كلمة منفعة
غالبا ما تكون مشكلة الناس هي الوسائل لا الأهداف.كل إنسان يهدف بلا شك إلى سعادة نفسه، وغالبًا ما يهدف أيضًا إلى سعادة غيره. ولكن مشكلته الأولى. هي الوسائل التي يستخدمها للوصول إلى أهدافه.
— الوسائل

بلعام

بلعام
حجم الخط
بلعام
ومعناه مبتلع أو ملتهم ، وهو ابن بعور من بلدة تدعى فتور في ارام النهرين، وكان نبياً عرافاً ( يش 13 : 22 )، ونقرأ عنه في سفر العدد ( 22 : 2 ــ 24 : 25، 31 : 8، 16 )، وفي سفر التثنية ( 23 : 4 )، وسفر يوشع ( 13 : 22، 24 : 9 )، وسفر نحميا ( 13 : 2 )، ونبوة ميخا ( 6 : 5 )، ورسالة بطرس الثانية ( 2 : 15 )، ورسالة يهوذا ( 11 )، وسفر الرؤيا ( 2 : 14 ).
أ- تاريخة : لما نصب بنو إسرائيل خيامهم في سهول موآب، دخل الموآبيون في نوع من التحالف مع المديانيين، فقال بالاق ملك مواب لشيوخ مديان : الآن يلحس الجمهور كل ما حولنا كما يلحس الثور خضرة الحقل ( عدد 22 : 4 )، وأرسل بالاق شيوخاً من الأمتين إلى بلعام ليرشوه حتى يأتي ويلعن جحافل إسرائيل الزاحفة، ولكن بلعام ــ بناء على أمر من الله ــ رفض الذهاب مع الشيوخ. فعاود بالاق الطلب على فم رؤساء أكثر وأعظم، وبوعود أكثر اغراء، وهنا سمح الله لبلعام أن يذهب مع الرجال مع تحذيره بأن لا يعمل إلا ما يأمر ه به الرب. وبينما هو في الطريق إلى بالاق، تأيد هذا الأمر بقوة في ذهنه بالسلوك الغريب لاتانه، وملاقاة ملاك الرب له.
وجاء بلعام إلى قرية حصوت برفقة بالاق الذي كان قد خرج لاستقباله. وفي الصباح التالي اصعدوه إلى مرتفعات بعل التي تطل على جزء من محلة الإِسرائليين، ولكنه بدلاً من اللعنة، نطق بالبركة. فأخذوه من هناك إلى رأس الفسجة أولاً ثم إلى رأس فغور ( عدد 23 : 14، 18 ). ولكن هذا التغيير في الأماكن والمشاهد لم يغير من الأمر شيئاً، بل بالحرى حلق بلعام إلى أجواء أسمى، وخرجت من شفتيه كلمات وهاجة من الاطراء والاعجاب، ومن البركة والنبوة المجيدة. وقد اقنع كل ذلك بالاق بأن جميع المحاولات لاغراء بلعام بالاذعان لرغباته، ستبوء بالفشل، فافترق الاثنان.
ولا نقرأ بعد ذلك شيئاً آخر عن بلعام حتى نصل إلى الأصحاح الحادي والثلاثين من سفر العدد ( 31 : 8 ) حيث نقرأ عن مقتله بالسيف بيد الإِسرائليين. ونعلم من سفر العدد ( 31 : 16 ) عن مشورته الشريرة التي جلبت العار والبلية على صفوف الشعب المختار.
ب- معضلات : هناك عدد من المعضلات في هذه القصة الرائعة وسنحاول معالجة أكثرها أهمية :
1- هل كان بلعام نبياً للرب ؟ وللاجابة على هذا السؤال يجب أن نرجع إلى سفر العدد (الأصحاحات من 22 ــ 24 ) حيث لا يذكر مطلقاً أنه كان نبياً للرب، بل يقدم لنا كابن بعورفي السموات ( عب 12 : 23 ).( عدد 22 : 56 ) ولابد انه كان على اتصال من نوع ما بالله ( عد 22 : 9و 20 و22 ــ 35، 23 : 4و 16 ). كما يجب ان نلاحظ كيف كان بلعام ينطق بأمثلته، فنقرأ أولاً : فوضع الرب كلاماً في فم بلعام ( عد 23 : 5و16 ) ويبدو الأمر هنا وكانه عمليه ميكانيكية، ولكننا لا نجد مثل هذا القول في الأصحاح الرابع والعشرين حيث يسترعى انتباهنا تلك العبارات العميقة : فلما رأى بلعام أنه يحسن في عينى الرب أن يبارك إسرائيل، لم ينطلق كالمرة الأولى والثانية ليوافي فألاً.. ( عد 24 : 1)ثم فكان عليه روح الله (عد 24 : 52 )، وكل هذا رائع ومفيد جداً وبخاصة بالجمع بينه وبين العددين الثالث والرابع : وحى الرجل المفتوح العينين، وحى الذي يسمع أقوال الله، الذي يرى رؤيا القدير.. .
والاستدلال الواضح هو أن بلعام كان يعرف إله إسرائيل، ولكن معرفته اظلمت وتشوهت بمفاهيم وثنية. لقد عرف الله بما يكفي لخشيته، لكنه كان يأمل ــ زمناً طويلاً ــ أن يستمليه لهدفه الشخصي الأناني ( 23 : 4 ). توقع أن يؤثر في موقف الله بذبائحه السمينة. وفي ضوء هذا المفهوم نستطيع أن ندرك أهمية ما جاء في العدد الأول من الأصحاح الرابع والعشرين من سفر العدد، فبعد محاولات غير مجدية ليتملق الله ويستميله إلى موقف يتفق وأغراضه الدفينة،أصبح ــ رغماً عنه ولفترة محدودة ـــ نبياً للرب خاضعاً لسيطرة روح الله الذي سما به إلى الأجواء العليا، وهنا لاحت الفرصة للجانب الأفضل فيه، لتنتصر على قوى الوثنية المظلمة. ولكن هل احسن انتهاز هذه الفرصة ؟ للأسف : كلا ! ( عدد 31 : 8، 16 ).
2- هل بلعام المذكور فى الأصحاحات من 22 ــ 24 من سفر العدد هو نفسه المذكور في الأصحاح الحادي والثلاثين من نفس السعر ؟
ينكر بعض العلماء ذلك،أو ــ على الأصح ــ يرون أن هناك روايتين عن بلعام : الأولي في الأصحاحات من 22 ــ 24 وهي التي تتفق مع شخصيته، والثانية في الأصحاح الحادى والثلاثين، وهي على النقيض من ذلك. ويقولون إنه لكى تتفق الروايتان يجب تعديل أو استبعاد ما جاء في سفر العدد ( 24 : 25 ) : ثم قام بلعام وانطلق ورجع إلى مكانه. وبالاق أيضاً ذهب في طريقه .
ونحن نؤمنأن ما جاءفي سفر العدد ( 31 : 16 ) إنما هو في الحقيقة توضيح لعودة بلعام المذكورة في العدد ( 24 : 25 ). لقد قتل بنو إسرائيل بلعام بالسيف ( 31 : 8 )، لماذا ؟ لابد أن ذلك حدث بسبب مشورته المذكورة في العدد ( 31 : 16 ). ويقيناً كان ما جاء في ( 24 : 25 ) في ذهن الكاتب وهو يكتب العدد الأول من الأصحاح الخامس والعشرين : .. وابتدأ الشعب يزنون مع بنات موآب ، وهكذا يربط بشدة بين ما كتبه عن عودة بلعام إلى مكانه، وما جاء فى الأصحاح الخامس والعشرين. وعليه فأننا نؤمن بأن العدد ( 31 : 8و16 ) إنما هو التكملة للإصحاحات 22 ــ 24.
3-ويثير البعض سؤالاً أخر عما إذا كانت الرواية في سفر العدد ( 22 ــ 24 ) نتيجة للجمع بن تقاليد مختلفة ؟
وبوجه عام يمكننا أن نقول أنه من المحتمل أن الكاتب قد استقى من مرجعين مختلفين، لكننا نؤكد أنهما كانا مكملين أحدهما للآخر وليسا متناقضين.
4- وماذا عن نطق الاتان، والنبوات العجيبة التي نطق بها بلعام ؟ يمكننا ان نعرض التفسير الآتي : أن الله أعطى بلعام القدرة على فهم أصوات الحيوان غير المفهومة وذلك بتأثيره في نفس بلعام، والله يعمل في النفس، وعن طريقها يعمل في فكر وقلوب الناس. وهذه الحقيقة تنطبق أيضا على أقوال بلعام النبوية العجيبة، وتسمى هذه الأقوال مشاليم (أمثلة ) أي أقوال نبي عراف.
وفي أول هذه الأمثلة ( العدد 23 : 7 ــ 10 ) يدل باختصار بأسباب اعلانه البركة. وفي المرة الثانية ( 23 : 18 ــ 24 ) يؤكد مرة أخرى حقيقةأنه لايمكنه إلا أن يبارك بني إسرائيل، ويواصل النطق بالبركة في شيء من الاطناب. وفي المرة الثالثة ( 24 : 3 ــ 9 ) يصف حالة الشعب المجيدة، ونموه وقوته التي لاتقاوم. وفي الأمثلة الأربعة الأخيرة ( 24 : 15 ــ 24 ) يكشف جزئياً عن مستقبل إسرائيل وبعض الشعوب الاخرى التي ستباد جميعها. ومصير اسرائيل مذكور ضمناً في الإِشارة إلى عابر. وأخيراً يعود بلعام إلى عالمه الخاص يلعَن آخرين ويتنبأ لهم بكوراث رهيبة.
جـ - شخصية بلعام : وكل ما سبق يمكن أن يمدنا بالمفتاح لمعرفة شخصية بلعام.إنها شخصية معقدة حقاً، فهو عراِّف كان بوسعه أن يصبح نبياً للرب، لكنه أحب أجرة الإِثم. وفي لحظة رائعة في حياته، ِّسلم نفسه لروح الله القدوس، لقد كان مكبلاً بالخرافات والطمع بل وبالشر، لكنه استطاع القيام بخدمة من أعظم الخدمات لملكوت الله.
هذه هي شخصية بلعام، الشخصية البارزة في العهد القديم، وقد كان ــ إلى حد ما ــ صورة سابقة ليهوذا الاسخريوطي في العهد الجديد.
د- بلعام كمثال : في رسالة بطرس الرسول الثانية ( 2 : 15 ) يشار إلى بلعام كمثال لإيضاح التأثير الضار للمعلمين المسيحيين المرائين، كما اننا قد نجد تلميحاً إلى بلعام في العددين السابقين لهذا العدد ( 13، 14 ) بسبب مشورته الشريرة، وهو ما نجده بوضوح فى سفر الرؤيا ( 2 : 14 ) وبلعام هنا ــ ولا شك ــ مثال للمعلمين الذين يحاولون أن يقوموا بخدمة الله بالتحالف مع الأشرار وأهل العالم، وبالتالي يجعلون حياة الكنيسة مماثلة لأهل العالم.