كلمة منفعة
السلام القلبي هو ثمرة من ثمار الروح القدس في القلب.
— السلام القلبي

عبودية

عبودية
حجم الخط
عبـد - عبوديـة
أولاً-العبودية في العهد القديم :
(أ‌) مقدمة :
العبودية هي امتلاك إنسان لإنسان آخر ، يجعل منه عبداً خاضعاً منقاداً لا يملك من أمر نفسه شيئاً . وفي العصور الكتابية القديمة ، كان للعبيد في الشرق الأوسط بعض الحقوق ، سواء بالقانون أو بالعرف والعادة . فكان للعبد حق الامتلاك (ولو لعبيد آخرين) . ويرجع نظام العبودية إلى أقدم العصور لأسباب اقتصادية أساساً .
(ب‌) مصادر العبيد :
(1) الأسري : وبخاصة أسري الحروب ، حيث كان المنتصرون يجعلون من أسراهم عبيداً (انظر تك 14 : 21 ، عد 31 : 9 ، تث 20 : 14 ، 21 : 10-14 ، قض 5 : 30 ، صم 4 : 9 ، 2 مل 5 : 2 ، 2 أخ 28 : 8 و 10) . وهي عادة قديمة ترجع إلى نحو 3000 ق . م .
(2) شراء الرقيق : كان يمكن شراء العبيد من ملك آخر ، أو من سوق الرقيق (انظر تك 17 : 12 و 13 و 27 ، جا 2 : 7) . وقد سمحت الشريعة للعبرانيين أن يشتروا عبيداً من الغرباء سواء المستوطنين بينهم ، أو من الشعوب الذين حولهم (لا 25 :
44 و 45).
ففي العهود القديمة ، عان العبيد يباعون كأي بضاعة أخري ، وقد باع أولاد يعقوب أخاهم يوسف للإسماعيليين الذين باعوه بدورهم إلى فوطيفار رئيس شرط فرعون (تك 37 : 36 ، 39 : 1) . وكان الفينيقيون يتاجرون في نفوس الناس وآنية النحاس في أسواق صور . يأتون بهم من أسيا الصغري (حز 27 : 13) ، وقد باعوا اليهود للياوانيين ، حتي أنذرهم الرب على فم يوئيل النبي بأنه سيرد عملهم على رؤوسهم (يؤ3 : 4-8) . فكانت تجارة الرقيق تجارة رائجة جدَّاً .
(3) بالميلاد : فكان الأولاد المولودون في البيت من أبوين مستبعدين ، يصبحون عبيداً لذلك البيت بحكم المولد ، وهو ما نجده مدوناً في الكتاب المقدس منذ عهد الآباء (تك 15 : 3 ، 17 : 12 و 13 و 27 ، جا 2 : 7 ، إرميا 2 : 14) . كما تؤيد ذلك الوثائق التاريخية من بلاد بين النهرين (انظر مثلاً قوانين حمورابي ) .
(4) بالتعويض : فإذا لم يستطع اللص أن يعوض عما سرقه أو عما أتلفه ، كان يباع عبداً (خر 22 : 3) . وثمة شبيه بهذا في قوانين حمورابي .
(5) سداداً لدين : فإذا أفلس مدين ، كان يضطر لبيع أبنائه عبيداً سداداً للدين (انظر 2 مل 4 : 1 ، نح 5 : 5 و 8) . وجاء بقوانين حمورابي أن المدين نفسه وزوجته وأبناءه، ويصبحون عبيداً للدائن يخدمونه ثلاث سنوات وفاء للدين ، ُيطلقون بعدها أحراراً ، وهذا شبيه بما جاء في شريعة موسي (خر 21 : 2-6) حيث كان على العبد العبراني أن يخدم سيده ست سنوات (ضعف ما جاء بقوانين حمورابي) . ولكن في نهايتها كان يجب على سيده أن يزوده من غنمه ومن بيدره ومن معصرته ، كما باركه الرب إلهه يعطيه (تث 15 : 12-18) .
(6) أن يبيع الإنسان نفسه عبداً : أي أن يجعل من نفسه عبداً لآخر ليتخلص من الفقر والمسغبة (انظر لا 25 : 39-43 و 47-54) .
(7) بالخطف : أن يخطف أحد إنساناً أو يسرقه ، ويبيعه عبداً . وكانت عقوبة ذلك القتل في شريعة موسي (خر 21 : 16 ، تث 24 : 7) ، وكذلك في قوانين حمورابي . وقد ارتكب إخوة يوسف هذه الجريمة (تك 37 : 27 و 28 ، 45 : 3-5 ، 50 : 15) .
(ج) ثمن العبد :
كان ثمن العبد يتفاوت بحسب الظروف والجنس والعمر والحالة . ولكن كان ثمن العبد- كأي بضاعة أخري-يرتفع تدريجياً بتقدم العصور ، وكان ثمن الأمة-في سن الإنجاب أكبر من ثمن العبد . وكان ثمن العبد في أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد-في بلاد بين النهرين (في أيام الأكاديين ، والأسرة الثالثة في أور) يتراوح ما بين 10-15 شاقلاً من الفضة . وفي نحو 1700 ق . م . بيع يوسف للإسماعيليين بعشرين شاقلاً من الفضة (تك 37 : 28) . فكان ذلك متوسط ثمن العبد في تلك الأيام (كما جاء في قوانين حمورابي في نحو 1750 ق . م ، وفي بابل وفي مملكة ماري) . وفي حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد ، أصبح متوسط ثمن العبد حوالي ثلاثين شاقلاً في نوزي . وكان يتراوح ما بين 20-30 أو 40 شاقلاً في أوغاريت في شمالي سورية . وفي القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد كان يساوي الثلاثين شاقلاً (انظر21 : 23) . وفي العصور التالية ، رتفع ثمن العبد (الذكر) بالتدريج في أيام الامبراطوريات الأشورية والبابلية والفارسية ، إلى نحو 50-60 شاقلاً ، والى 50 شاقلاً ثم إلى 90-120 شاقلاً على الترتيب . ففي عهد الأشوريين وضع منحيم ملك إسرائيل خمسين شاقل فضة على كل رجل (2 مل 15-20) ، ليدفعها لملك أشور ثمناً لكل رجل حتي لا يسبيهم إلى أشور .
(د) العبيد في إسرائيل:
(1) العبيد من العبرانيين :
(I) حالت الشريعة دون المغالاة في استعباد الشعب تحت الظروف الاقتصادية على صغار الفلاحين ، وذلك بوضع حد أقصي لفترة الخدمة، بحيث لاتتعدي ست سنوات ، ُيطلق بعدها العبد حرّاً ، مع منحه من العطايا ما يستطيع أن يبدأ به حياة جديدة مستقلة (خر 21 : 2-6 ، تث 15 : 12-18) .
وإذا كان العبد متزوجاً من قبل ، كانت تحرج زوجته معه عند عتقه . أما إذا كان سيده قد أعطاه زوجة ، فكانت تظل الزوجة وأولادها في حوزة السيد . فإذا أراد العبد الاحتفاظ بزوجته وأولاده ، فكان يصبح عبداً مؤبداً لسيده (خر 21 : 6 ، تث 15 : 16 و 17) . ولكنه كان يجب أن يطلق-علي أي حال-حراً في سنة اليوبيل (لا 25 : 40 و 41) مع استرداده لكل ميراثه (لا 25 : 28) ، حتي لو أراد أن يبقي مع سيده .
وإذا ضرب إنسان عين عبده أو عين أمته ، فأتلفها ، يطلقه حراً عن عينه . وإن أسقط سن عبده أو سن أمته ، يطلقه حرّاً عوضاً عن سنه (خر : 21 : 26 و 27) . وفي أيام إرميا النبي ، نقض الملك والأثرياء الشريعة ، فبعد أن أعتقوا عبيدهم من العبرانيين في السنة السابعة ، عادوا بعد ذلك فأرجعوا العبيد والإماء الذين أطلقوهم أحراراً وأخضعوهم عبيداً وإماءً (إرميا 34 : 8-11) فأنذرهم الرب بالقصاص (إرميا 34 : 12-22) .
(II) كان على العبراني الذي يبيع نفسه طوعاً للعبودية ، تخلصاً من الفقر ، أن يخدم سيده إلى سنة اليوبيل، وفيها ُيطلق حرّاً (لا 25 : 29-43) . ويسترد ممتلكاته (لا 25 : 28) . أما إذا كان سيده أجنبياً ، فكان يمكن عتقه بدفع فدية بمعرفته أو بمعرفة أحد أقربائه في أي وقت قبل سنة اليوبيل (لا 25 : 47-55) .
(III) أما الإماء فكان لهن وضع خاص . فكانت الزوجة العاقر تملك أن تعطي جارتها لزوجها لتلد له أولاداً (تك 16 ، وجاء مثل ذلك في الوثائق المسمارية من أور الكلدانيين) . وكانت الشريعة تقضي أنه إذا بيعت فتاة عبرانية أمة (خر 21 : 7-11) فكان يمكن أن تتزوج سيدها أو ابنه . فإذا قبحت في عينيه ، يدعها تفك (أي تطلق حرة). وإذا اتخذ لنفسه زوجة أخري ، فكان يجب عليه ألا ينقص طعامها وكسوتها وعاشرتها ، فإذا لم يفعل لها هذه الثلاث ، تخرج مجاناً بلا ثمن (خر 21 : 7-11) . ولم تكن لها هذه الحقوق في شرائع بلاد بين النهرين .
(2) العبيد الأجانب :
(I) كان يمكن استبعاد العبيد من الأجانب استبعاداً مؤبداً ، يتوارثهم الأبناء عن الآباء (لا 25 : 44-46). ومع ذلك كانوا يشتركون مع سادتهم في امتيازات الأمة ، مثل الختان (تك 17 : 10-14 و 27) ، وفي الأعياد كالفصح (خر 12 : 44 ، تث 16 : 11 و 14) ، وفي راحة السبت (خر 20 : 10 ، 23 : 12) .
(II) إذا ُأخذت امرأة أسيره في الحرب ، كان يمكن للعبراني أن يتزوجها ، فتصبح لها مكانة الزوجة وحقوقها . فإن لم ُيسر بها ، كان يجب عليه أن يطلقها حرة ، لا يسترقها ولا يبيعها بفضة (تث 21 : 10-14) .
(3) شروط عامة : كان أسلوب معاملة العبيد يتوقف على شخصية سادتهم ، فكان يمكن أن يكون العبد موضع ثقة سيده (انظر مثلاً تك 24 ، 39 : 1-6) . وأن تكون بينهما مودة صادقة تدعو للتضحية (خر 21 : 5 ، تث 15 : 16) . وكان السيد يملك تأديب العبد تأديباً صارماً بشرط ألا يؤدي إلى موته ، وإلا تعرض السيد لعقوبة القتل (خر 21 : 20 و 21 ، لا 24 : 17 و 22) .
ويحتمل أن العبيد عند العبرانيين كانوا يحملون سمة ظاهرة مميزة (كما كان عند بعض البابليين) . وكان يمكن للعبد-في بعض الحالات-أن يحتكم للقانون . ولكن كان يمكن لسيد قاسٍ أن يتخلي عن العناية بعبده إذا مرض ، كما فعل الرجل العماليقي مع عبده المصري (1 صم 30 : 13) . وفي أيام الآباء ، كان يمكن لرجل لا أولاد له ، أن يتبنَّي عبده ويجعله وارثاً له (انظر تك 15 : 3 ) ، أو يزوجه ابنته كما فعل شيشان مع عبده المصري (1 أخ 2 : 34 و35 ) .
ويسجل التاريخ القديم الكثير من أحداث محاولة العبيد الهروب من أسيادهم ، ولكن من يساعدهم على ذلك أو يأويهم ، كان يتعرض للقصاص . ولكن العبيد الذين كانوا يستطيعون الهروب إلى بلاد أخري ، كانوا ينجون ، إلا إذا كان بين بلادهم والبلد الآخر معاهدة تختص بمثل هذه الحالات ، كما حدث في حالة شمعي بن جيرا البنياميني عندما أتي بعبديه الهاربين ، من عند أخيش بن معكة ملك جت (1 مل 2 : 39 و 40) . وقد نهت الشريعة عن تسليم هذا العبد لمولاه (تث 23 : 15 و 16) .
(4) العتق : كانت الشريعة اليهودية تقضي بعتق العبد العبراني ، بعد ست سنوات (خر 21 : 2 ، تث 15 : 12 و 18) . كما كانت تقضي له بالتعويض عن عاهة أحدثها به سيده (خر 21 : 26 و 27) . وإذا تزوج الرجل أمة عبرانية ثم قبحت في عينيه ، أو إذا أنقص من طعامها أو كسوتها أو معاشرتها لزواجه من أخري ، فإنها تطلق حرة (خر 21 : 8 و 11) . كما أن العبراني الذي كان يبيع نفسه عبداً، كان يخرج حرّاً في سنة اليوبيل ، كما كان يمكن فكاكه من العبودية لسيده الأجنبي ، بدفع فديته في أي وقت (لا 25 : 39-43 و 47-55) . كما أن الأمة كان يمكن أن تعتق بالزواج (تث 21 : 10-14)
(هـ) عبيد الدولة والهيكل :
(1) عبيد الدولة : كانت لذلك قيود ، فقد استخدم داود العمونيين الذين هزمهم في أعمال التسخير (2 صم 12 : 31) . كما سخَّر سليمان جميع الشعب الباقين من الأموريين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين ، الذين ليسوا من بني إسرائيل .. جعل عليهم سليمان تسخير عبيد (1 مل 9 : 15 و 21 و22) ، فجعل منهم حمَّالين وقطَّاعين للأحجار (2 أخ 2 : 18) . ويرجع أن مناجم النحاس الشهيرة بالقرب من عصيون ، كان العاملون فيها من الكنعانيين والعمونيين والأدوميين . وكان تسخير أسري الحروب أمراً شائعاً في كل بلاد الشرق الأوسط .
(2) عبيد الهيكل : بعد الحرب ضد مديان ، أخذ موسي زكاة للرب ، نفساً واحدة من كل خمس مئة من الناس والبقر والحمير والغنم أعطاها للاويين الحافظين شعائر مسكن الرب (عد 31 : 28 و 30 و 47) . وأضاف يشوع إلى هؤلاء الجبعونيين ، وجعلهم محتطبي ومستقي ماء للجماعة ولمذبح الرب (يش 9 : 3-57) . كما كرس داود ورجاله الغرباء ( النثينيم ) لهذه الخدمات بجانب اللاويين . وقد رجع البعض من نسلهم من سبي بابل مع عزرا (عز 8 : 20). وُأضيف إليهم عبيد سليمان (عز 2 : 58) . ويبدو أن حزقيال النبي حذر من هؤلاء العمال ، أبناء الغريب الغلف القلوب ... ليكونوا في مقدس الرب ( حز 44 : 6-9) . وقد عاش البعض منهم في أيام نحميا في أورشليم ، ومنهم من اشترك في ترميم السور (نح 8 : 26-31) .
(و) الخلاصـة :
تتجلي روح الإنسانية في شرائع العهد القديم المتعلقة بالعبودية ، فيتكرر تحذير الله كثيراً للشعب ألا يتسلطوا على إخوتهم بعنف (انظر لا 25 : 43 و46 و53 و55 ، تث 15 : 14 و 15) ، وهو ما لا نجده في قوانين بابل أو أشور . ويجب أن نذكر أن اقتصاد الشرق الأوسط قديماً لم يكن يعتمد على قوة العمل من العبيد ، مثلما كان الحال في اليونان ، و إلى حد أبعد في الامبراطورية الرومانية .
ثانياً العبودية في العهد الجديد :
أنظمة العبودية في العهد الجديد :
بناء على ما جاء بالتلمود ، ظل نظام العبودية عند اليهود ، محكوماً بدقة بوحدة الشعب القومية . وكان هناك فرق واضح بين العبيد من اليهود ، والعبيد من الأمم . فكان العبيد العبرانيون ُيعاملون بمقتضي شريعة العتق في السنة السابعة ، كما كان على عاتق المجتمع اليهودي ، فك أى عبراني مستبعد لشخص من الأمم ، فلم يكن-في الواقع-ثمة فرق جوهري بين العبد والحر ، لأن كل الشعب كانوا يعتبرون عبيداً للرب . وعلي النقيض من ذلك ، كانت العبودية في اليونان ُتبرّر نظرياً بأنها نظام طبيعي ، فكان المواطنون ، هم الذين يعتبرون-علي وجه التحديد-من البشر ، أما العبيد فكانوا يعتبرون من المتاع ، أو مجرد سلعة من السلع . فالحقيقة الواضحة ، هي أنه طوال العصور اليونانية الرومانية ، كان نظام الرق يعتبر نظاماً طبيعياً حتي عند من كانوا يعملون على التخفيف من وطأته وتحسين أوضاعه .
وكان هناك تنوع كبير جداً - باختلاف الأزمنة والأمكنة-في مدي انتشار هذا النظام وأساليب تطبيقه . والرأي الحديث متأثر جّداً بأهوال استبعاد جموع كبيرة في المزارع في إيطاليا وصقلية في القرنين ما بين الحروب البونية وعصر أوغسطس ، واللذين تميزا بقيام سلسلة من ثورات بطولية عنيفة من العبيد . وكان ذلك نتيجة غير مباشرة للغزو السريع لبلاد حوض البحر المتوسط . فقد كان هذا الغزو هو المصدر الرئيسي لأسواق الرقيق ، من أسري الحروب . ولكن في أزمنة العهد الجديد ، لم تكن ثمة لحروب كثيرة . ولكن كان الرومانيون يستخدمون العبيد في زراعة الأرض. بينما لم يكن في مصر نظام الرقيق لزراعة الأرض ، إذ كان يقوم بذلك
الفلاحون الأحرار تحت إشراف حكومي . أما فى أسيا الصغرى وسورية ، فكانت هناك إقطاعيات كبيرة للمعابد ، كان يقوم بزراعتها مستأجرون كانوا أشبه برقيق الأرض . وفي فلسطين - كما نستنتج من الأمثال التي ضربها الرب يسوع - كان العبيد الذين يعلمون في المزارع الكبيرة ، نوعا من الموظفين . أما قوة العمل فكانوا يَستأجرون حسب الحاجة .
وكان رقيق المنازل والدولة ، هم أكثر الأنواع انتشاراً . فكان اقتناء العبيد في المنازل نوعا من التفاخر بالثراء . وفي حالة اقتناء العائلة لعبد أو اثنين ، فإنهما كانا يعملان إلى جانب السيد فى نفس العمل . ولم يكون من السهل التمييز بين العبيد والأحرار فى شوارع أثينا ، وكانت الألفة بين العبيد وسادتهم موضوعاً للتندْر .
وكانت العائلات الكبيرة في روما تستخدم العشرات من العبيد كنوع من الفخفخة لا غير ، دون حاجة ماسة لوجودهم . أما في حالة عبيد الدولة ،فكانت القوانين التي تحكمهم ، تمنحهم نوعاً من الاستقلال والاحترام . وكانوا يقومون بكل أنواع الخدمات ، بما في ذلك خدمات الشرطة في بعض الحالات . بل كانت بعض المهن مثل الطب والتعليم تكاد تكون وقفاً على العبيد .
وكانت أهم مصادر الرقيق :
(1) بالمولد بحسب كل ولاية .
(2) كان من المألوف جداً عرض الأبناء غيرالمرغوب فيهم ، ليأخذهم كل من يريد رعايتهم .
(3) كان البعض يبيعون أبناءهم عبيداً للحصول على المال .
(4) العبودية التطوعية لحل مشاكل الفقر والديون.
(5) العبودية كعقوبة .
(6) الخطف والقرصنة .
(7) أسواق الرقيق خارج حدود الدولة الرومانية .
ولم تكن هذه المصادر متاحة جميعها فى أي مكان وفي كل وقت . فقد كان هناك تنوع واسع في القوانين والأعراف المحلية . كما أن درجة الاستعداد كانت تختلف اختلافاً كبيراً ، ومن المستحيل حصرها ، فلعل عدد العبيد يبلغ ثلث عدد السكان في روما والعواصم الكبرى في الشرق . أما فى المناطق الريفية ، فكانت النسبة فيها تقل عن ذلك كثيراً .
وكان تحرير العبيد يمكن أن يتم في أي وقت عندما يريد المالك . وكان ذلك يتم في روما - عادة - بحساب ، حتى لا تحدث خلخلة سريعة في نسبة المواطنين الأصليين إلى العتقاء من أصول أجنبية .
وكانت أحوال الرق آخذه في التحسن بانتظام في أزمنة العهد الجديد ، فمع أن العبد لم يكن له ، شرعاً ، أي حقوق محددة ، فإن السادة كانوا يدركون أن العبيد يزيد اخلاصهم في العمل ، كما أحسوا بأنهم أشبه بالأحرار . كما كان يَسمح لهم بالزواج ، واقتناء ما يريدون . كما أن الرأي العام كان يميل لأدانة القسوة . وفي بعض الأحيان ، كان القانون يحكم العلاقة بين السيد والعبد . ففي مصر مثلاً ، كان موت العبد يستلزم التحقيق والمساءلة . وفي بلاد اليونان ، كان العبيد العتقاء يصبحون مستوطنين غرباء في نفس مدينة أسيادهم السابقين . وفي روما كانوا يصبحون مواطنين حالما يَعتقون.
وهكذا أدى تدفق العبيد إلى إيطاليا ، وبخاصة في القرنين السابقين لميلاد المسيح ، إلى تدويل الجمهورية الرومانية ، وذلك بالتوسع المستمر المنتظم في دائرة المواطنة .
(ب) موقف العهد الجديد من الرق :
كان هناك عبيد في أزمنة العهد الجديد ، ولكن المسيحية لم تصدر قراراً بإلغاء هذه العادة . ولكن إنجيل المسيح ، برسالته ، رسالة المحبة السامية الغلاَّبة ، خففت من قساوة العصور السابقة ، وحولت العنف إلى رفق ولطف . فتعاليم المسيح عن المساواة والعدالة والمحبة ، غيرت كل موقف الإنسان من أخيه الإنسان ، وموقف السيد من العبد ، والعبد من السيد . فروح الأخوة بين جميع الناس ، أيقظت ضمير العصر ، وقفزت فوق كل الحواجز الطبقية والعنصرية ، ونفذت إلى أبعد المناطق . وقد أعلن الرسول هذا الحق : ليس يهودي ولا يوناني ، ليس عبد ولا حر ، 000 لأنكم جميعا واحد في المسيح يسوع ( غل28:3، انظر أيضاً 1كو13:12 ، كو11:3) . ويحرض الرسول بولس السادة والعبيد - من المسيحيين- أن يحيوا بالتقوى ، وأن يتشبهوا بالمسيح في علاقة بعضهم ببعض ، الطاعة للسادة ، والصبر وطول الأناة مع العبيد : أيها العبيد أطيعوا سادتكم 00 كعبيد للمسيح 000 وأنتم أيها السادة 000 تاركين التهديد عالمين أن سيدكم أنتم أيضاً في السموات وليس عنده محاباة ( أف5:6-9) .
وأرسل الرسول بولس أنسيمس - العبد الهارب - إلى سيده فليمون طالباً منه أن يقبله لا كعبد في ما بعد ، بل أفضل من عبد ، أخاً محبوباً 000 فاقبله نظيري ( فل12- 17).
وقد كان المسيح مصلحاً ولم يكن ثائراً فوضوياً ، كان إنجيله داعياً للخير ، ولم يكن هدَّاماً . كان قوة فعَّالة ولكن بالمحبة . وكانت حياة المسيح وتعاليمه ضد كل أشكال العبودية . فإنجيل محبته ونور حياته ، كانا كفيلين - في الوقت المعين- أن يمنحا العتق لجميع الناس ، وأن يشيعا الاخاء والمساواة والمحبة في كل مكان في العالم ، وهو ما أدى فعلا - مع مرور الأيام - إلى إلغاء الرق كنظام يتعارض تماماً مع المبادئ المسيحية ، رغم أن المسيحية لا تشرِّع للعالم ، لأن المؤمنين ليسوا من العالم ، بل هم غرباء ونزلاء فيه .
أما أمرَّ أنواع العبودية ، فهي العبودية للخطية ، لأن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية ( يو34:8) . فالناس بالطبيعة مستعبدين للخطية ( رو 6: 6 ) ، إذ اقتنصهم إبليس لإرادته (2تي26:2، انظر أيضاً رو23:7) ، فهم عبيد الفساد (2بط19:2) . وقد كنا مستعبدين تحت أركان العالم ، لكن لما جاء ملء الزمان ، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة ، مولوداً تحت الناموس 000 لننال التبنِّي ( غل 3:4-5 ) . فقد جاء المسيح لكي يخلص ما قد هلك ( مت 11:18 ، لو 10:19) ، لينادى للمأسورين بالإطلاق ، ويرسل المنسحقين في الحرية ( لو 18:4 ، انظر أيضاً إش 6:42 و 7 ، 1:61 و2 ) ، وفي سبيل ذلك اخلى نفسه أخذاً صورة عبد... (في 3: 7و8 ). ولا سبيل للتحرر من عبودية الخطية إلا بالإيمان بالرب يسوع مخلِّصاً ورَّباً ، لأنه إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً (يو36:8، انظر أيضاً يو 32:8) . ويحرض الرسول المؤمنين قائلاً : فاثبتوا إذاً في الحرية التي gehauen, und auf deبالسيف196012 ?