كلمة منفعة
منذ الخطية الأولى، وقبل طرد أبوينا الأولين من الجنة ومنحهما الله رجاء في الخلاص، وقال لهما إن نسل المرأة سيسحق رأس الحية. وكان هذا مبدأ الرجاء..
— الرجاء (ب)

فرتيون

فرتيون
حجم الخط
فرتيون
(1) بلادهم وتاريخهم: لا يذكر هذا الشعب في الكتاب المقدس إلاَّ مرة واحدة، حيث كان بين الشعوب التي سمعت الرسول بطرس يعظ يوم الخمسين في أورشليم: فرتيون وماديون وعيلاميون.. (أع 2: 9). ونستنتج من ذلك أنهم كانوا من اليهود أو الدخلاء القادمين من مناطق الامبراطورية الفرتية التي كانت تمتد من الفرات غرباً إلى حدود الهند شرقاً، وإلى نهر مودرايا شمالاً، وظلت لمدة قورن منافساً عنيداً لروما، وقد أثبتت ذلك مراراً في ميادين القتال. ولا يرد ذكر للفرتيين في العهد القديم، ولكن كثيراً ما يذكرهم يوسيفوس، وقد لعبوا دوراً بارزاً في تاريخ اليهود لوجود مستعمرات يهودية كبيرة في بلاد بين النهرين، ولتدخل الفرتيين في شئون اليهودية إذ كثيراً ما خضعت لسلطاتهم.
أما أصل بلادهم أو فرتيا (بارثيا Parthia) الأصلية، فكانت مقاطعة صغيرة إلى الجنوب الشرقي من بحر فزوين بطول نحو 300 ميل، وعرض نحو 120 ميلاً. وهي منطقة خصبة رغم أنها جبلية، تقع على حدود صحراء فارس الشرقية (وهي تقريباً خراسان الحالية).
ولا نعرف على وجه اليقين الأصول العرقية للفرتيين وإن كان الرأي الغالب أنهم كانوا من أصل سكيثي أو من الشعوب التتارية. فليس ثمة غشارة تاريخية إليهم قبل عصر داريوس الكبير (الأول)، ولكنهم -بلا شك- كانوا بين القبائل التي أخضعها كورش، حيث أن داريوس يذكر إخماده لثورتهم على الحكم الفارسي. ويبدو أنهم ظلوا موالين للفرس إلى أن خضوا للإسكندر الأكبر.
(2) الملوك السلوقيون: ثم خضعوا بعد ذلك لحكم ملوك سورية السلوقيين ولكنهم ثاروا عليهم في أيام أنطيوكس الثاني (حوالي 250ق.م.)، وحصلوا على استقلالهم بقيادة أرساكس (Arsachs) الأةل الذي اسس الأسرة الأرساكسية التي ظلت في الحكم نحو خمسة قرون، وكانت عاصمته في هيكاتومبليوس (Hecatompylos) ولكن حكمه لم يستمر سوى ثلاث سنوات، وخلفه أخوه تريداتس (Tridates) باسم أرساكس الثاني الذي وحَّد المملكة، وقد أعفاه الصراع بين السلوقيين والبطالمة، من تدخلهما في شئونه حتى عام 237 ق.م. حين زحف عليهم سلوقس الثاني (كالينيكوس Callinicus)، ولكنه هُزم هزيمة منكرة، وتأيد للفرتيين استقلالهم. واستطاع أرتابانوس لأول (Artabanus) الذي خلف أرساكس أن يمد أملاكه غرباً حتى جبال زاجروس. ولكن أنطيوكس الثالث لم يكن ليسمح أن يمر هذا التعدي بدون عقاب، فقاد حملة ضد أرتابانوس وطارده واقتطع جزءاً من أملاك أرتابانوس الأصلية. ولكن بعد صراع دام بضع سنوات، استطاع الفرتيون أن يحتفظوا باستقلالهم، مما اضطر معه أنطيوكس أن يعقد معهم صلحاً معترفاً باستقلالهم. وظل السلام بينهما مستتباً بعض الوقت، إلى أن بدأ فرآتس الأول (Phraatos - 181- 174ق.م.) في التعدي على أملاك الامبراطورية السلوقية، وواصل خليفته مثريداتس الأول (Mithridates - 174- 137ق.م.) هذه السياسة، فضم لمملكته جزءاً من بكتريا في الشرق، و ميديا وفارس وبابل في الغرب، وكان في ذلك تحد كبير لديمتريوس الثاني (Demetrius) ملك سورية، الذي كانت هذه المقاطعات من أملاكه، فزحف ديمتريوس على فرآتس بجيش عرموم، ولكنه انهزم وأخذ أسيراً حيث ظل في فرتيا بضع سنوات، أحسن فيها فرآتس الثاني معاملته وزوَّجه أخته. وعندما أراد فرآتس أن يثير نزاعاً مع أنطيوكس سيدتس (Sedetos)، أطلق سراح ديمتريوس وأعاده إلى سورية، لكن نجح أنطيوكس في الحرب في البداية، حيث كانت قواته نحو 300.000 رجل، وتزيد كثيراً عن قوات الفرتيين، ولكنه هُزم أخيراً وقُتل في 129ق.م. وهلك جيشه. وكانت هذه آخر محاولة منالملوك السلوقيين لإخضاع الفرتيين فاعترفوا بهم القوة المسيطرة على غربي أسيا. ولكن فرآتس وقع في نزاع مع السكيثيين الذين كان قد استنجد بهم لمعاونته في الحرب ضد سيدتس وخليفته أيضاً، ولم يمكن التخلص من ألوئك البرابرة إلى عندما اعتلى عرش الفرتيين مثريداتس (Mithridates) في 124ق.م. فحول مثريداتس انتباهه إلى أرمينية التي يغلب أنه استطاع إخضاعها، ولكن ما لبث ملكها تيجرانس (Tigranes) أن استر استقلاله، بل وهاجم الفرتيين واستولى على ولايتين من بلاد بين النهرين.
(3) العلاقة بروما: لم يمض زمن طويل، حتى احتكت قوة روما الصاعدة بأمرينية وفرتيا. وفي عام 66 ق.م. وصل القائد الروماني الشهير بومبي إلى سورية بعد أن كان قد أضخحع مثريداتس ملك بنطس، فتحالف معه أفرآتس الثالث ضد أرمينية، ولكنه استاء من طريقة معاملة بومبي له وفكر في الاقنلاب عليه، ولكنه كظم غيظه بعض الوقت، ولكن كان لابد من وقوع الصدام بين الوقتين، لأ فرتيا كانت قد أصبحت امبراطورية ولا تستطيع أن تتغاضى عن تدخل روما في شئون غربي أسيا. وكان طمع كراسوس (Crassus) سبباً في نشوب الصراع بين روما وفرتيا. فعندما قسمت الامبراطورية الرومانية بين القناصل الثلاثة، ووقع القسم الشرقي من الامبراطورية لكراسوس دفعه جشعه إلى إثارة النزاع مع فرتيا. لأنه أراد أن يبز القيصر في الشهرة والثروة بإخضاع فرتيا. فعبر نهر الفرات في 53ق.م. فكانت في ذلك نهايته، إذ هزم هزيمة نكراء وقُتِل في المعركة وهلك جيشه، واستولى الفرتيون على ألعام روما التي يعلوها النسر الروماني. وهكذا بدا للعالم أن فرتيا أمنع من أن تُهزم، فكانت الند القوي لروما على مدي ثلاثة قرون. وبعد موت كراسيوس، عبر الفرتيون نهر الفرات وعاشوا فساداً في شمالي سورية، ولكنه تراجعوا في العام التالي دون أن يستولوا على شيء من البلاد، وهكذا انتهت الجولة الأولى من الحرب مع روما.
وفي 40 ق.م. -بعد معركة فيلبي- غزا باكوروس (Pacorus) -الذي كان ملكاً على فرتيا وقتئذ- سورية مرة أخرى، واستولى عليها مع كل فلسطين، ولم تنج من يده سوى صور، واقام أنتيجونس على عرش اليهودية بعد أن خلع هركانس. وظلت سورية وفلسطين في يد الفرتيين لمدة ثلاث سنوات، ولكن مجيء فندتيديوس (Ventidius) بدَّل الأحوال، فطرد الفرتيين من سورية. وعندما عادوا في العام التالين هزمهم مرة أخرى وقُتل باكوروس فانكفأت فرتيا على نفسها داخل حدودها، والتزمت سياسة دفاعية. كما فشلت محاولة أنطونيوس لإخضاعهم، كما اضطره صراعه مع أوكتافيوس إلى التخلي عن هذه المحاولة. ولم يستطع الفرتيون انتهاز فرصة الصراع داخل الامبراطورية الرومانية، وذلك لوقوع اضطرابات داخلية في فرتيا نفسها، فقد قامت فيها ثورة بزعامة ترايدتس (Tridates) الذي خلع أفرآتس الرابع عن العرش، ولكن أفرآتس استطاع أن يسترد عرشه بمساعدة السكيثيين، فلجأ ترايداتس إلى سورية مع أصغر أبناء الملك، ولكن أوغسطس قيصر أعاده بلا فدية، واستعاد أعلام كراسوس المفقودة، وهكذا عاد السلام بين الامبراطوريتين المتنافستين، فقد تعلمت كلتاهما أن تحترم إحداهما الأخرى. ومع أن النزاع ثار مرة أخرى بخصوص السيادة على أرمينية، إلا أن السلام بينهما ظل مرعياً نحو 130 سنة، أي إلى عصر تراجان.
ولكن لم تكن فرتيا تستمتع بالسلام في الداخل، إذ كثرت المنازعات على العرش، ولم يكن زمن الحكم يطول بالملوك. وقد طُرد أرتابانوس الثالث (16- 42م) مرتين من المملكة، ثم استعاد عرشه في المرتين. وفي أيامه حردثت مذبحة رهيبة لليهود في مستعمراتهم في بلاد بين النهرين، كما يروي يوسيفوس. وقد انتهى النزاع حول أرمينية في أيام نيرون بصروة مرضي للطرفين، ودام السلام بينهما لمدة خمسين عاماً.
ولكن مطامع تراجان (Trajan) جعلته يخرج على السياسة التي رسمها أوغسطس قيصر، وتمسك بها غالبية الأباطرة بعده، وهي عدم توسيع حدود الامبراطورية. فبعد معركة داشيا (Dacia) وجَّه تراجان التفاته إلى الشرق وعزم على غزو فرتيا وحاول ملك فرتيا كوزروس (Chosroes) أن يسترضي تراجان بإرسال سفارة إليه حاملة هدايا ثمينة وعروض للسلام، ولكن تراجان رفضها ونفَّذ أغراضه، فاستولى على أرمينية وأعالي بلاد بين النهرين وأديابين (أشور) وطيسفون (المدائن) العاصمة، ووصل إلى الخليج الفارسي، ولكنه اضطر للتراجع لقيام ثورات في مؤخرته، كما أنه لم يستطع فتح حصن هاترا (Hatra). ولكن استطاع الامبراطور هادريان استعادة هذه الولايات. ولم يرد الفرتيون على هذا الهجوم إلا في عهد أوريليوس (Aurelius) فاكتسحوا سورية. وفي 162 م. أرسلت لهم روما لوكيوس فروس (Lucus Verus) لتأديبهم، فأوقع بهم أشد الضربات التي أصابتهم حتى ذلك التاريخ، وهكذا بدأ نجم فرتيا في الأفول، ولم يعد الرومان يجدون منها ما كانوا يجدونه من صلابة ومقاومة فيما مضى. وقد أرسل الامبراطوران ساويرس (Seuerus) وكاراكلا (Caracalla) حملات إليها، استطاعت الأخيرة أن تستولي على العاصمة وأن تذبح سكانها. ولكن بعد اغيتال كاراكلا، حارب خليفته ماكرنوس (Macrinus) الفرتيين في معركة استمرت ثلاثة أيام في نصيبين، انهزم فيها واضطر أن يعقد معهم صلحاً بعد دفع تعويضات كبيرة.
(4) سقوط الامبراطورية: كان هذا هو آخر إنجاز للفرتيين، إذ يبدو أن أرتابانوس قد خسر كثيراً في صراعه مع الرومان، ولم يستطع أن يخمد ثورة الفرس بزعامة أرتحشستا الذي قضى على الامبراطورية الفرتية، وأقام محلها الامبراطورية الفارسية تحت حكم الأسرة الساسانية (في 226م.).
(5) تراثها الثقافي: لم يكن الفرتيون شعباً صاحب ثقافة بل كانت عظمتهم خواء من الثقافة، رغم أنهم استخدموا - إلى حد ما- بعض ما خلفته الثقافة في المناطق التي استولوا عليها من امبراطورية الإسكندر الأكبر، فلم يكن لهم تراث قومي- في حدود ما نعلم- بل استخدموا اللغة اليونانية في كتابتهم، وفي سك عملتهم. كما كانوا يعرفون العبرانية والسريانية. وقد نقش الملوك المتأخرون أساطير سامية على عملاتهم. ويقال إن يوسيفوس كتب تاريخ الحرب اليهودية بلغته القومية لأجل القراء من الفرتيين. ويبدو أنهم تركوا للولايات المختلفة مساحات كبيرة من الحكم الذاتي، طالما ظلت تدفع الجزية، وتمدها بالقوات الضرورية.
وقد اشتهر الفرتيون باستخدام الخيل في الحرب، فكانوا فرساناً ماهرين في الكر والفر، وكانوا يدورون حول الأعداء ويرمونهم بالسهام عن يمينهم وشمالهم، بل ومن خلفهم.