كلمة منفعة
هناك خوف صبياني، كالخوف من الظلام، ومن الوحدة.وهذا الخوف قد يستمر مع الإنسان في كبره ويخاف الإنسان من غير سبب. أنه ضعف في النفس.
— الخوف
مزمور
مزمور، سفر المزامير 1
حجم الخط
مزمور- سفر المزامير
سفر المزامير هو الكتاب الشعري الأول في العهد القديم:
أولاً: الاسم:
أ-بناء علي المضمون: الاسم في العبرية هو "تهليم" ومعناه "الحمد" أو "التسبيح"، وهو اسم يعكس الكثير من محتويات السفر (انظر مثلاً عنوان المزمور 145: "تسبيحة لداود".).
ب- بناء علي الشكل: فالكثير من الأسماء العبرية التي تصف المزامير، تدل علي الأسلوب الأدبي المستخدم في إنشائها، فهي قصائد أو تسابيح أو ترانيم أو أناشيد، كانت ترتل بمصاحبة العزف علي الآلات الموسيقية.
والاسم في العربية "مزامير" مشتق من الفعل "زمر" أي غنَّى أو أنشد بمصاحبة المزمار أو غيره من الآلات الموسيقية. وقد أقر العهد الجديد هذا الاسم: "وداود نفسه يقول في كتاب المزامير" (لو 20: 42) و "لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسي والأنبياء والمزامير" لو (24 : 44) و لأنه مكتوب في سفر المزامير (أع 1: 20). ويعكس هذا الاسم الأسلوب الشعري للسفر.
ثانياً: كتبة المزامير:
أ-العناوين: يسبق الكثير من المزامير عناوين تفسيرية تشير إلي كاتبها بل وتشير أحياناً إلي مناسبة كتابتها، إلي جانب ذكر الأسلوب الشعري والتوجيهات الموسيقية.
وكثيراً ما تظهر عبارة مزمور أوتسبيحة لداود أو لسليمان …إلخ، مما يشير إلي كاتب المزمور، فحرف "اللام" في عبارة "مزمور لداود" مثلاً (انظر حب 3: 1) يشير إلي أن كاتب المزمور هو داود، كما أن هذا الحرف قد يشير أيضاً إلي إهداء هذا المزمور إلي الاسم المجاور بحرف اللام، مثل: "لإمام المغنيين علي ذوات الأوتار. مزمور لداود" (مزمور 4 ) أي أن هذا المزمور كتبه داود وأهداه لإمام المغنيين. بينما قد تفسر عبارة "مزمور لداود" علي هذا المزمور ينتمي إلي مجموعة أطلق عليها اسم داود. إلا أن الاستخدام الفعلي لهذا "الحرف" في سفر المزامير يقصد به أن الكاتب هو داود، مثال ذلك: "لإمام المغنيين، لعبد الرب داود الذي كلم الرب بكلام هذا النشيد في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول. فقال" (مز 18، انظر أيضاً عنوان المزمور السابع).
وينسب ثلاثة وسبعون مزموراً لداود، ومزموران لسليمان (72، 127)، ومزمور واحد لهيمان الأزراحي (مز 88)، ومزمور واحد لايثان الازراحي (مز 89، انظر 1 مل 4: 31)، ومزمور واحد لموسي (مز 90)، وأحد عشر مزموراً لبني قورح (42 ويضم 43، 44- 49، 84، 85، 87، 88 مع هيمان الأزراحي)، واثنا عشر مزموراً لآساف (مز 50 ، مز 73- 83). ويبدو أن ارتباط بني قورح باسم هيمان في عنوان مزمور 88، أنه إشارة إلي أنه جمع بين اكثر من كاتب.أما التسعة والأربعون مزموراً الباقية فلا تنسب لاسم معين.
ب- النقد: يرفض النقد السلبي للكتاب المقدس عناوين المزامير علي أساس أنها قليلة الأهمية، فيقول "ر.هـ. فايفر" (R.H. Pfeiffer): "بالنسبة لتأريخ المزامير المفردة، فإن أسماء الكاتبين المذكورة في عناوين المزامير- باستثناء هيمان وايثان- لا علاقة لها بالموضوع مطلقاً" إلا اننا نري أن مثل هذه الآراء تنبع من نزعات ثورية ترفض الاعتراف بأن داود هو كاتب هذه المفاهيم الروحية المتقدمة في فترة تعود إلي ألف عام قبل الميلاد. ويزعم (ج. و. تيرتل" J. W. Thurtyle)) أن هذه العناوين قد وضعت فيما بعد كتذييل للمزمور السابق لا كعنوان للمزمور اللاحق. ولكنه زعم أصبح مرفوضاً بالإجماع الآن.
ومن وجهة نظر نقد النصوص، ليس ثمة أساس لإنكار أصالة عناوين المزامير، فكل المخطوطات العبرية تحوي هذه العناوين، كما ان ألترجمات القديمة- فيما خلا السريانية- لا تترجم هذه العناوين فحسب، بل تخطيء احياناً في تفسير بعض معانيها التي أصبحت غامضة لمضي عصور طويلة عليها، كما في الترجمة السبعينية. والمخطوطات العبرية وبعض الترجمات الحديثة تدرج عنوان المزمور في ترقيم الآيات مما يزيد عدد آيات المزمور آية أو اثنتين.
أما من وجهة نظر النقد الأعلي، فإن الجميع يعترفون الآن بأن القصائد في شكل مزامير قد ظهرت في العهد القديم قبل عصر داود بزمن طويل (انظر ترنيمة موسي في الخروج 15، ونشيد موسي في التثنية 32، 33، وترنيمة دبورة في القضاة 5). بل عن البحث الأركيولوجي في بابل وفي مصر قد كشف عن اناشيد متقدمة لديهم قبل عصر إبراهيم بقرون عديدة. كما أن الكشف عن آداب الكنعانيين في أوغاريت (عاصمة الحيثيين) قد أمدنا بقصائد هامة مشابهة للمزامير منذ عصر موسي. كما تتشابة الأعداد 20-30 من المزمور 104 مع ترنيمة مصرية قديمة للإله آتون من عصر أخناتون من القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ويزعمون أن المزمور التاسع والعشرين مقتبس عن قصيدة من أوغاريت "للبعل" مع استبدال اسم " البعل" باسم "يهوه".
كما اتضح من الكشوف الأثرية في اوغاريت، أن ترتيب حروب الأبجدية في اللغات السامية قديم جداً، مما يؤكد قدم القصائد الثمانية المرتبة حروف بداية كل بيت منها حسب ترتيب الأبجدية (وهي مز 9، 10، 25، 34، 37، 111، 112، 114، 119). وتنسب المزامير الأربعة الولي منها إلي داود.
ويتزايد تردد العلماء المحدثين باستمرار في نسبة بعض المزامير إلي فترات زمنية متأخرة بسبب وجود تعبيرات أرامية في هذه المزامير. ومن المعروف أن داود كان يتمتع بالكثير من المواهب الموسيقية والأدبية، فكان يحسن الضرب علي العود (1 صم 16: 16-18، عاموس 6: 5). وقد كتب داود قصيدة في رثاء "شاول ويوناثان ابنه" (2 صم 1: 19-27) وفي رثاء أبنير (2 صم 3: 33, 34)، وفي صلاته للرب (2 صم 22: 10- 51 وهو نفسه مزمور 18). ومن شهادة الأسفار المقدسة نري أن داود كان يقود طقوس العبادة في إسرائيل (2 صم 6: 5، 16: 1، 1 أخ 15، 16، 25، 2 أخ 7: 6، 29: 30)، وأن الروح القدس كان يتكلم به "كمرنم إسرائيل الحلو" (2 صم 23: 1, 2، مرقس 12: 36، أع 1: 16، 2: 30, 31، 4: 45).
أما التحليل الشامل الذي كتبه "ر.د. ولسون"R D. Wilson) ) فقد اثبت توافق كتابة داود للمزامير مع مضمون كل مزمور منسوب إليه في العناوين. وينطبق نفس الشيء علي المزامير الأخري. فمثلاً يزعم البعض أن المزمور الرابع والأربعين كتب في عهد المكابيين، ولكن من الواضح انه يتفق مع عصر داود وحروبه.
ويؤكد العهد الجديد مراراً صلة داود ببعض المزامير، مثل مزمور 16 (أع 2: 25)، مزمور 32 (رو 4: 6)، مزمور 69 (أع 1: 16، رو 11: 9)، مزمور 110 (مت 22: 44، مر 12: 36، لو 20: 42، اع 2: 34). ومن ذلك يتضح لنا أن العهد الجديد لم يستخدم نفس تعبيرات داود فحسب، بل يؤكد بوضوح كتابة داود لها، فإن الرب نفسه يستند إلي قول داود: "قال الرب لربي…" (مز 110 ، لو 20: 41- 44).
وهناك بعض المزامير التي لم تنسبها عناوينها إلي كاتب معين، يذكرها العهد الجديد علي أنها من نظم داود، وبالتحديد مزمور 2 (أع 4: 25)، ومزمور 95 (عب 4: 7).
كما أن بعض المزامير (96، 105، 106) تذكر بعض أسفار العهد القديم بأنها من كلام داود (1 أخ 16: 7- 36). ويري البعض أن سفر أخبار الأيام لا ينسب هذه الأقوال إلي داود مباشرة، ولكنه يقول: "حينئذ في ذلك اليوم، أولاً، جعل داود يحمد الرب بيد آساف وأخوته" (1 أخ 16: 7)، مما يؤكد أن داود قد وجَّه عناية خاصة إلي تقديم الشكر للرب، ويلي ذلك تسبيحة مكونة من مقتطفات من مز 105: 1- 15، مز 96، مز 106: 1, 47, 48). ومن الواضح إذاً أن كاتب سفر الأخبار كان يكتب وأمامه هذه المزامير، بل أن ما ذكره سفر الأخبار الأول (16: 36) يبين أن كل الشعب كانت لديهم هذه المجموعة من المزامير أيضاً: "فقال كل الشعب آمين وسبحوا الرب" (انظر 106: 48).
ولعله يتضح لنا من هذا أن داود كتب الكثير من المزامير التي بلا عناوين والتي لا تنسب لأحد بعينه، ولكن من المهم أيضاً أنه ليس هنا مزمور مما ينسب لكاتب آخر أو يتضمن إشارات تاريخية لاحقة (مثل مز 137 وهو من مزامير السبي) قد نُسب في الأسفار المقدسة إلي الملك العظيم داود.
ثالثاً: مناسبات كتابة المزامير:
كتبت معظم المزامير في عصر المملكة المتحدة (1043- 930 ق.م.)، وبذلك لا يسبقها من أسفار العهد القديم سوي الأسفار من التكوين إلي راعوث. ومن الصعب التحديد الدقيق للمناسبات التي كتبت فيها هذه المزامير في فترة تبلغ اكثر من مائة عام.
أ- العناوين: تحدد عناوين أربعة عشر مزموراً من المنسوبة لداود، مناسبات كتابتها،وهي تُسهم في فهم الأسفار تاريخياً، وهي حسب ترتيبها الزمني:
- مز "59" وعنوانه "لإمام المغنين، علي لا تهلك، مذهبة لداود لما أرسل شاول وراقبوا البيت ليقتلوه"، وهو الحادث المسجل في 1 صم 19: 11، والمزمور يلقي الضوء علي شخصيات أعداء داود (مز 59: 12).
- مز "56) وعنوانه: "لإمام المغنيين علي الحمامة البكماء بين الغرباء. مذهبه لداود عندما أخذه الفلسطينيون في جت"، ويبين كيف أدي خوف داود في جت (1 صم 21: 10) إلي تقوية إيمانه (مز 56: 12).
- مز "34" ، وعنوانه: "لداود عندما غيَّر عقله قدَّام أبيمالك فطرده فانطلق" وهو يذكر في المزمور صلاح الله من نحوه (مز 34: 6-8، انظر 1 صم 21: 13).
- مز "142"، وعنوانه: "قصيدة لداود لما كان في المغارة. صلاة". والاضطهاد الذي يصفه هذا المزمور (مز 142: 6) قد يشير إلي اختبار داود وهو في مغارة عدلام (1 صم 22: 1) أكثر مما إليه وهو في عين جدي (مز 57).
- مز "52"، وعنوانه: "لإمام المغنين. قصيدة لداود عندما جاء دواغ ألا دومي وأخبر شاول وقال له جاء داود إلي أخيمالح"، وهو ينبِّر علي شر شاول (مز 52: 3) كرئيس لدواغ (1 صم 22: 9).
- مز "54"، وعنوانه: "لإمام المغنيين علي ذوات الوتار. قصيدة لداود عندما اتي الزيفيون وقالوا لشاول: أليس داود مختبئاً عندنا"، فهو يدين الزيفيين (مز 54: 3، انظر 1 صم 23: 13).
- مز "57"، وعنوانه: "لإمام المغنين. علي لا تهلك. مذهبة لداود عندما هرب من قدام شاول في المغارة"، وذلك عندما كان في كهوف عين جدي عندما وقع شاول في- نفس المصيدة التي أعدها لداود (مز 57: 6- انظر 1 صم 24: 1).
- مز "7" ، وعنوانه: "شجوية لداود غناَّها للرب بسبب كلام كوش الينياميني" وهو يصف افتراء كوش البنياميني عليه (مز 7: 3, 8- انظر 1 صم 24: 11, 12).
- مز "18"، وعنوانه: "لإمام المغنين. لعبد الرب داود الذي كلم الرب بكلام هذا النشيد في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول فقال" وقد تكرر هذا المزمور وفي مجمله في "2 صم 22"، وينتمي زمنياً إلي (2 صم 7: 1).
- مز "60"، وعنوانه: "لإمام المغنين علي السوسن. شهادة مذهبة لداود للتعليم. عند محاربته أرام النهرين وأرام صوبة فرجع يوآب وضرب من أدوم في وادي الملح في اثني عشر ألفاً"، ويشير إلي حملة الأدوميين الخطيرة (مز 60: 10- انظر 2 صم 8: 13, 14، 1 أخ 18: 12، 1 مل 11:15).
- مز "51"، وعنوانه: "لإمام المغنين. مزمور لداود عندما جاء إليه ناثان النبي بعد ما دخل إلي بثشبع"، ويتناول اعتراف داود بخطيته مع امرأة أوريا الحثي (2 صم 12: 13, 14).
- مز "3"، وعنوانه: "مزمور لداود حينما هرب من وجه أبشالوم ابنه"، ويصف إيمان داود في وقت عصيان أبشالوم ابنه (مز 3: 5- انظر 2 صم 15: 16).
- مز "63"، وعنوانه: "مزمور لداود لما كان في برية يهوذا"، ويلقي هذا المزمور الضوء علي هروب داود شرقاً هذه المرة (2 صم 16: 2)، لأنه في مرات الهروب السابقة لم يكن قد أصبح ملكاً، فيقول: "أما الملك فيفرح بالله" (مز 63: 11).
- مز "30"، وعنوانه: "مزمور أغنية تدشين البيت. لداود". ويلمح إلي خطايا داود لافتخاره بقواته المسلحة (مز 30:ة 5, 6- انظر 2 صم 24: 2) قبل الوبأ القصير (2 صم 24: 13- 17، 1 أخ 21: 11-17)، وتوبته وتدشينه لمذبح الرب وموقع الهيكل (1 أخ 22: 1).
ومن المزامير الباقية التي تذكر عناوينها اسم كاتبها، فإن الثلاثة والعشرين مزموراً المنسوبة للمغنين في إسرائيل (بني قورح وبني آساف) تبدي خلفيات مختلفة، حيث استمرت عشائر المغنين من اللاويين في عملهم حتي إلي ما بعد السبي: "المغنون بنو آساف مائة وثمانية وعشرةن" (عز 2: 14). وينتمي معظم هذه المزامير إلي فترة حكم داود وسليمان. والمزمور الثالث والثمانون يتلاءم مع خدمة يحزئيل بن زكريا من بني آساف في 852 ق.م. (قارن مز 83: 5- 8 مع 2 أخ 20: 1, 2, 14). بينما ينسب مزمور 74، ومزمور 79، والفقرات الختامية للمزمورين 88, 89 إلي بني آساف وبني قورح الذي يبدو أنهم عاشوا إلي ما بعد خراب أورشليم في 586 ق.م.: "اللهم إن الأمم قد دخلوا ميراثك. نجسوا هيكل قدسك. جعلوا اورشليم أكواماً" (مز 79: 1، انظر 74: 3, 8, 9، 89: 44).
ب- تاريخ كتابة المزامير: ترجع بعض المزامير الخالية من العناوين والتي لا يُعرف كاتبوها إلي فترة السبي: "علي أنهار بابل هناك جلسنا…." (مز 137: 1) أو إلي وقت الرجوع إلي أرض يهوذا في 537 ق.م. مثل: "ليقل مفديو الرب الذين فداهم من يد العدو، ومن البلدان جمعهم من المشرق ومن المغرب، من الشمال ومن البحر" "مز 107: 2, 3)، و "عندما رد الرب سبي صهيون" (مز 126: 1)،أو في فترة إعادة بناء أسوار أورشليم علي يد نحميا في 444 ق.م.: "لأنه قد شدد عوارض أبوابك. بارك أبناءك داخلك" ( مز 147: 13).
أما المزامير الأخري التي تصور وقوع مأساة، فيمكن أن ترتبط بفترات الاضطرابات مثل ثورة أبشالوم أو ما شابة ذلك من المصائب التي واجهت داود: "أنت تقوم وترحم صهيون، لأنه وقت الرأفة، لأنه جاء الميعاد… عند اجتماع الشعوب معاً والممالك لعبادة الرب" (مز 102: 13, 22)، "فنظر إلي ضيقهم إذ سمع صراخهم…. خلصنا أيها الرب واجمعنا من بين الأمم لنحمد اسم قدسك ونتفاخر بتسبيحك" (مز 106: 44, 47).
ويقول "ر. ليرد هاريس" (R. Laird Harris) إن "مما له أهمية أن الإشارات التاريخية في المزامير لا تتجاوز عصر داود إلا فيما يختص بمزمور السبي لأحد، وهو مز 137. ويشير عدد من المزامير- بصورة عامة- إلي عصور السبي والشدة، وإلي فترات خراب الهيكل (انظر مثلاً: مز 80، 85، 129). وهي أوصاف شعرية عامة، ولابد أن نذكر أن أورشليم قد حوصرت ونهبت أكثر من مرة، بل ‘ن داود نفسه قد عاني مرتين من العصيان من داخل بيته. ولم ينسب أي من المزامير المذكورة إلي داود رغم أن بعضها يمكن ان يكون قد كتب في أيامه أو بعد ذلك بقليل".
وعلاوة علي شك العلماء المتحررين في عناوين المزامير، فإنهم يميلون غلي نسبة المزامير إلي تواريخ لاحقة متأخرة- فنسبوا العديد منها إلي فترة المكابيين (القرن الثاني قبل الميلاد)، فيقول "فايفر" (R.H. Phieffer) "إن السؤال الحقيقي الخاص بسفر المزامير، ليس هو ما إذا كان السفر يضم بعض المزامير من عصر المكابيين، من القرن الثاني قبل الميلاد، وإنما بالحري ما إذا كانت ثمة مزامير قد كتبت قبل السبي…. إلا أنه من الواضح أن هناك مزمورين فقط (مز 24: 7- 10، مز 45) خاليان تماماً من كل مميزات الفكر اليهودي فيما بعد السبي، ويمكن الرجوع بهما إلي ما قبل القرن السابع قبل الميلاد". ومن المؤكد ان بعض الصيغ النحوية كالتي تنتهي بها الأسماء المجردة (كما في مزمور 110: 3) إنما هي صيغ أرامية، ومن ثم فهي ترجع إلي تاريخ متأخر. ويزعمون أيضاً أن مز "2" قد كتبت بترتيب الحروف الأبجدية تمجيداً للحاكم الحشموني يانيوس الكسندر وزوجته عند زواجهما في 103 ق.م. كما كتب مز 110 علي نفس النمط تمجيداً لحاكم حشموني آخر هو "سمعان" (143-135 ق.م.) (فايفر Pfeiffer).
إلا أن هذه النظريات قد وضعت قبل اكتشاف لفائف البحر الميت التي ترجع إلى عصر المكابيين، وهي تضم مخطوطات لكل المزامير القانونية، وكذلك تسابيح الشكر (مزامير ثانوية) وكتباً أخري تتضمن أجزاء من سفر المزامير الكتابي.
إن مخطوطات قمران تدعم الافتراض الإنجيلي بأن عزرا لم يكتب سفر عزرا وسفري أخبار الأيام فحسب، بل الأرجح أنه هو الذي جمع كل الأسفار القانونية في العهد القديم بما في ذلك سفر المزامير بعد 424 ق.م. بقليل (في أيام الملك داريوس الثاني المذكور في نح 12: 22).
رابعاً: جمع المزامير:
تتكون المزامير من مائة وخمسين مزموراً، تشكل مائة وثمانية واربعين مزموراً مستقلاً، حيث أن المزمورين التاسع والعاشر يكونان معاً قصيدة واحدة مكتوبة أبياتها حسب الترتيب الأبجدي، ويحسبان معاً-في الترجمة السبعينية- علي أنهما المزمور التاسع. كما يبدو من المزمورين الثاني والأربعين والثالث والأربعين يكونان في الأصل مزموراً واحداً (انظر القرار المتكرر: "لماذا أنت منحنية يانفسي ولماذا تئنين فيَّ..؟" (مز 42: 5, 11، 43: 5)، كما أنه ليس للمزمور العاشر، ولا للمزمور الثالث والربعين عنواناً مستقل، ولعلهما انفصلا عن المزمور التاسع والمزمور الثاني والأربعين- علي التوالي- لأسباب طقسية خاصة. إن ترتيب الإصحاحات في سفر المزامير ترتيب قديم يرجع إلي وقت جمعه ككتاب واحد. ويؤيد الترتيب الحالي للمزامير، وجوده بنفس الترتيب في الترجمة السبعينية التي تمت ترجمة سفر المزامير فيها قبل نهاية القرن الثالث قبل الميلاد، كما يؤيدة العهد الجديد، فنجد الرسول بولس يشير إلي "المزمور الثاني" (أع 13: 33). كما ان جزازات المزامير القانونية من القرن المسيحي الأول- والتي اكتشفت في كهوف قمران ونشرت في 1965- 1967م- تشابه في ترتيبها ترتيب المزامير في المخطوطات العبرية (مع بعض الاختلافات، فنجد ان مزامير 109، 118، 147 وضعت بين المزمورين 101، 105، كما وضع مز 146، مز 148 قبل مجموعة المزامير 121- 132، ووضع مز 119 بعدها).
وبالإضافة إلي ضم المزمورين التاسع والعاشر في الترجمة السبعينية، فعنها ضمت أيضاً المزمورين المائة والرابع عشر والمائة والخامس عشر في مزمور واحد وذلك فقط لأسباب طقسية فقط، ولكن لأن الترجمة السبعينية تقسم كلا من المزمورين المائة والسادس عشر، والمائة والسابع والأربعين، كلا منهما إلي مزمورين منفصلين، بقي العدد الإجمالي للمزامير فيها مائة وخمسين كما هو. أما المزمور المائة والحادي والخمسون الموجود في الترجمة السبعينية، فله أصل عبري في المخطوطات التي اكتشفت في الكهف الثاني من كهوف قمران، إلا أن النص اليوناني ينوِّه بأن هذه الإضافة "خارج العدد". والنتيجة العملية هي أن الاختلافات في الترجمة السبعينية لا ترتبط بالمضمون ولا بالترتيب، ولكن "بالترقيم" وقد أخذت عنها الفولجاتا وسائر الترجمات المنقولة عنها.
وتنقسم المائة والخمسون مزموراً إلي خمسة كتب هي: من 1: 41، من 42 إلي 72، من 73 إلي 89، من 90 إلي 106، من 107إلي 150. وقد يظهر مزمور أو جزء من مزمور في أكثر من مجموعة، فيظهر مز 14 وجزء من مز 40، من الكتاب الأول في المزمورين 53، 70 علي التوالي في الكتاب الثاني. كما يجتمع النصفان الأخيران منم المزمورين 57، 60 من الكتاب الثاني ، ليظهرا في المزمور المائة والثامن في الكتاب الخامس. ومن ثم يبدو من المحتمل أن كل كتاب من الكتب الخمسة قد ظهر- علي الأقل في وقت ما- ككتاب مستقل. وعلاوة علي ذلك، فإنه لمَّا كان المزمور الأخير من كل مجموعة (أو كتاب) ينتهي بعبارات ختامية أو تسبحة ختام لكل كتاب (انظر مز 41: 13، 72: 18, 19، 89: 52، 106: 48، وكل المزمور المائة والخمسين ختاماً للكتاب الخامس)، فالأرجح أنها كتبت لتحدد نهاية كل كتاب من الكتب الخمسة.
(I) مزامير منسوبة لداود: كتب داود مز 41. ولما كانت بقية مزامير الكتاب الأول (مز 1: 41) منسوبة إلي داود(فيما عدا ثلاثة مزامير هي: المزمور الأول الذي يعتبر مقدمة للكتاب، والمزمور العاشر الذي يشكل مع المزمور التاسع قصيدة واحدة متصلة من القصائد المرتبة ترتيباً أبجدياً في بداية كل بيت منها، والمزمور الثالث والثلاثون الذي لا عنوان له)، فيبدو أن داود نفسه هو الذي جمع هذه المجموعة الولي من المزامير قبيل وفاته في 970 ق.م. ويتكون الكتاب الأول أساساً من مزامير شخصية نبعت من الخبرات الشخصية للملك داود.
كما كتب داود المزمور المائة والسادس (انظر 1 أخ 16: 34-36)، فلابد أن الكتاب الرابع قد جمعه داود أيضاً أي قبيل 970 ق.م. ويشمل الكتاب الرابع مزموراً لموسي (هو المزمور التسعون، وهو أقدم المزامير علي الإطلاق) إلي جانب مزامير أخري لداود (96، 101، 103)، ولكن معظم مزامير هذا الكتاب الرابع ليس لها عناوين. وتتميز مزامير هذا الكتاب بأنها ذات طبيعة ليتورجية، ففي مقابل السمة الشخصية لمزامير الكتاب الأول.
(II) مزامير منسوبة لسليمان: يبدي الكتابان الثاني والثالث اهتماماً بالشئون القومية، ويمكن أيضاً أن نلاحظ فيهما (وبخاصة المزمور 83) استخدام لفظ الجلالة "الله" أكثر من استخدام "الرب" (يهوه) ولما كان الملك سليمان (المتوفى في 930 ق.م.) هو تسبيحه المزمور 72: 18, 19، "مبارك الرب الله إله إسرائيل الصانع العجائب وحده، ومبارك اسم مجدة إلي الدهر ولتمتلئ الأرض كلها من مجده. آمين ثم آمين"، فلابد أنه هو الذي جمع مزامير الكتاب الثاني، كما أن عبارته الختامية: "تمت صلوات داود بن يسي" (مز 72: 20) يبدو إنها إشارة إلي أن أباه- داود- قد كتب أكثر من نصف هذه الإصحاحات في الكتاب الثاني (مز 42 إلي 72)، فقد كتب داود- بالتحديد- مز 51 إلي 70 (ربما ما عدا المزمورين الخاليين من العنوان 66، 67). وتنسب المزامير من 42 إلي 49 لفرقة المغنيين من بني قورح، أما المزمور الخمسون فينسب إلي آساف. وكما رأينا من قبل، هناك تطابق تام بين المزمورين الرابع عشر والثالث والخمسين، فيما عدا استخدام لفظ الجلالة "الله" في المزمور الثالث والخمسين، مكان "الرب" في المزمور الرابع عشر مما يؤيد وجود الكتاب الثاني أصلاً مستقلاً عن كتابات داود في الكتابين الأول والرابع.
(جـ) المزامير المنسوبة لفترة السبي: يشتمل الكتاب الثالث علي المزامير الرابع والسبعين والتاسع والسبعين والتاسع والثمانين (89: 38- 52) وفيها إشارات إلي خراب أورشليم في عام 586 ق.م. (انظر ثالثاً: أ). ويحتوي المزمور التاسع والثمانون علي تسبيحة ختامية تحدد زمن جمع الكتاب الثالث. ويبدو أن المزمور التاسع والثمانين (عد 38- 52) يرتبط بالجزء الأول من عنوان 88. ومع أن المزمورين 88, 89 يحملان العنوان "مشليم" أي "مزمور تعليمي" (تنظر سادساً: أ) وقد كتبهما اثنان من حكماء عهد سليمان، هما هيمان الأزراحي وأيثان الأزراحي، إلا أن عنوان المزمور 88 يبدأ بالعبارة: تسبيحه مزمور لبني قورح، لإمام المغنيين علي العود للغناء" وكلمة تسبيحه هنا (مز 88) تعني- عادة- تسبيحه فرح (انظر المزمورين 30، 45)، أو علي الأقل تسبيحه ثقة (انظر المزمورين 83، 120)، إلا ان المفسرين يجمعون علي أمر واحد فيما يتعلق بالمزمور 88، وهو أن هذا المزمور هو أكثر المزامير كآبة.
ولعل العنوان الموضوع للمزمور الثامن والثمانين، من أنه "تسبيحه" (أي أغنية فرح) لا يتناسب مع مضمون المزمور نفسه، ولكنه يتناسب مع الجزء الأول من المزمور التاسع الثمانين (وبخاصة العدديين 1, 2) مما يرجح أن المزمور الثامن والثمانين ليس سوي الجزء الأول من مزمور يضم المزمورين الثامن والثمانين والتاسع والثمانين معاً، ومن ثم فإن الجزء الأول من العنوان ينطبق علي المزمورين معاً.
وبالإضافة إلي ذلك فإن الجزء المفرح الذي كتبه أيثان الأزراحي في المزمور التاسع والثمانين (من 1- 37)، قد أضيفت إليه جزء كتب في زمن السبي (89: 38-52)، وعليه يكون بنو قورح هم الذين كتبوا هذا الجزء الخير من المزمور التاسع والثمانين، علي نفس نغمة المزمور الثامن والثمانين، ومن ثم فلابد أن بني قورح قد أكملوا وجمعوا كل الكتاب الثالث بعد 586 ق.م. بقليل.
ويضم الكتاب الثالث أيضاً مزامير كتبها أشخاص مختلفون، فقد كتب داود المزمور السادس والثمانين. وكتب آساف المزامير من الثالث والسبعين إلي الثالث والثمانين. وكتب بنو قورح المزامير الرابع والثمانين والخامس والسابع والثمانين. وبوضع الكتاب الثالث بين الكتابين الأول والثاني والكتاب الرابع، فإنه يكمل مزامير إسرائيل حتي زمن السبي. فكان العمل الإلهي في جمع المزامير قد وصل في هذه المرحلة إلي ضم كل المزامير- ماعدا الأربعة والأربعين مزموراً الخيرة- مما يدل علي عدم دقة الوصف الذي يطلقونه علي سفر المزامير بأنه: "كتاب ترانيم الهيكل الثاني"، فإن مثل هذا الوصف يتجاهل الغرض من كتابه سفر المزامير وتاريخ كتابته. فمن جهة فإن العديد من المزامير لم يقصد بها مطلقاً- عند كتابتها- أن تكون تسابيح عامة (انظر سابعاً)، ومن جهة أخرى فإنه بينما كانت كل المزامير موجودة في أيام الهيكل الثاني بعد السبي، فإن معظمها كان له وجود في أيام الهيكل الأول أيضاً.
(د) مزامير بعد السبي: أخيراً فإن الكتاب الخامس يماثل الكتاب الرابع لداود في أهميته الليتورجية، لكنه يضم العديد من المزامير التي كتبت بعد السبي (كالمزمور المائة والسابع- 107: 3,2)، بالإضافة إلي خمسة عشر مزموراً لداود، وواحد لسليمان (مز 127)، فلابد أن الكتاب الخامس قد جمع بعد العودة من السبي في 537 ق.م. واستمر فترة قائماً ككتاب مستقل عن الكتب الأربعة السابقة، وهو ما يفسر وجود المزمور المائة والثامن- كما أشرنا سابقاً- الذي هو مزيج من مز 57: 6- 11، مز 60: 6-12، وهي جميعاً لداود كما هو واضح من عناوينها.
ثم قام بعد ذلك كاتب- مسوقاً بالروح القدس- بضم الكتاب الخامس إلي الكتب الأربعة الأولي، مضيفاً إليها المزامير الخمسة الخيرة التي كتبها هو (من المزمور المائة والسادس والأربعين إلي المزمور المائة والخمسين) كمزامير تهليل ختامية للسفر كله. ولما كانت المزامير الخمسة الأخيرة قد كتبت حوالي 444 ق.م. (انظر مز 147: 13) في وقت مناداة عزرا بالشريعة المكتوبة وبإعادة الكتابة في الهيكل (نح 8 إلي 10)، فالأرجح أن عزرا نفسه هو الذي قام بعملية الجمع النهائي للسفر (انظر عز 3: 10, 11، 7: 10).
خامساً: قانونية السفر:
إن كل سفر المزامير (المائة والخمسين مزموراً) "موحي بها من الله (2 تي 3: 16، انظر لو 24: 44). وهذه الحقيقة تؤيدها شهادة الرسل، فبطرس قد اقتبس بعض فقرات من سفر المزامير باعتباره "المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود" (أع 1: 16)، بل إن داود نفسه يؤكد ذلك بقوله: "روح الرب تكلم بي، وكلمته علي لساني" (2 صم 23: 2)، فسفر المزامير سفر إلهي قانوني، أي أن مصدره إلهي، مما يجعله أساساً للإيمان.
(I) التقنين: "إنه لخطأ جوهري- بالتالي- أن نعتبر التقنين راجعاً لقرار اتخذه أناس في زمن معين، يصبح بواسطته أحد الكتب ذا سلطان، كما لو أن ما ليس هو مقدساً في ذاته، يمكن أن يصبح مقدساً بقرار من الناس. (وليم هـ. جرين- W.H. Green- في كتابة: "مقدمة عامة للعهد القديم") فالكتب لا يمكن أن تصبح قانونية أو أن تضفي عليها صفة القانونية بقرار من الناس. فمن وجهة النظر الإلهية: "لو كان أحد الكتب صادراً عن الوحي الإلهي، فلابد أن يكون كتاباً قانونياً منذ لحظة كتابته" (إي. جي. ينج- E.G Young -في "مقدمة العهد القديم")، أما الإصرار علي عكس ذلك أو علي أنه "من الطبيعة الأصلية للكتب المقدسة أن تعتبر مقدسة دون أن يقصد بها ذلك" (جرين)، فمعناه ببساطة- لأسباب بديهية- إنكار إمكانية وجود مرجع إلهي مكتوب، ومن ثم فلا مبرر لأن يقوم البشر بتقرير قانونيته.
أما من وجهة نظر الإنسان، فإن بعض المزامير تبدو كما لو أنها نشأت كانسكاب لروح الإنسان، دون إدراك واضح من الكاتب عند كتابتها بأنها ستصبح معايير ومبادئ موحي بها (انظر مثلاً مز 42، مز 130). ففي مثل هذه الحالات يصبح التقنيين ضرورياً، بشرط أن يكون المفهوم من ذلك أنه "إدراك وإقرار بالحقيقة الكامنة المتأصلة فيها حقاً من العمل الإلهي في الأسفار الموحي بها".
فبالنسبة للكتب الأول والثاني والرابع من المزامير، لابد أن اعتبارها قانونية قد تم بسرعة كبيرة، فقد ادرج المزمور الثامن عشر- علي سبيل المثال- ضمن السفر القانوني لصموئيل (2 صم 22) في خلال نصف قرن من وفاة داود (قارن الأبحاث الزمنية المتعلقة بالفقرات الآتية 1 صم 27: 6، 2 صم 17: 17-21، 18: 19-30، والتي يحتمل ان أخيمعص هو كاتبها؟؟). كما أن داود قام باستخدام المزامير (96، 105، 106) في الخدمة العامة في بداية حكمة لإسرائيل (1 أخ 169: 7- 36).
أما نسبة كثير من المزامير الأخرى "إمام المغنين" لقيادة العبادة، فهو دليل واضح علي تقنين داود للمزامير، كما أن جمع داود وسليمان للكتب الأول والثاني والرابع في أثناء حياتهما، يقدم المزيد من الشهادة علي الاعتراف بقانونية هذه المزامير التسعة والثمانين- علي الأقل- في ذلك الوقت المبكر.
وإذا تختم جماعة المغنين من بني قورح- من المسبيين- المزمور التاسع والثمانين بعبارة التسبيح: "مبارك الرب إلي الدهر. آمين فآمين". (مز 89: 52) علي مثال الكتب السابقة- فإنهم بذلك يؤكدون إدراكهم لقانونية الكتاب الثالث أيضاً.كما أن مزامير التسبيح الخمسة الأخيرة (مز 146- 150) من الكتاب الخامس، لا تعني قانونية الكتب الخمسة فحسب، بل تتضمن أيضاً أن المزامير المائة والخمسين، قد أصبحت جزءاً كاملاً متميزاً من الأسفار القانونية المقدسة.
ولم تكن ثمة شهادة خارجية عن قبول سفر المزامير بين الأسفار القانونية حتي فترة ما بعد العهدين، حين ذكرت الأسفار الأبوكريفية "كتابات داود" مع اخبار الملوك والأنبياء (2 مكابيين 2: 13)، كما اقتبست من المزامير مباشرة باعتبارها سفراً قانونياً (1 مكابيين 7: 17، انظر مز 79: 2). كما كان سفر المزامير جزءاً من الكتاب المقدس الذي تمت ترجمته في القرن الثالث قبل الميلاد، وهي الترجمة المعروفة باسم "الترجمة السبعينية". كما تقدم لنا مخطوطات قمران- من القرن الثاني قبل الميلاد- دليلاً علي أن مجوعة المزامير القانونية كانت محددة وثابتة، في أيام المكابيين. واللفافة الرئيسية التي تضم المزامير والتي اكتشفت في الكهف الحادي العشر من كهوف قمران- إلي جانب خمس جزازات أخرى كانت أصلاً أجزاء من هذه اللفافة- تتفق مع واحد وأربعين مزموراً من الكتابين الرابع والخامس.
(ب) ترتيب سفر المزامير: حسب الترتيب العبري القديم للأسفار القانونية في العهد القديم، يأتي سفر المزامير بعد الناموس والأنبياء، وفي أول القسم الأخير من العهد القديم وهو القسم الذي يعرف "بالكتابات" (انظر لو 24: 44).
ويتكون العهد القديم- كما يذكر يوسيفوس، من القرن الأول المسيحي- من اثنين وعشرين سفراً، هي: خمسة أسفار لموسي، ثلاثة عشر سفراً للأنبياء (ثمانية أسفار للأنبياء الأولين، هي الأسفار التاريخية ليشوع، والقضاة مع راعوث ، وصموئيل، والملوك، وأخبار الأيام، وعزرا مع نحميا، وأستير وأيوب- وخمسة أسفار للأنبياء المتأخرين، وهي: إشعياء وإرميا مع مراثي إرميا، وحزقيال، ودانيال، والاثنا عشر سفراً للأنبياء الصغار كسفر واحد). أما الأسفار الأربعة الخري فتشمل تسابيح لله، ومشورات حكمة للبشر للسلوك في الحياة، وهي بالتحديد: أسفار المزامير، الأمثال، والجامعة، ونشيد الأنشاد لسليمان. ولكن في القرن الرابع الميلادي تغير الترتيب، لاعتبارات ليتورجية، إلي الترتيب الحالي الذي وضعه المعلمون اليهود (الرابيون)، فنقلوا عدداً من أسفار الأنبياء من القسم الثاني إلي القسم الثالث. إلا ان الترتيب الأقدم للأسفار القانونية، قد احتفظ به في ترتيب الأسفار في الترجمة اليونانية وغيرها من الترجمات، لكن سفر المزامير والأسفار الشعرية الثلاثة الأخرى، والتي ذكرها يوسيفوس (وهي الأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد)، وضعت بين أسفار الأنبياء الأولين وأسفار الأنبياء المتأخرين.
سادساً: محتويات السفر:
يأتي سفر المزامير تالياً لسفر إرميا من حيث الطول- في العهد القديم بالعبرية- ويضم بعضاً من أهم موضوعات الوحي. وقد اقتبس كتاب العهد الجديد من سفر المزامير اكثر من أي سفر آخر، وما زال سفر المزامير يحظي باهتمام المسيحيين حتي اليوم. وسفر المزامير سفر شخصي عاطفي وجداني، وتمثل المائة والخمسون مزموراً قمة في الأسفار المقدسة.
وتظهر في كل مزمور الخصائص الشخصية للشعر العبري، ولا يعني هذا أساساً توفر القافية والوزن فحسب، بل بالحري التناظر في الأفكار حيث يعبر الشطر الثاني من كل بيت في القصيدة عن تكرار المعني توكيداً له أو تفصيلاً للمعني في الشطر الأول. وتختلف القصائد في المضمون، وقد عرض "هرمان جونكل" (Herman Gunkel) عدداً من التقسيمات ليست جميعها مقبولة، ولكننا نستطيع أن نميز الأنماط التالية بناء علي العناوين أو الموضوعات:
(I) العناوين: تظهر في عناوين المزامير خمسة عناصر:
(1) نسبة المزمور لشخص معين.
(2) الموسيقي.
(3) الأسلوب الأدبي والغرض.
(4) الكاتب.
(5) المناسبة التي كتب فيها المزمور. والمزمور الستون هو الوحيد الذي يشمل عنوانه علي كل هذه العناصر الخمسة، وهي:
(أ) لإمام المغنين.
(ب)علي السوسن (الموسيقي).
(جـ)الأسلوب الأدبي: "شهادة مذهبة".
(د)الكاتب: داود، والغرض للتعليم.
(هـ) المناسبة التي كتب فيها المزمور: "عند محاربته أرام النهرين وأرام صوبة، فرجع يوآب وضرب من أدوم في وادي الملح اثني عشر ألفاً". وتضم عناوين معظم المزامير عنصراً من هذه العناصر الخمسة.
ويتميز عدد كبير من المزامير بالصيغة الغنائية، ويطلق علي كل منها اسم "مزمور" مع ذكر ارتباطه بالآلات الوترية (في سبعة وخمسين مزموراً)، أو تحمل اسم ترنيمة أو قصيدة أو تسبيحة مع التركيز علي الموسيقي المرحة (في تسعة وعشرين مزموراً). وقد يكون التسبيح عاماً (كما في المزمور المائة والخامس والأربعين). أو محدداً (كما في المزمور التاسع عشر، الخاص بإعلان نفسه في الخليقة).
ومن المزامير ذات الصيغة الغنائية ما يحمل عنوان "صلاة"، وهي المزامير السابع عشر، والسادس والثمانون، والتسعون، والمائة والثاني، والمائة والثاني والأربعون. وبعض هذه المزامير تتضمن عناصر رثاء مثل: أمل يارب أذنك، استجب لي لأني مسكين وبائس أنا، احفظ نفسي لأني تقي. يا إلهي خلص أنت عبدك المتكل إليك أصرخ اليوم كله" (مز 86: 1-3). ولكن السمة تختلف. والكثير من المزامير- كلها أو جزء منها- عبارة عن صلوات لله.
أما "الشجوية" (مز 7، حبقوق 3: 1)فتعبر عن مشاعر الحزن (وفي اللغة العربية: شجاه الأمر شجواً، أحزنه) وهي تدعم تقسيم "جونكل" للمراثي القومية والشخصية. وتقترب بعض المزامير (مثل: مز 83، أجزاء من مز 44، مز 74، مز 89: 38- 51) من لغة رثاء داود لشاول ويوناثان (2 صم 1: 19-27)، ورثائه لأبنير (2 صم 3: 23, 24)، ومراثي إرميا، وغيرها من المراثي في العهد القديم، رغم أن كلمة "رثاء" لا تظهر في عناوين هذه المزامير. وتترجم كلمة "ميشتام"العبرية بكلمة "مذهبة" (أي مغطاة برقائق من الذهب) في عناوين المزامير 16، 56إلي 60 ربما بسبب إشارة المزامير إلي تغطية الخطايا وسترها (كما في مز 60: 1, 5). والملاحظ أن كل المزامير المعنونة "مذهبة"عبارة عن مراثي.
ويبدو في أجزاء من المزامير (مثل مز 34: 11-16) نوع من الحكمة أو المعرفة مما يجعلها أشبه بسفر الأمثال ( انظر مز 37: 49، 73، 128، 133، وبخاصة مز 127 لسليمان). وهناك مزامير أقل شبهاً بكتابة الحكمة، ولكنها تشير إلي نفس الاتجاه، وهي المزامير التي تحمل عنوان "للتعليم" مما يحمل معني التعليم أو التأمل. وتظهر هذه العبارة في عناوين ثلاثة عشر مزموراً.
(II) موضوعات المزامير: وبغض النظر عن عناوين المزامير، فإنه يمكن تقسيم المزامير علي أساس موضوعاتها. وقد حاول بعض النقاد المحدثين-اقتداء "بجونكل"- البلوغ إلي رأي أكثر موضوعية، فحاولوا تصنيف قصائد سفر المزامير حسب بعض الخصائص الشكلية.فالمزمور الذي يتكون من توسلات وابتهالات، يليها وصف لأحزان المرنم، ويختم بالتعبير عن الثقة في الرب"يهوة"، مثل هذا المزمور يوصف بأنه مرثاة. ومع أنه توجد بعض الأشكال، إلا أن هذا المدخل غير كافٍ، من جهة بسبب التنوع الشديد في المزامير مما يستلزم الكثير من التساهل في تحديد كل قسم، حتي ليفقد التقسيم معناه. ومن جهة أخري يبدو أن شكل المزمور يسير علي قاعدة يمكن التكهن بها من مضمونه، فمثلاُ كيف يمكن التعبير عن مرثاة إلا من خلال الابتهالات وشرح المشكلة ثم إبداء التسليم لله؟
والأقسام التالية مبنية علي أساس المضمون، لكنها ليست شاملة بأي حال من الأحوال، بل تغطي جزءاً من أهم وأبرز الموضوعات التي تظهر في سفر المزامير عن العلاقات بين الله والبشر:
(1)التسبيح: إن الله هو الشخصية المركزية في كل الكتاب المقدس، والقصائد الكتابية تعبر عن الابتهاج بدعوة الخليقة لتسبيح "الله" خالقها. وتبدأ هذه التسابيح- أو الترانيم- عادة بالدعوة إلي تعظيم الرب "يهوه"، كما في: " اهتفوا أيها الصديقون بالرب. بالمستقيمين يليق التسبيح. احمدوا الرب بالعود، بربابة ذات عشرة أوتار رنموا له.غنوا له أغنية جديدة.أحسنوا العزف بهتاف"مز 33: 1- 3). ويلي ذلك القسم الرئيسي للمزمور الذي يمثل أساس الدعوة للتسبيح، ويتقدمه- عادة- عبارة "لأن"، مثل"لأن كلمة الرب مستقيمة…" (مز 33: 4) أو الاسم الموصول "الذي" مثل: "… الذي نصحني" (مز 16: 7)، "الذي يغفر جميع ذنوبك، الذي يشفي كل أمراضك، الذي يفدي من الحفر حياتك، الذي يكللك بالرحمة والرأفة، الذي يشبع بالخير عمرك فيتجدد مثل النسر شبابك.." (مز 103: 3-6). ثم تأتي الخاتمة التي قد تعود إلي تكرار ما بدأ به المزمور، مثل "باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه، باركوا الرب يا جميع جنوده خدامه العاملين مرضاته، باركوا الرب يا جميع أعماله في كل مواضع سلطانه، باركي يا نفسي الرب" (مز 103: 20- 22). ولكنها ليست دائمة هكذا، فمزمور "33" مثلاً لا ينتهي بنفس ما بدأ به من الدعوة للتسبيح، وكذلك مز 147.
وتتميز ترانيم التسبيح العبرية بوصفها للطبيعة، ولصفات الله، سواء للشهادة له أو الصلاة المباشرة له، وليس لمجرد مجاراة الصيغة المألوفة. وكما في سائر الأسفار المقدسة، لا يحاول سفر المزامير أن يثبت حقيقة الله، فالمزامير التي تتحدث عن "وجود الله" وهي المزامير 10، 14، 53، كما في: "كل أفكاره أنه لا إله" (مز 10: 4)، وقال الجاهل في قلبه: ليس إله" (مز 14: 1)، لا تهتم أساساً- بالإنكار النظري لله، مما يؤدي إلي الإساءة إليه (مز 14: 2, 4، انظر أيضاً مز 10: 4)، ويوصف الله بعبارات واقعية حتي ليبدو لنا أن هناك إسراف في خلع صفات البشر علي الله كما في: "الساكن في السموات يضحك. الرب يستهزيء بهم" (مز 2: 4). وفي كل هذا تأكيد لحقيقة وجود "الله" يهتم بخير خلائقه "صخرة قلبي ونصيبي الله إلي الدهر" (مز 73: 26).
أما المزموران التاسع عشر والمائة والتاسع عشر، فهما قصيدتان عن إعلان الله لنفسه سواء بصفة عامة في الطبيعة (مز 19: 1-6)، أو بصفة خاصة في كلمته الموحي بها (مز 19: 8-14). وبينما يقتصر المزمور التاسع عشر علي مواجهة الإنسان بحقيقة عظمة الله: "لا قول ولا كلام. لا يسمع صوتهم" (مز 19: 3)، فإن المزمور المائة والتاسع عشر يقدم للبشر العودة الأبدية إلي الله وقبولهم أمامه (مز 119: 7, 9, 14) وبخاصة من خلال شريعة موسي. وهي الموضوع الرئيسي للمزمور 119، أطول إصحاحات الكتاب (إذ يتكون من 176 آية)، ويستخدم هذان المزموران اسم الجلالة "الله" المتعالي (مز 19: 1)، كما يستخدم الاسم الشخصي "يهوه" (الرب)، والذي يعني "أنه كائن بذاته" ليفدي ويخلص (مز 19: 7- 14- انظر خر 3: 14).
ويؤكد المزمور المائة والخامس عشر وحدانية الله- كما تؤكده الشريعة (تث 4: 35, 39)، وأن آلهة الأمم ليست سوي أصنام: "أن إلهنا في السماء، كل ما شاء صنع، أصنامهم فضة وذهب عمل أيدي الناس. لها أفواه ولا تتكلم، لها أعين ولا تبصر، لها آذان ولا تسمع" (مز 115: 4-7). فإذا ذكرت آلهة الوثنيين فإنما تذكر بسبب اعتقاد بعض الناس فيها. أما بالنسبة للمزامير فإنها تؤكد: "أنت الله وحدك" (مز 86: 10). وفي المزامير الأخري- التي تتحدث عن شخصيات أخري- غير الله الحقيقي- فإنها تشير إلي الملائكة، كما في: "تنقصة قليلاً عن الملائكة، وبمجد وبهاء تكلله" (مز 8: 5، عب 2: 9)، أو إلي من يمثلون الله من البشر، مثل القضاة: "الله قائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي" (مز 82: 1، انظر أيضاً مز 82: 7، خر 21: 6).
وأكثر ما تبرزه المزامير من صفات الله، ليس هو أساساً ثباته وعدم تغيره: "هي تبيد وأنت تبقي، وكلها كثوب تبلي، كرداء تغيرهن فتتغير، وأنت وهو وسنوك لن تنتهي" (مز 102: 26, 27)، ولكنها أيضا تؤكد علي تكيف معاملته مع البشر، فتذكر: "مع الرحيم تكون رحيماً، مع الرجل الكامل تكون كاملاً، مع الطاهر تكون طاهراً، ومع الأعوج تكون ملتوياً" (مز 18: 25, 26).
وتبرز ثلاث مجموعات رئيسية من الصفات الإلهية، في سفر المزامير:
2- لا محدودية الله: ففقرات المزمور المائة والتاسع والثلاثين، الرائع، لا تركز بشدة علي عدم محدودية الله في الزمان فحسب (انظر مثلاً: "من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة، منذ الأزل وإلي الأبد أنت الله"- مز 2:90، وأيضاً: "أما أنت يارب فإلي الدهر جالس وذكرك إلي دور فدور"- مز 102: 12)، بل وعلي عدم محدود يته في المكان، فهو موجود في كل مكان: "أين أذهب من روحك؟ ومن وجهك أين اهرب…؟" (مز 139: 7-12). وهيكل الله في السماء عينها:"الرب في هيكل قدسه. الرب في السماء كرسيه" (مز 11: 4)، ومع ذلك فإنه في نعمته يقدر ان يحدد نفسه بمكان بعينه، كما حدث في التاريخ، مثلاً: في سيناء (مز 68: 7, 8، انظر أيضاً تث 33: 2، قض 5: 4, 5). وفي اورشليم (مز 20: 2، 27: 4)، أو مع شخص بعينه: "الرب قريب لكل الذين يدعونه بالحق" (مز 145: 18، 139: 18). كما أن الله غير محدود في علمه، فهو كلي العلم: "يارب قد اختبرتني وعرفتني… لأنه ليس كلمة في لساني إلا وأنت يارب عرفتها كلها… عجيبة هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيعها" (مز 139: 1- 6)، وفي قوته، فهو كلي القدرة والقوة: "عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً" (مز 139: 13- 18- انظر أيضاً المزامير من 93- 99 عن الملك الأبدي للرب "يهوه").
2- بر الرب (يهوه): كما نري في المزمور الخامس: "لأنك أنت لست إلهاً يسر بالشر، لا يساكنك الشرير… يارب اهدني إلي برك…" (مز 5: 4, 8). وفي هذا الصدد، هناك كلمتان معبرتان للغاية بصفة خاصة عن بر الله، هما "الحق": "علمني يارب طريقك، أسلك في حقك، وحد قلبي لخوف اسمك" (مز 86: 11). فحق الله (ومعناه حرفياً: الثبات) هو التمسك بالمبدأ. والكلمة الثانية هي "الاستقامة" (مز 9: 8، 45: 6، 96: 10)…إلخ) وهي إظهار حق الله، أو بمعني اكثر دقة هي الفعل الصائب المستقيم.
3- صلاح الله: وهو موضوع الحمد والتسبيح، وبخاصة في مز 103 وفي العديد من المزامير. والتركيز كله علي "رحمة الرب": "ميز مراحمك يا مخلص المتكلين عليك بيمينك من المقاومين" (مز 17: 7) وأيضاً: "أما أنت يارب فإله رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة والحق" (مز 86: 15). كما تركز علي "أبوه الله": "إن أبي وأمي قد تركاني والرب يضمني" (مز 27: 10، 89: 26، انظر أيضاً مز 57: 1، 63: 7). وقبل كل شيء تبرز "محبة الله" الثابتة الدائمة المترجمة "بالرحمة". إلا أن هذه الكلمة تعبر أساساً عن وفاء الله لكلمة عهده، مما يُنتج عدلاً، ويؤدي إلي السلام الكامل الشامل: "يحب البر والعدل. امتلأت الأرض من رحمة الرب" (مز 33: 5). وما أروع القول: "الرحمة والحق التقيا البر والسلام تلاثما" (مز 85: 10)!
وتركز المزامير في مجموعها علي "قداسة الله" التي يتميز بها (انظر لا 20: 26). وهي أكثر من مجرد صفة مفردة، فالقداسة- كما نراها في ثلاث عبارات في المزمور التاسع والتسعين- تصف عظمة الله وسموه (مز 99: 1-3) وطبيعته الأدبية (مز 99: 4, 5)، كما تصف عمله الفدائي الشامل (مز 99: 6- 9). فالقداسة بالنسبة لله هي "ملء اللاهوت".
(1) الطبيعة: تنتقل قصائد سفر المزامير طبيعياً من تسبيح الخالق إلي تقدير خليقته المادية. فأصحاب المزامير لم ينتقلوا من الطبيعة إلي إله الطبيعة، لكنهم رأوا الله- الذي عرفوه عن طريق الإعلان- ظاهراً في كل الطبيعة. وهناك أربعة مزامير (104، 50، 29، 65) تعلن - علي وجه الخصوص- هذه العلاقة، من اعتماد الكون علي الله. والمزمور المائة والرابع هو ترنيمة عن الخليقة، فالرب هو مصدر الكون. كما يتحدث المزمور الخمسون (وبخاصة الأعداد من 10- 13) عن الاكتفاء الذاتي عند الرب دون حاجة به إلي العالم الذي هو صانعه ومليكه. ويسبح المزمور التاسع والعشرون الرب الذي يجلس "ملكاً إلي الأبد" (مز 29)، فهو سيد الكون. أما المزمور الخامس والستون- بتعبيره عن الشكر والحمد في الأعداد من 9 إلي 11- فيصف كيف يمنح الله بركاته للناس من خلال عالم الطبيعة (انظر مز 33: 5، 147: 8, 9).
لقد أثارت ظواهر الأرض- كما جاءت في المزامير التي تتحدث عن الطبيعة- نوعاً من النقد ضد سفر المزامير، أحياناً كما لو كانت غير صحيحة، وأحياناً أخري باعتبارها أسطورية تماماً. فبالنسبة للاتهام الأول، بأن هذه المزامير غير صحيحة، يجب ألا نخضع الخيال الشعري لقوانين ومقاييس التفسير الحرفي، عبارة "سواقي الله ملآنه ماء" (مز 65: 9) تعني ببساطة "المطر" كما أن المؤسس الأرض علي قواعدها" (مز 104: 5) يعني نظامها المستقر الثابت، أو قد يعني المباديء التي يقوم عليها المجتمع البشري (مز 75: 3). وليست عبارة: "سماء السموات" (مز 148: 4)سوي صورة تفضيل لأعلي سماء كما نري في 2 كو 12: 2). وعندما يذكر المزمور الرابع والعشرون علي الأرض، أن الله "علي البحار أسسها، وعلي الأنهار ثبتها" (مز 24: 2)، فليس معني هذا أن المزمور يردد المفهوم البابلي الخاطيء عن العالم بأنه عبارة عن بيضة تعلوها قبة حجرية وأسفلها هوة عميقة، ولكنه ببساطة يتحدث عن الأرض التي تعلو مستوي سطح البحر (انظر خر 20: 4، 2 بط 3: 5). فالوحي الإلهي يستطيع أن يؤدي الوصف الدقيق من خلال الشعر، أكثر مما من خلال النثر عند القدماء (انظر مز 104: 6).
أما الاتهام الثاني بأن المزامير صور خيالية وأسطورية، فإننا نجد المزامير حريصة على تجنب تفسير ظواهر الطبيعة علي أنها أشخاص أو وحوش، الأمر الذي يشكل جوهر الأساطير، بل حتي "لوياثان" الذي ربط بينه النقاد والوحش الخرافي "لوتان" خصم "البعل" إله الكنعانيين، فإنه (لوياثان) ليس سوي مخلوق بحري شبيه بالحوت ورد اسمه في مز 104: 26، واستخدم رمزاً لقوة مصر في مز 74: 14 (وقد استخدمت كلمة "لوياثان" هنا مرادفة لكلمة "تنين" مز 74: 13، أو التمساح- أي 41)، تماماً كما ترمز "رهب" إلي مصر (مز 87: 4، 89: 9, 10- انظر إش 51: 9, 10). أما الأساطير فتسلب الطبيعة أمجادها وتنسبها إلي كائنات اعلي. وقد حرصت المزامير علي تمييز الطبيعة عن الأشخاص، لكنها جسدتها في الشعر (مز 98: 8, 9).
ويبدي سفر المزامير تقديراً لكل جمال الطبيعة باعتبارها صنعة يدي الخالق (انظر مز 147: 8- 10, 14- 18)، ويشمل هذا الحياة البرية (مز 147: 9، علي نقيض الخوف المشار إليه في أناشيد الوثنيين- مثل ترنيمة "أتون" المصرية). كما يشمل الظواهر اليومية (مز 133: 3)، والدورة السنوية الزراعية ودورة الرعي (مز 65: 13). كما يتغني المرنم بقوة الله في الطبيعة (مز 42: 7، 8)، وأحزان الحياة (مز 102: 7, 8) وأفراحها (مز 126: 5).
إن الغرض من الطبيعة هو تمجيد الله (مز 148) وتوجيه نظر البشر إليه (مز 19: 1، 8: 3, 4)، ويتضح هذا الهدف- بصفة خاصة- في التشبيهات في سفر المزامير: "كما يشتاق الإيل إلي جداول المياة هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله" (مز 42: 1)، "فيتجدد مثل النسر شبابك" (مز 103: 5)، "بنوك غروس الزيتون حول مائدتك" (مز 128: 3). وهي كلها تشبيهات لعناصر في الطبيعة كجداول المياه،والإيل والنسر وأشجار الزيتون.
كما يبدو هذا الغرض أيضاً في التشبيهات الضمنية في السفر، "العصفور أيضاً وجد بيتاً والسنونة عشاً لنفسها حيث تضع أفراخها، مذابحك يارب الجنود، ملكي وإلهي" (مز 84: 3). وليس معني هذا أن مذبح الرب كانا مكاناً يضع فيه العصفور عشه، ولكنه التشبيه الضمني هنا هو أن مذبح الرب ملجأ وملاذ حقيقي يحتمي الإنسان فيه بالله، مثل العصفور في عشه. ويري المرنم أن الطبيعة مآلها إلي فناء: "هي تبيد وأن تبقي" (مز 102: 26)، فهي موجودة لخدمة الإنسان (مز 104: 10- 23)، ولتسبيح "يهوه" (مز 104: 33).
(2) مزامير تاريخية: يتركز اهتمام المزامير- في وسط العالم المادي- علي تاريخ البشر بصفة خاصة. كما أن الأسفار المقدسة تنظر إلي البشرية باعتبارها ساقطة وفي حاجة إلي الفداء الذي لا يمكن أن يتم إلا بالمسيح (يو 14: 6، أع 4: 12، انظر مزامير التوبة في هذا البحث). وسواء كان هذا للقديسين قبل المسيا أو بعده (عب 9: 156، 11: 40) فإن المصالحة مع الله قد تمت حقاً بدم العهد الأبدي، دم المسيح (عب 9: 16, 17) الذي كان في العهد القديم كما في العهد الجديد، أداة الله في صنع الفداء وتقديم الخلاص لكل البشر. ولكن بينما صار عهد الله- في القديم- في سلسلة من العهود التاريخية بدأت في جنة عدن (تك 3: 15، انظر هو 6: 7) والتي كانت تتمركز دائماً حول الوعد بالمصالحة، بأن يكونوا له شعباً ويكون هو لهم إلهاً (تك 17: 7)، فقد وصل هذا الوعد بالفداء إلي تعبير محدد في العهد الذي قطعه الله مع الشعب علي جبل سيناء (خر 19: 5, 6، 6: 7) بالارتباط بصفة خاصة مع بني إسرائيل. وبنما تبدي المزامير العلم بعهد الله مع إبراهيم، والذي جدده مع الآباء التالين له: "ذكر إلي الدهر عهده… الذي عاهد به إبراهيم وقسمه لإسحق فثبته ليعقوب فريضة، ولإسرائيل عهداً أبدياً" (مز 105: 8- 10)، إلا أن المزامير ركزت علي ما أظهره الرب من نعمة في عهده في سيناء (مز 68: 7, 8).
سفر المزامير هو الكتاب الشعري الأول في العهد القديم:
أولاً: الاسم:
أ-بناء علي المضمون: الاسم في العبرية هو "تهليم" ومعناه "الحمد" أو "التسبيح"، وهو اسم يعكس الكثير من محتويات السفر (انظر مثلاً عنوان المزمور 145: "تسبيحة لداود".).
ب- بناء علي الشكل: فالكثير من الأسماء العبرية التي تصف المزامير، تدل علي الأسلوب الأدبي المستخدم في إنشائها، فهي قصائد أو تسابيح أو ترانيم أو أناشيد، كانت ترتل بمصاحبة العزف علي الآلات الموسيقية.
والاسم في العربية "مزامير" مشتق من الفعل "زمر" أي غنَّى أو أنشد بمصاحبة المزمار أو غيره من الآلات الموسيقية. وقد أقر العهد الجديد هذا الاسم: "وداود نفسه يقول في كتاب المزامير" (لو 20: 42) و "لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسي والأنبياء والمزامير" لو (24 : 44) و لأنه مكتوب في سفر المزامير (أع 1: 20). ويعكس هذا الاسم الأسلوب الشعري للسفر.
ثانياً: كتبة المزامير:
أ-العناوين: يسبق الكثير من المزامير عناوين تفسيرية تشير إلي كاتبها بل وتشير أحياناً إلي مناسبة كتابتها، إلي جانب ذكر الأسلوب الشعري والتوجيهات الموسيقية.
وكثيراً ما تظهر عبارة مزمور أوتسبيحة لداود أو لسليمان …إلخ، مما يشير إلي كاتب المزمور، فحرف "اللام" في عبارة "مزمور لداود" مثلاً (انظر حب 3: 1) يشير إلي أن كاتب المزمور هو داود، كما أن هذا الحرف قد يشير أيضاً إلي إهداء هذا المزمور إلي الاسم المجاور بحرف اللام، مثل: "لإمام المغنيين علي ذوات الأوتار. مزمور لداود" (مزمور 4 ) أي أن هذا المزمور كتبه داود وأهداه لإمام المغنيين. بينما قد تفسر عبارة "مزمور لداود" علي هذا المزمور ينتمي إلي مجموعة أطلق عليها اسم داود. إلا أن الاستخدام الفعلي لهذا "الحرف" في سفر المزامير يقصد به أن الكاتب هو داود، مثال ذلك: "لإمام المغنيين، لعبد الرب داود الذي كلم الرب بكلام هذا النشيد في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول. فقال" (مز 18، انظر أيضاً عنوان المزمور السابع).
وينسب ثلاثة وسبعون مزموراً لداود، ومزموران لسليمان (72، 127)، ومزمور واحد لهيمان الأزراحي (مز 88)، ومزمور واحد لايثان الازراحي (مز 89، انظر 1 مل 4: 31)، ومزمور واحد لموسي (مز 90)، وأحد عشر مزموراً لبني قورح (42 ويضم 43، 44- 49، 84، 85، 87، 88 مع هيمان الأزراحي)، واثنا عشر مزموراً لآساف (مز 50 ، مز 73- 83). ويبدو أن ارتباط بني قورح باسم هيمان في عنوان مزمور 88، أنه إشارة إلي أنه جمع بين اكثر من كاتب.أما التسعة والأربعون مزموراً الباقية فلا تنسب لاسم معين.
ب- النقد: يرفض النقد السلبي للكتاب المقدس عناوين المزامير علي أساس أنها قليلة الأهمية، فيقول "ر.هـ. فايفر" (R.H. Pfeiffer): "بالنسبة لتأريخ المزامير المفردة، فإن أسماء الكاتبين المذكورة في عناوين المزامير- باستثناء هيمان وايثان- لا علاقة لها بالموضوع مطلقاً" إلا اننا نري أن مثل هذه الآراء تنبع من نزعات ثورية ترفض الاعتراف بأن داود هو كاتب هذه المفاهيم الروحية المتقدمة في فترة تعود إلي ألف عام قبل الميلاد. ويزعم (ج. و. تيرتل" J. W. Thurtyle)) أن هذه العناوين قد وضعت فيما بعد كتذييل للمزمور السابق لا كعنوان للمزمور اللاحق. ولكنه زعم أصبح مرفوضاً بالإجماع الآن.
ومن وجهة نظر نقد النصوص، ليس ثمة أساس لإنكار أصالة عناوين المزامير، فكل المخطوطات العبرية تحوي هذه العناوين، كما ان ألترجمات القديمة- فيما خلا السريانية- لا تترجم هذه العناوين فحسب، بل تخطيء احياناً في تفسير بعض معانيها التي أصبحت غامضة لمضي عصور طويلة عليها، كما في الترجمة السبعينية. والمخطوطات العبرية وبعض الترجمات الحديثة تدرج عنوان المزمور في ترقيم الآيات مما يزيد عدد آيات المزمور آية أو اثنتين.
أما من وجهة نظر النقد الأعلي، فإن الجميع يعترفون الآن بأن القصائد في شكل مزامير قد ظهرت في العهد القديم قبل عصر داود بزمن طويل (انظر ترنيمة موسي في الخروج 15، ونشيد موسي في التثنية 32، 33، وترنيمة دبورة في القضاة 5). بل عن البحث الأركيولوجي في بابل وفي مصر قد كشف عن اناشيد متقدمة لديهم قبل عصر إبراهيم بقرون عديدة. كما أن الكشف عن آداب الكنعانيين في أوغاريت (عاصمة الحيثيين) قد أمدنا بقصائد هامة مشابهة للمزامير منذ عصر موسي. كما تتشابة الأعداد 20-30 من المزمور 104 مع ترنيمة مصرية قديمة للإله آتون من عصر أخناتون من القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ويزعمون أن المزمور التاسع والعشرين مقتبس عن قصيدة من أوغاريت "للبعل" مع استبدال اسم " البعل" باسم "يهوه".
كما اتضح من الكشوف الأثرية في اوغاريت، أن ترتيب حروب الأبجدية في اللغات السامية قديم جداً، مما يؤكد قدم القصائد الثمانية المرتبة حروف بداية كل بيت منها حسب ترتيب الأبجدية (وهي مز 9، 10، 25، 34، 37، 111، 112، 114، 119). وتنسب المزامير الأربعة الولي منها إلي داود.
ويتزايد تردد العلماء المحدثين باستمرار في نسبة بعض المزامير إلي فترات زمنية متأخرة بسبب وجود تعبيرات أرامية في هذه المزامير. ومن المعروف أن داود كان يتمتع بالكثير من المواهب الموسيقية والأدبية، فكان يحسن الضرب علي العود (1 صم 16: 16-18، عاموس 6: 5). وقد كتب داود قصيدة في رثاء "شاول ويوناثان ابنه" (2 صم 1: 19-27) وفي رثاء أبنير (2 صم 3: 33, 34)، وفي صلاته للرب (2 صم 22: 10- 51 وهو نفسه مزمور 18). ومن شهادة الأسفار المقدسة نري أن داود كان يقود طقوس العبادة في إسرائيل (2 صم 6: 5، 16: 1، 1 أخ 15، 16، 25، 2 أخ 7: 6، 29: 30)، وأن الروح القدس كان يتكلم به "كمرنم إسرائيل الحلو" (2 صم 23: 1, 2، مرقس 12: 36، أع 1: 16، 2: 30, 31، 4: 45).
أما التحليل الشامل الذي كتبه "ر.د. ولسون"R D. Wilson) ) فقد اثبت توافق كتابة داود للمزامير مع مضمون كل مزمور منسوب إليه في العناوين. وينطبق نفس الشيء علي المزامير الأخري. فمثلاً يزعم البعض أن المزمور الرابع والأربعين كتب في عهد المكابيين، ولكن من الواضح انه يتفق مع عصر داود وحروبه.
ويؤكد العهد الجديد مراراً صلة داود ببعض المزامير، مثل مزمور 16 (أع 2: 25)، مزمور 32 (رو 4: 6)، مزمور 69 (أع 1: 16، رو 11: 9)، مزمور 110 (مت 22: 44، مر 12: 36، لو 20: 42، اع 2: 34). ومن ذلك يتضح لنا أن العهد الجديد لم يستخدم نفس تعبيرات داود فحسب، بل يؤكد بوضوح كتابة داود لها، فإن الرب نفسه يستند إلي قول داود: "قال الرب لربي…" (مز 110 ، لو 20: 41- 44).
وهناك بعض المزامير التي لم تنسبها عناوينها إلي كاتب معين، يذكرها العهد الجديد علي أنها من نظم داود، وبالتحديد مزمور 2 (أع 4: 25)، ومزمور 95 (عب 4: 7).
كما أن بعض المزامير (96، 105، 106) تذكر بعض أسفار العهد القديم بأنها من كلام داود (1 أخ 16: 7- 36). ويري البعض أن سفر أخبار الأيام لا ينسب هذه الأقوال إلي داود مباشرة، ولكنه يقول: "حينئذ في ذلك اليوم، أولاً، جعل داود يحمد الرب بيد آساف وأخوته" (1 أخ 16: 7)، مما يؤكد أن داود قد وجَّه عناية خاصة إلي تقديم الشكر للرب، ويلي ذلك تسبيحة مكونة من مقتطفات من مز 105: 1- 15، مز 96، مز 106: 1, 47, 48). ومن الواضح إذاً أن كاتب سفر الأخبار كان يكتب وأمامه هذه المزامير، بل أن ما ذكره سفر الأخبار الأول (16: 36) يبين أن كل الشعب كانت لديهم هذه المجموعة من المزامير أيضاً: "فقال كل الشعب آمين وسبحوا الرب" (انظر 106: 48).
ولعله يتضح لنا من هذا أن داود كتب الكثير من المزامير التي بلا عناوين والتي لا تنسب لأحد بعينه، ولكن من المهم أيضاً أنه ليس هنا مزمور مما ينسب لكاتب آخر أو يتضمن إشارات تاريخية لاحقة (مثل مز 137 وهو من مزامير السبي) قد نُسب في الأسفار المقدسة إلي الملك العظيم داود.
ثالثاً: مناسبات كتابة المزامير:
كتبت معظم المزامير في عصر المملكة المتحدة (1043- 930 ق.م.)، وبذلك لا يسبقها من أسفار العهد القديم سوي الأسفار من التكوين إلي راعوث. ومن الصعب التحديد الدقيق للمناسبات التي كتبت فيها هذه المزامير في فترة تبلغ اكثر من مائة عام.
أ- العناوين: تحدد عناوين أربعة عشر مزموراً من المنسوبة لداود، مناسبات كتابتها،وهي تُسهم في فهم الأسفار تاريخياً، وهي حسب ترتيبها الزمني:
- مز "59" وعنوانه "لإمام المغنين، علي لا تهلك، مذهبة لداود لما أرسل شاول وراقبوا البيت ليقتلوه"، وهو الحادث المسجل في 1 صم 19: 11، والمزمور يلقي الضوء علي شخصيات أعداء داود (مز 59: 12).
- مز "56) وعنوانه: "لإمام المغنيين علي الحمامة البكماء بين الغرباء. مذهبه لداود عندما أخذه الفلسطينيون في جت"، ويبين كيف أدي خوف داود في جت (1 صم 21: 10) إلي تقوية إيمانه (مز 56: 12).
- مز "34" ، وعنوانه: "لداود عندما غيَّر عقله قدَّام أبيمالك فطرده فانطلق" وهو يذكر في المزمور صلاح الله من نحوه (مز 34: 6-8، انظر 1 صم 21: 13).
- مز "142"، وعنوانه: "قصيدة لداود لما كان في المغارة. صلاة". والاضطهاد الذي يصفه هذا المزمور (مز 142: 6) قد يشير إلي اختبار داود وهو في مغارة عدلام (1 صم 22: 1) أكثر مما إليه وهو في عين جدي (مز 57).
- مز "52"، وعنوانه: "لإمام المغنين. قصيدة لداود عندما جاء دواغ ألا دومي وأخبر شاول وقال له جاء داود إلي أخيمالح"، وهو ينبِّر علي شر شاول (مز 52: 3) كرئيس لدواغ (1 صم 22: 9).
- مز "54"، وعنوانه: "لإمام المغنيين علي ذوات الوتار. قصيدة لداود عندما اتي الزيفيون وقالوا لشاول: أليس داود مختبئاً عندنا"، فهو يدين الزيفيين (مز 54: 3، انظر 1 صم 23: 13).
- مز "57"، وعنوانه: "لإمام المغنين. علي لا تهلك. مذهبة لداود عندما هرب من قدام شاول في المغارة"، وذلك عندما كان في كهوف عين جدي عندما وقع شاول في- نفس المصيدة التي أعدها لداود (مز 57: 6- انظر 1 صم 24: 1).
- مز "7" ، وعنوانه: "شجوية لداود غناَّها للرب بسبب كلام كوش الينياميني" وهو يصف افتراء كوش البنياميني عليه (مز 7: 3, 8- انظر 1 صم 24: 11, 12).
- مز "18"، وعنوانه: "لإمام المغنين. لعبد الرب داود الذي كلم الرب بكلام هذا النشيد في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول فقال" وقد تكرر هذا المزمور وفي مجمله في "2 صم 22"، وينتمي زمنياً إلي (2 صم 7: 1).
- مز "60"، وعنوانه: "لإمام المغنين علي السوسن. شهادة مذهبة لداود للتعليم. عند محاربته أرام النهرين وأرام صوبة فرجع يوآب وضرب من أدوم في وادي الملح في اثني عشر ألفاً"، ويشير إلي حملة الأدوميين الخطيرة (مز 60: 10- انظر 2 صم 8: 13, 14، 1 أخ 18: 12، 1 مل 11:15).
- مز "51"، وعنوانه: "لإمام المغنين. مزمور لداود عندما جاء إليه ناثان النبي بعد ما دخل إلي بثشبع"، ويتناول اعتراف داود بخطيته مع امرأة أوريا الحثي (2 صم 12: 13, 14).
- مز "3"، وعنوانه: "مزمور لداود حينما هرب من وجه أبشالوم ابنه"، ويصف إيمان داود في وقت عصيان أبشالوم ابنه (مز 3: 5- انظر 2 صم 15: 16).
- مز "63"، وعنوانه: "مزمور لداود لما كان في برية يهوذا"، ويلقي هذا المزمور الضوء علي هروب داود شرقاً هذه المرة (2 صم 16: 2)، لأنه في مرات الهروب السابقة لم يكن قد أصبح ملكاً، فيقول: "أما الملك فيفرح بالله" (مز 63: 11).
- مز "30"، وعنوانه: "مزمور أغنية تدشين البيت. لداود". ويلمح إلي خطايا داود لافتخاره بقواته المسلحة (مز 30:ة 5, 6- انظر 2 صم 24: 2) قبل الوبأ القصير (2 صم 24: 13- 17، 1 أخ 21: 11-17)، وتوبته وتدشينه لمذبح الرب وموقع الهيكل (1 أخ 22: 1).
ومن المزامير الباقية التي تذكر عناوينها اسم كاتبها، فإن الثلاثة والعشرين مزموراً المنسوبة للمغنين في إسرائيل (بني قورح وبني آساف) تبدي خلفيات مختلفة، حيث استمرت عشائر المغنين من اللاويين في عملهم حتي إلي ما بعد السبي: "المغنون بنو آساف مائة وثمانية وعشرةن" (عز 2: 14). وينتمي معظم هذه المزامير إلي فترة حكم داود وسليمان. والمزمور الثالث والثمانون يتلاءم مع خدمة يحزئيل بن زكريا من بني آساف في 852 ق.م. (قارن مز 83: 5- 8 مع 2 أخ 20: 1, 2, 14). بينما ينسب مزمور 74، ومزمور 79، والفقرات الختامية للمزمورين 88, 89 إلي بني آساف وبني قورح الذي يبدو أنهم عاشوا إلي ما بعد خراب أورشليم في 586 ق.م.: "اللهم إن الأمم قد دخلوا ميراثك. نجسوا هيكل قدسك. جعلوا اورشليم أكواماً" (مز 79: 1، انظر 74: 3, 8, 9، 89: 44).
ب- تاريخ كتابة المزامير: ترجع بعض المزامير الخالية من العناوين والتي لا يُعرف كاتبوها إلي فترة السبي: "علي أنهار بابل هناك جلسنا…." (مز 137: 1) أو إلي وقت الرجوع إلي أرض يهوذا في 537 ق.م. مثل: "ليقل مفديو الرب الذين فداهم من يد العدو، ومن البلدان جمعهم من المشرق ومن المغرب، من الشمال ومن البحر" "مز 107: 2, 3)، و "عندما رد الرب سبي صهيون" (مز 126: 1)،أو في فترة إعادة بناء أسوار أورشليم علي يد نحميا في 444 ق.م.: "لأنه قد شدد عوارض أبوابك. بارك أبناءك داخلك" ( مز 147: 13).
أما المزامير الأخري التي تصور وقوع مأساة، فيمكن أن ترتبط بفترات الاضطرابات مثل ثورة أبشالوم أو ما شابة ذلك من المصائب التي واجهت داود: "أنت تقوم وترحم صهيون، لأنه وقت الرأفة، لأنه جاء الميعاد… عند اجتماع الشعوب معاً والممالك لعبادة الرب" (مز 102: 13, 22)، "فنظر إلي ضيقهم إذ سمع صراخهم…. خلصنا أيها الرب واجمعنا من بين الأمم لنحمد اسم قدسك ونتفاخر بتسبيحك" (مز 106: 44, 47).
ويقول "ر. ليرد هاريس" (R. Laird Harris) إن "مما له أهمية أن الإشارات التاريخية في المزامير لا تتجاوز عصر داود إلا فيما يختص بمزمور السبي لأحد، وهو مز 137. ويشير عدد من المزامير- بصورة عامة- إلي عصور السبي والشدة، وإلي فترات خراب الهيكل (انظر مثلاً: مز 80، 85، 129). وهي أوصاف شعرية عامة، ولابد أن نذكر أن أورشليم قد حوصرت ونهبت أكثر من مرة، بل ‘ن داود نفسه قد عاني مرتين من العصيان من داخل بيته. ولم ينسب أي من المزامير المذكورة إلي داود رغم أن بعضها يمكن ان يكون قد كتب في أيامه أو بعد ذلك بقليل".
وعلاوة علي شك العلماء المتحررين في عناوين المزامير، فإنهم يميلون غلي نسبة المزامير إلي تواريخ لاحقة متأخرة- فنسبوا العديد منها إلي فترة المكابيين (القرن الثاني قبل الميلاد)، فيقول "فايفر" (R.H. Phieffer) "إن السؤال الحقيقي الخاص بسفر المزامير، ليس هو ما إذا كان السفر يضم بعض المزامير من عصر المكابيين، من القرن الثاني قبل الميلاد، وإنما بالحري ما إذا كانت ثمة مزامير قد كتبت قبل السبي…. إلا أنه من الواضح أن هناك مزمورين فقط (مز 24: 7- 10، مز 45) خاليان تماماً من كل مميزات الفكر اليهودي فيما بعد السبي، ويمكن الرجوع بهما إلي ما قبل القرن السابع قبل الميلاد". ومن المؤكد ان بعض الصيغ النحوية كالتي تنتهي بها الأسماء المجردة (كما في مزمور 110: 3) إنما هي صيغ أرامية، ومن ثم فهي ترجع إلي تاريخ متأخر. ويزعمون أيضاً أن مز "2" قد كتبت بترتيب الحروف الأبجدية تمجيداً للحاكم الحشموني يانيوس الكسندر وزوجته عند زواجهما في 103 ق.م. كما كتب مز 110 علي نفس النمط تمجيداً لحاكم حشموني آخر هو "سمعان" (143-135 ق.م.) (فايفر Pfeiffer).
إلا أن هذه النظريات قد وضعت قبل اكتشاف لفائف البحر الميت التي ترجع إلى عصر المكابيين، وهي تضم مخطوطات لكل المزامير القانونية، وكذلك تسابيح الشكر (مزامير ثانوية) وكتباً أخري تتضمن أجزاء من سفر المزامير الكتابي.
إن مخطوطات قمران تدعم الافتراض الإنجيلي بأن عزرا لم يكتب سفر عزرا وسفري أخبار الأيام فحسب، بل الأرجح أنه هو الذي جمع كل الأسفار القانونية في العهد القديم بما في ذلك سفر المزامير بعد 424 ق.م. بقليل (في أيام الملك داريوس الثاني المذكور في نح 12: 22).
رابعاً: جمع المزامير:
تتكون المزامير من مائة وخمسين مزموراً، تشكل مائة وثمانية واربعين مزموراً مستقلاً، حيث أن المزمورين التاسع والعاشر يكونان معاً قصيدة واحدة مكتوبة أبياتها حسب الترتيب الأبجدي، ويحسبان معاً-في الترجمة السبعينية- علي أنهما المزمور التاسع. كما يبدو من المزمورين الثاني والأربعين والثالث والأربعين يكونان في الأصل مزموراً واحداً (انظر القرار المتكرر: "لماذا أنت منحنية يانفسي ولماذا تئنين فيَّ..؟" (مز 42: 5, 11، 43: 5)، كما أنه ليس للمزمور العاشر، ولا للمزمور الثالث والربعين عنواناً مستقل، ولعلهما انفصلا عن المزمور التاسع والمزمور الثاني والأربعين- علي التوالي- لأسباب طقسية خاصة. إن ترتيب الإصحاحات في سفر المزامير ترتيب قديم يرجع إلي وقت جمعه ككتاب واحد. ويؤيد الترتيب الحالي للمزامير، وجوده بنفس الترتيب في الترجمة السبعينية التي تمت ترجمة سفر المزامير فيها قبل نهاية القرن الثالث قبل الميلاد، كما يؤيدة العهد الجديد، فنجد الرسول بولس يشير إلي "المزمور الثاني" (أع 13: 33). كما ان جزازات المزامير القانونية من القرن المسيحي الأول- والتي اكتشفت في كهوف قمران ونشرت في 1965- 1967م- تشابه في ترتيبها ترتيب المزامير في المخطوطات العبرية (مع بعض الاختلافات، فنجد ان مزامير 109، 118، 147 وضعت بين المزمورين 101، 105، كما وضع مز 146، مز 148 قبل مجموعة المزامير 121- 132، ووضع مز 119 بعدها).
وبالإضافة إلي ضم المزمورين التاسع والعاشر في الترجمة السبعينية، فعنها ضمت أيضاً المزمورين المائة والرابع عشر والمائة والخامس عشر في مزمور واحد وذلك فقط لأسباب طقسية فقط، ولكن لأن الترجمة السبعينية تقسم كلا من المزمورين المائة والسادس عشر، والمائة والسابع والأربعين، كلا منهما إلي مزمورين منفصلين، بقي العدد الإجمالي للمزامير فيها مائة وخمسين كما هو. أما المزمور المائة والحادي والخمسون الموجود في الترجمة السبعينية، فله أصل عبري في المخطوطات التي اكتشفت في الكهف الثاني من كهوف قمران، إلا أن النص اليوناني ينوِّه بأن هذه الإضافة "خارج العدد". والنتيجة العملية هي أن الاختلافات في الترجمة السبعينية لا ترتبط بالمضمون ولا بالترتيب، ولكن "بالترقيم" وقد أخذت عنها الفولجاتا وسائر الترجمات المنقولة عنها.
وتنقسم المائة والخمسون مزموراً إلي خمسة كتب هي: من 1: 41، من 42 إلي 72، من 73 إلي 89، من 90 إلي 106، من 107إلي 150. وقد يظهر مزمور أو جزء من مزمور في أكثر من مجموعة، فيظهر مز 14 وجزء من مز 40، من الكتاب الأول في المزمورين 53، 70 علي التوالي في الكتاب الثاني. كما يجتمع النصفان الأخيران منم المزمورين 57، 60 من الكتاب الثاني ، ليظهرا في المزمور المائة والثامن في الكتاب الخامس. ومن ثم يبدو من المحتمل أن كل كتاب من الكتب الخمسة قد ظهر- علي الأقل في وقت ما- ككتاب مستقل. وعلاوة علي ذلك، فإنه لمَّا كان المزمور الأخير من كل مجموعة (أو كتاب) ينتهي بعبارات ختامية أو تسبحة ختام لكل كتاب (انظر مز 41: 13، 72: 18, 19، 89: 52، 106: 48، وكل المزمور المائة والخمسين ختاماً للكتاب الخامس)، فالأرجح أنها كتبت لتحدد نهاية كل كتاب من الكتب الخمسة.
(I) مزامير منسوبة لداود: كتب داود مز 41. ولما كانت بقية مزامير الكتاب الأول (مز 1: 41) منسوبة إلي داود(فيما عدا ثلاثة مزامير هي: المزمور الأول الذي يعتبر مقدمة للكتاب، والمزمور العاشر الذي يشكل مع المزمور التاسع قصيدة واحدة متصلة من القصائد المرتبة ترتيباً أبجدياً في بداية كل بيت منها، والمزمور الثالث والثلاثون الذي لا عنوان له)، فيبدو أن داود نفسه هو الذي جمع هذه المجموعة الولي من المزامير قبيل وفاته في 970 ق.م. ويتكون الكتاب الأول أساساً من مزامير شخصية نبعت من الخبرات الشخصية للملك داود.
كما كتب داود المزمور المائة والسادس (انظر 1 أخ 16: 34-36)، فلابد أن الكتاب الرابع قد جمعه داود أيضاً أي قبيل 970 ق.م. ويشمل الكتاب الرابع مزموراً لموسي (هو المزمور التسعون، وهو أقدم المزامير علي الإطلاق) إلي جانب مزامير أخري لداود (96، 101، 103)، ولكن معظم مزامير هذا الكتاب الرابع ليس لها عناوين. وتتميز مزامير هذا الكتاب بأنها ذات طبيعة ليتورجية، ففي مقابل السمة الشخصية لمزامير الكتاب الأول.
(II) مزامير منسوبة لسليمان: يبدي الكتابان الثاني والثالث اهتماماً بالشئون القومية، ويمكن أيضاً أن نلاحظ فيهما (وبخاصة المزمور 83) استخدام لفظ الجلالة "الله" أكثر من استخدام "الرب" (يهوه) ولما كان الملك سليمان (المتوفى في 930 ق.م.) هو تسبيحه المزمور 72: 18, 19، "مبارك الرب الله إله إسرائيل الصانع العجائب وحده، ومبارك اسم مجدة إلي الدهر ولتمتلئ الأرض كلها من مجده. آمين ثم آمين"، فلابد أنه هو الذي جمع مزامير الكتاب الثاني، كما أن عبارته الختامية: "تمت صلوات داود بن يسي" (مز 72: 20) يبدو إنها إشارة إلي أن أباه- داود- قد كتب أكثر من نصف هذه الإصحاحات في الكتاب الثاني (مز 42 إلي 72)، فقد كتب داود- بالتحديد- مز 51 إلي 70 (ربما ما عدا المزمورين الخاليين من العنوان 66، 67). وتنسب المزامير من 42 إلي 49 لفرقة المغنيين من بني قورح، أما المزمور الخمسون فينسب إلي آساف. وكما رأينا من قبل، هناك تطابق تام بين المزمورين الرابع عشر والثالث والخمسين، فيما عدا استخدام لفظ الجلالة "الله" في المزمور الثالث والخمسين، مكان "الرب" في المزمور الرابع عشر مما يؤيد وجود الكتاب الثاني أصلاً مستقلاً عن كتابات داود في الكتابين الأول والرابع.
(جـ) المزامير المنسوبة لفترة السبي: يشتمل الكتاب الثالث علي المزامير الرابع والسبعين والتاسع والسبعين والتاسع والثمانين (89: 38- 52) وفيها إشارات إلي خراب أورشليم في عام 586 ق.م. (انظر ثالثاً: أ). ويحتوي المزمور التاسع والثمانون علي تسبيحة ختامية تحدد زمن جمع الكتاب الثالث. ويبدو أن المزمور التاسع والثمانين (عد 38- 52) يرتبط بالجزء الأول من عنوان 88. ومع أن المزمورين 88, 89 يحملان العنوان "مشليم" أي "مزمور تعليمي" (تنظر سادساً: أ) وقد كتبهما اثنان من حكماء عهد سليمان، هما هيمان الأزراحي وأيثان الأزراحي، إلا أن عنوان المزمور 88 يبدأ بالعبارة: تسبيحه مزمور لبني قورح، لإمام المغنيين علي العود للغناء" وكلمة تسبيحه هنا (مز 88) تعني- عادة- تسبيحه فرح (انظر المزمورين 30، 45)، أو علي الأقل تسبيحه ثقة (انظر المزمورين 83، 120)، إلا ان المفسرين يجمعون علي أمر واحد فيما يتعلق بالمزمور 88، وهو أن هذا المزمور هو أكثر المزامير كآبة.
ولعل العنوان الموضوع للمزمور الثامن والثمانين، من أنه "تسبيحه" (أي أغنية فرح) لا يتناسب مع مضمون المزمور نفسه، ولكنه يتناسب مع الجزء الأول من المزمور التاسع الثمانين (وبخاصة العدديين 1, 2) مما يرجح أن المزمور الثامن والثمانين ليس سوي الجزء الأول من مزمور يضم المزمورين الثامن والثمانين والتاسع والثمانين معاً، ومن ثم فإن الجزء الأول من العنوان ينطبق علي المزمورين معاً.
وبالإضافة إلي ذلك فإن الجزء المفرح الذي كتبه أيثان الأزراحي في المزمور التاسع والثمانين (من 1- 37)، قد أضيفت إليه جزء كتب في زمن السبي (89: 38-52)، وعليه يكون بنو قورح هم الذين كتبوا هذا الجزء الخير من المزمور التاسع والثمانين، علي نفس نغمة المزمور الثامن والثمانين، ومن ثم فلابد أن بني قورح قد أكملوا وجمعوا كل الكتاب الثالث بعد 586 ق.م. بقليل.
ويضم الكتاب الثالث أيضاً مزامير كتبها أشخاص مختلفون، فقد كتب داود المزمور السادس والثمانين. وكتب آساف المزامير من الثالث والسبعين إلي الثالث والثمانين. وكتب بنو قورح المزامير الرابع والثمانين والخامس والسابع والثمانين. وبوضع الكتاب الثالث بين الكتابين الأول والثاني والكتاب الرابع، فإنه يكمل مزامير إسرائيل حتي زمن السبي. فكان العمل الإلهي في جمع المزامير قد وصل في هذه المرحلة إلي ضم كل المزامير- ماعدا الأربعة والأربعين مزموراً الخيرة- مما يدل علي عدم دقة الوصف الذي يطلقونه علي سفر المزامير بأنه: "كتاب ترانيم الهيكل الثاني"، فإن مثل هذا الوصف يتجاهل الغرض من كتابه سفر المزامير وتاريخ كتابته. فمن جهة فإن العديد من المزامير لم يقصد بها مطلقاً- عند كتابتها- أن تكون تسابيح عامة (انظر سابعاً)، ومن جهة أخرى فإنه بينما كانت كل المزامير موجودة في أيام الهيكل الثاني بعد السبي، فإن معظمها كان له وجود في أيام الهيكل الأول أيضاً.
(د) مزامير بعد السبي: أخيراً فإن الكتاب الخامس يماثل الكتاب الرابع لداود في أهميته الليتورجية، لكنه يضم العديد من المزامير التي كتبت بعد السبي (كالمزمور المائة والسابع- 107: 3,2)، بالإضافة إلي خمسة عشر مزموراً لداود، وواحد لسليمان (مز 127)، فلابد أن الكتاب الخامس قد جمع بعد العودة من السبي في 537 ق.م. واستمر فترة قائماً ككتاب مستقل عن الكتب الأربعة السابقة، وهو ما يفسر وجود المزمور المائة والثامن- كما أشرنا سابقاً- الذي هو مزيج من مز 57: 6- 11، مز 60: 6-12، وهي جميعاً لداود كما هو واضح من عناوينها.
ثم قام بعد ذلك كاتب- مسوقاً بالروح القدس- بضم الكتاب الخامس إلي الكتب الأربعة الأولي، مضيفاً إليها المزامير الخمسة الخيرة التي كتبها هو (من المزمور المائة والسادس والأربعين إلي المزمور المائة والخمسين) كمزامير تهليل ختامية للسفر كله. ولما كانت المزامير الخمسة الأخيرة قد كتبت حوالي 444 ق.م. (انظر مز 147: 13) في وقت مناداة عزرا بالشريعة المكتوبة وبإعادة الكتابة في الهيكل (نح 8 إلي 10)، فالأرجح أن عزرا نفسه هو الذي قام بعملية الجمع النهائي للسفر (انظر عز 3: 10, 11، 7: 10).
خامساً: قانونية السفر:
إن كل سفر المزامير (المائة والخمسين مزموراً) "موحي بها من الله (2 تي 3: 16، انظر لو 24: 44). وهذه الحقيقة تؤيدها شهادة الرسل، فبطرس قد اقتبس بعض فقرات من سفر المزامير باعتباره "المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود" (أع 1: 16)، بل إن داود نفسه يؤكد ذلك بقوله: "روح الرب تكلم بي، وكلمته علي لساني" (2 صم 23: 2)، فسفر المزامير سفر إلهي قانوني، أي أن مصدره إلهي، مما يجعله أساساً للإيمان.
(I) التقنين: "إنه لخطأ جوهري- بالتالي- أن نعتبر التقنين راجعاً لقرار اتخذه أناس في زمن معين، يصبح بواسطته أحد الكتب ذا سلطان، كما لو أن ما ليس هو مقدساً في ذاته، يمكن أن يصبح مقدساً بقرار من الناس. (وليم هـ. جرين- W.H. Green- في كتابة: "مقدمة عامة للعهد القديم") فالكتب لا يمكن أن تصبح قانونية أو أن تضفي عليها صفة القانونية بقرار من الناس. فمن وجهة النظر الإلهية: "لو كان أحد الكتب صادراً عن الوحي الإلهي، فلابد أن يكون كتاباً قانونياً منذ لحظة كتابته" (إي. جي. ينج- E.G Young -في "مقدمة العهد القديم")، أما الإصرار علي عكس ذلك أو علي أنه "من الطبيعة الأصلية للكتب المقدسة أن تعتبر مقدسة دون أن يقصد بها ذلك" (جرين)، فمعناه ببساطة- لأسباب بديهية- إنكار إمكانية وجود مرجع إلهي مكتوب، ومن ثم فلا مبرر لأن يقوم البشر بتقرير قانونيته.
أما من وجهة نظر الإنسان، فإن بعض المزامير تبدو كما لو أنها نشأت كانسكاب لروح الإنسان، دون إدراك واضح من الكاتب عند كتابتها بأنها ستصبح معايير ومبادئ موحي بها (انظر مثلاً مز 42، مز 130). ففي مثل هذه الحالات يصبح التقنيين ضرورياً، بشرط أن يكون المفهوم من ذلك أنه "إدراك وإقرار بالحقيقة الكامنة المتأصلة فيها حقاً من العمل الإلهي في الأسفار الموحي بها".
فبالنسبة للكتب الأول والثاني والرابع من المزامير، لابد أن اعتبارها قانونية قد تم بسرعة كبيرة، فقد ادرج المزمور الثامن عشر- علي سبيل المثال- ضمن السفر القانوني لصموئيل (2 صم 22) في خلال نصف قرن من وفاة داود (قارن الأبحاث الزمنية المتعلقة بالفقرات الآتية 1 صم 27: 6، 2 صم 17: 17-21، 18: 19-30، والتي يحتمل ان أخيمعص هو كاتبها؟؟). كما أن داود قام باستخدام المزامير (96، 105، 106) في الخدمة العامة في بداية حكمة لإسرائيل (1 أخ 169: 7- 36).
أما نسبة كثير من المزامير الأخرى "إمام المغنين" لقيادة العبادة، فهو دليل واضح علي تقنين داود للمزامير، كما أن جمع داود وسليمان للكتب الأول والثاني والرابع في أثناء حياتهما، يقدم المزيد من الشهادة علي الاعتراف بقانونية هذه المزامير التسعة والثمانين- علي الأقل- في ذلك الوقت المبكر.
وإذا تختم جماعة المغنين من بني قورح- من المسبيين- المزمور التاسع والثمانين بعبارة التسبيح: "مبارك الرب إلي الدهر. آمين فآمين". (مز 89: 52) علي مثال الكتب السابقة- فإنهم بذلك يؤكدون إدراكهم لقانونية الكتاب الثالث أيضاً.كما أن مزامير التسبيح الخمسة الأخيرة (مز 146- 150) من الكتاب الخامس، لا تعني قانونية الكتب الخمسة فحسب، بل تتضمن أيضاً أن المزامير المائة والخمسين، قد أصبحت جزءاً كاملاً متميزاً من الأسفار القانونية المقدسة.
ولم تكن ثمة شهادة خارجية عن قبول سفر المزامير بين الأسفار القانونية حتي فترة ما بعد العهدين، حين ذكرت الأسفار الأبوكريفية "كتابات داود" مع اخبار الملوك والأنبياء (2 مكابيين 2: 13)، كما اقتبست من المزامير مباشرة باعتبارها سفراً قانونياً (1 مكابيين 7: 17، انظر مز 79: 2). كما كان سفر المزامير جزءاً من الكتاب المقدس الذي تمت ترجمته في القرن الثالث قبل الميلاد، وهي الترجمة المعروفة باسم "الترجمة السبعينية". كما تقدم لنا مخطوطات قمران- من القرن الثاني قبل الميلاد- دليلاً علي أن مجوعة المزامير القانونية كانت محددة وثابتة، في أيام المكابيين. واللفافة الرئيسية التي تضم المزامير والتي اكتشفت في الكهف الحادي العشر من كهوف قمران- إلي جانب خمس جزازات أخرى كانت أصلاً أجزاء من هذه اللفافة- تتفق مع واحد وأربعين مزموراً من الكتابين الرابع والخامس.
(ب) ترتيب سفر المزامير: حسب الترتيب العبري القديم للأسفار القانونية في العهد القديم، يأتي سفر المزامير بعد الناموس والأنبياء، وفي أول القسم الأخير من العهد القديم وهو القسم الذي يعرف "بالكتابات" (انظر لو 24: 44).
ويتكون العهد القديم- كما يذكر يوسيفوس، من القرن الأول المسيحي- من اثنين وعشرين سفراً، هي: خمسة أسفار لموسي، ثلاثة عشر سفراً للأنبياء (ثمانية أسفار للأنبياء الأولين، هي الأسفار التاريخية ليشوع، والقضاة مع راعوث ، وصموئيل، والملوك، وأخبار الأيام، وعزرا مع نحميا، وأستير وأيوب- وخمسة أسفار للأنبياء المتأخرين، وهي: إشعياء وإرميا مع مراثي إرميا، وحزقيال، ودانيال، والاثنا عشر سفراً للأنبياء الصغار كسفر واحد). أما الأسفار الأربعة الخري فتشمل تسابيح لله، ومشورات حكمة للبشر للسلوك في الحياة، وهي بالتحديد: أسفار المزامير، الأمثال، والجامعة، ونشيد الأنشاد لسليمان. ولكن في القرن الرابع الميلادي تغير الترتيب، لاعتبارات ليتورجية، إلي الترتيب الحالي الذي وضعه المعلمون اليهود (الرابيون)، فنقلوا عدداً من أسفار الأنبياء من القسم الثاني إلي القسم الثالث. إلا ان الترتيب الأقدم للأسفار القانونية، قد احتفظ به في ترتيب الأسفار في الترجمة اليونانية وغيرها من الترجمات، لكن سفر المزامير والأسفار الشعرية الثلاثة الأخرى، والتي ذكرها يوسيفوس (وهي الأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد)، وضعت بين أسفار الأنبياء الأولين وأسفار الأنبياء المتأخرين.
سادساً: محتويات السفر:
يأتي سفر المزامير تالياً لسفر إرميا من حيث الطول- في العهد القديم بالعبرية- ويضم بعضاً من أهم موضوعات الوحي. وقد اقتبس كتاب العهد الجديد من سفر المزامير اكثر من أي سفر آخر، وما زال سفر المزامير يحظي باهتمام المسيحيين حتي اليوم. وسفر المزامير سفر شخصي عاطفي وجداني، وتمثل المائة والخمسون مزموراً قمة في الأسفار المقدسة.
وتظهر في كل مزمور الخصائص الشخصية للشعر العبري، ولا يعني هذا أساساً توفر القافية والوزن فحسب، بل بالحري التناظر في الأفكار حيث يعبر الشطر الثاني من كل بيت في القصيدة عن تكرار المعني توكيداً له أو تفصيلاً للمعني في الشطر الأول. وتختلف القصائد في المضمون، وقد عرض "هرمان جونكل" (Herman Gunkel) عدداً من التقسيمات ليست جميعها مقبولة، ولكننا نستطيع أن نميز الأنماط التالية بناء علي العناوين أو الموضوعات:
(I) العناوين: تظهر في عناوين المزامير خمسة عناصر:
(1) نسبة المزمور لشخص معين.
(2) الموسيقي.
(3) الأسلوب الأدبي والغرض.
(4) الكاتب.
(5) المناسبة التي كتب فيها المزمور. والمزمور الستون هو الوحيد الذي يشمل عنوانه علي كل هذه العناصر الخمسة، وهي:
(أ) لإمام المغنين.
(ب)علي السوسن (الموسيقي).
(جـ)الأسلوب الأدبي: "شهادة مذهبة".
(د)الكاتب: داود، والغرض للتعليم.
(هـ) المناسبة التي كتب فيها المزمور: "عند محاربته أرام النهرين وأرام صوبة، فرجع يوآب وضرب من أدوم في وادي الملح اثني عشر ألفاً". وتضم عناوين معظم المزامير عنصراً من هذه العناصر الخمسة.
ويتميز عدد كبير من المزامير بالصيغة الغنائية، ويطلق علي كل منها اسم "مزمور" مع ذكر ارتباطه بالآلات الوترية (في سبعة وخمسين مزموراً)، أو تحمل اسم ترنيمة أو قصيدة أو تسبيحة مع التركيز علي الموسيقي المرحة (في تسعة وعشرين مزموراً). وقد يكون التسبيح عاماً (كما في المزمور المائة والخامس والأربعين). أو محدداً (كما في المزمور التاسع عشر، الخاص بإعلان نفسه في الخليقة).
ومن المزامير ذات الصيغة الغنائية ما يحمل عنوان "صلاة"، وهي المزامير السابع عشر، والسادس والثمانون، والتسعون، والمائة والثاني، والمائة والثاني والأربعون. وبعض هذه المزامير تتضمن عناصر رثاء مثل: أمل يارب أذنك، استجب لي لأني مسكين وبائس أنا، احفظ نفسي لأني تقي. يا إلهي خلص أنت عبدك المتكل إليك أصرخ اليوم كله" (مز 86: 1-3). ولكن السمة تختلف. والكثير من المزامير- كلها أو جزء منها- عبارة عن صلوات لله.
أما "الشجوية" (مز 7، حبقوق 3: 1)فتعبر عن مشاعر الحزن (وفي اللغة العربية: شجاه الأمر شجواً، أحزنه) وهي تدعم تقسيم "جونكل" للمراثي القومية والشخصية. وتقترب بعض المزامير (مثل: مز 83، أجزاء من مز 44، مز 74، مز 89: 38- 51) من لغة رثاء داود لشاول ويوناثان (2 صم 1: 19-27)، ورثائه لأبنير (2 صم 3: 23, 24)، ومراثي إرميا، وغيرها من المراثي في العهد القديم، رغم أن كلمة "رثاء" لا تظهر في عناوين هذه المزامير. وتترجم كلمة "ميشتام"العبرية بكلمة "مذهبة" (أي مغطاة برقائق من الذهب) في عناوين المزامير 16، 56إلي 60 ربما بسبب إشارة المزامير إلي تغطية الخطايا وسترها (كما في مز 60: 1, 5). والملاحظ أن كل المزامير المعنونة "مذهبة"عبارة عن مراثي.
ويبدو في أجزاء من المزامير (مثل مز 34: 11-16) نوع من الحكمة أو المعرفة مما يجعلها أشبه بسفر الأمثال ( انظر مز 37: 49، 73، 128، 133، وبخاصة مز 127 لسليمان). وهناك مزامير أقل شبهاً بكتابة الحكمة، ولكنها تشير إلي نفس الاتجاه، وهي المزامير التي تحمل عنوان "للتعليم" مما يحمل معني التعليم أو التأمل. وتظهر هذه العبارة في عناوين ثلاثة عشر مزموراً.
(II) موضوعات المزامير: وبغض النظر عن عناوين المزامير، فإنه يمكن تقسيم المزامير علي أساس موضوعاتها. وقد حاول بعض النقاد المحدثين-اقتداء "بجونكل"- البلوغ إلي رأي أكثر موضوعية، فحاولوا تصنيف قصائد سفر المزامير حسب بعض الخصائص الشكلية.فالمزمور الذي يتكون من توسلات وابتهالات، يليها وصف لأحزان المرنم، ويختم بالتعبير عن الثقة في الرب"يهوة"، مثل هذا المزمور يوصف بأنه مرثاة. ومع أنه توجد بعض الأشكال، إلا أن هذا المدخل غير كافٍ، من جهة بسبب التنوع الشديد في المزامير مما يستلزم الكثير من التساهل في تحديد كل قسم، حتي ليفقد التقسيم معناه. ومن جهة أخري يبدو أن شكل المزمور يسير علي قاعدة يمكن التكهن بها من مضمونه، فمثلاُ كيف يمكن التعبير عن مرثاة إلا من خلال الابتهالات وشرح المشكلة ثم إبداء التسليم لله؟
والأقسام التالية مبنية علي أساس المضمون، لكنها ليست شاملة بأي حال من الأحوال، بل تغطي جزءاً من أهم وأبرز الموضوعات التي تظهر في سفر المزامير عن العلاقات بين الله والبشر:
(1)التسبيح: إن الله هو الشخصية المركزية في كل الكتاب المقدس، والقصائد الكتابية تعبر عن الابتهاج بدعوة الخليقة لتسبيح "الله" خالقها. وتبدأ هذه التسابيح- أو الترانيم- عادة بالدعوة إلي تعظيم الرب "يهوه"، كما في: " اهتفوا أيها الصديقون بالرب. بالمستقيمين يليق التسبيح. احمدوا الرب بالعود، بربابة ذات عشرة أوتار رنموا له.غنوا له أغنية جديدة.أحسنوا العزف بهتاف"مز 33: 1- 3). ويلي ذلك القسم الرئيسي للمزمور الذي يمثل أساس الدعوة للتسبيح، ويتقدمه- عادة- عبارة "لأن"، مثل"لأن كلمة الرب مستقيمة…" (مز 33: 4) أو الاسم الموصول "الذي" مثل: "… الذي نصحني" (مز 16: 7)، "الذي يغفر جميع ذنوبك، الذي يشفي كل أمراضك، الذي يفدي من الحفر حياتك، الذي يكللك بالرحمة والرأفة، الذي يشبع بالخير عمرك فيتجدد مثل النسر شبابك.." (مز 103: 3-6). ثم تأتي الخاتمة التي قد تعود إلي تكرار ما بدأ به المزمور، مثل "باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه، باركوا الرب يا جميع جنوده خدامه العاملين مرضاته، باركوا الرب يا جميع أعماله في كل مواضع سلطانه، باركي يا نفسي الرب" (مز 103: 20- 22). ولكنها ليست دائمة هكذا، فمزمور "33" مثلاً لا ينتهي بنفس ما بدأ به من الدعوة للتسبيح، وكذلك مز 147.
وتتميز ترانيم التسبيح العبرية بوصفها للطبيعة، ولصفات الله، سواء للشهادة له أو الصلاة المباشرة له، وليس لمجرد مجاراة الصيغة المألوفة. وكما في سائر الأسفار المقدسة، لا يحاول سفر المزامير أن يثبت حقيقة الله، فالمزامير التي تتحدث عن "وجود الله" وهي المزامير 10، 14، 53، كما في: "كل أفكاره أنه لا إله" (مز 10: 4)، وقال الجاهل في قلبه: ليس إله" (مز 14: 1)، لا تهتم أساساً- بالإنكار النظري لله، مما يؤدي إلي الإساءة إليه (مز 14: 2, 4، انظر أيضاً مز 10: 4)، ويوصف الله بعبارات واقعية حتي ليبدو لنا أن هناك إسراف في خلع صفات البشر علي الله كما في: "الساكن في السموات يضحك. الرب يستهزيء بهم" (مز 2: 4). وفي كل هذا تأكيد لحقيقة وجود "الله" يهتم بخير خلائقه "صخرة قلبي ونصيبي الله إلي الدهر" (مز 73: 26).
أما المزموران التاسع عشر والمائة والتاسع عشر، فهما قصيدتان عن إعلان الله لنفسه سواء بصفة عامة في الطبيعة (مز 19: 1-6)، أو بصفة خاصة في كلمته الموحي بها (مز 19: 8-14). وبينما يقتصر المزمور التاسع عشر علي مواجهة الإنسان بحقيقة عظمة الله: "لا قول ولا كلام. لا يسمع صوتهم" (مز 19: 3)، فإن المزمور المائة والتاسع عشر يقدم للبشر العودة الأبدية إلي الله وقبولهم أمامه (مز 119: 7, 9, 14) وبخاصة من خلال شريعة موسي. وهي الموضوع الرئيسي للمزمور 119، أطول إصحاحات الكتاب (إذ يتكون من 176 آية)، ويستخدم هذان المزموران اسم الجلالة "الله" المتعالي (مز 19: 1)، كما يستخدم الاسم الشخصي "يهوه" (الرب)، والذي يعني "أنه كائن بذاته" ليفدي ويخلص (مز 19: 7- 14- انظر خر 3: 14).
ويؤكد المزمور المائة والخامس عشر وحدانية الله- كما تؤكده الشريعة (تث 4: 35, 39)، وأن آلهة الأمم ليست سوي أصنام: "أن إلهنا في السماء، كل ما شاء صنع، أصنامهم فضة وذهب عمل أيدي الناس. لها أفواه ولا تتكلم، لها أعين ولا تبصر، لها آذان ولا تسمع" (مز 115: 4-7). فإذا ذكرت آلهة الوثنيين فإنما تذكر بسبب اعتقاد بعض الناس فيها. أما بالنسبة للمزامير فإنها تؤكد: "أنت الله وحدك" (مز 86: 10). وفي المزامير الأخري- التي تتحدث عن شخصيات أخري- غير الله الحقيقي- فإنها تشير إلي الملائكة، كما في: "تنقصة قليلاً عن الملائكة، وبمجد وبهاء تكلله" (مز 8: 5، عب 2: 9)، أو إلي من يمثلون الله من البشر، مثل القضاة: "الله قائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي" (مز 82: 1، انظر أيضاً مز 82: 7، خر 21: 6).
وأكثر ما تبرزه المزامير من صفات الله، ليس هو أساساً ثباته وعدم تغيره: "هي تبيد وأنت تبقي، وكلها كثوب تبلي، كرداء تغيرهن فتتغير، وأنت وهو وسنوك لن تنتهي" (مز 102: 26, 27)، ولكنها أيضا تؤكد علي تكيف معاملته مع البشر، فتذكر: "مع الرحيم تكون رحيماً، مع الرجل الكامل تكون كاملاً، مع الطاهر تكون طاهراً، ومع الأعوج تكون ملتوياً" (مز 18: 25, 26).
وتبرز ثلاث مجموعات رئيسية من الصفات الإلهية، في سفر المزامير:
2- لا محدودية الله: ففقرات المزمور المائة والتاسع والثلاثين، الرائع، لا تركز بشدة علي عدم محدودية الله في الزمان فحسب (انظر مثلاً: "من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة، منذ الأزل وإلي الأبد أنت الله"- مز 2:90، وأيضاً: "أما أنت يارب فإلي الدهر جالس وذكرك إلي دور فدور"- مز 102: 12)، بل وعلي عدم محدود يته في المكان، فهو موجود في كل مكان: "أين أذهب من روحك؟ ومن وجهك أين اهرب…؟" (مز 139: 7-12). وهيكل الله في السماء عينها:"الرب في هيكل قدسه. الرب في السماء كرسيه" (مز 11: 4)، ومع ذلك فإنه في نعمته يقدر ان يحدد نفسه بمكان بعينه، كما حدث في التاريخ، مثلاً: في سيناء (مز 68: 7, 8، انظر أيضاً تث 33: 2، قض 5: 4, 5). وفي اورشليم (مز 20: 2، 27: 4)، أو مع شخص بعينه: "الرب قريب لكل الذين يدعونه بالحق" (مز 145: 18، 139: 18). كما أن الله غير محدود في علمه، فهو كلي العلم: "يارب قد اختبرتني وعرفتني… لأنه ليس كلمة في لساني إلا وأنت يارب عرفتها كلها… عجيبة هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيعها" (مز 139: 1- 6)، وفي قوته، فهو كلي القدرة والقوة: "عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً" (مز 139: 13- 18- انظر أيضاً المزامير من 93- 99 عن الملك الأبدي للرب "يهوه").
2- بر الرب (يهوه): كما نري في المزمور الخامس: "لأنك أنت لست إلهاً يسر بالشر، لا يساكنك الشرير… يارب اهدني إلي برك…" (مز 5: 4, 8). وفي هذا الصدد، هناك كلمتان معبرتان للغاية بصفة خاصة عن بر الله، هما "الحق": "علمني يارب طريقك، أسلك في حقك، وحد قلبي لخوف اسمك" (مز 86: 11). فحق الله (ومعناه حرفياً: الثبات) هو التمسك بالمبدأ. والكلمة الثانية هي "الاستقامة" (مز 9: 8، 45: 6، 96: 10)…إلخ) وهي إظهار حق الله، أو بمعني اكثر دقة هي الفعل الصائب المستقيم.
3- صلاح الله: وهو موضوع الحمد والتسبيح، وبخاصة في مز 103 وفي العديد من المزامير. والتركيز كله علي "رحمة الرب": "ميز مراحمك يا مخلص المتكلين عليك بيمينك من المقاومين" (مز 17: 7) وأيضاً: "أما أنت يارب فإله رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة والحق" (مز 86: 15). كما تركز علي "أبوه الله": "إن أبي وأمي قد تركاني والرب يضمني" (مز 27: 10، 89: 26، انظر أيضاً مز 57: 1، 63: 7). وقبل كل شيء تبرز "محبة الله" الثابتة الدائمة المترجمة "بالرحمة". إلا أن هذه الكلمة تعبر أساساً عن وفاء الله لكلمة عهده، مما يُنتج عدلاً، ويؤدي إلي السلام الكامل الشامل: "يحب البر والعدل. امتلأت الأرض من رحمة الرب" (مز 33: 5). وما أروع القول: "الرحمة والحق التقيا البر والسلام تلاثما" (مز 85: 10)!
وتركز المزامير في مجموعها علي "قداسة الله" التي يتميز بها (انظر لا 20: 26). وهي أكثر من مجرد صفة مفردة، فالقداسة- كما نراها في ثلاث عبارات في المزمور التاسع والتسعين- تصف عظمة الله وسموه (مز 99: 1-3) وطبيعته الأدبية (مز 99: 4, 5)، كما تصف عمله الفدائي الشامل (مز 99: 6- 9). فالقداسة بالنسبة لله هي "ملء اللاهوت".
(1) الطبيعة: تنتقل قصائد سفر المزامير طبيعياً من تسبيح الخالق إلي تقدير خليقته المادية. فأصحاب المزامير لم ينتقلوا من الطبيعة إلي إله الطبيعة، لكنهم رأوا الله- الذي عرفوه عن طريق الإعلان- ظاهراً في كل الطبيعة. وهناك أربعة مزامير (104، 50، 29، 65) تعلن - علي وجه الخصوص- هذه العلاقة، من اعتماد الكون علي الله. والمزمور المائة والرابع هو ترنيمة عن الخليقة، فالرب هو مصدر الكون. كما يتحدث المزمور الخمسون (وبخاصة الأعداد من 10- 13) عن الاكتفاء الذاتي عند الرب دون حاجة به إلي العالم الذي هو صانعه ومليكه. ويسبح المزمور التاسع والعشرون الرب الذي يجلس "ملكاً إلي الأبد" (مز 29)، فهو سيد الكون. أما المزمور الخامس والستون- بتعبيره عن الشكر والحمد في الأعداد من 9 إلي 11- فيصف كيف يمنح الله بركاته للناس من خلال عالم الطبيعة (انظر مز 33: 5، 147: 8, 9).
لقد أثارت ظواهر الأرض- كما جاءت في المزامير التي تتحدث عن الطبيعة- نوعاً من النقد ضد سفر المزامير، أحياناً كما لو كانت غير صحيحة، وأحياناً أخري باعتبارها أسطورية تماماً. فبالنسبة للاتهام الأول، بأن هذه المزامير غير صحيحة، يجب ألا نخضع الخيال الشعري لقوانين ومقاييس التفسير الحرفي، عبارة "سواقي الله ملآنه ماء" (مز 65: 9) تعني ببساطة "المطر" كما أن المؤسس الأرض علي قواعدها" (مز 104: 5) يعني نظامها المستقر الثابت، أو قد يعني المباديء التي يقوم عليها المجتمع البشري (مز 75: 3). وليست عبارة: "سماء السموات" (مز 148: 4)سوي صورة تفضيل لأعلي سماء كما نري في 2 كو 12: 2). وعندما يذكر المزمور الرابع والعشرون علي الأرض، أن الله "علي البحار أسسها، وعلي الأنهار ثبتها" (مز 24: 2)، فليس معني هذا أن المزمور يردد المفهوم البابلي الخاطيء عن العالم بأنه عبارة عن بيضة تعلوها قبة حجرية وأسفلها هوة عميقة، ولكنه ببساطة يتحدث عن الأرض التي تعلو مستوي سطح البحر (انظر خر 20: 4، 2 بط 3: 5). فالوحي الإلهي يستطيع أن يؤدي الوصف الدقيق من خلال الشعر، أكثر مما من خلال النثر عند القدماء (انظر مز 104: 6).
أما الاتهام الثاني بأن المزامير صور خيالية وأسطورية، فإننا نجد المزامير حريصة على تجنب تفسير ظواهر الطبيعة علي أنها أشخاص أو وحوش، الأمر الذي يشكل جوهر الأساطير، بل حتي "لوياثان" الذي ربط بينه النقاد والوحش الخرافي "لوتان" خصم "البعل" إله الكنعانيين، فإنه (لوياثان) ليس سوي مخلوق بحري شبيه بالحوت ورد اسمه في مز 104: 26، واستخدم رمزاً لقوة مصر في مز 74: 14 (وقد استخدمت كلمة "لوياثان" هنا مرادفة لكلمة "تنين" مز 74: 13، أو التمساح- أي 41)، تماماً كما ترمز "رهب" إلي مصر (مز 87: 4، 89: 9, 10- انظر إش 51: 9, 10). أما الأساطير فتسلب الطبيعة أمجادها وتنسبها إلي كائنات اعلي. وقد حرصت المزامير علي تمييز الطبيعة عن الأشخاص، لكنها جسدتها في الشعر (مز 98: 8, 9).
ويبدي سفر المزامير تقديراً لكل جمال الطبيعة باعتبارها صنعة يدي الخالق (انظر مز 147: 8- 10, 14- 18)، ويشمل هذا الحياة البرية (مز 147: 9، علي نقيض الخوف المشار إليه في أناشيد الوثنيين- مثل ترنيمة "أتون" المصرية). كما يشمل الظواهر اليومية (مز 133: 3)، والدورة السنوية الزراعية ودورة الرعي (مز 65: 13). كما يتغني المرنم بقوة الله في الطبيعة (مز 42: 7، 8)، وأحزان الحياة (مز 102: 7, 8) وأفراحها (مز 126: 5).
إن الغرض من الطبيعة هو تمجيد الله (مز 148) وتوجيه نظر البشر إليه (مز 19: 1، 8: 3, 4)، ويتضح هذا الهدف- بصفة خاصة- في التشبيهات في سفر المزامير: "كما يشتاق الإيل إلي جداول المياة هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله" (مز 42: 1)، "فيتجدد مثل النسر شبابك" (مز 103: 5)، "بنوك غروس الزيتون حول مائدتك" (مز 128: 3). وهي كلها تشبيهات لعناصر في الطبيعة كجداول المياه،والإيل والنسر وأشجار الزيتون.
كما يبدو هذا الغرض أيضاً في التشبيهات الضمنية في السفر، "العصفور أيضاً وجد بيتاً والسنونة عشاً لنفسها حيث تضع أفراخها، مذابحك يارب الجنود، ملكي وإلهي" (مز 84: 3). وليس معني هذا أن مذبح الرب كانا مكاناً يضع فيه العصفور عشه، ولكنه التشبيه الضمني هنا هو أن مذبح الرب ملجأ وملاذ حقيقي يحتمي الإنسان فيه بالله، مثل العصفور في عشه. ويري المرنم أن الطبيعة مآلها إلي فناء: "هي تبيد وأن تبقي" (مز 102: 26)، فهي موجودة لخدمة الإنسان (مز 104: 10- 23)، ولتسبيح "يهوه" (مز 104: 33).
(2) مزامير تاريخية: يتركز اهتمام المزامير- في وسط العالم المادي- علي تاريخ البشر بصفة خاصة. كما أن الأسفار المقدسة تنظر إلي البشرية باعتبارها ساقطة وفي حاجة إلي الفداء الذي لا يمكن أن يتم إلا بالمسيح (يو 14: 6، أع 4: 12، انظر مزامير التوبة في هذا البحث). وسواء كان هذا للقديسين قبل المسيا أو بعده (عب 9: 156، 11: 40) فإن المصالحة مع الله قد تمت حقاً بدم العهد الأبدي، دم المسيح (عب 9: 16, 17) الذي كان في العهد القديم كما في العهد الجديد، أداة الله في صنع الفداء وتقديم الخلاص لكل البشر. ولكن بينما صار عهد الله- في القديم- في سلسلة من العهود التاريخية بدأت في جنة عدن (تك 3: 15، انظر هو 6: 7) والتي كانت تتمركز دائماً حول الوعد بالمصالحة، بأن يكونوا له شعباً ويكون هو لهم إلهاً (تك 17: 7)، فقد وصل هذا الوعد بالفداء إلي تعبير محدد في العهد الذي قطعه الله مع الشعب علي جبل سيناء (خر 19: 5, 6، 6: 7) بالارتباط بصفة خاصة مع بني إسرائيل. وبنما تبدي المزامير العلم بعهد الله مع إبراهيم، والذي جدده مع الآباء التالين له: "ذكر إلي الدهر عهده… الذي عاهد به إبراهيم وقسمه لإسحق فثبته ليعقوب فريضة، ولإسرائيل عهداً أبدياً" (مز 105: 8- 10)، إلا أن المزامير ركزت علي ما أظهره الرب من نعمة في عهده في سيناء (مز 68: 7, 8).
اقتراحات موسوعية أخرى
سناءة
سناءة
اسم عبري معناه "مكروه" . ويُذكر بنو سناءة بين الذين صعدوا مع زربابل من سبي بابل ، ورجعوا إلى...
بقي
بقي
اسم عبري مختصر بقيا ، ولعل معناه فم يهوه ، وهو :
1- شخص من سبط دان، ابن أحد رؤساء السبط المدعو...
اصل يسى
أصل يسى
الكلمة العبرية هي شورش يسى (إش 11: 10) والكلمة اليونانية هي ريزا (رو 15: 12) ، لهما نفس المع...
مينوذورة
إسم معناه موهبة الإله مين المصرى
محاجئ الصخر
محاجئ الصخر
محاجئ جمع محجأ وهو الملجأ وزناً ومعنى، وهو في العبرية " شاقاويم " أي شقوق. وقد وردت ال...
شمشاي
شـمشـاي
اسم كلداني معناه مشمس أو لامع . وكان كاتباً في الحكومة الفارسية في ولاية عبر النهر (غربي ا...