كلمة منفعة
نظرة الناس إلى الخطأ والصواب، وتوجيهها وحكمها، تختلف من شخص إلى شخص إلى آخر، حسب اتضاع القلب أو كبريائه.
— أخطاؤك أم أخطاء الآخرين
حبقوق
حبقوق
حجم الخط
حبقوق
أولاً : ( 1 ) الاسم:
حبقوق معناه عناق أو احتضان. وقد ربط بعض معلمي اليهود القدامى هذا الاسم مع القول تحتضنين ابناً (1مل 4 : 16) وزعموا أن هذا النبي كان ابن المرأة الشونمية. وتوجد كلمة مشابهة في الأشورية تطلق على أحد نباتات الحدائق.
( 2 ) حياته: لا نعرف الكثير عن حبقوق، ولا يلقي السفر الذي يحمل اسمه سوى القليل من الضوء على حياته. ولا تذكر سائر أسفار العهد القديم شيئاً عنه. إلا أن قصصاً كثيرة قد حيكت حول اسمه، وقد ربطت إحداها بين النبي وبين المرأة الشونمية كما سبقت الإشارة. كما ربطت قصة أخرى بين ما جاء بإشعياء: اذهب أقم الحارس ليخبر بما يرى (إش 21 : 6) وبين ما ذكره حبقوق: على مرصدي أقف وعلى الحصن أنتصب وأراقب لأرى ماذا يقول لي وماذا أجيب عن شكواي (حب 2 : 1) لتجعل من حبقوق الحارس الذي أقامه إشعياء لمراقبة سقوط بابل. وتقول قصة البعل والتنين ـــ الملحقة بنبوة دانيال في الترجمة السبعينية ــ أن هذه القصة مأخوذة عن نبوة حبقوق بن يشوع من سبط لاوي. ولابد أن هذه إشارة إلى سفر من أسفار الأبوكريفا المجهولة والمنسوبة إلى هذا النبي. ولا نعلم سبب تسمية أبيه بيشوع. أما الزعم بأنه كان من سبط لاوي،فلعل مرجعه وجود الإشارة إلى الآلات الموسيقية في نهاية الإصحاح الثالث. ويذكر كتاب حياة الأنبياء الذي ينسب - ربما خطأ - إلى أبيفانيوس أسقف سلاميس - في قبرص - في أواخر القرن الرابع، أن حبقوق ينتمي إلى سبط شمعون. وهناك رواية طريفة في قصة البعل والتنين الملحقة بنبوة دانيال - كما سبق القول (33 - 39)، تقول إنه بينما كان حبقوق في طريقه إلى الحقل ومعه إناء به طبيخ للحصادين، حمله ملاك بشعر رأسه إلى بابل ووضعه عند جب الأسود الذي كان به دانيال النبي، فأعطاه الطعام، ثم أعاده الملاك إلى مكانه. ويذكر كتاب حياة الأنبياء أن حبقوق مات قبل عودة المسبيين من بابل، بسنتين. ولكن ليس لهذه القصص جميعها قيمة تاريخية تذكر.
ثانياً ــــ السفر:
( 1 ) تفسير الإصحاحين الأول والثاني: إذ يلزم النظر في تفسيرهما قبل استعراض مشتملات السفر. فهناك وجهات نظر في تفسيرهما:
( أ ) فوجهة النظر الأولى ترى، أن حب 1 : 2 - 4 يشير إلى فساد يهوذا - اضطهاد أشرار اليهود لأبرارهم، مما يستجلب الدينونة الإلهية على المضطهدين. (حب 1 : 5 -11)، يعلن الرب أنه موشك أن يرسل الكلدانيين لتنفيذ القضاء. ونرى في 1 : 12 - 17 النبي متحيراً إذ لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن لله البار أن يستخدم هؤلاء الوثنيين لتنفيذ القضاء على شعب أبر منهم، بل إنه يعتبر أن الأشرار بين اليهود، أفضل من الكلدانيين. وفي 2 : 1 ـ 4 يحل الرب المشكلة المحيرة بأن ارتفاع الكلدانيين لن يكون إلا وقتياً، وأنهم سيلقون جزاءهم في النهاية، بينما يحيا الأبرار. ويعلن في 2 : 5 ـ 20 الويلات ضد الكلدانيين.
( ب ) وترى وجهة النظر الثانية أنه من الضروري تعديل الترتيب الحالي للآيات ( 1 : 5 ـ 11 ) لأنها في وضعها الراهن، لا تستقيم مع تفسيرهم لها. ولهذا السبب يستبعد ولهاوزن (Wellhausen). وآخرون هذه الآيات باعتبارها إضافات لاحقة. ومن جهة أخرى فإن جيزبرخت (Giesebrecht). يميل إلى وضعها قبل العدد الثاني من الإصحاح الأول على أنها آيات افتتاحية للنبوة. وهذا التعديل يستلزم تعديلات ثانوية أخرى قليلة، حتى تصبح هذه الآيات بداية ملائمة، وتجعل الانتقال من الآية الحادية عشرة إلى الآية الثانية انتقالاً سلساً. ويؤدي استبعاد هذه الآيات المحيرة إلى إمكانية إعطاء الإطار العام لهذين الإصحاحين، كما يلي:
1 : 2 - 4 يذكر اضطهاد اليهود الأبرار على يد الكلدانيين الأشرار، 1 : 12 ـ 17 التضرع إلى الرب من أجل اليهود المضطهدين ضد مضطهديهم. وفي 2 : 1 ـ 4 يعدهم الرب بالخلاص (كما في الرأي الأول). وفي 2 : 5 ـ 20 يوجه الويلات للكلدانيين.
( ج ) أما وجهة النظر الثالثة، فترى أيضاً أنه من اللازم تعديل الترتيب الحالي للآيات، حيث ترى أن الآيات (1 : 5 - 11) بوضعها الراهن تتعارض مع رأيها، لذلك فهي تضع هذه الآيات بعد (2 : 4). وطبقاً لهذا الرأي يكون الإطار العام للإصحاحين، كالآتي : 1 : 2 ـ 4، اضطهاد اليهود الأبرار على يد الأشوريين (حسب رأي بود Budde )، أو المصريين (على رأي ج. أ. سميث G. A. Smith )، (1 : 12 - 17) التضرع إلى الرب من أجل المظلومين ضد مضطهديهم، وفي (2 : 1 - 4) يعدهم الرب بالخلاص، 1 : 5 ـ 11 سيكون الكلدانيون الأداة لتنفيذ القضاء على المضطهدين وإنقاذ اليهود، ( 2 : 5 ـ 20 ) ويلات ضد الأشوريين أو المصريين.
وليس بالإمكان دراسة كل هذه الآراء بالتفصيل هنا، ويكفينا أن نقول بصورة عامة إن التفسير الأول الذي لا يستلزم أي حذف أو إعادة ترتيب، يبدو مرضياً بصورة أكثر شمولاً للحقائق.
(2) المضمون: سبقت الإشارة إلى مضمون الأصحاحين الأول والثاني فيما سبق. أما الأصحاح الثالث فعبارة عن قصيدة شعرية تحت عنوان (صلاة). وهو يتضرع عن نفسه وعن الشعب. ويذكر أعمال الرب العظيمة لشعبه والتي تجعله يجزع، ومع هذا فهو يطالب بتكرار الأعمال القديمة (3: 2). ويصف الشاعر في صور رائعة ظهورات الرب العجيبة في الماضي (3: 3ـ11) لشعبه المختار (3: 12 - 15). وتملأ ذكريات هذه الظهورات صاحب النشيد بالخوف والرعدة كما بالفرح واليقين في إله خلاصه (3: 16ـ19).
(3) الأسلوب: لا يستطيع سوى العالم باللغة العبرية، أخذ فكرة صحيحة عن الروعة الأدبية لسفر حبقوق ويقول (درايفر) (Driver) : (إن البلاغة الأدبية لسفر حبقوق تبلغ الذروة. ومع أن سفره من الأسفار القصيرة، إلا أنه ملئ بالقوة، وأسلوبه في الوصف تصويري قوي. وفي الفكر والتعبير شاعرية واضحة، كما أنه متمكن من الأسلوب الكلاسيكي القديم المحكم والموجز والخصب، ولا أثر للإسهاب النثري المألوف الذي يظهر في بعض النبوات مثل إرميا وحزقيال. وكاتب أنشودة الأصحاح الثالث شاعر غنائي فذ رفيع القدر، يضارع في تصويره العظيم وسلاسته الفياضة في هذه الأنشودة إنجازات الشاعر العبري.
(1) وحدة السفر: أنكر بعض العلماء على حبقوق النبي كتابة أكثر من نصف السفر بما في ذلك (1: 15ـ11)، (2: 9 -20) والأصحاح الثالث بأكمله. ولكن إذا فسرت النبوة تفسيرا سليما (راجع ما سبق)، فليس ثمة سبب قوي لاستبعاد (1: 5 -11). ويقوم إنكار نسب الآيات (2: 9ـ20) إلى حبقوق على أساسين:
(1) يقولون إن (الويلات) غير ملائمة - جزئيا على الأقل - إذا أنها موجهة إلى الملك الكلداني. ولكن هذه الصعوبة تختفي إذا أخذنا في الأعتبار أن النبي لا يخاطب الملك كفرد، بل كممثل لسياسة أمته وتجسيد لها.
(2) يقولون أن بعض الأجزاء وبخاصة الآيات 2: 12 - 14هي إلى مدى بعيد أقتباس لنصوص أخرى يرجع بعضها إلى زمن لاحق. مثل عدد 12 مع ميخا 3: 10، عدد13 مع إرميا 51: 58، عدد 14 مع (إش 11: 9)، كما أن عدد 16يردد صدى (إرميا 25: 15و16) قارن أيضاً الأعداد 18- 20 مع إش 44: 9، 46: 6و7، إرميا 10: 1ـ16).
ومع أن حجية المتناظرات الأدبية أمر موضع شك دائما، فإن التشابهات ـ في حالتنا هذه ـ قليلة كما أنها ذات صبغة عامة بحيث لا تفترض بالضرورة الارتباط الأدبي.
وينكرون نسبة الإصحاح الثالث إلى النبي بأكثر إصرار، إلا أن الحجج ليست دامغة بأي حال. إن حقيقة انتماء هذا السفر إلى أدب المزامير، ليست دليلاً على كتابته في تاريخ متأخر، ما لم نفترض ـ دون مبررات قوية ـ أنه لم تكتب أية مزامير قبل فترة السبي. كما أنه لا الإيماءات التاريخية الغامضة تماماً، ولا الأسلوب الأدبي، ولا الصلة بغيره من الكتَّاب، ولا نوعية الأفكار الدينية المعبر عنها ـ لا شيء من كل هذا يدل بالضرورة على كتابة النبوة في تاريخ متأخر.
إن الآيات الوحيدة الغامضة هي (3 : 16 - 19) حيث يبدو أنها تشير إلى كارثة أخرى غير كارثة غزو الكلدانيين. ويقول درايفر: لو أن الشاعر كان يكتب تحت ضغط غزو الأعداء، فالمنتظر بداهة أن يشكل الغزو ذاته جزءاً بارزاً في هذه الصورة. ولكن بينما من المستحيل إثبات إن حبقوق هو كاتب هذه الصلاة، فإنه من المستحيل أيضاً بنفس القدر إثبات إنه لم يكتبها. وبينما هناك أدلة قليلة يبدو أنها تشير إلى ظروف مغايرة لظروف حبقوق، إلا أنها ليست ـ بحال من الأحوال ـ حاسمة بدرجة تكفي لاستبعاد إمكانية أن يكون حبقوق هو كاتب هذه القصيدة.
ثالثاً ـــــ زمان كتابة السفر:
( 1 ) التاريخ : يرتبط موضوع التاريخ ارتباطاً وثيقاً بموضوع التفسير، وعلى أساس النظرية القائلة بأن الغزاة الذين كانوا يهددون بالهجوم هم الأشوريون، فإن بود (Budde) يرجع بالنبوة إلى 612 ـ 615 ق. م. وإذا سلمنا بإن الأشوريين هم الذين كانوا في فكر النبي، فإن التاريخ الذي يراه بيتريدج (Betteridge) وهو نحو 710 ق. م. يكون هو الأرجح. ولكن إن لم يكن الأشوريون هم الغزاة فلا مكان لتلك التواريخ التي حددها بود وبيتريدج. وإذا كانت النبوة موجهة ضد مصر، فهذا معناه حصرها بين 608، 604 ق. م. لأن السيادة المصرية على يهوذا استمرت خلال هذه السنوات فقط. وإن لم يكن المصريون هم الغزاة، فينبغي البحث عن تاريخ آخر. وإذا كان الكلدانيون هم غزاة يهوذا، فيجب الرجوع بهذه النبوة إلى تاريخ لاحق لمعركة كركميش (في 605 ـ 604 ق. م.) لأنه لم يكن في إمكان الكلدانيين محاولة غزو العالم إلا بعد هزيمة المصريين. ولم يحدث اتصال مباشر بين الكلدانيين ويهوذا إلا بعد بضع سنوات من تلك الموقعة. ولكن حسب هذا الرأي، تستلزم الفقرات 1 : 2 ــــ 4 و 12، 2 : 8 مرور فترة كبيرة من الغزو وإخضاع أمم كثيرة واضطهاد يهوذا اضطهاداً عنيفاً لفترة كافية، فلابد أن يكون نواك (Nowack) على حق في رجوعه ـ على هذا الأساس ـ بالنبوة إلى فترة لاحقة للسبي الأول في عام 597 ق. م. أو كما يقول إلى نحو 590 ق. م. وينبغي البحث عن تاريخ آخر إذا كانت عبارة لأن الشرير يحيط بالصديق (1 : 4) تشير إلى اضطهاد اليهود على يد يهود أيضاً، وكذلك لو أن (1 : 5 ـ 11) تفسر على أنها تهديد بأن الرب سوف يقيم الكلدانيين المعروفين - واقعاً ـ بأنهم أمة متعطشة للدماء لعقاب خطية يهوذا. ويبدو أن هذه الآيات تشير إلى:
( 1 ) أن الكلدانيين لم يكونوا قد أصبح لهم اتصال مباشر بيهوذا.
( 2 ) أنهم قد سبق أن أظهروا الطبيعة الوحشية في حروبهم، ولكن نبوخذنصر زحف على يهوذا حوالي 600 ق. م. إلا أن السنوات اللاحقة منذ سقوط نينوى في 607 ـ 606 ق. م. ومعركة كركميش في 605 - 604 ق. م. أتاحت للكلدانيين فرصة كافية لإظهار طبيعتهم على حقيقتها، وأن يصبح النبي ومعاصروه عالمين بطبيعة خلفاء نينوى القساة. وعلى أساس هذه النظرية يلزم أن نرجع نبوة حبقوق إلى قبيل 600 ق. م.
( 2 ) المناسبة : إذا كان حبقوق قد تنبأ حوالي 600 ق. م. فلابد أنه عاش في أيام حكم الملك يهوياقيم. وكان يوشيا الملك التقي قد قُتل في محاولته وقف تقدم مصر ضد أشور، وبموته انتهت فترة الإصلاح القصيرة. وبعد أن تولى يهوآحاز العرش لمدة ثلاثة أشهر، عزله فرعون نخو ملك مصر، ووضع على العرش بدلاً منه أخاه يهوياقيم، وكان يهوياقيم أنانياً شريراً جباراً، وسرعان ما عادت الأحوال إلى ما كانت عليه من سوء في عهد الملك منسى. ولعل هذا هو ما سبب الحيرة للنبي: حتى متى يارب أدعو وأنت لا تسمع، أصرخ إليك من الظلم وأنت لا تخلص؟ (1 : 2).
رابعاً ـ ما في السفر من تعليم:
نجد في سفر حبقوق نوعاً جديداً من النبوة. فقد كان الأنبياء أساساً وعاظاً ومعلمين للدين والأخلاقيات، وقد خاطبوا مواطنيهم سعياً لإرجاعهم ثانية إلى الرب وإلى حياة البر، ولكن حبقوق لم يوجه خطابه للشعب، إنه يخاطب الرب متسائلاً عن عدالة معاملات الله وحقيقة العناية الإلهية، فيرفع شكواه إلى الله ويحاجه، وهو في هذا أشبه بكاتب سفر أيوب.
فالسفر في مجمله ثمرة التفكير في معاملات الله. فهو يسجل أحاديثه مع الله، والتساؤلات التي تراود نفسه، كما كانت تراود العديد من النفوس التقية في زمانه. ويسجل الإجابات التي أعلنها له روح الله، من أجل حبقوق ومن أجل النفوس المجربة في كل زمان.
ويسمى حبقوق نبي الإيمان فقد كان له إيمان حي قوي بالرب، ولكن كان شأنه شأن العديد من النفوس التقية التي يزعجها ويحيرها التفاوت الواضح في أوضاع الحياة، فقد وجد من الصعب عليه أن يوفق بين هذه الأوضاع ومفهومه الرفيع عن الرب، إلا أنه لم يكتئب، بل تقدم بحيرته إلى الرب فوجد عنده الحل، فنهض النبي من قلقه وحيرته بإيمان أقوى وأعمق من أي وقت مضى. لقد وجد لمشكلاته المحيرة التي أثارتها خطايا مواطنيه التي لا تلقى عقوبة رادعة، ونجاح الكلدانيين غير المحدود، حلاً في حقيقتين أساسيتين:
( 1 ) سيادة الرب المطلقة الشاملة: فالرب لا يهتم بإسرائيل فقط، مع أن حبقوق ـ كسائر الأنبياء ـ كان يؤمن أن الرب يعتني بإسرائيل عناية خاصة، لكنه كان يؤمن ـ بنفس القدر ـ بأن سيادة الرب تمتد إلى كل العالم، فمصائر جميع الأمم في يديه، وهو لا يعاقب الكلدانيين من أجل شرهم ضد يهوذا فحسب، بل من أجل اضطهادهم للأمم الأخرى أيضاً. ولأنه الإله الوحيد، ولا سواه، فهو لا يمكن أن يسمح بعبادة آلهة أخرى. قد يعبد الكلدانيون الأوثان لزمن ما، وقد يخلعون على آلهتهم مظهر القوة، ويقدمون القرابين لشبكتها وتبخر لمصيدتها لأنه بهما سمن نصيبها وطعامها مسمن (حب1 : 16)، ولكن الرب منذ الأزل هو الواحد القدوس ولابد أن يظهر سلطانه المطلق ويحطم المنتصر المتكبر المنتفخ مع أوثانه.
( 2 ) الأمانة هي ضمان البقاء: والحقيقة الهامة الثانية هي أن البار بإيمانه يحيا (2 : 4) أو بأمانته، فالأمانة هي ضمان البقاء. إن الفكرة التي عبر عنها النبي ليست هي بذاتها الفكرة التي عبر عنها الرسول بولس عند اقتباسه لهذه الكلمات (غل 3 : 11) ومع ذلك فإن حبقوق يذكر حقاً عميق الدلالة، فالأمانة لدى حبقوق النبي لها أثر ظاهر، إنها تعني الاستقامة والإخلاص والثبات تحت كافة الظروف المثيرة. ولكنها قطعاً تتضمن مفهوم العهد الجديد للإيمان كمبدأ فعَّال للسلوك القويم. إن الإيمان الحي يحدد السلوك، فالديانة والأخلاق يسيران جنباً إلى جنب وبخاصة في أوقات المحنة. فالإيمان بالرب والاتكال الراسخ عليه هما أقوى ضمان للولاء له والاستقامة في الحياة. إن الإيمان بدون أعمال ميت، فالإيمان يعلن عن نفسه في الحياة.
ويؤكد حبقوق تأكيداً جازماً على عمل الإيمان، وهو حق أكيد، ولكنه وهو يفعل هذا إنما يوجه الأنظار ـ ولو تلميحاً على الأقل ـ إلى القوة المحركة خلف الصورة الخارجية. ولا يوجد في كل العهد القديم ما يفوق ـ تعبيراً عن الإيمان ـ ما جاء بصلاة حبقوق: فمع أنه لا يزهر التين ولا يكون حمل في الكروم، يكذب عمل الزيتونة والحقول لا تصنع طعاماً، ينقطع الغنم من الحظيرة ولا بقر في المذاود، فإني أبتهج بالرب وأفرح بإله خلاصي. الرب السيد قوتي ويجعل قدميَّ كالأيائل، ويمشيني على مرتفعاتي (حب 3 : 17 ـ 19).
أولاً : ( 1 ) الاسم:
حبقوق معناه عناق أو احتضان. وقد ربط بعض معلمي اليهود القدامى هذا الاسم مع القول تحتضنين ابناً (1مل 4 : 16) وزعموا أن هذا النبي كان ابن المرأة الشونمية. وتوجد كلمة مشابهة في الأشورية تطلق على أحد نباتات الحدائق.
( 2 ) حياته: لا نعرف الكثير عن حبقوق، ولا يلقي السفر الذي يحمل اسمه سوى القليل من الضوء على حياته. ولا تذكر سائر أسفار العهد القديم شيئاً عنه. إلا أن قصصاً كثيرة قد حيكت حول اسمه، وقد ربطت إحداها بين النبي وبين المرأة الشونمية كما سبقت الإشارة. كما ربطت قصة أخرى بين ما جاء بإشعياء: اذهب أقم الحارس ليخبر بما يرى (إش 21 : 6) وبين ما ذكره حبقوق: على مرصدي أقف وعلى الحصن أنتصب وأراقب لأرى ماذا يقول لي وماذا أجيب عن شكواي (حب 2 : 1) لتجعل من حبقوق الحارس الذي أقامه إشعياء لمراقبة سقوط بابل. وتقول قصة البعل والتنين ـــ الملحقة بنبوة دانيال في الترجمة السبعينية ــ أن هذه القصة مأخوذة عن نبوة حبقوق بن يشوع من سبط لاوي. ولابد أن هذه إشارة إلى سفر من أسفار الأبوكريفا المجهولة والمنسوبة إلى هذا النبي. ولا نعلم سبب تسمية أبيه بيشوع. أما الزعم بأنه كان من سبط لاوي،فلعل مرجعه وجود الإشارة إلى الآلات الموسيقية في نهاية الإصحاح الثالث. ويذكر كتاب حياة الأنبياء الذي ينسب - ربما خطأ - إلى أبيفانيوس أسقف سلاميس - في قبرص - في أواخر القرن الرابع، أن حبقوق ينتمي إلى سبط شمعون. وهناك رواية طريفة في قصة البعل والتنين الملحقة بنبوة دانيال - كما سبق القول (33 - 39)، تقول إنه بينما كان حبقوق في طريقه إلى الحقل ومعه إناء به طبيخ للحصادين، حمله ملاك بشعر رأسه إلى بابل ووضعه عند جب الأسود الذي كان به دانيال النبي، فأعطاه الطعام، ثم أعاده الملاك إلى مكانه. ويذكر كتاب حياة الأنبياء أن حبقوق مات قبل عودة المسبيين من بابل، بسنتين. ولكن ليس لهذه القصص جميعها قيمة تاريخية تذكر.
ثانياً ــــ السفر:
( 1 ) تفسير الإصحاحين الأول والثاني: إذ يلزم النظر في تفسيرهما قبل استعراض مشتملات السفر. فهناك وجهات نظر في تفسيرهما:
( أ ) فوجهة النظر الأولى ترى، أن حب 1 : 2 - 4 يشير إلى فساد يهوذا - اضطهاد أشرار اليهود لأبرارهم، مما يستجلب الدينونة الإلهية على المضطهدين. (حب 1 : 5 -11)، يعلن الرب أنه موشك أن يرسل الكلدانيين لتنفيذ القضاء. ونرى في 1 : 12 - 17 النبي متحيراً إذ لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن لله البار أن يستخدم هؤلاء الوثنيين لتنفيذ القضاء على شعب أبر منهم، بل إنه يعتبر أن الأشرار بين اليهود، أفضل من الكلدانيين. وفي 2 : 1 ـ 4 يحل الرب المشكلة المحيرة بأن ارتفاع الكلدانيين لن يكون إلا وقتياً، وأنهم سيلقون جزاءهم في النهاية، بينما يحيا الأبرار. ويعلن في 2 : 5 ـ 20 الويلات ضد الكلدانيين.
( ب ) وترى وجهة النظر الثانية أنه من الضروري تعديل الترتيب الحالي للآيات ( 1 : 5 ـ 11 ) لأنها في وضعها الراهن، لا تستقيم مع تفسيرهم لها. ولهذا السبب يستبعد ولهاوزن (Wellhausen). وآخرون هذه الآيات باعتبارها إضافات لاحقة. ومن جهة أخرى فإن جيزبرخت (Giesebrecht). يميل إلى وضعها قبل العدد الثاني من الإصحاح الأول على أنها آيات افتتاحية للنبوة. وهذا التعديل يستلزم تعديلات ثانوية أخرى قليلة، حتى تصبح هذه الآيات بداية ملائمة، وتجعل الانتقال من الآية الحادية عشرة إلى الآية الثانية انتقالاً سلساً. ويؤدي استبعاد هذه الآيات المحيرة إلى إمكانية إعطاء الإطار العام لهذين الإصحاحين، كما يلي:
1 : 2 - 4 يذكر اضطهاد اليهود الأبرار على يد الكلدانيين الأشرار، 1 : 12 ـ 17 التضرع إلى الرب من أجل اليهود المضطهدين ضد مضطهديهم. وفي 2 : 1 ـ 4 يعدهم الرب بالخلاص (كما في الرأي الأول). وفي 2 : 5 ـ 20 يوجه الويلات للكلدانيين.
( ج ) أما وجهة النظر الثالثة، فترى أيضاً أنه من اللازم تعديل الترتيب الحالي للآيات، حيث ترى أن الآيات (1 : 5 - 11) بوضعها الراهن تتعارض مع رأيها، لذلك فهي تضع هذه الآيات بعد (2 : 4). وطبقاً لهذا الرأي يكون الإطار العام للإصحاحين، كالآتي : 1 : 2 ـ 4، اضطهاد اليهود الأبرار على يد الأشوريين (حسب رأي بود Budde )، أو المصريين (على رأي ج. أ. سميث G. A. Smith )، (1 : 12 - 17) التضرع إلى الرب من أجل المظلومين ضد مضطهديهم، وفي (2 : 1 - 4) يعدهم الرب بالخلاص، 1 : 5 ـ 11 سيكون الكلدانيون الأداة لتنفيذ القضاء على المضطهدين وإنقاذ اليهود، ( 2 : 5 ـ 20 ) ويلات ضد الأشوريين أو المصريين.
وليس بالإمكان دراسة كل هذه الآراء بالتفصيل هنا، ويكفينا أن نقول بصورة عامة إن التفسير الأول الذي لا يستلزم أي حذف أو إعادة ترتيب، يبدو مرضياً بصورة أكثر شمولاً للحقائق.
(2) المضمون: سبقت الإشارة إلى مضمون الأصحاحين الأول والثاني فيما سبق. أما الأصحاح الثالث فعبارة عن قصيدة شعرية تحت عنوان (صلاة). وهو يتضرع عن نفسه وعن الشعب. ويذكر أعمال الرب العظيمة لشعبه والتي تجعله يجزع، ومع هذا فهو يطالب بتكرار الأعمال القديمة (3: 2). ويصف الشاعر في صور رائعة ظهورات الرب العجيبة في الماضي (3: 3ـ11) لشعبه المختار (3: 12 - 15). وتملأ ذكريات هذه الظهورات صاحب النشيد بالخوف والرعدة كما بالفرح واليقين في إله خلاصه (3: 16ـ19).
(3) الأسلوب: لا يستطيع سوى العالم باللغة العبرية، أخذ فكرة صحيحة عن الروعة الأدبية لسفر حبقوق ويقول (درايفر) (Driver) : (إن البلاغة الأدبية لسفر حبقوق تبلغ الذروة. ومع أن سفره من الأسفار القصيرة، إلا أنه ملئ بالقوة، وأسلوبه في الوصف تصويري قوي. وفي الفكر والتعبير شاعرية واضحة، كما أنه متمكن من الأسلوب الكلاسيكي القديم المحكم والموجز والخصب، ولا أثر للإسهاب النثري المألوف الذي يظهر في بعض النبوات مثل إرميا وحزقيال. وكاتب أنشودة الأصحاح الثالث شاعر غنائي فذ رفيع القدر، يضارع في تصويره العظيم وسلاسته الفياضة في هذه الأنشودة إنجازات الشاعر العبري.
(1) وحدة السفر: أنكر بعض العلماء على حبقوق النبي كتابة أكثر من نصف السفر بما في ذلك (1: 15ـ11)، (2: 9 -20) والأصحاح الثالث بأكمله. ولكن إذا فسرت النبوة تفسيرا سليما (راجع ما سبق)، فليس ثمة سبب قوي لاستبعاد (1: 5 -11). ويقوم إنكار نسب الآيات (2: 9ـ20) إلى حبقوق على أساسين:
(1) يقولون إن (الويلات) غير ملائمة - جزئيا على الأقل - إذا أنها موجهة إلى الملك الكلداني. ولكن هذه الصعوبة تختفي إذا أخذنا في الأعتبار أن النبي لا يخاطب الملك كفرد، بل كممثل لسياسة أمته وتجسيد لها.
(2) يقولون أن بعض الأجزاء وبخاصة الآيات 2: 12 - 14هي إلى مدى بعيد أقتباس لنصوص أخرى يرجع بعضها إلى زمن لاحق. مثل عدد 12 مع ميخا 3: 10، عدد13 مع إرميا 51: 58، عدد 14 مع (إش 11: 9)، كما أن عدد 16يردد صدى (إرميا 25: 15و16) قارن أيضاً الأعداد 18- 20 مع إش 44: 9، 46: 6و7، إرميا 10: 1ـ16).
ومع أن حجية المتناظرات الأدبية أمر موضع شك دائما، فإن التشابهات ـ في حالتنا هذه ـ قليلة كما أنها ذات صبغة عامة بحيث لا تفترض بالضرورة الارتباط الأدبي.
وينكرون نسبة الإصحاح الثالث إلى النبي بأكثر إصرار، إلا أن الحجج ليست دامغة بأي حال. إن حقيقة انتماء هذا السفر إلى أدب المزامير، ليست دليلاً على كتابته في تاريخ متأخر، ما لم نفترض ـ دون مبررات قوية ـ أنه لم تكتب أية مزامير قبل فترة السبي. كما أنه لا الإيماءات التاريخية الغامضة تماماً، ولا الأسلوب الأدبي، ولا الصلة بغيره من الكتَّاب، ولا نوعية الأفكار الدينية المعبر عنها ـ لا شيء من كل هذا يدل بالضرورة على كتابة النبوة في تاريخ متأخر.
إن الآيات الوحيدة الغامضة هي (3 : 16 - 19) حيث يبدو أنها تشير إلى كارثة أخرى غير كارثة غزو الكلدانيين. ويقول درايفر: لو أن الشاعر كان يكتب تحت ضغط غزو الأعداء، فالمنتظر بداهة أن يشكل الغزو ذاته جزءاً بارزاً في هذه الصورة. ولكن بينما من المستحيل إثبات إن حبقوق هو كاتب هذه الصلاة، فإنه من المستحيل أيضاً بنفس القدر إثبات إنه لم يكتبها. وبينما هناك أدلة قليلة يبدو أنها تشير إلى ظروف مغايرة لظروف حبقوق، إلا أنها ليست ـ بحال من الأحوال ـ حاسمة بدرجة تكفي لاستبعاد إمكانية أن يكون حبقوق هو كاتب هذه القصيدة.
ثالثاً ـــــ زمان كتابة السفر:
( 1 ) التاريخ : يرتبط موضوع التاريخ ارتباطاً وثيقاً بموضوع التفسير، وعلى أساس النظرية القائلة بأن الغزاة الذين كانوا يهددون بالهجوم هم الأشوريون، فإن بود (Budde) يرجع بالنبوة إلى 612 ـ 615 ق. م. وإذا سلمنا بإن الأشوريين هم الذين كانوا في فكر النبي، فإن التاريخ الذي يراه بيتريدج (Betteridge) وهو نحو 710 ق. م. يكون هو الأرجح. ولكن إن لم يكن الأشوريون هم الغزاة فلا مكان لتلك التواريخ التي حددها بود وبيتريدج. وإذا كانت النبوة موجهة ضد مصر، فهذا معناه حصرها بين 608، 604 ق. م. لأن السيادة المصرية على يهوذا استمرت خلال هذه السنوات فقط. وإن لم يكن المصريون هم الغزاة، فينبغي البحث عن تاريخ آخر. وإذا كان الكلدانيون هم غزاة يهوذا، فيجب الرجوع بهذه النبوة إلى تاريخ لاحق لمعركة كركميش (في 605 ـ 604 ق. م.) لأنه لم يكن في إمكان الكلدانيين محاولة غزو العالم إلا بعد هزيمة المصريين. ولم يحدث اتصال مباشر بين الكلدانيين ويهوذا إلا بعد بضع سنوات من تلك الموقعة. ولكن حسب هذا الرأي، تستلزم الفقرات 1 : 2 ــــ 4 و 12، 2 : 8 مرور فترة كبيرة من الغزو وإخضاع أمم كثيرة واضطهاد يهوذا اضطهاداً عنيفاً لفترة كافية، فلابد أن يكون نواك (Nowack) على حق في رجوعه ـ على هذا الأساس ـ بالنبوة إلى فترة لاحقة للسبي الأول في عام 597 ق. م. أو كما يقول إلى نحو 590 ق. م. وينبغي البحث عن تاريخ آخر إذا كانت عبارة لأن الشرير يحيط بالصديق (1 : 4) تشير إلى اضطهاد اليهود على يد يهود أيضاً، وكذلك لو أن (1 : 5 ـ 11) تفسر على أنها تهديد بأن الرب سوف يقيم الكلدانيين المعروفين - واقعاً ـ بأنهم أمة متعطشة للدماء لعقاب خطية يهوذا. ويبدو أن هذه الآيات تشير إلى:
( 1 ) أن الكلدانيين لم يكونوا قد أصبح لهم اتصال مباشر بيهوذا.
( 2 ) أنهم قد سبق أن أظهروا الطبيعة الوحشية في حروبهم، ولكن نبوخذنصر زحف على يهوذا حوالي 600 ق. م. إلا أن السنوات اللاحقة منذ سقوط نينوى في 607 ـ 606 ق. م. ومعركة كركميش في 605 - 604 ق. م. أتاحت للكلدانيين فرصة كافية لإظهار طبيعتهم على حقيقتها، وأن يصبح النبي ومعاصروه عالمين بطبيعة خلفاء نينوى القساة. وعلى أساس هذه النظرية يلزم أن نرجع نبوة حبقوق إلى قبيل 600 ق. م.
( 2 ) المناسبة : إذا كان حبقوق قد تنبأ حوالي 600 ق. م. فلابد أنه عاش في أيام حكم الملك يهوياقيم. وكان يوشيا الملك التقي قد قُتل في محاولته وقف تقدم مصر ضد أشور، وبموته انتهت فترة الإصلاح القصيرة. وبعد أن تولى يهوآحاز العرش لمدة ثلاثة أشهر، عزله فرعون نخو ملك مصر، ووضع على العرش بدلاً منه أخاه يهوياقيم، وكان يهوياقيم أنانياً شريراً جباراً، وسرعان ما عادت الأحوال إلى ما كانت عليه من سوء في عهد الملك منسى. ولعل هذا هو ما سبب الحيرة للنبي: حتى متى يارب أدعو وأنت لا تسمع، أصرخ إليك من الظلم وأنت لا تخلص؟ (1 : 2).
رابعاً ـ ما في السفر من تعليم:
نجد في سفر حبقوق نوعاً جديداً من النبوة. فقد كان الأنبياء أساساً وعاظاً ومعلمين للدين والأخلاقيات، وقد خاطبوا مواطنيهم سعياً لإرجاعهم ثانية إلى الرب وإلى حياة البر، ولكن حبقوق لم يوجه خطابه للشعب، إنه يخاطب الرب متسائلاً عن عدالة معاملات الله وحقيقة العناية الإلهية، فيرفع شكواه إلى الله ويحاجه، وهو في هذا أشبه بكاتب سفر أيوب.
فالسفر في مجمله ثمرة التفكير في معاملات الله. فهو يسجل أحاديثه مع الله، والتساؤلات التي تراود نفسه، كما كانت تراود العديد من النفوس التقية في زمانه. ويسجل الإجابات التي أعلنها له روح الله، من أجل حبقوق ومن أجل النفوس المجربة في كل زمان.
ويسمى حبقوق نبي الإيمان فقد كان له إيمان حي قوي بالرب، ولكن كان شأنه شأن العديد من النفوس التقية التي يزعجها ويحيرها التفاوت الواضح في أوضاع الحياة، فقد وجد من الصعب عليه أن يوفق بين هذه الأوضاع ومفهومه الرفيع عن الرب، إلا أنه لم يكتئب، بل تقدم بحيرته إلى الرب فوجد عنده الحل، فنهض النبي من قلقه وحيرته بإيمان أقوى وأعمق من أي وقت مضى. لقد وجد لمشكلاته المحيرة التي أثارتها خطايا مواطنيه التي لا تلقى عقوبة رادعة، ونجاح الكلدانيين غير المحدود، حلاً في حقيقتين أساسيتين:
( 1 ) سيادة الرب المطلقة الشاملة: فالرب لا يهتم بإسرائيل فقط، مع أن حبقوق ـ كسائر الأنبياء ـ كان يؤمن أن الرب يعتني بإسرائيل عناية خاصة، لكنه كان يؤمن ـ بنفس القدر ـ بأن سيادة الرب تمتد إلى كل العالم، فمصائر جميع الأمم في يديه، وهو لا يعاقب الكلدانيين من أجل شرهم ضد يهوذا فحسب، بل من أجل اضطهادهم للأمم الأخرى أيضاً. ولأنه الإله الوحيد، ولا سواه، فهو لا يمكن أن يسمح بعبادة آلهة أخرى. قد يعبد الكلدانيون الأوثان لزمن ما، وقد يخلعون على آلهتهم مظهر القوة، ويقدمون القرابين لشبكتها وتبخر لمصيدتها لأنه بهما سمن نصيبها وطعامها مسمن (حب1 : 16)، ولكن الرب منذ الأزل هو الواحد القدوس ولابد أن يظهر سلطانه المطلق ويحطم المنتصر المتكبر المنتفخ مع أوثانه.
( 2 ) الأمانة هي ضمان البقاء: والحقيقة الهامة الثانية هي أن البار بإيمانه يحيا (2 : 4) أو بأمانته، فالأمانة هي ضمان البقاء. إن الفكرة التي عبر عنها النبي ليست هي بذاتها الفكرة التي عبر عنها الرسول بولس عند اقتباسه لهذه الكلمات (غل 3 : 11) ومع ذلك فإن حبقوق يذكر حقاً عميق الدلالة، فالأمانة لدى حبقوق النبي لها أثر ظاهر، إنها تعني الاستقامة والإخلاص والثبات تحت كافة الظروف المثيرة. ولكنها قطعاً تتضمن مفهوم العهد الجديد للإيمان كمبدأ فعَّال للسلوك القويم. إن الإيمان الحي يحدد السلوك، فالديانة والأخلاق يسيران جنباً إلى جنب وبخاصة في أوقات المحنة. فالإيمان بالرب والاتكال الراسخ عليه هما أقوى ضمان للولاء له والاستقامة في الحياة. إن الإيمان بدون أعمال ميت، فالإيمان يعلن عن نفسه في الحياة.
ويؤكد حبقوق تأكيداً جازماً على عمل الإيمان، وهو حق أكيد، ولكنه وهو يفعل هذا إنما يوجه الأنظار ـ ولو تلميحاً على الأقل ـ إلى القوة المحركة خلف الصورة الخارجية. ولا يوجد في كل العهد القديم ما يفوق ـ تعبيراً عن الإيمان ـ ما جاء بصلاة حبقوق: فمع أنه لا يزهر التين ولا يكون حمل في الكروم، يكذب عمل الزيتونة والحقول لا تصنع طعاماً، ينقطع الغنم من الحظيرة ولا بقر في المذاود، فإني أبتهج بالرب وأفرح بإله خلاصي. الرب السيد قوتي ويجعل قدميَّ كالأيائل، ويمشيني على مرتفعاتي (حب 3 : 17 ـ 19).
اقتراحات موسوعية أخرى
غفر الايائل
غفر الأيائل
الغُفر هو ولد الظبية، أو الأيل الغبّي كما جاء في كتاب الحياة (الترجمة التفسيرية) ويمتاز...
بيت الجلجال
بيت الجلجال
لعلها هي نفسها الجلجال التي تقع في السهل شرقي اريحا، وعلى بعد نحو اربعة اميال منها، وكا...
دردي
دردي
الدردي هو العكارة التي ترسب في قاع جرار أو زقاق الخمر (إش 26: 6). فإن الخمر تكتسب تركيزاً ونك...
شعلبيم
شـعلبيم
اسم عبري معناه ثعالب . وعندما أجبر الأموريون بني دان علي السكني في الجبل ولم يدعوهم ينزلون...
بونه
بونة
اسم عبري معناه ذكاء أو تميز ، وهو اسم أحد أبناء يرحميل بكر حصرون بن كالب من سبط يهوذا ( 1 أ خ...
رمون أكادي
رمون
اسم أكادي معناه المرعد وهو اسم إله الخصب عند الأراميين ، ويظهر في نقوش بلاد بين النهرين باسم ر...