كلمة منفعة
وسط زحمة الحياة ومشاغلها وضوضائها واهتماماتها الكثيرة ما أجمل أن يتفرغ الإنسان -ولو قليلًا- للجلوس مع الله، في جو التأمل، والصلاة، وانفتاح القلب على الله..
— في البرية والهدوء

تسالونيكي

تسالونيكي
حجم الخط
تسالونيكي
ــ الموقع والتسمية : تسالونيكي ما هولا هذا. إحدى المدن الرئيسية في مكدونية منذ العصور الهيلينية حتى يومنا وهى تقع على خط عرض 40 - 540 شمالا، وعلى خط طول 50 - 522 شرقا، وعلى الطرف الشمالي لخليج سالونيكي ( أهم خليج ترما (Terma) قديما، على مسافة قصيرة من مصب نهر الوردار ( اكسيوس ).
ويعتقد أمين الاسم الأصلي لتسالونيكى كان ترما أهم ترم أي ينبوع ساخن وهو الاسم الذي ذكره كل من هيرودوت وتوسيديدز. ولكن أهميتها بأنه منذ 315 ق.م. حينما قام ملك مكدونية كاسندر بن انتيباتر بتوسيعها وتحصينها وجمع فيها عددا من سكان القري المجاورة، وجعل اسمها تسالونيكي على اسم زوجته ابنه فيليب الثاني والأخت غير الشقيق للإسكندر الأكبر.
ومع ذلك يقول بليني (Pliny) أمين ترما كانت مازالت قائمة جنباً إلى جنب مع تسالونيكي، مما يدل غالباً على أمين تسالونيكى كانت مدينة جديدة تماماً جذبت إليه بعضاً من سكان ترما، وحلت محلها كأهم مدينة على الخليج.
ــ تاريخها : ازدهرت تسالونيكي في زمن وجيز وأختها كثيفة السكان وذات ثراء، ومركزا لقيادة الأسطول المكدوني في الحرب التي دارت بين برسيوس والرومان. وبعد معركة بدنا (Padna) في عام 168 ق.م. قسم الرومان المنطقة التي استولوا عليها إلى أربعة أقسام وأختها تسالونيكي عاصمة المنطقة الثانية. وبعد توحيد المقاطعة الرومانية باسم مكدونية في عام 146 ق.م. أشور تسالونيكي مقر الحاكم وبالتالي العاصمة الفعلية لكل المقاطعة.
وقد قضى فيها ( شيشرون ) في عام 58 ق.م. معظم زمن نفيه في بيت بلانكيوس (Plancuis) مأمور المالية الروماني. وفي الحرب الأهلية التي نشبت بين قيصر وبومبي، انحازت تسالونيكي إلى بومبي وأختها إحدى قواعده الأساسية ( 49 ــ 48 ق.م. ).
ولكن بعد ذلك بست سنوات ــ في الصراع النهائي ــ أثبتت ولاءها لانطونيوس واوكتافيوس، فكان جزاؤها أمين نالت اسم وامتيازات المدينة الحرة . ويقول عنها سترابو في كتاباته عن تاريخ اوغسطس قيصر، أننا كانت اكثر مدن مكدونية ازدحاما بالسكان، وعاصمة للولاية. وفي نفس الوقت يشير إليها الشاعر انتيباتر (Antipater) ــ وهو مواطن من تسالونيكي ــ بأنها إليهم كل المكدونيين . كما يذكر لوسيان في القرن الثاني الميلادي أنها أعظم مدينة في مكدونية، ولم تقتصر أهميتها على أنها ميناء هام لتجارة الصادرات والوردات فحسب، بل اشتهرت أيضاً كمحطة رئيسية على الطريق العظيم إغناطيا الطريق المعبد بين الادرياتيكي والدردنيل.
( 3 )ــ زيارة بولس لها : زار بولس المدينة ومعه سيلا وتيموثاوس في رحلته التبشيرية الثانية. كان قبلا في فيلبى، وغادرها عن طريق إغناطيا مارا بامفيبوليس وأبولونية ( أ ع 17 : 10 ). وفي تسالونيكي وجد مجمعا لليهود حيث كرز بالإنجيل ثلاثة سبوت متتالية بانيا كلامه على رموز ونبوات العهد القديم ( أ ع 17 : 2 و 3 ) فآمن بعض اليهود وعدد كبير من اليونانيين المتعبدين ومن النساء المتقدمات في المجتمع. والأرجح أن أرسترخس وسكوند كانا من بين هؤلاء، فهما من تسالونيكى، وقد رافقا بولس بعد ذلك إلى أسيا في نهاية رحلته الثالثة ( أ ع 20 : 4 ). وكان أرسترخس من ألزم الرفاق لبولس الرسول، فنراه مع بولس في أفسس (أع 19 : 29 )، وفي رحلته إلى رومية ( أ ع 27 : 2 )، كما يذكر الرسول بولس في اثنتين من رسائله ــ التي كتبت في أثناء سجنه في رومية ــ أنه مازال مأسورا معه في السجن ( كو 4 : 10، فليمون 24 ).
ولعل غايس أيضاً المذكور مع أرسترخس، كان من أهل تسالونيكي ( أ ع 19 : 29 ) ولا نستطيع أن نحدد تماما المدة التي قضاها الرسول بولس في زيارته الأولى، إذ من المؤكد أننا لا نستطيع أن نقصر مدة بقائه هناك على ثلاثة أسابيع، ويقول مستر رمزي إنه ربما ظل من ديسمبر سنه 50 م إلى مايو 51 م. على أي حال، نحن نعلم أن كنيسة فيلبى أرسلت له عونا في مناسبتين في أثناء وجوده هناك ( فيلبى 4 : 16). بالرغم من أنه كان يعمل نهارا وليلا ليعول نفسه ( 1 تس 2 : 9، 2 تس 3 : 8 ).
ولا بد أن الرسول بولس أدرك ــ من الناحية الاستراتيجية ــ أهمية تسالونيكي كمركز يمكن أن ينتشر منه الإنجيل إلى كل مكدونية ( 1 تس 1 : 8 )، ولكن نجاحه أثار غيرة اليهود فأهاجوا حثالة أهل المدينة فأغاروا على بيت ياسون ( أعمال 17 : 5 ) حيث كان يقيم بولس وسيلا ولما لم يجدوهما، جروا ياسون وأناسا من الأخوة إلى حكام المدينة واتهموهم قائلين : إن هؤلاء الذين فتنوا المسكونة حضروا إلى ههنا أيد. وقد قبلهم ياسون. وهؤلاء كلهم يعلمون ضد أحكام قيصر قائلين انه يوجد ملك أختام : يسوع ( أع 17 : 6 و 7 ).
انزعج الحكام لخطورة هذا الاتهام، ولكن لعدم وجود أدلة على آتيان ياسون والأخوة لأعمال غير قانونية، اطلقوهم بكفالة ( أع 17 : 8 و 9 ). وخوفا من حدوث المزيد من الاضطرابات لو بقي بولس في المدينة، أرجوان الاخوة بولس وسيلا ليلا إلى بيرية وكانت بيرية تقع خارج الطريق الرئيسي كما يقرر شيشرون.
اظهر يهود بيرية استعدادا لفحص الكتب عن هذه التعاليم الجديدة، اكثر من أنوار تسالونيكي، وأثمرت هناك بشارة الرسول، وأمن كثيرون من اليهود واليونانيين أيد ( أع 17 : 10 ـ 13 ). ولما بلغت يهود تسالونيكي أحياناً هذا النجاح، اشتعلت عداوتهم من جديد، وذهبوا إلى بيرية وأهاجوا الجموع هناك أيد، فاضطر بولس إلى ترك المدينة والذهاب إلى أثينا ( أع 17 : 14 و 15 ).
وتوجد عدة نقاط في هذا الفصل الكتابي تبين مدى دقة سفر الأعشاب، ففيلبي كانت مدينة رومانية عسكرية اكثر منها تجارية، لذلك لم يكن بها الآشورية عدد قليل من اليهود، حتى انه لم يكن لهم مجمع فيها، كما يطلق على حكامها لقب الولاة ( أع 16 : 20 و 22 و 35 و 36 و 38 )، وكان تحت سلطانهم الجلادون ( أع 16 : 35 و 38 )، وكانت التهمة الموجهة لبولس وسيلا انهما يناديان بعوائد لا يجوز للرومانيين أمين يقبلوها ( أع 16 : 21 )، وقد ضربوهما بالعصي ( 16 : 22 )، كما نراهما يستندان على امتيازهما كرومانيين ( 16 : 37 و 38 ).
أم في تسالونيكي فكان الحال على غير ذلك، فنحن هنا في مدينة يونانية تجارية وميناء هام ومدينة حرة تتمتع بنوع من الحكم الذاتي ولها قوانينها المحلية. ولذلك كان بها عدد كبير من اليهود ولهم مجمعهم. وكانت التهمة الموجهة ضد بولس هي انه ينادي بملك أختام غير قيصر. كما انهم أرادوا أمين يحضروهم إلى الشعب ( أع 17 : 5 ) أي إلى الجمعية العمومية التي كانت سمة المدن اليونانية، وكان حكام المدينة يدعون حكاما (Politarchs) -أع 17 : 6 و 8 )، وهو لقب لا يذكر مطلقا في المؤلفات اليونانية، ولكنه ثبت فوق كل شك أدوم ورد في عدد من النقوش الآثار التي ترجع إلى ذلك العهد، ومن أهمها النقش الذي اكتشف على القوس في الطرف الغربي للشارع الرئيسي في تسالونيكي وكان يسمى باب الوردار ، وهو محفوظ في المتحف البريطاني، وكان عدد هؤلاء الحكام ستة، ومن الغريب انه توجد بينهم أسلوب سوسباترس وغايس وسكوندس. وهي أسلوب ثلاثة من المؤمنين المكدونيين.
ــ الكنيسة في تسالونيكي : كانت الكنيسة في تسالونيكي قوية مزدهرة، وكان غالبية أعضائها من الأمر اكثر منهم من اليهود، كما يتضح لنا من اللهجة في الرسالتين إلى الكنيسة في تسالونيكي، فليس بهما اقتباسات من العهد القديم أهم إشارات إلينا، كما يكتب صراحة : رجعتم إلى الله من الأواني ( ا تس 1 : 9 مع 1 تس 2 : 14 ).
وترينا هاتان الرسالتان ــ وهما بالإجماع أوفر رسائل بولس ــ أمين الرسول كان مشتاقا لزيارتهم مرة ثانية وبخاصة بعد خروجه منها مضطراً، فكانت رغبته في العودة إليها شديدة، فهو يقول : أردنا أمين نأتي إليكم أن بولس مرة ومرتين. وإنما عاقنا الشيطان ( 2 : 18 ). ولعل في ذلك إشارة إلى الخطر الذي كان يتهدد ياسون والاخوة.
ولكن رغم انه ملغى من مواصلة عمله في تسالونيكي، فانه أرجوان تيموثاوس من أثينا لزيارة الكنيسة في تسالونيكي وليشدد إيمان المؤمنين في وسط ضيفاتهم واضطهاداتهم ( 3 : 2 ــ 10 ).
كانت الشهادة الحسنة التالي رجع بها تيموثاوس، سبب تعزية كبيرة لبولس، وفي الوقت نفسه شوقته اكثر لرؤية الاخوة هناك ( 3 : 10 و 11 ). وقد تحققت هذه الرغبة اكثر من مرة، فلا بد أمين بولس عاد إلى تسالونيكي في أثناء رحلته التبشيرية الثالثة في طريقه إلى اليونان ( أع 20 : 1 ) والعاشر في ذهابه منها إلى أورشليم ( أع 20 : 3 )، فأننا هذه المرة الأخير نسمع عن ارسترخس وسكوندس اللذين رافقاه ( أع 20 : 4 ).
ولعل بولس ذهب إلى تسالونيكي مرة آخر بعد سجنه الأوثان ففي رومية، فمن الرسالة إلى الكنيسة في فيلبي ( 1 : 26، 2 : 24 ) التالي كتبها في أثناء سجنه، نعلم انه كان في نيته أمين يزور فيلبي ثانية إذا امرأته، وفي رسالته الأول إلى تيموثاوس ( 1 : 3 ) نقرا عن رحلة ثانية إلى مكدونية، ربما قام في أثنائها بزيارة طويلة أهم قصيرة، لتسالونيكي. وفي تيموثاوس الثانية ( 4 : 10 ) يرد أختام ذكر للمدينة في العهد الجديد حيث يقول الرسول بولس أمين ديماس قد تركه وذهب إلى تسالونيكي، ولكن ليس لدينا ما يؤكد أمين ديماس كان من أنوار تسالونيكي كما يظن البعض.
ــ تاريخها اللاحق : ظلت المدينة قرونا طويلة إحدى القلاع الرئيسية للمسيحية، وحازت لقب المدينة الأرثوذكسية ليس بسبب صلابتها ومقاومتها الباسلة للحملات المتتالية من الشعوب البربرية فحسب، بل أيد لأنها كانت العامل الأكبر في تجديدهم إلى المسيحية.
وكانت تسالونيكي منذ منتصف القرن الثالث مقرا لمطرانية . وعندما قسم دقلدينانوس ( 284 ــ 305م ) مكدونية إلى ولايتين، جعل تسالونيكي عاصمة للولاية الأولى. وفي 390 م حدثت فيها المذبحة التي أمدا بها ثيودسيوس الكبير، والتي لأجلها منع امبروزيوس أسقف ميلان، الألفاظ من دخول الكاتدرائية في ميلان لبضعة شهور. وفي 253 م حاول القوط الغربيون الاستيلاء عليها ولكن بلا جدوى. في 479 م وجدها ثيودريك ملك القوط الشرقيين، من القوة بحيث لم يحاول الهجوم عليها. ومنذ القرن السادس حتى القرن التاسع إشتبكت في حروب متتالية مع الافار والبلغار والسلاف الذين ردت هجومهم بصعوبة بالغة. وفي 904 م استولى عليها الشرقيون وذبحوا عددا كبيرا من السكان واحرقوا جزءا كبيرا من المدينة ثم انسحبوا اخذين معهم 22.000 أسير من الشباب والنساء والأطفال. وفي 1185م عندما كان العالم الكبير يوستانيوس أسقفا علها، انقض عليها النورمان بقيادة تنكريد، واجروا فيها مذبحة كبيرة. وفي 1204 م أشور تسالونيكي عاصمة لمملكة لاتينية تحت حكم يونيفاس مركيز مونفيرات. وخلال قرنين من الزمان ــ بعد ذلك ــ تنقلت من يد إلى يد، فحكمها اللاتين ثم اليونانيون، هكذا حتى سقطت في 1430 م في يد السلطان مراد الثاني، وظلت في يد الأتراك حتى استردها اليونانيون في حرب البلقان في 1912م. وتوجد فيها الأمير جاليات كبيرة من الأتراك واليهود الذين فروا من أسبانيا وغيرهم من الاوربيين. والمدينة غنية بآثارها الكنسية من العهد البيزنطي، ففيها نحو 12 كنيسة أثرية، 25 مجمعا بالأسرة إلى العدد الكبير من الجوامع.