر أقدم قائمة ببعض ظهورات الرب المقام. فالذين لم يقبلوا مبدأ قيامة المؤمنين، لم يكن في إمكانهم قبول حقيقة قيامة المسيح، وفي هذه الحالة تكون رسالة الإنجيل وهمية، والإيمان باطلاً، والرسل شهود زور (15: 12-19).
لكن قيامة المسيح كانت ثابتة وأكيدة، ولا يمكن تجاهلها، وهي تحمل معها رجاء قيامة شعبه، مثل الباكورة التي كانت تُقدم للرب في أول الأسبوع التالي لعيد الفصح (لا 23: 9-11)، وكانت مقدمة للحصاد المنتظر. وسيعقب حصاد القيامة يوم الله الأبدي، عندما يكون الله قد وضع كل أعدائه في الكون تحت أقدام الرب يسوع الممجد (15: 20-28). إن رجاء القيامة هو الذي يشجع الرجال والنساء على أن يؤمنوا بالمسيح ويعتمدوا، لكي يجتمعوا بأحبائهم الذين رقدوا في الرب، كما أن هذا الرجاء هو الذي جعل الرسول بولس وسائر الرسل رفقائه أن يحتملوا المخاطر في سبيل دعوتهم (15: 29-34).
وإذ عرض السؤال: ما هي طبيعة جسد القيامة، فإن جواب الرسول بولس كان: إنه سيكون جسداً ملائماً للبيئة الجديدة. كما أن الجسد الطبيعي ملائم لهذه البيئة الأرضية، فسيكون جسد القيامة جسداً روحانياً سيشترك لابسوه في مجد ربهم المقام (15: 35- 50). وبإعلان خاص للرسول بولس، يقول إن القيامة ستحدث عند الراقدون بيسوع، ويتغير المؤمنون الأحياء من كائنات فانية إلى كائنات خالدة. فبفضل غلبة المسيخ، سيُباد الموت نهائياً، وفي هذا تشجيع للمؤمنين ليثابروا على خدمة الرب، عالمين أن تعبهم ليس باطلاً في الرب (15: 51-58).
ثم أجابهم الرسول بولس عن كيفية الجمع لأجل القديسين، الأمر الذي شاركت فيه كل كنائس الأمم، ومن أجل الكنيسة في أورشليم. فأوصى بأن يضع كل واحد منهم في كل أول أسبوع، حتى متى جاء إلى كورنثوس تكون العطية جاهزة لإرسالها إلى أورشليم مع من تختارهم الكنيسة، والذين يمكن أن يرافقهم الرسول نفسه (16: 1-4).
ورتب الرسول أن يظل في أفسس إلى يوم الخمسين، منتهزاً الفرصة الواسعة المتاحة هناك للكرازة بالإنجيل، وبعد ذلك يجتاز بمكدونية في طريقه إلى كورنثوس، وفي أثناء ذلك سيرسل إليهم تيموثاوس (16: 5-14).
وتنتهي الرسالة بتحيات رفقاء بولس وبخاصة أكيلا وبريسكلا اللذين كانا معروفين جيداً عند الكنيسة في كورنثوس، ثم التحية الختامية (16: 21-24)، ثم كتب الرسول بولس بيده العدد الحادي والعشرين وما بعده.