كلمة منفعة
كما يتأمل الجسد شكله في مرآة، ليطمئن على منظره، كذلك الروح لها مرايا كثيرة ترى بها شكلها، وتعرف حالتها كيف هي..
— تحطيم المرايا

سفر التكوين

سفر التكوين
حجم الخط
تكوين -سفر التكوين
(أولاً) سفر التكوين هو أول أسفار الكتاب المقدس، كما أنه أول أسفار موسى الخمسة. واسم التكوين جاء نقلاً عن اسمه في الترجمة السبيعينة (جنسز Genesis) ومعناه البدايات، وأما اسمه في العبرية فهو بريشيت وهي العبارة الأولى من السفر، وهي في البدء.
والتكوين جزء من خمسة أسفار موسى التي تسمى التوراة (تث 31: 9 و11، مت 12: 5). (ويمكن الرجوع إلى مادة توراة .
وهناك خطة واضحة في ترتيب أسفار التوراة، فالتاريخ المبكر للعالم يسجله سفر التكوين، ويسجل سفر الخروج التاريخ إلى زمن إقامة إسرائيل في برية سيناء وتدشين خيمة الشهادة. ويسجل سفر اللاويين الشرائع التي أعطي معظمها في سيناء. أما سفر العدد فيبدأ بإحصاء الشعب استعداداً للدخول إلى أرض كنعان، ويواصل سرد تاريخ هذا الشعب إلى نهاية أيام تجوالهم في البرية. ويكاد سفر التثنية في معظمه أن يكون مراجعة للشرائع والأحداث التي حدثت طوال أيام التجوال في البرية، في شكل عظة لتكون أساساً لتجديد عهدهم مع الله. فالتكوين يقدم لنا ملخصاً للتاريخ قبل خروج بني إسرائيل من مصر، ويقتبس سفر أخبار الأيام الأول الكثير من سلاسل الأنساب المذكورة في سفر التكوين كما تشير إليه فصول أخرى كثيرة في أسفار العهد القديم. ومع ذلك يظل سفر التكوين فريداً في محتواه.
(ثانياً) تاريخ الكتابة والكاتب:
(1) الرأي التاريخي: يمكننا عرض الرأي -على مدى التاريخ الطويل- عن تاريخ كتابة سفر التكوين وكاتبه -بإيجاز: فقد كان إجماع اليهود والكنيسة المسيحية هو أن الكاتب هو موسى كليم الله، إلى أن ظهر ما يسمى بالنقد العالي في القرن التاسع عشر.
ونجد أسفار الكتاب المقدس تشهد بصحة كتابة موسى لأسفار التوراة، فمثلاً في سفر نحميا (8،9) نجد أن السفر الذي قرأ فيه عزرا و اللاويون هو سفر شريعة موسى (نح 8:1)، بينما نجد في صلاتهم (نح 9) ملخصاً لتاريخ بني إسرائيل ابتداء من الخليقة إلى دعوة أبرام، ثم الخروج من مصر و الارتحال في سيناء، وتمردهم في قادش برنيع، مع ذكر عبارة اقتباساً من خر 34: 6 (نح 9: 17)، و مسارهم في البرية، و غزواتهم في شرقي الأردن، و باقي تاريخهم موجزاً، أي أنهم لخصوا كل ما جاء في التوراة، ابتداء من سفر التكوين. و يكتسب هذا الشاهد أهمية من اتفاق العلماء الآن على أن سفري عزرا و نحميا و سفري أخبار الأيام، ترجع إلى القرن الخامس قبل الميلاد.
كما يدعم هذا الرأي الكثير مما جاء في أسفار العهد القديم (انظر مثلاً يش 1: 7- 9، 23: 6، 1مل 2: 3، 8: 53 و56، عز 7: 6.. الخ). أما بالنسبة لتاريخ بني إسرائيل، فالأحداث الواردة منه في سفر التكوين ، تُستكمل بنفس التتابع في أسفار الـخروج و اللاويين و العدد والتثنية. علاوة على وجود هذا التتابع في الأصحاح التاسع من نحميا، فإننا نجده أيضاً في المزمور التاريخي، وهو المزمور المائة و الخامس. كما أن هوشع النبي يشير بمثل هذه السهولة إلى تاريخ الأمة القديم في سفر التكوين (هو 12: 3- 4و12) و في سفر الخروج (هو 12: 13، 13: 4)، و في اللاويين (هو 12: 9)، و في سفر العدد (هو 9: 10)، وفي سفر التثنية (في الإشارة إلى صبويبم -هو 11: 8). كما يتضح من سائر الأسفار أن سفر التكوين كان جزءاً فلا يتجزأ من التاريخ المقدس الباكر لإسرائيل.
و نقرأ في العهد الجديد أن المسيح ابتدأ من موسى وجميع الأنبياء، يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب (لو 24: 27). فمن الواضح أن الرب يسوع أقر بأن موسى هو كاتب أول أسفار الكتاب المقدس، بل إنه أطلق على العهد القديم اسم موسى و الأنبياء (لو 16: 19 و 31، ارجع أيضاً إلى يو 5: 46 و47، مت 5: 17، لو 24: 44). كما أن الرسول بولس استخدم نفس هذه العبارة (أع 26: 22، 28: 23) و في نفس الوقت أشار الرب يسوع المسيح إلى الكثير من فصول سفر التكوين باعتبارها جزءاً من الأسفار الموحى بها (مت 19: 4-6، 24: 38، لو 17: 32، يو 7: 22). فمن الواضح أن الرب يسوع و الرسل أقروا بكتابة موسى لسفر التكوين. و يؤكد يوسيفوس المؤرخ اليهودي (حوالي عام 90م.) بقوة هذا الأمر، و لم يُثر أي كاتب من القدماء أي شك في ذلك.
أما عن تاريخ كتابة سفر التكوين، فالرأي المحافظ هو أنه كتب في أثناء التجوال في البرية أي نحو عام 1440 ق.م.- 1400 ق.م. على الأرجح.
(2) آراء النقاد: بظهور الحركة العقلانية في ألمانيا حوالي 1800م، بدأ الشك في كتابة موسى لكل أسفار التوراة الخمسة. ففي بداية الأمر زعموا أن سفر التكوين يتكون من وثيقتين على أساس أسماء الله المختلفة، فقسم يستخدم لفظه إلوهيم (E - الله)، وقسم يستخدم لفظه يهوه (الرب- J). فقالوا في أول الأمر أن هاتين الوثيقتين القديمتين قد نسجهما موسى معاً في وثيقة واحدة هي سفر التكوين، ولكن سرعان ما طبقوا هذه النظرية على باقي الأسفار الخمسة بناء على هذه الظاهرة. و قالوا إن من قام بإدماج هذه الوثائق العديدة، عاش بعد موسى بزمن طويل، و هكذا استبعدوا كتابة موسى للتوراة بجملتها.
ثم لاحظوا أن الأسلوب العام لأجزاء من الوثيقة التي تستخدم اسم إلوهيم يختلف عنه في الوثيقة التي تستخدم اسم يهوه، بينما في أجزاء أخرى تتشابه تماماً، فقسموا الوثيقة التي تستخدم اسم إلوهيم إلى وثيقتين، E1 ، E2 كما فصلوا سفر التثنية باعتباره يشتمل على كمية كبيرة من مصدر آخر. فأصبحت هناك ثلاث وثائق هي: E1 ، E2 ، D (الحرف الأول من اسم سفر التثنية في اليونانية). وإذ استخدم نقاد آخرون هذا الأسلوب، قسَّموا التوراة أو بالحري مزقوها إلى أجزاء عديدة.
ثم جاء و لها وزن في نحو 1875م . ليضع نظريته التي ظلت قائمة لسنوات عديدة، حيث قال إن الوثائق الأربعة: J (يهوه)، E (إلوهيم)، D (تثنية)، P (كهنوتية)، يمكن أن يحدد تاريخها بمقارنة الإشارات القانونية التاريخية، بالتواريخ المعروفة و القوانين التي كانت سارية في تاريخ إسرائيل قديماً، فإذا أشارت وثيقة إلى تشريعات عصر متأخر، فإنها تكون من عصر متأخر.
و لكن من العوامل الناقضة لنظرية و لهاوزن، أن العلماء في ذلك الوقت كانوا لا يعرفون جيداً تاريخ الشرق الأوسط القديم، ناهيك عن تاريخ بني إسرائيل. وكثيراً ما كان و لهاوزن يفترض افتراضات، أحداثاً تاريخية مبنية على أساس الفلسفة الهيجيلية عن التطور التاريخي، و التي كانت الفكرة المسيطرة في زمن ولهاوزن (1875م). فلا عجب أن نرى ولهاوزن يرسم تقدماً جميلاً متوالياً في الفكر و الثقافة، مبتدئاً ببدايات فجة في تاريخ إسرائيل إلى أن تبلغ أوج ازدهارها في عصر أنبياء القرن الثامن قبل الميلاد، كان ذلك تعبيراً رائعاً عن إيديولوجية العصر الفكتوري‎.
و ثمة أمران اجتمعا لتحدي نظرية واسم واحد ولهاوزن: أولهما أن الفلسفة الهيجيلية عن التطور التاريخي، تبعها فلسفة وجودية أكثر تشاؤماً منذ الحرب العالمية الثانية. وثانيهما أن الأبحاث الأركيولوجية طفرت طفرات واسعة باكتشاف الكثير من الألواح الفخارية منذ الحرب العالمية الأولى، وبخاصة نتيجة للتنقيب العلمي في المدن الفلسطينية. فبعد أن كان التاريخ يبدأ باليونان، حتى إن هيرودوت كان يسمى أبا التاريخ، فإن التاريخ- في المدارس الثانوية الآن- يتوغل في الماضي حتى عام 3.000 ق.م. حين بدأ التاريخ المكتوب، و ما زال هناك الكثير مدفوناً في باطن الأرض.
والشيء الرائع هو أن هذه الثروة من التاريخ القديم، تتفق اتفاقاً عجيباً مع ما هو مدون في الكتاب المقدس. فمثلاً اكتشفت الآثار الباقية عن شعب سومر الذين عاشوا في جنوبي بلاد النهرين، والتي يسميها الكتاب أرض شنعار، والكلمة العبرية شنعار هي اللفظ العبري لكلمة سومر (تك 10: 10، 11: 2، 14: 1). كما اكتشفت آثار الحورانيين بعاداتهم ولغتهم، ويسميهم الكتاب الحوريين. كما اكتشفت مدينة يوروك (URUK) التي هي أرك الكتابية، ووجدت فيها أقدم ألواح مكتوبة (ترجع إلى 3300ق.م.). كما اكتشفت فتوحات سرجون ملك أكد العظيم (من 2350ق.م.) ولا يُعلم -حتى الآن- موقع أكد، ولكن أكد وأرك وبابل مذكورة جميعها في (تك 10: 10).
لقد انبعث من الماضي السحيق ملوك قدماء، وشعوب قديمة، ومدن قديمة، وثقافات قديمة، ولغات قديمة، بعد أن كان قد طواها النسيان، ولكن الكتاب المقدس قد احتفظ لنا بتواريخ أولئك الملوك والشعوب في تتابعهم الصحيح وارتباطاتهم. كما يعكس لنا الحضارات القديمة في أكثر الصور صدقاً. ونحن نعلم أن الكتابة نقلاً عن خليط من المراجع بمعرفة محرر من عصر متأخر لم يكن لديه سوى معرفة محدودة جداً، لا يمكن أن تكون بمثل هذه الدقة التي يتميز بها الكتاب المقدس. وقد أثبتت الكشوف الأركيولوجية دقة تاريخية الأسفار الكتابية، وبخاصة سفر التكوين الذي يسجل لنا تاريخ زمن سحيق. وقد ألقت هذه الأبحاث الأركيولوجية الضوء على كل جزء من سفر التكوين تقريباً ‎. وسنتناول ذلك بشيء من التفصيل عند الكلام عن محتويات السفر.
في الأجزاء الأولى من سفر التكوين، قام و لها وزن بتوزيع قصة الطوفان على الوثيقتين J، P. وقال بأن الأولى كُتبت حوالي 850ق.م. والثانية حوالي 450ق.م. وبعد ذلك اكتشفت القصة البابلية عن الطوفان، وهي ترجع إلى ما قبل موسى بزمن طويل، والعلاقة بينها وبين قصة التوراة عير مؤكدة، ومن المحتمل أن كلتيهما بُنيتا على سجلات وأخبار متواترة قديماً عن الطوفان نفسه، ولكن هناك وجوه تشابه هامة بين قصة التوراة والقصة البابلية عن الطوفان، والنتيجة الطبيعية هي أن نظرية الوثائق المتعددة نظرية مصطنعة، وتواريخ و لها وزن تواريخ جزافية لا أساس لها.
وقد تأيدت قصص الآباء في سفر التكوين بالألواح التي اكتشفت في مدينة نوزي وغيرها، التي أثبتت العادات العائلية والقانونية للحورانيين الذين كانوا يستوطنون البلاد السامية(من أموريين وأراميين). ومن الواضح أن هذه العادات كانت معروفة عند الآباء من إقامتهم في حاران ,أور، فالتشابه شديد جداً بين تصرفات الآباء وقوانين نوزي. ويكفي أن نذكر مثالاً واحداً، وهو حق البكر في أن يكون له نصيب مضاعف في الميراث في قوانين نوزي، ولكن له الحق في أن يبيعه. وهناك حالة بيع فيها هذا الحق بثلاثة أغنام. كما كان للأب الحق في أن ينقله، وكان يكفي أن يصرح الأب بذلك شفاها (ارجع إلى تك 48: 17-20).
ومن الملاحظ، أنه لا يوجد في تشريعات إسرائيل اللاحقة أو ممارساتهم شيء من ذلك. والأمر الوحيد الذي جاء في شريعة موسى بهذا الخصوص هو النهي عن تغيير الوضع الطبيعي (تث 21: 15-17)، بينما لم يحدث ذلك إلا في عهد الآباء. فكيف كان يمكن لكاتب إسرائيلي في عصر متأخر مثل J في 850 ق.م. أو P في عام 450 ق.م. أن يميز بهذه الدقة بين ما كان متبعاً قديماً في بلاد بين النهرين وعند الآباء، وبين الشرائع الموسوية التي كانت سارية وقتئذ في إسرائيل؟
وقد دفع الكثير من هذه الأمور، علماء العهد القديم الآن إلى القبول بتاريخية قصص الأباء في سفر التكوين بكافة تفاصيلها، ومن العسير جداً الجمع بين هذه النتيجة، وتحديد و لهاوزن لتاريخ متأخر للوثائق المزعومة.
ويقول النقاد الأحدث عهداً إن التوراة (وغيرها من الأسفار التاريخية) قد ضُمت معاً في تاريخ متأخر، نقلاً عن تقاليد شفاهية حُفظت بدقة، ونُقلت بأمانة عبر أجيال متعاقبة. ولكن تختلف الآراء حول ما إذا كانت هذه التقاليد سجلت كلها كتابة بعد السبي أم أنها كانت وراء الوثائق J ، E ، D التي يقول ولهاوزن إنها جمعت معاً بعد السبي. وفي كلتا الحالتين، تبدو نظريته غير طبيعية، فقد كانت الكتابة أمراً شائعاً في بلاد بين النهرين ومصر قبل عصر الآباء بزمن طويل، فلماذا يزعمون أن إسرائيل وحدها لم تكن لديها آداب مكتوبة؟ إنها نتيجة غريبة جداً وبخاصة إذا ذكرنا أن الأرجح هو أن الأبجدية قد اخترعت في سورية وفلسطين، وهي أفضل الوسائل للكتابة وأيسرها.
إنه من الحق أيضاً أن الوثائق القديمة في فلسطين قد ضاعت تماماً، ما عدا مخطوطات البحر الميت، ولكن ليس معنى هذا أنها لم توجد أبداً، بل حدث ذلك لأنها قد هلكت. فلو أنهم استخدموا الفخار أو الأحجار، لبقيت كتاباتهم، ولكنهم كتبوا على البردي والجلود، وهي مواد تبقى جيداً في الجو الجاف كما في مصر، أما في الجو المطير في فلسطين، فسرعان ما تهلك. قد يكون من الحق أيضاً أن العبرانيين كانوا يحفظون الكثير في الذاكرة، وكانوا يحبون تلاوة ملاحمهم وكتاباتهم، ولكن القول بأنه لم يكن لديهم شيء مكتوب، هو محض افتراء. فتأييد الأبحاث الأركيولوجية لتواريخ سفر التكوين وقوانينه وعاداته هو حجة قوية تؤيد شهادة العهدين القديم والجديد بأن سفر التكوين وسائر الأسفار الخمسة هي أسفار قديمة أصيلة كتبها موسى.
ثالثاً- مجمل سفر التكوين:
(أ) تاريخ ما قبل إبراهيم- الأصحاحات 1-11 .
(1) الخليقة والسقوط 1- 3 .
(2) قايين ونسله 4 .
(3) السلالات قبل الطوفان 5 .
(4) الطوفان 6-9 .
(5) الأمم وذرياتهم بعد الطوفان 10 و 11 .
(ب) تاريخ إبراهيم - الأصحاحات 12- 25 .
(1) دعوة إبراهيم واستقراره في فلسطين 12 و13 .
(2) الحرب مع الملوك الأربعة 14 .
(3) تأكيد العهد لإبراهيم 15 -17 .
(4) سدوم وعمورة 18 و19 .
(5) إبراهيم وأبيمالك 20 .
(6) مولد إسحق وتقديمه على المذبح 21 و22 .
(7) موت سارة 23 .
(8) زواج إسحق وموت إبراهيم 24 و25 .
(جـ) إسحق وابناه -الأصحاحات 26- 36 .
(1) تاريخ إسحق 26 .
(2) يعقوب والبكورية 27 .
(3) يعقوب في حاران 28- 31 .
(4) عودة يعقوب لفلسطين 32 -35 .
(5) ذرية عيسو 36 .
(د) تاريخ يوسف -الأصحاحات 37- 50 .
(1) شباب يوسف وأحلامه 37 .
(2) عار يهوذا 38 .
(3) عبودية يوسف 39 و40 .
(4) ارتفاع يوسف 41 .
(5) يوسف وإخوته 42-48 .
(6) قصيدة يعقوب النبوية 49 .
(7) موت يعقوب وموت يوسف 50 .
رابعاً - محتويات السفر:
(1) الخطة: كثيراً ما لوحظ أن كاتب سفر العبرانيين سار على خطة ثابتة، ففي كل حالة تقريباً، يروي قصة إسرائيل مبتدئاً بالعام، ثم منها إلى الخاص، فيتكلم أولاً عن العالم كله، أو الجنس البشري كله، أو كل بني آدم، ثم يركز على أمر خاص، فيركز على جنة يتكلم عنها بشيء من التفصيل، أو على قطاع من الجنس البشري له أهميته التاريخية، أو على ذرية إنسان سيواصل النسل الذي له أهميته.
فالأصحاح الأول يتناول الخليقة ككل، والأصحاحان الثاني والثالث يعطيانا صورة لآدم النبع الأساسي للتاريخ. والأصحاح الرابع يعطينا تاريخ قايين ونسله. أما الأصحاح الخامس فيحدثنا عن نسل شيث الذي يصل بنا إلى نوح. وبعد الطوفان يخبرنا الأصحاح العاشر عن استيطان كل الشرق الأوسط. ثم يذكر سلسلة أنساب تصل بنا إلى إبراهيم. وفي تاريخ الآباء يأتي إسماعيل قبل إسحق، ونسل عيسو قبل نسل يعقوب. ومن الواضح أن سفر التكوين، كما هو بين أيدينا، هو من كتابة كاتب واحد بارع جدير بالثقة، يستخدم مواده بمهارة بوحي من الروح القدس.
(2) قصص الخليقة: لقد كتبت مجلدات عن الأصحاح الأول من سفر التكوين، وهناك موضوعان لهما أهمية خاصة، أولهما: العلاقة بالنظريات البابلية عن نشأة الكون، وثانيهما العلاقة بالعلوم الحديثة.
أما بالنسبة للعلاقة بالأساطير البابلية عن الخليقة، فنجد ذلك مشروحاً بالتفصيل في كتاب أ. هيدل (A. Heidel) سفر التكوين البابلي (عام 1951). فتبدأ القصة البابلية بالحرب بين الآلهة، إذ يتمرد الجيل الثاني من الآلهة على الجيل الأول، وينتصر مردوك (مردوخ)، ويقضي على الإلاهة تيامات (Tiamat ويشق جثمانها إلى نصفين، صنع منهما السماء والأرض. فلا توجد أي علاقة واضحة بين القصة الكتابية والأساطير البابلية.
أما من جهة المشكلات العلمية، فإن القصة في سفر التكوين لا تذكر إلا تفاصيل قليلة. وهناك الكثير من الحق في القول بأن الكتاب المقدس ليس كتاب علوم بل كتاب دين. ومع ذلك فمن الواضح جداً في سفر التكوين أن الله خلق العالمين، وأنه سيد الطبيعة كما أنه سيد الأرواح، فالكتاب المقدس يعلن بوضوح في الأصحاح الأول من سفر التكوين، وفي غيره من المواضع، أن الله خلق العالمين من العدم، فالمادة ليست أزلية. والنظريات العلمية المطروحة على الساحة الآن، ليس بها ما يتعارض مع ذلك. فإحدى النظريات الكبرى تقول إن كل المادة وجدت عن طريق انفجار نووي رهيب حدث منذ نحو عشرة بلايين من السنين، وليس لدى العلم ما يقوله عن سبب هذا الانفجار. أما سفر التكوين فيقول: في البدء خلق الله...
إن قِدَم الكون كان مشكلة، فترى إحدى النظريات الحديثة أن تك 1: 1 يتحدث عن خلق المادة في الزمن السحيق، أما العدد الثاني فيتحدث عن كارثة حاقت بالخليقة في تاريخ حديث نوعاً، أما الأعداد التالية فتتحدث عن وقائع حدثت على الأرض حديثاً نوعاً.
وهناك نظرية أخرى تقول إن أيام الخليقة في الأصحاح الأول من التكوين، لا يجب أن تعتبر أياماً فعلية حدثت فيها الأمور المذكورة، بل أياماً أعلن الله فيها لموسى هذه الأمور، فهي أيام إعلانية.
وهناك رأي آخر قال به ج. هويتكوم (J. Whitcomb)، هـ. موريس، في كتابهما الفيضان في سفر التكوين (عام 1961)، فهما يقولان إن الكون ليس بهذا القدر من القِدم، إنه يبدو قديماً لأن الله خلقه كامل التكوين فله مظهر القِدم، إنه يبدو قديماً لأن الله خلقه كامل التكوين فله مظهر القِدم. ولهذه النظرية بعض الجوانب الجذابة، ولكن لها مشكلاتها الفلسفية أيضاً، فهل خلق الله الصخور الرسوبية وبها الأحافير (بقايا كائنات حية متحجرة)، ولكنهم يدافعون بالقول بأن الطوفان قد خلف وراءه الكثير من هذه الأحافير، فهي إذاً تكوينات حديثة، ولكن من المشكوك فيه أن يؤيد العلم هذا الرأي.
وهناك رأي رابع، طالما حظي بالقبول، وهو أن الأيام السبعة في الأصحاح الأول من سفر التكوين، لم تكن أيام كل منها من أربع وعشرين ساعة، بل هي تعبير عن حقبة طويلة من الزمن، فقد بدأت هذه الأيام قبل أن تصبح الشمس، في اليوم الرابع، لحكم النهار وتحديد اليوم، كما أن يوم راحة الله من الخلق ما زال مستمراً حتى الآن. وهذا الرأي يتفق بشكل عام مع الرأي العلمي، والذين ينادون به يقولون إن تك 1: 14 يشير إلى انجلاء السحب الكثيفة، فظهرت الشمس والقمر وسائر الكواكب والنجوم التي سبق أن خُلقت في البدء الأزلي (تك 1: 1).
ويحدثنا تك 2: 4- 25 عن خليقة معينة هي خلق أبوينا الأولين، وكانت الجنة في جنوبي بلاد النهرين (حيث أن كوش في 2: 13 هي الأرض الواقعة شرقي نهر الدجلة أنظر كوش والأرجح أن تك 2: 5 لا يشير إلى كل الأرض بعامة، بل إلى الجنة فقط التي كانت تروى من ينابيع جوفية (فكلمة ضباب مأخوذة عن كلمة أكادية يبدو أنها تعني المياه الجوفية)، فليس في هذا الجزء ما يشير إلى شيء على الأرض خارج جنة عدن (أنظر خليقة و جنة عدن ).
(3) سلاسل الأنساب: توجد في الأصحاحات الأولى من سفر التكوين أربع سلاسل من الأنساب الرئيسية. ففي الأصحاح الرابع سلسلة أبناء قايين، وفي الأصحاحين الخامس والحادي عشر سلسلتا أنساب الآباء قبل الطوفان وبعد الطوفان. وفي الأصحاح العاشر نجد جدول الأمم، فهو في الواقع ليس سلسلة أنساب، ولكنه موجز لما كان عليه الحال في أيام موسى في استيطان بلاد الشرق الأوسط بعد الطوفان. وفي تحرك هذه القبائل والأمم حدث اختلاط فيما بينها. ولكن في شعوب كنعان، مثلاً (10: 15- 18) نقرأ أن كنعان ولد شعوباً وليس أفراداً. ومن الواضح أن حثا كان آريا، كما يرجح أن اليبوسي كان حورياً. أما الأموريون فكانوا ساميين ولكنهم وجدوا بين أبناء حام. وكان مصرايم ابناً آخر لحام، وهو اسم في صيغة المثنى للدلالة على اتحاد مصر العليا ومصر السفلى في نحو سنة 3.000 ق.م.
ويعتقد الكثيرون من العلماء أن هناك بعض الأسماء الساقطة من الجدولين في الأصحاحين الخامس والعاشر، كما يبدو نفس الشيء في بعض جداول الأنساب الأخرى. فمثلاً لا يذكر بين لاوي وموسى سوى أربعة أجيال (خر 6: 16-20)، بينما بلغ عدد اللاويين في زمن موسى وهرون 22.000 (عد 3: 39). كما أنه لو كان الجدول في الأصحاح العاشر كاملاً، لكان معنى ذلك أن سام وابنه أرفكشاد قد امتد بهما العمر إلى ما بعد إبراهيم، وهو ما لا يمكن أن نستخلصه من قصة إبراهيم.
وقد أدت ملاحظة هذه النقاط وغيرها إلى اعتبار أن تحديد أشر (Ussher) لتاريخ الخليقة (4.000 سنة قبل الميلاد) وتاريخ الطوفان (2.300 سنة ق.م.) غير صحيح، ويجب الرجوع بهذه التواريخ إلى ما قبل ذلك بكثير.
(4) قصة الطوفان: يخبرنا الكتاب المقدس بأنه حدث طوفان شمل كل العالم على اتساعه، أرسله الله ليمحو الجنس البشري الخاطيء. وعند شعوب بلاد النهرين تقليد عن الطوفان، كما عند الكثير من الحضارات الأخرى. وقد قام أ. هيدل (Heidel) بدراسة القصة البابلية ومقارنتها بالقصة الكتابية في كتابه ملحمة جلجامش (سنة 1949)، وقد وجد وجوه شبه كثيرة، فكلتا القصتين تعكسان ما حدث فعلاً.
ولا يوجد دليل علمي على الطوفان، ولكن أيضاً لا يوجد دليل علمي ينفي وقوعه. وقد أثبتت الحسابات الدقيقة لأبعاد الفُلك أنه كان يتسع فعلاً لكل الحيوانات البرية التي دخلت إليه (أ.م. ريوميكل -في كتابة الفيضان الذي نشره في عام 1951)، ولعل الفيضان لم يكن ظاهرة بسيطة كما كان يظن، فلربما كان فيضاناً من المطر الغزير مع حدوث حركات في القشرة الأرضية، جعلت مستوى المياه في المحيطات يرتفع، مع ذوبان الثلوج المتراكمة عند القطبين وعلى قمم الجبال العالية، ويبدو جلياً أنه حدث تغيير كبير في المناخ منذ نحو 10.000 سنة، فمن الواضح أن حيوانات الماموث التي عاشت في سيبريا منذ عصور بعيدة، عاشت في مناخ انتشرت فيه النباتات الزهرية (التي وجدت في أفواهها) والحشائش. وواضح أيضاً أنها تجمدت فجأة، وبعضها واقف على أرجله. وظلت متجمدة منذ ذلك الزمان.
(5) حياة إبراهيم: لا شك في أن إبراهيم لم يكن الرجل الوحيد الخائف الله في ذلك الوقت بل كان هناك كثيرون مثل أخنوخ قبل الطوفان وملكي صادق بعده. ولكن بالنسبة لإبراهيم، قرر الله أن يفعل شيئاً جديداً- أن يجمع شعبه في مكان واحد، وبإعلان مكثف لكلمته ونعمته، لإعداد جماعة متماسكة من الناس توطئة لظهور المسيح وبركة الأمم. ويجب ملاحظة أن فلسطين كانت جسراً بين قارات العالم القديم، فكانت تمر بها القوافل بين ثلاث قارات، وكان على اليهود بعمل المسيا فيهم، أن يكونوا نوراً للأمم (إش 42: 6، 49: 6، 51: 4).
اختار الله إبراهيم وأوصاه بتقديم الذبائح وأعطاه الختان ليكون علامة العهد. وكان الختان يمارس في مصر وغيرها عند سن البلوغ، ولكن من المعلوم أن ختان الأطفال الذكور عند اليهود كان فريداً في ذلك العصر. وكان علامة لنسل إبراهيم، وعلامة نعمة أيضاً (تك 17: 14، تث 30: 6، رو 2: 29). وفي زمن موسى كانت عشيرة إبراهيم قد أصبحت أمة. وموضوع تقديم الذبائح قديم يعود إلى أيام آدم. وكان إبراهيم يؤمن بإله واحد حي حقيقي، ويدرك خطية البشر، فقد م الذبائح للتكفير، لأنه كان ينتظر مجيء الفادي، والشركة السماوية الأبدية مع الله (تك 22: 8و 18، يو 8: 56، عب 11: 10).
(6) إسحق ويعقوب: لا نعرف عن حياة إسحق إلا القليل، فقد غطت على قصته قصة ابنه يعقوب. ولكن على العموم كان إسحق رجلاً مسالماً، حوَّل خده الآخر لأبيمالك (تك 26: 17-31)، وأعطاه الله الوعد بالمسيا (تك 26: 4- ارجع إلى إسحق .
أما يعقوب فقد احتال للحصول (بمشورة أمه) على حق البكورية. ولكن لا ننسى أنها كانت موعوداً بها من الله للصغير (تك 25: 23). وكان يعقوب يرغب في حق البكورية لأسباب روحية أكثر منها مادية. وقد كرَّس يعقوب نفسه لله في بيت إيل (تك 28: 20-22). وقد نسب يعقوب وزوجتاه الفضل في إعطائه الأولاد عن طريق الصلاة (تك 30)، كما ينسب يعقوب الفضل في تكاثر غنمه لله وليس لمحاولاته هو (تك 31: 9 و42). وقد بنى يعقوب صلاته في فنوئيل على مواعيد الله، كما على طاعته لأوامر الله (32: 9-12). وفي مصارعته مع الملاك، التمس يعقوب بركة الله، وليس المنفعة المادية (32: 25-30). وفي حديثه مع عيسو نسب كل ما صار له إلى إنعام الله عليه (تك 33: 11).
(7) يوسف في مصر: لقد كانت قصة يوسف على الدوام من أروع القصص، وليست رسالتها الحقيقية أنها قصة الانتقال من الحضيض إلى المجد، ولكن كيف أن الله في أعمال عنايته بالغة الدقة، قد نفذ مشيئته الكاملة، فقد سبق أن أنبأ الله بما ينتظر يوسف من رفعة، وقد وثق يوسف من ذلك، وإن كانت أحلامه قد غاظت جميع أفراد الأسرة.
عندما يترك الشباب عائلاتهم للعمل أو للحرب، فهم إما ينجحون أو يفشلون لانعدام الرقابة، ولكن يوسف دون رقابة من أحد إلاَّ الله، عاش أميناً لله رغم تعرضه للمعاناة ظلماً بسب أمانته. ولكن وهو في السجن تمسك بإيمانه وأمانته، وأخيراً باركه الله واستخدمه بركة.
والأرجح أن يوسف أصبح كبير وزراء فرعون ملك مصر في عهد ملوك الهكسوس الأسيويين. وقد حكم الهكسوس مصر من عام 1750 - 1570 ق.م. تعددت فيها أسراتهم. وقد أدخل الهكسوس المركبات الحربية إلى مصر (تك 41: 43)، كما غيروا نظام تملك الأراضي، فأصبحت كل الأرض ملكاً للتاج، ما عدا ممتلكات المعابد، وأصبح على كل مستغل للأرض أن يدفع خمس الناتج ضريبة (ارجع إلى تك 47: 20-26).
وقد تجلت أخلاق يوسف السامية، ليس في وقت الضيق فحسب، بل وفي قمة النجاح، وذلك في تعامله مع إخوته بكل حكمة، ثم غفرانه لهم ونسيانه كل ما فعلوه به. وهكذا وضع بشهامته أساس نمو إسرائيل إلى أمة عظيمة كما أنبأ الله بها. ولم يكن هناك من هو أعظم من يوسف دراية بعناية الله الحكيمة الغالية.
ويختتم سفر التكوين بنبوة يعقوب العظيمة عن المسيا (تك 49: 10)، ثم خبر موت يعقوب بإيجاز ودفنه في مغارة المكفيلة، وتوجيهات يوسف لإخوته بخصوص أخذ عظامه معهم ودفنها في أرض كنعان عندما يفتقدهم الله ويصعدهم من مصر.